البَابُ الأوَّلُ أخْبَارُ المُحَدِّثِيْنَ
عدد مرات القراءة: 820632

البَابُ الأوَّلُ

أخْبَارُ المُحَدِّثِيْنَ

هَذَا بَابٌ أصِيْلٌ، وعِلْقٌ نَفِيْسٌ اجْتَثَثْتُ جُذُوْرَهُ مِنْ أطْرَافِ الذَّاكِرَةِ، وأخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ جَهَابِذَةِ السُّنَّةِ والأثَرِ، كَمَا جَاءَتْ عَنْهُم مَسْطُوْرَةً في صَفَحَاتِ سَيَرِهِم، وأخْبَارِ حَيَاتِهِم.

فَعِنْدَئِذٍ؛ جَاءَ هَذَا البَابُ تَسْلِيَةً لطُلَّابِ العِلْمِ، وتَذْكِرَةً لهُم في مَعْرِفَةِ تَارِيْخِ السُّنَّةِ عِنْدَ القَاصِدِيْنَ لحِفْظِهَا، والرَّاغِبِيْنَ في مَعْرِفَةِ أحْوَالِ رِجَالهَا... مُنْذُ نُشُوْئِهَا عِنْدَ حُفَّاظِها مِنَ المُحَدِّثِيْنَ مَعَ تَمَدُّدِ أذَيَالهَا إلى تَارِيْخِ أهْلِ زَمَانِنَا مِنَ المُشْتَغِلِيْنَ بالسُّنَّةِ والأثَرِ.

غَيْرَ أنَّنِي هُنَا؛ لم أشَأ بَسْطَ ذِكْرِ هَذَا البَابِ بالأدِلَّةِ والشَّوَاهِدِ، أو تَمْدِيْدَ بِسَاطِهِ بالأمْثِلَةِ والقَوَاعِدِ، ومَا ذَا إلَّا أنَّ تَارِيْخَ مَرَاحِلِ الحَدِيْثِ ومَعْرِفَةِ أهْلِهِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ قَدْ دُوِّنَتْ في غُرَرِ صَفَحَاتِ التَّارِيْخِ وكُتُبِ طَبَقَاتِ المُحَدِّثِيْنَ، في غَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أتَتْ على أخْبَارِ ومَعَارِفِ الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، لِذَا فَإنَّي مَا أرَدْتُ هُنَا إلَّا التَّذْكِيْرَ والتَّنْبِيْهَ عَنْ حَرْفِ أخْبَارِ وأحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ، لَيْسَ إلَّا!

فَعِنْدَئِذٍ؛ جَاءَ هَذَا البَابُ مُجَرَّدًا عَنِ البَسْطِ والتَّطْوِيْلِ، غَيْرَ أنَّهُ كَاشِفٌ عَنْ بَعْضِ أحْوَالِ أهْلِ الحَدِيْثِ على وَجْهِ الاخْتِصَارِ والاعْتِبَارِ، وقَدْ قِيْلَ: يَكْفِي مِنَ القِلادَةِ مَا أحَاطَ بالعُنُقِ، وبالله التَّوْفِيْقُ.

* * *

فَهَاكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ بَعْضَ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ خِلالِ كُتُبِهِم وسِيَرِ أخْبَارِهِم، كَي يَسْتَبِيْنَ لكُلِّ طَالِبٍ للسُّنَّةِ ورَاغِبٍ لحِفْظِهَا: مَوَاقِعَ الخَلَلِ ومَوَاطِنَ العِلَلِ الَّتِي أصَابَتْ بَعْضَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ ممَّنْ مَضَتْ أخْبَارُهُم، ومُرُوْرًا بأهْلِ زَمَانِنَا ممَّنْ ظَهَرَتْ أسْماؤُهُم؛ حَيْثُ تَمَهَّدَتْ أخْبَارُهُم إلى خَمْسِ أحْوَالٍ، وتَحْتَ كُلِّ حَالَةٍ طَبَقَتَانِ.

لِذَا؛ فَإنَّ جَرَّ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ في هَذِهِ العُجَالَةِ لم يَكُنْ إلَّا تَمْيِيْزًا لصِدْقِ المُحَدِّثِ مِنْ تَعْرِيْضِ دَعْوَاهُ، لِذَا فَإنَّ الوُقُوْفَ مَعَ ذِكرِ أحْوَالهِم سَوْفَ يَفْتَحُ لَنَا بَابًا إلى مَعْرِفَةِ تَمْيِيْزِ المُحَدِّثِيْنَ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلَيْهِم، بَلْ سَوْفَ تَتَكَشَّفُ حَقَائِقُ مَا كَانَ لهَا أنْ تَظْهَرَ إلَّا بِشَيءٍ مِنْ مُذَاكَرَةِ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ وأحْوَالهِم قَدِيْمًا وحَدِيْثًا.

فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ؛ أنْ يَعْرِفَ كُلُّ طَالِبٍ للعِلْمِ حَقِيْقَةَ انْتِسَابِهِ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، وذَلِكَ مُكَاشَفَةِ بَعْضِ الدَّعَاوِي العَرِيْضَةِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ ممَّنِ انْتَسَبَ إلَيْهِم زُوْرًا وبُهْتَانًا، والله مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ.

* * *

وهُنَا مُقَدِّمَاتٌ مُهِمَّاتٌ؛ جَاءَ ذِكْرُهَا للتَّنْبِيْهِ والتَّذْكِيْرِ؛ فَكَانَ مِنْهَا خَمْسُ مُقَدِّمَاتٍ:

المُقَدِّمَةُ الأوْلى: أنَّ اسْمَ الحَافِظِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ لا يَصْدُقُ إلَّا على مَنْ حَفِظَ أكْثَرَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ مَتْنًا وسَنَدًا، مَعَ خِلافٍ عِنْدَهُم في تَحْدِيْدِ أعْدَادِ الأحَادِيْثِ الَّتِي يَنْبَغِي حِفْظُهَا، مَا بَيْنَ مُكْثِرٍ ومُقِلٍّ.

وهَمُ مَعَ هَذَا؛ لا يَرْضَوْنَ للحَافِظِ أنْ تَنْزِلَ مَرْتَبَةُ حِفْظِهِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، أيْ أنْ يَحْفَظَ في أقَلِّ أحْوَالِهِ الكُتُبَ السِّتَّةَ مَتْنًا وسَنَدًا (البُخَارِيُّ ومِسْلِمٌ والتِّرمِذِيُّ وأبو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وابنُ مَاجَه)، وأنْ يَكُوْنَ ضَابِطًا لمَا يَرْوِي عَالمًا بِما يَرْوِيْهِ، وهَذَا الحَدُّ للتَّقْرِيْبِ، وإلَّا فَالمَسْألَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ مَا بَيْنِ عَالٍ ونَازِلٍ، ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَلَيْسَ لمَنْ رَامَ اسْمَ الحَافِظِ أنْ تَنْزِلَ رُتْبَةُ حِفْظِهِ عَنْ أُصُوْلِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، سَوَاءٌ بالمُكَرَّرِ أو بالاقْتِصَارِ على المُجَرَّدِ، أي دُوْنَ تِكْرَارٍ!

فَحِيْنَئِذٍ؛ يُسَلَّمُ للطَّالِبِ: اسْمُ الحَافِظِ؛ وإلَّا دُوْنَ مَا يُرِيْدُ خَرْطُ القَتَادِ!

المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الأصْلَ في عِلْمِ الحَدِيْثِ: الفَهْمُ لا الحِفْظُ، وهَذَا مَا عَلَيْهِ أئِمَّةُ الدِّيْنِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ.

وقَدْ قِيْلَ: حِفْظُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ سَمَاعِ وِقْرَيْنِ، وفَهْمُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِ وِقْرَيْنِ!

وعلى هَذَا يَظْهَرُ المَقْصَدُ الشَّرعِيُّ هُنَا: وهُوَ أنَّ العِلْمَ والعَمَلَ قَرِيْنَانِ لا يَنْفَكَّانِ، وعلى هَذَا يُحْمَلُ جَمِيْعُ مَا وَرَدَ مِنْ مَعَاني العِلْمِ والقِرَاءَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ.

لِذَا كَانَ مِنْ خَطِيْئَةِ بَعْضِ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ اقْتِصَارُهُم على الحِفْظِ دُوْنَ اعْتِبَارِ الفَهْمِ أو العَمَلِ بِمَا يَحْفَظُوْنَ، كَمَا سَيَأتي بَيَانُهُ.

المُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الحَافِظَ لَيْسَ بالضَّرُوْرِي أنْ يَكُوْنَ عَالمًا بِمَا يَحْفَظُهُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا ووَعَاهَا، وبَلَّغَهَا مَنْ لم يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ...» أخْرَجَهُ أحمَدُ وابنُ مَاجَه وغَيْرُهُمَا.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ...» أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وابنُ حِبَّانَ وغَيْرُهُم.

ولكِنَّهُ مَعَ هَذَا؛ كَانَ عَلَيْهِ أنْ يَكُوْنَ على قَدْرٍ مِنَ الفِقْهِ والوَعِي الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ ظَاهِرُ الحَدِيْثِ كَيْ يَكُوْنَ عَامِلًا بِمَا يَعْلَمُ، وإلَّا كَانَ مِنَ الَّذِيْنَ ذَمَّهُمُ الله تَعَالى ورَسُوْلُهُ صلى الله عليه وسلم، وحَذَّرَ مِنْهُمُ أئِمَّةُ الإسْلامِ مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ.

ثُمَّ إنَّنَا إذَا نَظَرْنَا إلى مَجْمُوْعِ الأحَادِيْثِ الَّتِي جَاءَتْ في هَذَا المَعْنَى نَجِدُ فِيْهَا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَنْفِ فِيْهَا مُطْلَقَ الفِقْهِ والفَهْمِ عَنِ السَّامِعِ والمُبَلِّغِ للحَدِيْثِ، بَلْ نَفَى صلى الله عليه وسلم عَنْهُ رُتْبَةَ الفُقَهَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بصِيْغَةِ أفْعَلَ التَّفْضِيْلِ.

أي: أنَّهُ رُبَّما بَلَّغَ مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ، لا أنَّهُ رَبِيْبُ الجَهْلِ عَدِيْمُ الفَهْمِ لمَعَاني ظَاهِرِ الحَدِيْثِ، كَأنَّهُ حَامِلُ زَوَامِلَ!

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ عَنْ هَذَا السَّامِعِ والمُبَلِّغِ: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا ووَعَاهَا»، ثُمَّ وَصَفَ حَالَ المُبَلَّغِ بقَوْلِهِ: «إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ»، ففَرْقٌ بَيْنَ فَقِيْهٍ وأفْقَهَ، فَالأوَّلُ عِنْدَهُ قَدْرٌ مُجْمَلٌ مِنَ الفَهْمِ والإدْرَاكِ لمَا يَحْمِلُهُ مِنْ حَدِيْثٍ، والثَّاني عِنْدَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ مِنَ الفِقْهِ عَنِ الأوَّلِ، أيْ عِنْدَهُ فَهْمٌ مُفَصَّلٌ للحَدِيْثِ، والله تَعَالى أعْلَمُ.

وبهَذَا تَجْتَمِعُ الأدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ الَّتِي جَاءَتْ في مَدْحِ رُوَاةِ الأحَادِيْثِ وحَامِلِيْهَا إلى مَنْ هُمْ أفْقَهَ مِنْهُم، وبَيْنَ مَنْ يَحْمِلُ الحَدِيْثَ والعِلْمَ دُوْنَ فَهْمٍ لَهُ، ولا عَمَلٍ بِهِ!

وفي هَذَا أيْضًا رَدٌّ على بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا ممَّنْ ذَهَبَ يُشَرِّقُ ويُغَرِّبُ بفَضْلِ مُبَلِّغِ الحَدِيْثِ، ولَوْ كَانَ أجْهَلَ مِنْ حِمَارِ أهْلِهِ فِيْمَا يَرْوِيْهِ ويُبَلِّغُهُ!

لِذَا؛ لا يَجُوْزُ للمُحَدِّثِ أنْ يَقْتَصِرَ على الرِّوَايَةِ دُوْنَ فِقْهٍ مُجْمَلٍ فِيْمَا يَرْوِيْهِ، فَضْلًا أنْ يَكُوْنَ مُكْثِرًا مِنْ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، ورَحَّالًا للبَحْثِ عَنْ عُلُوِّ الأسَانِيْدِ، ومُلاقَاةِ الثِّقَاتِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ الكِبَارِ دُوْنَ قَدْرٍ مِنَ الفَهْمِ والفِقْهِ لظَاهِرِ الأحَادِيْثِ الَّتِي يَرْوِيْهَا، نَاهِيْكَ أنَّ يَكُوْنَ مُخَالِفًا بعَمَلِه لمَا يَرْوِيْهِ، عِيَاذًا بالله!

كما قَالَ الله تَعَالى: ﴿مَثُلَ الَّذِيْنَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَ لم يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِيْنَ كَذَّبوا بآيَاتِنَا والله لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمِيْنَ﴾ [الجمعة:5]، وقَالَ الله تَعَالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِيْن آمَنُوا لمَا تَقُوْلُونَ مَا لا تَفْعَلونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:2-3].

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ العِلْمَ ليُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، ويُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، ويَصْرِفَ بِهِ وُجُوْهَ النَّاسِ؛ أدْخَلَهُ الله جَهَنَّمَ» أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه وغَيْرُهُ.

المُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ، كَمَا يَلي باخْتِصَارٍ:

عِلْمُ الرِّوَايَةِ: هُوَ عِلْمٌ يَشْتَمِلُ على أقْوَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأفْعَالِهِ، وتَقْرِيْرَاتِهِ، وصِفَاتِهِ، ورِوَايَتِهَا، وضَبْطِهَا، وتَحْرِيْرِ ألْفَاظِهَا، واسْتَنْبَاطِ فَوَائِدِهَا وأحْكَامِهَا.

فَهُوَ يَتَنَاوَلُ ضَبْطَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ضَبْطًا دَقِيْقًا، وذَلِكَ مِنْ حَيْثُ صَوْنِ الحَدِيْثِ مِنَ الخَطَأ والخَلَلِ عِنْدَ النَّقْلِ والرِّوَايَةِ.

وتَقْرِيْبُهُ؛ أنْ يَكُوْنَ الرَّاوِي عَالمًا بحَالِ الرَّاوِي والمَرْوِي، وفَقِيْهًا بِمَا يَرْوِي ولَوْ بِقَدْرٍ تَبْرأ بهِ الذِّمَّةُ ويَسْقُطُ بِهِ الطَّلَبُ، لا أنْ يَكُوْنَ خُلْوًا مِنَ الفَهْمِ والفِقْهِ لمَا يَرْوِيْهِ، فَهَذَا مَذْمُوْمٌ شَرْعًا، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا.

وعِلْمُ الدِّرَايَةِ: هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ القَوَاعِدَ المُتَعَلِّقَةَ بأحْوَالِ السَّنَدِ والمَتْنِ، وهُوَ مَا يُسَمَّى بمُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ وعُلُوْمِهِ، ومِنْ خِلالِهِ يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ مَقْبُوْلِ الرِّوَايَةِ مِنْ مَرْدُوْدِهَا، ومِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُم: إنَّ بَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ خُصُوْصٌ وعُمُوْمٌ، وأيًّا كَانَ الأمْرُ فَهُما عِلْمَانِ مُتَلازِمَانِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ في الجُمْلَةِ.

غَيْرَ أنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ قَدْ عَابُوا كُلَّ مَنِ اقْتَصَرَ على عِلْمِ الدِّرَايَةِ (مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ)، مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْعَوا إلى حِفْظِ السُّنَّةِ، ويَشْتَغِلُوا باسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا، ويَنْظُرُوا إلى فِقْهِهَا!

المُقَدِّمَةُ الخَامِسَةُ: هُنَاكَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ قَوْلِنَا: عَصْرُ المُحَدِّثِيْنَ، وبَيْنَ أحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ.

فعُصُوْرُ المُحَدِّثِيْنَ: يُرَادُ بِهَا غَالِبًا ذِكْرُ تَارِيْخِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وتَمْيِيْزُ عُصُوْرِهِم ومَرَاحِلِهِم العِلْمِيَّةِ على التَّرْتِيْبِ الزَّمَنِي، ابْتِدَاءً بعَصْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم إلى عَصْرِنَا، فَهِيَ في الحَقِيْقَةِ رَصْدٌ تَارِيخِيٌّ أكْثَرَ مِنْهَا تَمْيِزًا للحَالاتِ الَّتِي مَرَّ بِهَا أهْلُ الحَدِيْثِ.

وهَذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ: بعَصْرِ الرِّوَايَةِ والنُّشُوْءِ، ثُمَّ عَصْرِ التَّدْوِيْنِ، ثُمَّ عَصْرِ التَّألِيْفِ والاكْتِمَالِ، ثُمَّ عَصْرِ الرُّكُوْدِ والتَّقْلِيْدِ، ثُمَّ عَصْرِ اليَقْظَةِ والظُّهُوْرِ، ثُمَّ عَصْرِ إحْيَاءِ المَخْطُوْطَاتِ وتَحْقِيْقِهَا، وهَكَذَا.

أمَّا أحْوَالُ المُحَدِّثِيْنَ: فالمُرَادُ مِنْهَا هُنَا ذِكْرُ الظُّرُوْفِ والحَالاتِ الَّتِي تَعْتَرِي أهْلَ الحَدِيْثِ مِنْ حَيْثُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ، والصِّدْقِ في الانْتِسَابِ إلى الحَدِيْثِ مِنَ الادِّعَاءِ الكَاذِبِ... فَهَذِهِ الأحْوَالُ الَّتِي ذَكَرْتُ لا تَخْلُو مِنْ عَصْرٍ مِنْ عُصُوْرِ الرِّوَايَةِ، ولا يَخْلُو مِنْهَا أهْلُ الحَدِيْثِ؛ ومَا ذَاكَ إلَّا لكَوْنِهَا أعْرَاضًا وحَالاتٍ تَمُرُّ ببَعْضِ أصْحَابِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا.

لِذَا؛ لم يَكُنْ أصْحَابُ هَذِهِ الحَالاتِ على حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ قَدْ يَكْثُرُوْنَ في زَمَنٍ ويَقِلُّوْنَ في آخَرَ، كَمَا سَيَأتي.

* * *

وأخِيْرًا؛ فَإلى الشُّرُوْعِ في ذِكْرِ أحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا على وَجْهِ الاخْتِصَارِ والاعْتِبَارِ، ومَنْ أرَادَهَا مُفَصَّلَةً فلْيَنْظُرْهَا إنْ شَاءَ الله تَعَالى في كِتَابِ: "أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ"، أسْألُ الله تَعَالى أنْ يُعِيْنَنِي على تَحْرِيْرِهِ وإخْرَاجِهِ آمِيْنَ!

الحَالَةُ الأوْلى: عَصْرُ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ.

فَهَؤلاءِ: هُمْ أهْلُ السَّلامَةِ والاسْتِقَامَةِ، وأهْلُ العَدَالَةِ والأمَانَةِ، ممَّنْ ذَاعَ ذِكْرُهُم في الخَافِقَيْنِ، وظَهَرَ عِلْمُهُم في المَشْرِقَيْنِ؛ حَيْثُ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ في حِفْظِ السُّنَّةِ،، وفَازُوا بالقِدْحِ المُعَلَّى في الفِقْهِ والعِلْمِ، فَكَانُوا أعْلَمَ النَّاسِ بالحَلالِ والحَرَامِ.

وأمَّا بَسْطُ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ في ذِكْرِ فَضْلِ أصْحَابِ هَذِهِ الحَالَةِ فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا، لا يَسَعُهَا هَذَا البَابُ المُخْتَصَرُ.

لِذَا؛ كَانُوا على السَّدَادِ والاعْتِدَالِ فِيْمَا يَرْوُونَ ويُحَدِّثُوْنَ، وفِيْمَا يَقُوْلُوْنَ ويَفْعَلُوْنَ؛ حَيْثُ جَمَعُوا بَيْنَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ ودِرَايَتِهِ: فِقْهًا وعِلْمًا، قَوْلًا وعِلْمًا... وعَلَيْهِ لم يُغَلِّبُوا جَانِبًا على آخَرَ، ولم يَسْتَأثِرُوا برِوَايَةٍ على دِرَايَةٍ، ولم يُقَدِّمُوا حِفْظًا على فَهْمٍ... وهُمْ مَعَ هَذَا مَا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ ومُسْتَكْثِرٍ، لِذَا كَانُوا طَبَقَتَيْنِ:

الطَّبَقَةُ الأوْلى: المُكْثِرُوْنَ في الرِّوَايَةِ والحِفْظِ، فَهَؤلاءِ هُم حُفَّاظُ الحَدِيْثِ ومُسْنِدُوْهُ، مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، وعَلَيْهِم مَدَارُ الحَدِيْثِ، وإلَيْهِم تَرْجَعُ الأسَانِيْدُ وطُرُقُهَا، ومِنْهُم يُتَلَقَّى فِقْهُ الدِّيْنِ وحِفْظُ سُنَّةِ سَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ، ابْتِدَاءً بالخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ، وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ وابنِ عَمْرٍو وابنِ مَسْعُوْدٍ وأبي مُوَسَى وأنَسٍ وعَائِشَةَ في غَيْرِهِم مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم، ومُرُوْرًا بكِبَارِ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ مِنَ التَّابِعِيْنَ وتَابِعِيْهِم بإحْسَانٍ، مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ في الدِّيْنِ، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنْ حُفَّاظِ السُّنَّةِ والأثَرِ مِنْ بَقَايَا أهْلِ العُصُوْرِ المُتَأخِّرَةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ ممَّنْ جَمَعُوا بَيْنَ العِلْمِ والعَمَلِ، وبَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ.

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: المُقِلُّوْنَ في الرِّوَايَةِ والحِفْظِ، ابْتِدَاءً ببَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم، وانْتِهَاءً بمَنْ تَبِعَهُم إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، فَهَؤلاءِ هُمْ أيْضًا على سَنَنِ ومَنْهَجِ إخْوَانِهِم السَّابِقِيْنَ مِنْ أهْلِ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ.

وأنَا هُنَا لا أُرِيْدُ التَّوَسُّعَ جَرْيًا في ذِكْرِ أخْبَارِ أصْحَابِ الطَّبَقَتَيْنِ، أو الوُقُوْفَ على شَيءٍ مِنْ أخْبَارِ حِفْظِهِم وقُوَّةِ فَهْمَهِم، فَمَنْ أرَادَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فلْيَنْظُرْهُم في كِتَابِ "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ" للذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ الله، وغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ رِجَالِ الحَدِيْثِ.

وهَكَذَا مَضَى أهْلُ القُرُوْنِ الثَّلاثَةِ المُفَضَّلَةِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ على السَّدَادِ والاعْتِدَالِ في حِفْظِ السُّنَّةِ وفِقْهِهَا؛ حَتَّى جَاءَ بَعْدَهُم مَنْ لَيْسَ على جَادَّتِهِم في عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، وهَكَذَا في تَرَاجُعٍ ظَاهِرٍ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ؛ حَتَّى مَرَّتْ على الأُمَّةِ عُصُوْرٌ لَيْسَ فِيْهَا مِنَ المُعْتَنِيْنَ بالحَدِيْثِ والسُّنَّةِ إلَّا قَلائِلُ مِنْ بَقَايَا أهْلِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما في العُصُوْرِ المُتَأخِّرَةِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي.

* * *

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: عَصْرُ المُغَالَبَةِ والمُجَانَبَةِ؛ حَيْثُ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بالحَدِيْثِ والسُّنَّةِ، إلَّا أنَّهُم كَانُوا للأسَفِ مَا بَيْنَ مُغَالَبَةٍ ومُجَانَبَةٍ في رِوَايَةِ الحَدِيْثِ وفِقْهِهِ، فعنْدَئِذٍ غَدَوْا على حَرْدٍ قَادِرِيْنَ، فكَانَ مِنْهُم مَنْ غَلَّبَ رِوَايَةَ الحَدِيْثِ وجَانَبَ الفِقْهَ في الجُمْلَةِ، ومِنْهُم مَنْ غَلَّبَ الفِقْهَ وجَانَبَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ في الجُمْلَةِ، فَكَانُوا والحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ طَبَقَتَيْنِ:

الطَّبَقَةُ الأوْلى: أهْلُ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، ممَّنْ غَلَّبَ جَانِبَ الرِّوَايَةِ على الفِقْهِ، وهُمْ طَائِفَةٌ مُنْتَسِبَةٌ إلى أهْلِ الحَدِيْثِ، مَعَ غَفْلَةٍ لَدَيْهِم عَنْ فِقْهِ الحَدِيْثِ حُكْمًا واسْتِنْبَاطًا؛ بحَيْثُ اشْتَغَلُوا بحِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِ طُرُقِهَا، والتَّوَسُّعِ في رِوَايَتِهَا وسَمَاعِهَا.

لأجْلِ هَذَا سَعَوْا جَاهِدِيْنَ في طَلَبِ الرِّحْلَةِ والتِّرْحَالِ بَيْنَ الفَيَافي والبُلْدَانِ طَلَبًا لحِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِ طُرُقِهَا؛ حَتَّى غَالى بَعْضُهُم وتَوَسَّعَ في البَحْثِ عَنْ عُلُوِّ الأسَانِيْدِ ومُكَاثَرَتِهَا، واللُّقِيِّ بحُفَّاظِ الأحَادِيْثِ ورُوَاتِهَا؛ حَتَّى جَابُوا مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَثِيْرًا مِنَ الأمْصَارِ، فَعِنْدَهَا أقَامُوا مَجَالِسَ الرِّوَايَةِ والسَّمَاعِ والعَرْضِ والتَّحْدِيْثِ... فَكَانَ غَالِبُ عِلْمِهِم في حِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِهَا مَعَ قِلَّةٍ في فِقْهِهَا واسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا، فَكَانُوا لا يُمَيِّزُوْنَ بَيْنَ صَحِيْحِ الحَدِيْثِ وضَعِيْفِهِ، ولا بَيْنَ مَحْفُوْظِهِ وشَاذِّهِ، ولا بَيْنَ مَقْبُوْلِهِ ومَعْلُوْلِهِ... فَهُمْ كَحَاطِبِ لَيْلٍ، لَيْسَ لَهُم مِنَ الحَدِيْثِ إلَّا التَّقْمِيْشُ والتَّجْمِيْعُ، لا التَّفْتِيْشُ والتَّمْيِيْزُ!

كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم للأسَفِ: ليَسْلَمَ لهُم بَابُ التَّكَاثُرِ في حِفْظِ الأحَادِيْثِ والمُكَاثَرَةِ في جَمْعِهَا، وكَيْ تَحْلُوْا لهُم أيْضًا مَجَالِسُ التَّنَافُسِ والمُنَاظَرَةِ في تَحْصِيْلِ الأحَادِيْثِ وعُلُوِّ أسَانِيْدِهَا.

ومِنْ هُنَا؛ جَاءَتْ كَلِمَةُ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ مُحَذِّرَةً مِنْ مَسَالِكِ طَرَائِقِهِم، ومُبَيِّنَةً خَطَرَ مَنْهَجِهِم، وكَاشِفَةً خَطَأ مَوْقِفِهِم مِنَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ، فَعِنْدَئِذٍ صَاحُوْا بِهِم تَحْذِيْرًا وتَشْهِيْرًا، وبَيَّنُوا خَطَأهم ومَيَّزُوا أغْلاطَهُم، وسَيَأتي لأصْحَابِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ بَعْضُ التَّفْصِيْلِ إنْ شَاءَ الله.

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: أهْلُ الفِقْهِ، ممَّنْ غَلَّبَ جَانِبَ الفِقْهِ على رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، وهُمْ طَائِفَةٌ مُنْتَسِبَةٌ إلى أهْلِ الفِقْهِ؛ بحَيْثُ اشْتَغَلُوا بالفِقْهِ حُكْمًا واسْتِنْبَاطًا، قِيَاسًا وتَخْرِيْجًا، تَأوِيْلًا وتَعْلِيْلًا... مَعَ غَفْلَةٍ عِنْدَهُم عَنِ مَعْرِفَةِ الاسْتِدْلالِ بالأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والضَّعْفِ، كَمَا سَيَأتي بَيانُهُ.

لأجْلِ هَذَا سَعَوْا جَاهِدِيْنَ في حِفْظِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ والوُقُوْفِ مَعَ شُرُوْحِهَا وتَخْرِيْجِ فُرُوْعِهَا مَا بَيْنَ تَقْرِيْرٍ لهَا أو حَاشِيَةٍ عَلَيْهَا... وهَكَذَا سَارَتْ ببَعْضِهِم كُتُبُ الفِقْهِ وشُرُوْحُهَا بَعِيْدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الاسْتِدَلالِ بالأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ، لِذَا كَانَ أمْثَلُهُم طَرِيْقَةً في الاسْتِدْلالِ مَنْ كَانَ مِنْهُم يُقَلِّدُ مَنْ سَبَقَهُ في ذِكْرِ الأحْادِيْثِ والاسْتِشْهَادِ بِهَا عِنْدَ حُكْمِ المَسْألَةِ الفِقْهِيَّةِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُمَيِّزُ صَحِيْحَ الحَدِيْثِ مِنْ ضَعِيْفِهِ، بَلْ لَيْسَ لَهُ في الاسْتِدْلالِ إلَّا النَّقْلُ ممَّنْ سَبَقَهُ مِنْ فُقَهَاءِ مَذْهَبِهِ.

ومِنْ هُنَا؛ حَدَثَ عِنْدَهُم خَلَلٌ في مَنْهَجِ التَّلَقِّي في التَّعَامُلِ مَعَ الحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ، وعلى ذَلِكَ حَدَثَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ (أهْلِ الحَدِيْثِ وأهْلِ الفِقْهِ) مُنَازَعَاتٌ ومُخَاصَمَاتٌ، بَلْ وَصَلَ الأمْرُ ببَعْضِهِم أنَّهُ جَهَّلَ الآخَرَ وظَنَّ بِهِ، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنَ الرُّدُوْدِ والتَّنْدِيْدِ ببَعْضِهِم بَعْضًا؛ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي.

فعِنْدَهَا خَرَجَتْ بَعْضُ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ النَّاصِرَةِ للمَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ؛ حَيْثُ اجْتَهَدَ أصْحَابُهَا مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ في نُصْرَةِ مَذْهَبِهِم الفِقْهِيِّ بالأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيْحَةً أو ضَعِيْفَةً، أو كَانَتْ مَقْبُوْلَةً أو مَعْلُوْلَةً، بَلْ وَصَلَ الحَالُ ببَعْضِهِم أنَّهُ إذَا مَا اسْتَدَلَّ بحَدِيْثٍ ليَنْصُرَ بِهِ مَسْألَةً فِقْهِيَّةً في مَذْهَبِهِ، قَامَ يُشَرِّقُ ويُغَرِّبُ في تَصْحِيْحِ حَدِيْثِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، ولَوْ كَانَ ضَعِيْفًا مَعْلُوْلًا مُطَّرِحًا بالمَرَّةِ، وفي المُقَابِلِ تَرَاهُ لا يَسْتَأخِرُ جَاهِدًا في تَضْعِيْفِ حَدِيْثِ مُخَالِفِهِ في المَذْهَبِ بكُلِّ مَا يَمْلِكُ، ولَوْ كَانَ حَدِيْثُ مُخَالِفِهِ صَحِيْحًا، بَلْ كَانَ مِنَ الحِنْثِ العَظِيْمِ أنَّ بَعْضَهُم يَقُوْلُ عَنْ أدِلَّةِ وأحَادِيْثِ مُخَالِفِهِ في المَذْهَبِ: وهَذِهِ أدِلَّةُ الخَصْمِ، فالله المُسْتَعَانُ!

ولَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِ تِلْكُمُ الكُتُبِ الَّتِي جَنَحَ بِهَا أصْحَابُهَا إلى مُنَاصَرَةِ مَذْاهِبِهِم، والانْتِصَارِ لأقْوَالِ أصْحَابِهِم، وسَيَأتي ذِكْرُهَا وبَيَانُ مَنَاهِجِ أصْحَابِهَا في أصْلِ كِتَابِنَا إنْ شَاءَ الله تَعَالى.

فعِنْدَئِذٍ لمَّا تَفَاقَمَ الأمْرُ عِنْدَ أصْحَابِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنْ مَدِّ بِسَاطِ الخُصُوْمَةِ، وجَرِّ ذُيُوْلِ المُغَالَطَةِ، خَرَجَ عِنْدَهَا عُلَمَاءُ رَبَّانِيُّوْنَ قَدْ أخَذُوا بأزِمَّةِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ جنبًا بجَنْبٍ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي.

* * *

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: عَصْرُ التَّصْحِيْحِ والتَّوْضِيْحِ؛ حَيْثُ خَرَجَ أئِمَّةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ في التَّصْحِيْحِ والتَّوْفِيْقِ بَيْنَ أهْلِ الطَّائِفَتَيْنِ المُتَنَازِعَتَيْنِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ وأهْلِ الفِقْهِ، إلَّا أنَّ أصْحَابَ هَذِهِ المَرْحَلَةِ التَّصْحِيْحِيَّةِ لم يَكُوْنُوا على مَنْهَجٍ وَاحِدٍ ومَشْرَبٍ وَارِدٍ، بَلْ كَانُوا على طَبَقَتَيْنِ أيْضًا:

الطَّبَقَةُ الأوْلى: مِنْهُم مَنْ جَمَعَ ووَفَّقَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بطَرِيْقَةٍ مَرْضِيَّةٍ، ومَنْهَجِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ، وهِيَ الأخْذُ بالحَدِيْثِ والفِقْهِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، ولم يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما لا مِنْ قَرِيْبٍ ولا مِنْ بَعِيْدٍ، بَلْ كَانُوا لا يَذْكُرُوْنَ حُكْمًا شَرْعِيًّا إلَّا وذَكَرُوا حَدِيْثَهُ مَعَ بَيَانِ صِحَّتِهِ أو ضَعْفِهِ، فَكَانَ لهُم عِنَايَةٌ بالأحَادِيْثِ مِنْ حَيْثُ التَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، ومِنْ حَيْثُ القَبُوْلِ والرَّدِّ، لِذَا كَانُوا على مَنْهَجِ وطَرِيْقَةِ السَّلَفِ الصَّالحِ مِنْ أصْحَابِ المَرْحَلَةِ الأوْلى حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ.

ومِنْ هَؤلاءِ الأئِمَّةِ الَّذِيْنَ جَمَعُوا ووُفِّقُوا بَيْنَ الحَدِيْثِ والفِقْهِ: أبُو سُلَيْمَانَ الخَطَّابي (388)، والبَيْهَقِيُّ (458)، وابنُ عَبْدِ البَرِّ (463)، والخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (463)، وأبو بَكْرٍ ابنُ العَرَبيِّ (543)، والنَّوَوِيُّ (676)، وابنُ قُدَامَةَ الحَنْبَليُّ (620)، وابنُ تَيْمِيَّةَ (728)، وابنُ القَيِّمِ (751)، والذَّهَبيُّ (748)، والشَّاطِبيُّ (790)، وابنُ حَجَرٍ (852)، وغَيْرَهُم كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ، لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِهِم.

فَعِنْدَئِذٍ؛ اتَّصَفَ أصْحَابُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ بسِمَاتٍ مَيَّزَتْهُم عَنْ غَيْرِهِم، فمِنْهَا أمْرَانِ:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّهُم لا يَسْتَدِلُّونَ بالحَديْثِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ صَحِيْحِهِ مِنْ ضَعِيْفِهِ، ومَقْبُوْلِهِ مِنْ مَعْلُوْلِهِ، ونَاسِخِهِ مِنْ مَنْسُوْخِهِ، وهَكَذَا.

الأمْرُ الثَّاني: أنَّهُم على مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ في طَرِيْقَةِ وفَهْمِ وفِقْهِ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانُوا لا يَتَجَاوَزُوْنَ فَهْمَ السَّلَفِ للنُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ في الاسْتِنْبَاطِ أو الاسْتِدْلالِ، حُكْمًا وتَأوِيْلًا، فِقْهًا وتَوْجِيْهًا... إلَّا مَا دَعَتْ إلَيْهِ الحَاجَةُ أو الضَّرُوْرَةُ كحُكْمِهِم على النَّوَازِلِ الحَادِثَةِ، وكقِيَاسِهِم الصَّحِيْحِ على أحْكَامِ مَنْ سَبَقَهُم، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنَ الفِقْهِ السَّلَفِيِّ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ.

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْهُم مَنْ حَاوَلَ الجَمْعَ والتَّوْفِيْقَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ (أهْلِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ)، وهِيَ الأخْذُ بالحَدِيْثِ والفِقْهِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، مَثَلُهُم مَثَلُ مَنْ سَبَقَهُم مِنْ أهْلِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، إلَّا أنَّهُم مَعَ هَذَا لم يَسْلُكُوا طَرِيْقَتَهُم المَرْضِيَّةَ في الجَمْعِ والتَّوْفِيْقِ، ولم يَأخُذُوا بمَنْهَجِهِم في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا في الجُمْلَةِ، يُوَضِّحُهُ أمْرَانِ:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّهُم لم يَأخُذُوا بمَنْهَجِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ؛ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، بَلْ كَانَ لهُم بَعْضُ القَوَاعِدِ في التَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، ولهُم أيْضًا نَهْجٌ مُغَايِرٌ في الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، ولهُم بَعْضُ الضَّوَابِطِ والتَّصَوُّرَاتِ في مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الرَّدِّ والقَبُوْلِ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا، فَهَذَا شَأنُهُم في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ، أمَّا حُكْمُهُم في الفِقْهِ، فَكَمَا يَأتي.

الأمْرُ الثَّاني: أنَّهُم في الفِقْهِ قَدْ خَالَفُوا كَثِيْرًا مِنْ مَنْهَجِ سَلَفِ هَذِهِ الأمَّةِ في طَرِيْقَةِ الاسْتِدْلالِ وطَرِيْقَةِ الاسْتِنْبَاطِ، وذَلِكَ عِنْدَمَا أنْكَرُوا القِيَاسَ بَعْدَ إنْكَارِهِم للعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، لهَذَا وَقَعُوا في بَعْضِ التَّنَاقُضَاتِ الفِقْهِيَّةِ، والمُغَالَطَاتِ الأصُوْلِيَّةِ، ممَّا أنْكَرَ عَلَيْهُم أهْلُ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا.

فَكَانَ على رَأسِ المُنْكِرِيْنَ للعِلَّةِ والقِيَاسِ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أصْحَابُ المَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّةِ: وعلى رَأسِهِم أبو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بنُ عليٍّ الأصْبَهَانيُّ الظَّاهِرِيُّ (270)، وأبو مُحَمَّدٍ ابنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ (456)، وغَيْرَهُم مِنْ أهْلِ الظَّاهِرِ المُعَاصِرِيْنَ.

وهَكَذَا لم يَسْلَمْ بَعْضُ أهْلِ عَصْرِنَا مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى أهْلِ الحَدِيْثِ وغَيْرِهِم مِنْ إفْرَازَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ ولَوْ بِشَيءٍ مِنَ الاسْتِدْلالِ في اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ والعَقَدِيَّةِ... وذَلِكَ عِنْدَ وُقُوْفِهِم إلى ظَاهِرِ الحَدِيْثِ صِحَّةً وضَعْفًا لا غَيْرَ، دُوْنَ النَّظَرِ إلى الأُصُوْلِ الفِقْهِيَّةِ، وطَرِيْقَةِ الاسْتِنْبَاطِ عِنْدَ الفُقُهَاءِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ.

ومَنْ أرَادَ جِلْيَةَ الأمْرِ فلْيَنْظُرْ إلى كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ (والكُتَيِّبَاتِ) الفِقْهِيَّةِ، وإلى تِلْكُمُ الدِّرَاسَاتِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي لم يَزَلْ يُخْرِجُهَا بَعْضُ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى: لِيَرَى بعَيْنِهِ مَسْحَةَ الظَّاهِرِيَّةِ على مُحَيَّاهَا، ولاسِيَّما في طَرِيْقَتِهِم في الاسْتِشْهَادِ بالدَّلائِلِ، وفي تَوْظِيْفِهَا عِنْدَ اسْتِنْبَاطِ المَسَائِلِ، والله المُسْتَعَانُ.

وقَدْ قَالَ الإمَامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ الله تعالى (241): "إيَّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيْهَا إمَامٌ"، أيْ: أنْ يَكُوْنَ لَكَ سَلَفٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ.

وقَالَ أيْضًا رَحِمَهُ الله: "يَنْبَغِي لمَنْ أفْتَى أنْ يَكُوْنَ عَالمًا بقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ، وإلَّا فَلا يُفْتِي" انْتَهَى.

* * *

الحَالَةُ الرَّابِعَةُ: عَصْرُ التَّعْرِيْفِ والتَّطْفِيْفِ، وهَؤلاءِ أيْضًا طَبَقَتَانِ:

الطَّبَقَةُ الأوْلى: أهْلُ التَّعْرِيْفِ (الاصْطِلاحِيُّوْنَ)، أيْ أهْلُ مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بمَعْرِفَةِ مُصْطَلَحَاتِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ "عُلُوْمِ الحَدِيْثِ"، المَعْرُوْفَةُ تَحْتَ مُسَمَّى: "مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ"([1])، وذَلِكَ بالنَّظَرِ فِيْهَا، والوُقُوْفِ عِنْدَهَا، لَيْسَ إلَّا.

ونَحْنُ هُنَا لا نُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ كُتُبِ "عُلُوْمِ الحَدِيْثِ"، ولا نَغْمِزُ في كُلِّ مَنَ نَظَرَ فِيْهَا! لكِنَّنَا نُرِيْدُ هُنَا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ ظَاهِرَ عِلْمِ بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا هُم مِنَ المُعْتَنِيْنَ بالمُصْطَلَحِ.

وأدَلُّ شَيءٍ على ذَلِكَ أنَّ غَالِبَ تَآلِيْفِهِم وتَصَانِيْفِهِم، وأكْثَرَ تَحْقِيْقَاتِهِم وتَحْرِيْرَاتِهِم، وأشْهَرَ دُرُوْسِهِم وتَدْرِيْسِهِم مَا كَانَتْ حَوْلَ كُتُبِ "مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ"!

بَلْ باتَ ظَاهِرُ عِلْمِهِم بَيْنَ العَامَّةِ والخَاصَّةِ دَائِرًا في فَلَكِ المُصْطَلَحِ، لِذَا تَرَاهُم في مَيَادِيْنِ العِلْمِ بَيْنَ كَرٍّ وفَرٍّ بِيْنَ كُتُبِ مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ ابْتِدَاءً "بالبَيْقُوْنِيَّةِ"، ومُرُوْرًا "بنُخْبَةِ الفِكَرِ"، وانْتِهَاءً "بمُقَدِّمَةِ ابنِ الصَّلاحِ"([2])، ومَا حَامَ في فَلَكِهَا مِنْ شَرْحٍ ونَظْمٍ ونُكَتٍ واسْتِدْرَاكٍ وغَيْرَهَا مِنْ فُنُوْنِ مُصْطَلَحَاتِ الحَدِيْثِ وعُلُوْمِهِ.

ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ خَيْرٍ في هَذَا؛ إلَّا أنَّهُ لا يَشْفَعُ لمَنْ رَامَ كُتُبَ المُصْطَلَحِ وعَاشَ في أكْنَافِهَا ووَقَفَ عِنْدَ بَابِهِا: أنْ يَتَقَمَّصَ دَوْرَ المُحَدِّثِيْنَ، فَضْلًا أنْ يُلَقَّبَ بالحَافِظِ أو يُدَانِيْهِ!

هَذَا مَا أرَدْتُهُ هُنَا، والإنْسَانُ لا يُعْرَفُ إلَّا بِمَا اشْتُهِرَ بِهِ وظَهَرَ، لِذَا كَانَ حَقًّا أنْ يُوْصَفَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُم بالاصْطِلاحِيِّيْنَ لا بالمُحَدِّثِيْنَ، والله المُوَفِّقُ!

ونَحْنُ مَعَ هَذَا؛ فَإنَّنَا نَعِيْبُ ونُنْكِرُ على كُلِّ مَنْ قَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في تَحْصِيْلِ عِلْمِ المُصْطَلَحِ، وهُوَ بَعْدُ لم يَأخُذْ حَظَّهُ مِنَ الاشْتِغَالِ مِنْ قِرَاءَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ ولاسِيَّما الكُتُبُ السِّتَّةُ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ فَهْمِهَا وشَرْحِهَا واسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا... بَلْ لا أُبَالِغُ إذَا قُلْتُ إنَّ الطَّالِبَ لَوْ قَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في قِرَاءَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ واشْتَغَلَ بها قِرَاءَةً وشَرْحًا، وتَعَرَّفَ على رِجَالهَا جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، ونَظَرَ في أقْوَالِ وأحْكَامِ أئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ حَوْلهَا... لمَا انْتَهَى أرَبُهُ، ولمَا بَلَغَ طَلَبُهُ، ولمَا أحَاطَ بكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بالكُتُبِ السِّتَّةِ فَضْلًا عَنِ الإحَاطَةِ بدَوَاوِيْنِ السُّنَّةِ مِنْ صِحَاحٍ وسُنُنٍ ومَسَانِيْدَ ومَعَاجِمَ ومُصَنَّفَاتٍ وغَيْرَهَا، لِذَا كَانَ الأوْلى بطَالِبِ الحَدِيْثِ ألَّا يُغَلِّبَ جَانِبَ المُصْطَلَحِ على مَعْرِفَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ، لأنَّ عِلْمَ المُصْطَلَحِ وَسِيْلَةٌ، وعِلْمَ الحَدِيْثِ وفِقْهَهُ غَايَةٌ، فَافْهَمُ يَا رَعَاكَ الله!

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: أهْلُ التَّطْفِيْفِ([3])، أيْ أهْلُ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بتَصْحِيْحِ الأحَادِيْثِ وتَضْعِيْفِهَا، مِنْ خِلالِ كُتُبِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وكُتُبِ التَّخْرِيْجِ والتَّعْلِيْلِ.

وعَلَيْهِ؛ فَقَدَ خَرَجَ عَلَيْنَا مُؤخَّرًا طَوَائِفُ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ لا قِبَلَ لَنَا بِهِم، ممَّنْ لَيْسَ لهُم مِنَ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ إلَّا التَّصْحِيْحُ والتَّضْعِيْفُ، والحُكْمُ على الأحَادِيْثِ بكُلِّ جُرْاءَةٍ واجْتِرَارٍ، ولَيْسَ عَنَّا بَعْضُ طُلَّابِ الجامِعَاتِ وغَيْرُهُم ببَعِيْدٍ ممَّنْ تَصَدَّرَوا لمُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ دُوْنَ عِلْمٍ يُؤثَرُ، ولا فَهْمٌ يُذْكَرُ، اللَّهُمَّ أنَّهُم تَعَلَّمُوا قَوَاعِدَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وطُرُقَ التَّخْرِيْجِ والعَزْوِ في غَيْرِهَا مِنْ أبْجَدِيَّاتِ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ طَائِفَةً مِنَ الاصْطَلاحِيِّيْنَ ممَّنْ رَامَ التَّألِيْفَ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْنَا مُؤخَّرًا بسَيْلٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي تَدْفَعُ بكُلِّ طَالِبٍ مُبْتَدِئ إلى مَعْرِفَةِ طُرُقِ التَّخْرِيْجِ والعَزْوِ، وكَيْفِيَّةِ الحُكْمِ على الأسَانِيْدِ، في غَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي لم يَكُنْ لهَا سَابِقَةٌ عِنْدَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، الأمْرُ الَّذِي فَتَحَ البَابَ على مِصْرَاعَيْهِ لكَثِيْرٍ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ الصِّغَارِ في أنْ يُحَاكِمُوا الأحَادِيْثَ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا.

ومِنْ هُنَا؛ خَرَجَتُ كَثِيْرٌ مِنَ كُتُبِهِم تَحْتَ عَنَاوِيْنَ مُرْتَجَلَةٍ: كتَخْرِيْجِ الأحَادِيْث، وطُرُقِ التَّخْرِيْجِ، وتَخْرِيْجِ الأسَانِيْدِ، ومَنْهَجِ المُحَدِّثِيْنَ، وتَحْرِيْرِ مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ، وإصْلاحِ الاصْطِلاحِ، والمُقْتَرَحِ في المُصْطَلَحِ، ومَنْهَجِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمتَأخِّرِيْنَ، ومَنْهَجِ نَقْدِ الحَدِيْثِ وغَيْرِهَا كَثِيْرٌ جِدًّا.

نَعَمْ؛ هَذِهِ الكُتُبُ خَيْرٌ كُلُّهَا، ولاسِيَّما أنَّهَا سَتَقِفُ بالطَّالِبِ على مَعْرِفَةِ أبْجَدِيَّاتِ تَخْرِيْجِ الأحَادِيْثِ، وطُرُقِ الحُكْمِ على أسَانِيْدِهَا كَمَا جَاءَ ذَلِكَ عِنْدَ أئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، لا أنْ يَتَجَاسَرَ طَالِبُ الحَدِيْثِ المُبْتَدِئ على مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا!

ونَحْنُ لا نُرِيْدُ التَّقْلِيْلَ مِنْ شَأنِ بَعْضِ أهْلِ التَّحْقِيْقِ والتَّخْرِيْجِ، لكِنَّنَا في الوَقْتِ نَفْسِهِ نُرِيْدُ هُنَا أنْ نَبَيِّنَ أنَّ ظَاهِرَ عِلْمِ بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا ممَّنْ اشْتَغَلُوا بالتَّخْرِيْجِ والتَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ ومُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ رَدًّا وقَبُوْلًا: هُم مِنَ المُعْتَنِيْنَ بالصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، وأدَلُّ شَيءٍ على ذَلِكَ أنَّ غَالِبَ تَآلِيْفِهِم وتَصَانِيْفِهِم، وتَحْقِيْقَاتِهِم وتَحْرِيْرَاتِهِم، ودُرُوْسِهِم وتَدْرِيْسِهِم مَا كَانَتْ حَوْلَ كُتُبِ "طُرُقِ التَخْرِيْجِ"، و"طُرُقِ الحُكْمِ على الأسَانِيْدِ"، بَلْ باتَ ظَاهِرُ عِلْمِ أكْثَرِهِم بَيْنَ العَامَّةِ والخَاصَّةِ دَائِرًا في فَلَكِ التَّخْرِيْجِ وطُرُقِ الأسَانِيْدِ جَرْحًا وتَعْدِيْلًا.

ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ خَيْرٍ في هَذَا؛ إلَّا أنَّهُ لا يَشْفَعُ لمَنْ رَامَ كُتُبِ "طُرُقِ التَخْرِيْجِ"، و"طُرُقِ الحُكْمِ على الأسَانِيْدِ"، وعَاشَ في أكْنَافِهَا ووَقَفَ عِنْدَ بَابِهِا: أنْ يَتَقَمَّصَ دَوْرَ المُحَدِّثِيْنَ، فَضْلًا أنْ يُلَقَّبَ بالحَافِظِ أو يُدَانِيْهِ!

وقَدْ جَرَتْ قَاعِدَةُ المُحَدِّثِيْنَ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا: أنَّ رُتْبَةَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ والتَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ لا يَسْتَحِقُّهَا أحَدٌّ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلَّا مَنْ قَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في الاشْتِغَالِ بالسُّنَّةِ ومُدَارَسَتِهَا، والنَّظَرِ في أحْوَالهَا ورِجَالاتِهَا، والوُقُوْفِ على مَقْبُولهَا وعِلَلِهَا في غَيْرِهَا مِنْ عُلُوْمِ وفُنُوْنِ السُّنَنِ والآثَارِ ممَّا لا يُحْسِنُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا، ولاسِيَّما أهْلُ التَّطْفِيْفِ مِنْهُم.

بَلْ بَاتَ أيْضًا مِنْ قَاعِدَةِ المُسْلِمِيْنَ في تَارِيْخِهِم العِلْمِيِّ، أنَّ أهْلَ العِلْمِ الَّذِيْنَ تَصَدَّرُوا لمُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ والآثَارِ مَتْنًا وسَنَدًا هُمْ قَلائِلُ يُعَدُّوْنَ على الأصَابِعِ، ورُبَّما لم يَظْهَرْ مِنْهُم في القَرْنِ الوَاحِدِ إلَّا وَاحِدٌ لا غَيْرَ.

أمَّا اليَوْمَ فَحَدِّثْ ولا حَرَجَ؛ حَيْثُ تَطَاوَلَ كَثِيْرٌ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ ممَّنْ لم تَشُمْ أُنُوْفُهُم مَعْرِفَةَ دَوَاوِيْنِ السُّنَّةِ على مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ رَدًّا وقَبُوْلًا، بَلْ وَصَلَ الحَالُ هَذِهِ الأيَّامَ أنَّكَ لا تَسْتَطِيْعُ حَصْرَهُم ولا عَدَّهُم لكَثْرَةِ أسْمَائِهِم، وانْتِشَارِ مُؤلَّفَاتِهِم، فالله المُسْتَعَانُ!

بَلْ وَصَلَ الأمْرُ عِنْدَ بَعْضِهِم أنَّهُ إذَا وَقَفَ مَعَ مُحَاكَمَةِ بَعْضِ أسَانِيْدِ الأحَادِيْثِ قَالَ مِلءَ فَكَّيْهِ: وهَذَا سَنَدٌ مُظْلِمٌ، وآفَتُهُ ابنُ لهِيْعَةَ، وذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ولَوْ حَسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ، لأنَّهُ مُتَسَاهِلٌ في التَّصْحِيْحِ، وذَاكَ حَدِيْثٌ سَاقِطٌ لسُقُوْطِ رَاوِيْهِ فُلانُ بنُ فُلانٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أحْكَامِ بَنَاتِ طَبَقٍ!

لِذَا كَانَ الأوْلى بطَالِبِ الحَدِيْثِ أنْ يَشْتَغِلَ بكُتُبِ السُّنَّةِ أوَّلًا بأوَّلٍ؛ حَتَّى إذَا نَبَغَ عِلْمُهُ وعَلا كَعْبُهُ وقَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في مَعْرِفَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ مَتْنًا وسَنَدًا فَلَهُ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يُحَاكِمَ الأحَادِيْثَ صِحَّةً وضَعْفًا ورَدًّا وقَبُوْلًا، وإلَّا فَلَهُ مَنْدُوْحَةٌ على الاقْتِصَارِ على أحْكَامِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أهْلِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ ومَنْ سَارَ على مَنْهَجِهِم مِنَ المَتَأخِّرِيْنَ ممَّنْ شَهِدَتْ لهُمُ الأمَّةُ بخَيْرٍ وصَلاحٍ في العِلْمِ والسِّيْرَةِ،، وقَدْ قَالَ الله تَعَالى: ﴿فاسألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إن كُنْتُمُ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43].

وإنِّي لم أجَدْ مُنْذُ أكْثَرَ مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ خِلافًا كَبِيْرًا بين أحْكَامِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمتَأخِّرِيْنَ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ إلَّا في أحَادِيْثَ يَسِيْرَةٍ يَسَعُهَا بَابُ الاجْتِهَادِ، والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ.

لِذَا؛ فَإنِّي أُوْصِي نَفْسِي وكُلَّ طَالِبٍ للعِلْمِ ولاسِيَّما طُلَّابُ الحَدِيْثِ أنْ يُدِيْمُوا النَّظَرَ والقِرَاءَةَ في كُتُبِ التَّخْرِيْجِ والتَّحْقِيْقِ الَّتِي صَنَّفَهَا الأئِمَّةُ العُدُوْلُ، مِثْلُ كِتَابِ: "بَيَانِ الوَهْمِ والإيْهَامِ" للحَافظِ أبي الحَسَنِ ابنِ القَطَّانِ (628)، و"تَنْقِيْحِ التَّحْقِيْقِ" للحَافظِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي (744)، و"البَدْرِ المُنِيرِ" للحَافظِ ابنِ المُلَقِّنِ (804)، و"التَّلْخِيْصِ الحَبِيْرِ"، و"نَتَائِجِ الأفْكَارِ" كِلاهُمَا لابنِ حَجَرٍ (852)، و"نَصْبِ الرَّايَةِ" للحَافظِ الزَّيْلَعِيِّ (762)، و"إرْوَاءِ الغَلَيْلِ"، و"السِّلْسِلَتَيْنِ" كَلاهُمَا للألبَانيِّ، وغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ التَّخْرِيْجِ والتَّحْقِيْقِ.

* * *

الحَالَةُ الخَامِسَةُ: عَصْرُ المُتُوْنِ الحَدِيْثِيَّةِ، وأصْحَابُ هَذِهِ المَرْحَلَةِ هُم أكْثَرُ أهْلِ عَصْرِنَا اليَوْمَ .

فَقَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا بَيْنَ مُحَدِّثٍ فَقِيْهٍ، وبَيْنَ فَقِيْهٍ مُحَدِّثٍ، فَالأوَّلُ مُأمُوْرٌ بِهِ شَرْعًا، والثَّاني مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

فَهُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيْرٌ بَيْنَ مَنْ يَأخُذُ الفِقْهَ مِنَ الحَدِيْثِ، وبَيْنَ مَنْ يَأخُذُ الحَدِيْثَ ليَسْتَدِلَّ بِهِ على فِقْهِهِ.

فالأوَّلُ مِنْهُما: مَنْ جَعَلَ الحَدِيْثَ حُجَّتَهُ ودَلِيْلَهُ وطَرِيْقَهُ إلى اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ حَيْثُ نَظَرَ إلى الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ أوَّلًا فَأوَّلًا؛ ثُمَّ اسْتَنْبَطَ الفِقْهَ مِنْهَا ثَانِيًا، فَهَذَا مُحَدِّثٌ فَقِيْهٌ.

والثَّاني مِنْهُما: مَنْ تَصَوَّرَ واعْتَقَدَ حُكْمَ المَسْألَةِ الفِقْهِيَّةِ أوَّلًا فَأوَّلًا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بالحَدِيْثِ ثَانِيًا، فَهَذَا فَقِيْهٌ مُحَدِّثٌ.

فافْهَمْ ذَيْنِ الحَالَيْنِ كَيْ تَكُوْنَ على حَذَرٍ مِنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا.

وقَدْ قِيْلَ: التَّخْلِيَةُ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ، ومِنْ مَشْهُوْرِ أغْلاطِ بَعْضِهِم مَا حَذَّرَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلهِم: لا تَعْتَقِدْ ثُمَّ تَسْتَدِلُّ، بَلِ اسْتَدِلَّ ثُمَّ اعْتَقِدْ، أو نَحْوِهِ!

وأيًّا كَانَ الأمْرُ؛ فَإنَّ أصْحَابَ هَذِهِ المَرْحَلَةِ هُم مَقْصَدُ تَألِيْفِي في هَذَا البَابُ، بَلْ مَا أجْرَيْتُ مِدَادَ القَلَمِ هُنَا إلَّا لبَيَانِ حَالهِم، والتَّحْذِيْرِ مِنْ أخْطَائِهِم، أمَّا إنْ سَألْتَ عَنْهُم فَهُم أيْضًا طَبَقَتَانِ: حُفَّاظُ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، وحُفَّاظُ أحَادِيْثِ الإسْلامِ، كَمَا يَلي.

الطَّبَقَةُ الأوْلى: حُفَّاظُ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، وهُم ممَّنْ اشْتَغَلَ بحِفْظِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ أدِلَّةِ الأحْكَامِ الحَدِيْثِيَّةِ، مِثْلُ كِتَابِ: "عُمْدَةِ الأحْكَامِ" للحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ الحَنْبَليِّ (600)، و"مُنْتَقَى الأخْبَارِ" للحَافِظِ مجْدِ الدِّيْنِ الحَنْبَليِّ (652)، و"المُحَرَّرِ" للحَافِظِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي الحَنْبَليِّ (744)، و"بُلُوْغِ المَرَامِ" للحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ الشَّافِعِيِّ (852)، وغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ أدِلَّةِ الأحْكَامِ.

نَعَم، فَإنَّ طَائِفَةً قَلِيْلةً مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ هَذِهِ الأيَّامَ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ قَدْ مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ التَّعَصُّبِ العِلْمِيِّ المَذْمُوْمِ، يُوَضِّحُهُ أنَّ نَفَرًا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ مُؤخَّرًا مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا لمَّا أرَادُوا أنْ يَتَدَثَّرُوا بأثْوَابِ المُحَدِّثِيْنَ، وأنْ يَتَسَنَّمُوا مَرَاتِبَهُم وألْقَابَهُم، وأنْ يَمُدُّوا حَبْلَ الانْتِسَابِ إلَيْهِم بطَرِيْقٍ أو آخَرَ... قَامُوا والحَالَةُ هَذِهِ يَنْظُرُوْنَ إلى مَنْ حَوْلهُم مِنْ أهْلِ العِلْمِ، فَرَأوْا أنَّ عِنْدَهُم مَا لا يُرِيْدُوْنَهُ ولا يُحِبُّوْنَهُ، وهُوَ أنَّهم لا يَنْتَسِبُوْنَ إلى أهْلِ الحَدِيْث والأثَرِ، بَلْ وَجَدُوْهُم إلى الفِقْهِ وأهْلِهِ أقْرَبُ مِنْهُم إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، فَعِنْدَئِذٍ لم يَرْضَوْا عَنِ الانْتِسَابِ إلى الحَدِيْثِ بَدِيْلًا، ولا عَنْ أهْلِهِ تَحْوِيْلًا، ومِنْ هُنَا كَانَ اللَّتَيَّا واللَّتِي!

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ هَؤلاءِ النَّفَرَ لم يُؤتُوا فِيْمَا ادَّعَوْهُ مِنْ بَسْطَةِ عِلْمٍ أو كَبِيْرِ فَهْمٍ، بَلْ كَانَ هَذَا مِنْهُم لأمْرَيْنِ:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّهُم أرَادُوا الانْتِسَابَ والانْتِمَاءَ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، وذَلِكَ لمَّا عَلِمُوا أنَّ أهْلَ الحَدِيْثِ هُم أهْلُ الحَقِّ والصَّوَابِ، وأنَّهُم أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وأنَّهُم الطَّائِفَةُ المَنْصُوْرَةُ والفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، وإلَيْهِم قَدْ دَعَتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ والآثَارُ السَّلَفِيَّةُ، وعَنْ مُجَانَبَةِ طَرِيْقِهِم حَذَّرَتِ جَمَاعَةُ المُسْلِمِيْنَ سَلَفًا وخَلَفًا.

قُلْتُ: وهُوَ كَذَلِكَ.

إلَّا أنَّهُم مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَى؛ قَدْ عَلِمُوا أنَّ الانْتِسَابَ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ لَيْسَتْ دَعْوَى أو رَغْبَةً جَوْفَاءَ، بَلْ لا بُدَّ مِنْ حِفْظِ كُتُبِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، والاشْتِغَالِ بِهَا، ودِرَاسَتِهَا مَتْنًا وسَنَدًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مِنْ شَأنِ أهْلِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا، فَكَانَ مَاذَا؟!

فَكَانَ مِنْهُم؛ أنْ أقَرَّتْ نُفُوْسُهُم بَأنَّهُم لَيْسُوا بقَادِرِيْنَ على تَسَنُّمِ مَرَاتِبِ أهْلِ الحَدِيْثِ في كَثْرَتِ حِفْظِهِم، وبُلُوْغِ عِلْمِهِم، وقُوَّةِ صَبْرِهِم، فعِنْدَهَا رَضَوْا بَأنْ يَكُوْنُوا مَعَ الخَوَالِفِ في دَعْوَى حُفَّاظِ الحَدِيْثِ، إلَّا بشَيءٍ مِنَ الانْتِسَابِ، ولَوْ في حِفْظِ بَعْضِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، يُوَضِّحُهُ.

الأمْرُ الثَّاني: أنَّهُم لم يَدَّعُوا مَا ادَّعَوْهُ مِنْ حُبٍّ لأهْلِ الحَدِيْثِ والانْتِسَابِ إلَيْهِم بطَرِيْقِ العِلْمِ والنَّظَرِ، بَلْ كَانَ بدَافِعِ الوَاقِعِ العِلْمِيِّ الَّذِي عَاشَوْهُ وعَاصَرَوْهُ، أيْ كَانَ ظُهُوْرُ عِلْمِهِم وانْتِشَارُ فِقْهِهِم مِنْ خِلالِ الوَسَطِ العِلْمِيِّ الَّذِي يَعِيْشُوْنَهُ في عَصْرِهِم، ومِنْ خِلالِ الطَّرْحِ الفِقْهِيِّ الَّذِي يَدْرُسُوْنَهُ في مِصْرِهِم، ومَا ذَاكَ إلَّا أنَّ غَالِبَ أهْلِ العِلْمِ المُتَصَدِّرِيْنَ للتَّدْرِيْسِ والتَّعْلِيْمِ في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ الأيَّامَ: هُمْ مِنَ المُعْتَنِيْنَ بكُتُبِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ الفِقْهِيَّةِ.

يُوَضِّحُهُ مَثَلًا؛ أنَّ غَالِبَ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنَا مِنْ أهْلِ مِصْرِنَا: لا يَفْتَئُوْنَ يُدَرِّسُوْنَ لطُلَّابِهِم كُتُبَ مُتُوْنِ المَذْهَبِ الحَنْبَليِّ، ككِتَابِ: "المُقْنِعِ"، و"زَادِ المُسْتَقْنِعِ"، و"عُمْدَةِ الفِقْهِ"، و"دَلِيْلِ الطَّالِبِ" في غَيْرِهَا مِنْ مُتُوْنِ الفِقْهِ الحَنْبَليِّ.

فعِنْدَئِذٍ لم يَرْضَ أصْحَابُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ بهَذَا المَنْهَجِ السَّائِدِ في تَقْرِيْرِ الفِقْهِ واسْتِنْبَاطِ مَسَائِلِهِ مِنْ خِلالِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتُوْنًا حَنَفِيَّةً، أو مَالِكِيَّةً، أو شَافِعِيَّةً، أو حَنْبَلِيَّةً!

فمِنْ هُنَا؛ أرَادَ هَؤلاءِ أنْ يُخَالِفُوا هَذِهِ الطَّرِيْقَةَ السَّائِدَةَ في تَقْرِيْرِ مَسَائِلِ الفِقْهِ، فعِنْدَهَا نَادَوْا بدِرَاسَةِ الحَدِيْثِ، وبَأهمِّيَّةِ الاسْتِدْلالِ بِهِ، في الوَقْتِ الَّذِي طَالَبُوا فِيْهِ بعَوْدَةِ الأمَّةِ إلى تَقْدِيْمِ السُّنَّةِ، وتَعْظِيْمِ شَأنِهَا، كَمَا دَفَعُوا طُلَّابَهُم إلى الأخْذِ بالحَدِيْثِ اقْتِفَاءً للسَّلَفِ، واتِّبَاعًا لأهْلِ الحَدِيْثِ في طَرِيْقَتِهِم في تَلَقِّي العِلْمِ والفِقْهِ.

كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم كَي يَسْلَمَ لهُمُ الانْتَسَابُ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، لأجْلِ هَذَا حَذَّرُوا مِنْ كُتُبِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ بطَرِيْقَةٍ أو أُخْرَى، فكَانَ تَحْذِيْرُهُم مَا بَيْنَ تَصْرِيْحٍ بالعِبَارَةِ، ومَا بَيْنَ تَلْمِيْحٍ بالإشَارَةِ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّهُم لا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَةً مِنْ ذِكْرِ فَضْلِ أهْلِ الحَدِيْثِ والتَّحْذِيْرِ مِنَ التَّعَصُّبِ المَذْهَبِيِّ.

قُلْتُ: وهُوَ كَذَلِكَ، لكِنَّ الدَّعْوَى شَيءٌ وحَقِيْقَةُ الأمْرِ شَيءٌ آخَرُ!

لِذَا؛ فَقَدْ وَقَعَ هَؤلاءِ في أخْطَاءَ كَثِيْرَةٍ، مِنْهَا:

أوَّلًا: أنَّهُم لم يَعْرِفُوا مِنْ دَوَاوِيْنِ السُّنَّةِ وكُتُبِ الحَدِيْثِ إلَّا كُتُبَ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، ابْتِدَاءً "بعُمْدَةِ الأحْكَامِ"، وانْتِهَاءً "ببُلُوْغِ المَرَامِ".

لِذَا؛ نَرَاهُم لا يَفْتَئُوْنَ مِنْ تَدْرِيْسِ هَذِهِ الكُتُبِ، ونَشْرِهَا بَيْنَ طُلَّابِهِم، حَتَّى أصْبَحَتْ ظَاهِرَةً مُنْتَشِرَةً هُنَا وهُنَاكَ، بَلْ قَدْ تَجْزِمُ أنَّ غَالِبَ دُرُوْسِ أهْلِ العِلْمِ اليَوْمَ لا تَخْرُجُ عَنْ تَدْرِيْسِ كُتُبِ أدِلَّةِ الأحْكَامِ.

في حِيْنَ أنَّ ظُهُوْرَ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ بهَذِهِ الظَّاهِرَةِ السَّائِرَةِ، لم يُسْبَقْ لهَا مَثِيْلٌ في مِثْلِ هَذَا الظُّهُوْرِ الكَبِيْرِ والانْتِشَارِ الوَاسِعِ عِنْدِ سَلَفِنَا الصَّالحِ مِنْ أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيْثِ، كَمَا هُوَ مَاثِلٌ في طَرِيْقَةِ حِفْظِهَا وانْتِشَارِ دُرُوْسِهَا، وكَثْرَةِ شُرُوْحِهَا، ومَا يَزِيْدُنَا هَذَا الأمْرُ إلَّا عِلْمًا بَأنَّ طَائِفَةً مِنْ أصْحَابِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَدْ ظَنُّوا بأنْفُسِهِم بأنَّهُم على طَرِيْقَةِ أهْلِ الحَدِيْثِ في تَلَقِّي العِلْمِ والفِقْهِ.

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ كُتُبَ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ المُجَرَّدَةِ([4])، لم تَأخُذْ نَصِيْبَهَا مِنَ الانْتِشَارِ والظُّهُوْرِ إلَّا في أوَاخِرِ القَرْنِ السَّادِسِ، وذَلِكَ عِنْدَمَا قَامَ الحَافِظُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيْليُّ رَحِمَهُ الله المُتَوَفَّى سَنَةَ (586)؛ حَيْثُ قَامَ بتَألِيْفِ كُتُبِهِ الثَّلاثَةِ: "الأحْكَامِ الكُبْرَى والوُسْطَى والصُّغْرَى"، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِي المَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ الله المُتَوَفَّى سَنَةَ (600)؛ حَيْثُ ألَّفَ كِتَابَهُ "عُمْدَةَ الأحْكَامِ"، وهَكَذَا مَضَتْ عَجَلَةُ التَّألِيْفِ في جَمْعِ أدِلَّةِ الأحْكَامِ إلى عَصْرِنَا هَذَا.

ونَحْنُ مِنْ خِلالِ هَذَا؛ لا نَقُوْلُ بنَبْذِ أو طَرْحِ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، أو صَرْفِ الأنْظَارِ عَنْهَا حِفْظًا أو شَرْحًا! فَهَذَا لا يَقُوْلُهُ إلَّا مَنْ أُصِيْبَ بنَفْثَةٍ جَهْلاءَ، تَنُمُّ على جَهْلِهِ وضَعْفِ عَقْلِهِ!

بَلْ مُرَادُنَا هُنَا: هُوَ الاسْتِدْرَاكُ على مَنْ ظَنَّ بنَفْسِهِ أو ظَنَّ بطُلَّابِهِ أنَّهُم مِنْ خِلالِ حِفْظِهِم وشَرْحِهِم لكُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ: قَدْ أصْبَحُوا مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ، فَضْلًا أنْ يَكُوْنُوا مِنْ حُفَّاظِهِ!

ثَانِيًا: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيْقَةَ، وهِيَ الاعْتِنَاءُ بأحَادِيْثِ الأحْكَامِ على حِسَابِ حِفْظِ السُّنَّةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ الفِقْهِ المَذْهَبِي مِنْ خِلالهَا لَيْسَتْ مِنْ طَرَائِقِ السَّلَفِ في شَيءٍ، ولا مِنْ مَسَالِكِ المُحَدِّثِيْنَ وفُقَهَاءِ الإسْلامِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي.

أنَّ عَامَّةَ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ لم تُؤلَّفْ مِنْ أصْحَابِهَا إلَّا للفُقَهَاءِ، لا للمُنْتَسِبِيْنَ للحَدِيْثِ؛ فَضْلًا أنْ تُؤَلَّفَ لحُفَّاظِ الحَدِيْثِ الكِبَارِ!

يَدُلُّ على ذَلِكَ؛ أنَّ مَنْ نَظَرَ إلى مَنْهَجِ أصْحَابِ كُتُبِ أدِلَّةِ الأحْكَامِ: عَلِمَ أنَّ أصْحَابَها لم يُؤلِّفُوْهَا إلَّا للفُقَهَاءِ لا للمُحَدِّثِيْنَ، ومَا ذَاكَ إلَّا لعِلْمِهِم أنَّ الفَقِيْهَ هُوَ أحْوَجُ إلى تَقْرِيْبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ مِنْ غَيْرِهِ، لأنَّهُم يَعْلَمُوْنَ أنَّ أهْلَ الحَدِيْثِ لا يَسَعُهُم إلَّا لاعْتِنَاءُ والاشْتِغَالُ بكُتُبِ السُّنَّةِ ودَوَاوِيْنِهَا حِفْظًا وعِلْمًا، لِذَا قَامُوا سِرَاعًا في احْتِسَابِ الأجْرِ مِنَ الله تَعَالى في تَقْرِيْبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ للفُقَهَاءِ تَحْتَ عَنَاوِيْنَ كَثِيْرَةٍ، وكُتُبٍ وَفِيْرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا، فافْهَمْ هُدِيْتَ الرُّشْدَ!

ثَالِثًا: وأمَّا قَوْلُ بَعْضِهِم: إنَّ في حِفْظِ وشَرْحِ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ سُنَّةً مُتَّبَعَةً عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، ولاسِيَّما المتَأخِّرُوْنَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ!

وأنَّ حِفْظَنَا وشَرْحَنَا لهَذِهِ الكُتُبِ فِيْهِ عِلْمٌ عَظِيْمٌ وفِقْهٌ كَبِيْرٌ، فَشَأنُنَا شَأنُ شُرَّاحِ كُتُبِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ، فَحِيْنَئِذٍ أيْنَ الخَطَأ والخَلَلُ في حِفْظِنَا وشَرْحِنَا لكُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ؟!

قُلْتُ: فَأمَّا قَوْلُهُ: إنَّ فِيْهَا خَيْرًا عَظِيمًا وسُنَّةً مُتَّبَعَةً، فَهَذَا شَيءٌ لا شَكَّ فِيْهِ، ولا نِزَاعَ عَلَيْهِ.

وأمَّا قَوْلُهُ: إنَّ شَأنَ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ شَأنُ كُتُبِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ العِلْمِ والفِقْهِ، ومِنْ حِيْثُ الفَائِدَةِ والعَائِدَةِ، فَهَذَا لا يُسَلَّمُ على إطْلاقِهِ، لثَلاثَةِ أُمُوْرٍ:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّ المُتَصَدِّرَ لشَرْحِ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ إمَّا أنْ يَكُوْنَ شَرْحُهُ مَأخُوْذًا مِنِ اجْتِهَادِهِ واسْتِنْبَاطِهِ دُوْنَ النَّظَرِ والرُّجُوْعِ إلى مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أئِمَّةِ الفِقْهِ، أو يَكُوْنَ اعْتِمَادُهُ في الشَّرْحِ على كُتُبِ فُقَهَاءِ أهْلِ الإسْلامِ، لاسِيَّما أصْحَابُ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.

فَإنْ كَانَ يَدَّعِى الحَالَ الأوَّلَ (ولا أظُنَّهُ مَوْجُدًا حَسَبَ عِلْمِي؛ لأنَّ الاجْتِهَادَ المُطْلَقَ قَدِ انْقَطَعَ مِنْذُ أزْمَانٍ، فالله المُسْتَعَانُ) فمَنْ هَذِهِ حَالُهُ فَلابُدَّ لَهُ مِنْ شُرُوْطٍ، وذَلِكَ بَأنْ يَكُوْنَ عَالمًا بالقُرْآنِ والسُّنَّةِ ومَوَاقِعِ الإجْمَاعِ، وأن يَكُوْنَ قَدْ بَلَغَ المرَاتِبَ العُلْيَا في اللُّغَةِ والتَّفْسِيْرِ والحَدِيْثِ والعَقِيْدَةِ وغَيْرِهَا مِنْ عُلُوْمِ الشَّرِيْعَةِ؛ بحَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنْ أفْرَادِ أهْلِ الاجْتِهَادِ المُطْلَقِ، لكِنَّ الدَّعْوَى شَيءٌ والوَاقِعُ شَيءٌ، وإلَّا قُلْ لي برَبِّكَ أيْنَ المُجْتَهِدُ المُطْلَقُ اليَوْمَ؟!

الأمْرُ الثَّاني: أنْ يَكُوْنَ المُتَصَدِّرُ لشَرْحِ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ قَدْ أخَذَ شَرْحَهُ وفِقْهَهُ ممَّنْ سَبَقَهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، ولاسِيَّما الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، أو مِنْ كُتُبِ أصْحَابِهِم المُعْتَمَدَةِ.

فَإنْ كَانَ هَذَا (وهُوَ كَذَلِكَ)، فَلَنَا أنْ نَقُوْلَ بكُلِّ صَرَاحَةٍ: لا مِيْزَةَ ولا فَضْلَ لهَذَا المُتَصَدِّرِ في شَرْحِهِ إلَّا في اعْتِمَادِهِ (بَعْدَ الله) على شُرُوْحِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ الفُقَهَاءِ وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ العِلْمِ، وهَذَا يَدْفَعُنَا إلى احْتِمَالَيْنِ:

الاحْتِمَالُ الأوَّلُ: أنَّهُ بهَذِهِ الطَّرِيْقَةِ قَدْ صَرَفَ وُجُوْهَ طُلَّابِهِ عَنْ كُتُبِ الفِقْهِ إلى كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ تَحْتَ دَعْوَى الانْتِسَابِ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، والتَّمَسُّكِ بِهِ، والأخْذِ بظَاهِرِهِ.

الاحْتِمَالُ الثَّاني: كَمَا فِيْهِ؛ دَعْوَى ضِمْنِيَّةٌ إلى مُنَابَذَةِ كُتُبِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ، وصَرْفِ الطُّلَّابِ عَنْهَا، وذَلِكَ عَنْ طَرِيْقِ التَّحْذِيْرِ مِنَ التَّعَصُّبِ المَذْهَبِي، وبَيَانِ خُطُوْرَتِهِ على الأمَّةِ، وأنَّهُ أحَدُ مَعَاوِلِ هَدْمِ التَّارِيْخِ العِلْمِيِّ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّنْشِنَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الجَمِيْعُ!

وإلَّا مَا الفَرْقُ لَوْ حَمَلَ هَذَا المُتَصَدِّرُ طُلَّابَهُ إلى شَرْحِ بَعْضِ كُتُبِ الفِقْهِ، مَعَ الاسْتِدْلالِ على أحْكَامِهَا بالدَّلِيْلِ الصَّحِيْحِ والتَّعْلِيْلِ الصَّرِيْحِ، ورَدِّ مَا خَالَفَ مِنْهَا الدَّلِيْلَ، ورَبْطِ الطُّلَّابِ بكُتُبِ السَّلَفِ فِقْهًا وحَدِيْثًا، كَمَا هُوَ عَمَلُ أهْلِ العِلْمِ قَدِيمًا وحَدِيْثًا، ولاسِيَّما بَعْدَ أنْ دُوَّنَتِ المَذَاهِبُ الأرْبَعَةُ.

وإنْ كَانَ للخَوْفِ بَقِيَّةٌ هُنَا؛ فَإنَّا الَّذِي نَخْشَاهُ هُوَ أنْ يَكُوْنَ الحَامِلُ لهَؤلاءِ النَّفَرِ إلى هَذِهِ الطَّرِيْقَةِ في تَلَقِّي مَسَائِلِ الفِقْهِ: هُوَ رُدُوْدُ فِعْلٍ مِنْهُم لنَابِتَةٍ قَدْ ظَهَرَتْ مُؤخَّرًا تَدْعُوا إلى وُجُوْبِ التَّمَذْهُبِ على طُلَّابِ العِلْمِ هَذِهِ الأيَّامَ!

ومَا هَذَا مِنْهُم إلَّا مِنْ مُقَايَضَةِ الخَطَأ بخَطَأ مِثْلِهِ، وفي كُلٍّ خَطَأ مَرْدُوْدٌ، بَلِ التَّمَذْهُبُ مِنْهُ الجَائِزُ ومِنْهُ المَمْنُوْعُ، فمَنْ كَانَ يَنْظُرُ إلى تَقْدِيْمِ الدَّلِيْلِ الشَّرعِيِّ على آرَاءِ وأقْوَالِ الرِّجَالِ مَعَ الأخْذِ بأُصُوْلِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ (لاسِيَّما أحَدُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ) في طَرِيْقَةِ الاسْتِنْبَاطِ؛ فَهَذَا تَمَذْهُبٌ جَائِزٌ لا وَاجِبٌ.

وأمَّا مَنْ قَلَّدَ شُيُوْخَ مَذْهَبِهِ في مُخَالَفَةِ الدَّلِيْلِ، أو قَدَّمَ أقْوَالَ وآرَاءَ رِجَالِ مَذْهَبِهِ على الدَّلِيْلِ الشَّرعِيِّ، أو أوْجَبَ التَّمَذْهُبَ، أو غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّعَصُّبَاتِ المَذْهَبِيَّةِ... فَهَذَا تَمَذْهُبٌ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ مَذْمُوْمَةٌ.

الأمْرُ الثَّالِثُ: أنْ بَعْضَهُم مِنْ خِلالِ هَذِهِ الدَّعْوَى العَرِيْضَةِ أسَاءُوا ظنًّا بكُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ مِنْ خِلالِ تَطَاوُلِ بَعْضِهِم على مُحَاكَمَةِ أحَادِيْثِ هَذِهِ الكُتُبِ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا بحُجَّةِ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، ولاسِيَّما أنَّهُم قَدْ تَسَنَّمُوا مَرَاتِبَ المُحَدِّثِيْنَ جَرْحًا وتَعْدِيْلًا (زَعَمُوا)!

لِذَا فَإنَّنَا نَجِدُ مِنْ بَعْضِهِم تَطَاوُلًا على تَصْحِيْحِ وتَضْعِيْفِ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ؛ حَتَّى خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مُؤخَّرًا بتَقْسِيْمِ أحَادِيْثِ "بُلُوْغِ المَرَامِ" إلى صَحِيْحٍ وضَعِيْفٍ، كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُ اتِّكَاءً وتَوَاكُلًا على كُتُبِ "تَخْرِيْجِ الحَدِيْثِ"، و"طُرُقِ تَخْرِيْجِ الأسَانِيْدِ" المُخْتَصَرَةِ لبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ المُعَاصِرِيْنَ، كَمَا أنَّهُ لا يَسْتَأخِرُ مِنْ مُنَازَعَةِ رِجَالِ الحَدِيْثِ تَجْرِيحًا وتَعْدِيْلًا اعْتِمَادًا مِنْهُ على خُلاصَةِ أحْكَامِ ابنِ حَجَرٍ في كِتَابِهِ "تَقْرِيْبِ التَّهْذِيْبِ"، وهَكَذَا مَا بَيْنَ أغْلاطٍ وإسْقَاطٍ، ومِنْ هُنَا جَاءَتِ الأخْطَاءُ يَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ خِلالِ هَذِه النَّوَابِتِ العَصْرِيَّةِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي:

أوَّلًّا: أنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ لا يَقْبَلُوْنَ مِنْ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ إلَّا مَا كَانَ في دَائِرَةِ المَقْبُوْلِ (الصَّحِيْحِ بنَوْعَيْهِ، والحَسَنِ بنَوْعَيْهِ)، وأنَّهُم يُشَدِّدُوْنَ في قَبُوْلِ رِوَايَةِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ كَمَا هُوَ مَعْلُوْمٌ للجَمِيْعِ.

ومَعَ هَذَا؛ فَهُم أيْضًا لا يَقْبَلُوْنَ مِنْ قَلِيْلِ العِلْمِ وضَعِيْفِ التَّحْصِيْلِ ولاسِيَّما ممَّنْ لم يُعْرَفْ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في عِلْمِ الحَدِيْثِ رِوَايَةً ودِرَايَةً، بَأنْ يَتَطَاوَلَ على مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ رَدًّا وقَبُوْلًا، يُوَضِّحُهُ الآتي.

ثَانِيًا: أنَّ أصْحَابَ كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ لهُم مَنْهَجٌ دَقِيْقٌ في انْتِقَاءِ أحَادِيْثِ كُتُبِهِم الَّتِي كَتَبُوْهَا لخَاصَّةِ الفُقَهَاءِ، الأمْرُ الَّذِي لم يَفْهَمْهُ بَعْضُ طُلَّابِ العِلْمِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بكُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ هَذِهِ الأيَّامَ؛ حَيْثُ إنَّهُم لم يَفْهَمُوا مِنْ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ المَوْجُوْدَةِ في هَذِهِ الكُتُبِ إلَّا ظَاهِرًا مِنَ الحُكْمِ، وبَادِيًا مِنَ الأمْرِ، لِذَا نَرَى لبَعْضِهِم تَغْبِيْرًا وجُرْأةً في الحُكْمِ على ظَاهِرِ أحَادِيْثِ كُتُبِ الأحْكَامِ، سَوَاءٌ مِنَ النَّاحِيَةِ الفَقْهِيَّةِ أو مِنَ النَّاحِيَةِ الحَدِيْثِيَّةِ.

فأمَّا ظَاهِرُ عِلْمِهِم في فِقْهِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ: فَهُوَ أنَّ بَعْضَهُم لا يَنْظُرُ إلَّا إلى ظَاهِرِ الحَدِيْثِ عِنْدَ أوَّلِ وْهَلَةٍ، دُوْنَ النَّظَرِ إلى كَلامِ مَنْ سَبَقَهُم مِنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ، ومِنْ هُنَا غَابَتْ عَلَيْهِم مَعْرِفَةُ نَاسِخِ الحَدِيْثِ، ومُخَصِّصِهِ، ومُقَيِّدِهِ، ومَفْهُوْمِهِ، ومُبَيِّنِهِ، وتَأوِيْلِهِ، وقِيَاسِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مِنْ شَأنِ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ!

فعِنْدَئِذٍ، خَرَجَتْ عَلَيْنَا مُؤخَّرًا بَعْضُ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ والأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ مِنْ خِلالِ كُتُبِ (وكُتَيِّبَاتٍ!) مُؤذِيَةٍ، مَا بَيْنَ مُخَالَفَةٍ لمَا عَلَيْهِ أئِمَّةُ الإسْلامِ، ومَا بَيْنَ ظَاهِرِيَّةٍ مَشِيْنَةٍ؛ كُلَّ ذَلِكَ باسْمِ ظَاهِرِ الحَدِيْثِ واتِّبَاعِ الدَّلِيْلِ!

ولَوْلا المَلامَةُ؛ لذَكَرْتُ طَائِفَةً مِنْ كُتُبِ وأحْكَامِ بَعْضِ أدْعِيَاءِ الحَدِيْثِ ممَّنْ مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، واعْتَراهُم نَفْثَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولَيْسَ عَنَّا بَبَعِيْدٍ تِلْكُمُ الكُتُبُ الَّتِي جَاءَتْ مُؤخَّرًا بأقْلامِ بَعْضِ طُلَّابِ العِلْمِ الصِّغَارِ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ هَذِهِ الأيَّامِ!

ثَالِثًا: أمَّا ظَاهِرُ حُكْمِهِم على أحَادِيْثِ الأحْكَامِ: فَهُوَ أنَّ بَعْضَهُم للأسَفِ لا يَعْرِفُ مَنْهَجَ أصْحَابِ هَذِهِ الكُتُبِ في انْتِقَائِهِم لهَذِهِ الأحَادِيْثِ الَّتِي اخْتَارُوْهَا في كُتُبِهِم.

يُوَضِّحُهُ مَثَلًا: أنَّ كِتَابَ "بُلُوَغِ المَرَامِ" لابنُ حَجَرَ رَحِمَهُ الله هو من أوَاخِرِ كُتُبِهِ المُحَرَّرَةِ؛ حَيْثُ قَالَ عَنْهُ رَحِمَهُ الله في مُقَدِّمَتِهِ للكِتَابِ: "هَذَا مُخْتَصَرٌ يَشْتَمِلُ على أُصُوْلِ الأدِلَّةِ الحَدِيْثِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ حَرَّرْتُهُ تَحْرِيْرًا بَالِغًا؛ ليَصِيْرَ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ بَيْنِ أقْرَانِهِ نَابِغًا، ويَسْتَعِيْنُ بِهِ الطَّالِبُ المُبْتَدِئ ولا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الرَّاغِبُ المُنْتَهِي، وقَدْ بَيَّنْتُ عَقِبَ كُلِّ حَدِيْثٍ مِنَ أخْرَجَهُ منَ الأئِمَّةِ لإرَادَةِ نُصْحِ الأمَّةِ" انْتَهَى.

قُلْتُ: فَفِي كَلامِهِ هَذَا دِلالَةٌ وَاضِحَةٌ على أنَّهُ رَحِمَهُ الله مَا ألَّفَ "البُلُوْغَ" إلَّا بَعْدَ عُلُوِّ كَعْبٍ ورُسُوْخِ عِلْمٍ في مَعْرِفَةِ الأحَادِيْثِ مِنْ حَيْثُ فِقْهِهَا، والحُكْمِ على أسَانِيْدِهَا، ومَعْرِفَةِ صَحِيْحِهَا مِنْ ضَعِيْفِهَا، ومَقْبُوْلهَا مِنْ مَعْلُولهَا... الأمْرُ الَّذِي يَدْفَعُنَا ضَرُوْرَةً إلى أنَّ ابنَ حَجَرَ رَحِمَهُ الله لم يَغْفُلْ عَنْ وُجُوْدِ الأحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا في كِتَابِهِ؛ يُوْضِّحُهُ أنَّهُ غَالبًا مَا يُبَيِّنُ ضَعْفَهَا سَوَاءٌ بَكَوْنِهَا مَوْقُوْفَةً أو مُرْسَلَةً أو مُنْقَطِعَةً ونَحْوِهَا ممَّا هُوَ مِنْ أمَارَاتِ ضَعْفِ الحَدِيْثِ ورَدِّهِ، إلَّا أنَّ طَائِفَةً مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ هَذِهِ الأيَّامَ لم يُدْرِكُوا مُرَادَ ابنِ حَجَرٍ وغَيْرِهُ ممَّنْ صَنَّفَ في أحَادِيْثِ الأحْكَامِ، وهُوَ أنَّهُم رَحِمَهُمُ الله أرَادُوا مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الأحَادِيْثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الضَّعْفُ بَعْضَ الأمُوْرِ:

مِنْهَا: أنَّهُ لَيْسَ في البَابِ عِنْدَهُم إلَّا هَذَا الحَدِيْثُ الضَّعِيْفُ، كَمَا هُوَ مَنْهَجُ الإمَامِ أحمَدَ في "مُسْنَدِهِ"، وفي أُصُوْلِ فِقْهِهِ، وكَذَا هُوَ مَنْهَجُ تَلْمِيْذِهِ أبي دَاوُدَ في "سُنَنِهِ"، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ كَثِيرٍ مِنَ أهْلِ العِلْمِ.

ومِنْهَا: أنَّ ذِكْرَهُم لهَذَا الحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ لَيْسَ اقْتِصَارًا مِنْهُم على حُكْمِ إسْنَادِهِ، دُوْنَ النَّظَرِ إلى اعْتِبَارِ شَوَاهِدِهِ ومُتَابَعَاتِهِ، بَلْ أرَادُوا النَّظَرَ إلى مَا يُقَوِّي هَذَا الحَدِيْثَ ممَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ أئِمَّةِ الشَّأنِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ، لأنَّهُم لَوْ أرَادُوا ذِكْرَ الشَّوَاهِدِ والمُتَابَعَاتِ لطَالَ بِهِمُ الكِتَابُ، وخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ كِتَابَ أحْكَامٍ مُخْتَصَرٍ، بَلْ هَذَا شَأنُ كُتُبِ السُّنَنِ المُطَوَّلاتِ.

ومِنْهَا: أنَّهُم قَدْ يَذْكُرُوْنَ الحَدِيْثَ الضَّعِيْفَ، مَعَ عِلْمِهِم بَأنَّ عَمَلَ المُسْلِمِيْنَ جَاءَ على ظَاهِر هَذَا الحَدِيْثِ، فَضَعْفُهُ حِيْنَئِذٍ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كُوْنِهِ مِنَ الأحَادِيْثِ الَّتِي يُسْتَأنَسُ بِهَا لمَا عَلَيْهِ ظَاهِرُ عَمَلِ المُسْلِمِيْنَ جِيْلًا بَعْدَ جِيْلٍ.

ومِنْهَا: أنَّهُم قَدْ يَذْكُرُوْنَ الحَدِيْثَ الضَّعِيْفَ، مَعَ عِلْمِهِم أنَّ لَهُ شَاهِدًا مِنَ الإجْمَاعِ القَائِمِ بنَفْسِهِ؛ بحَيْثُ يَعْلَمُ الفَقِيْهُ أنَّ الإجْمَاعَ القَائِمَ في هَذِهِ المَسْألَةِ الفِقْهِيَّةِ فِيْهِ حَدِيْثُ، ولَوْ كَانَ ضَعِيْفًا.

ومِنْهَا: أنَّهُم يَذْكُرُوْنَ أحْيَانًا في البَابِ: الحَدِيْثَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ كَثِيْرًا مِنَ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ والأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَوْ كَانَ هَذَا الحَدِيْثُ ضَعِيْفًا، اكْتِفَاءً مِنْهُم عَنْ ذِكْرِ الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ إلَّا مَسْألَةً أو مَسْألَتَيْنِ!

بمَعنَى أنَّهُم قَدْ عَلِمُوا أنَّ الفَقِيْهَ لَنْ يَقْتَصِرَ على حُكْمِهِ على هَذَا الحَدِيْثِ بالضَّعْفِ، بَلْ عَلِمُوا أنَّ لكُلِّ مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ جَاءَتْ في هَذِا الحَدِيْثِ أنَّ لَهَا دَلِيْلًا شَرْعِيًّا صَحِيْحًا مُسْتَقِلًّا بنَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ القُرْآنِ أو السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ أو الإجْمَاعِ أو القِيَاسِ الصَّحِيْحِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الاسْتِدْلالِ.

لِذَا كَانَ مِنَ الخَطَأ أنْ يَهْجُمَ طَالِبُ العِلْمِ على الحَدِيْثِ بالطَّرْحِ والإسْقَاطِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرَ إلى أدِلَّةٍ أُخْرَى تَدُلُّ بنَفْسِهَا على كُلِّ مَسْألَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، هَذَا أوَّلًا، ثُمَّ بَعْدَئِذٍ لَهُ أنْ يَحْكُمَ على الحَدِيْثِ بالضَّعْفِ.

ومِنْ أسَفٍ أنَّنَا قَد رَأيْنَا مُؤخَّرًا مَنَ اعْتَذَرَ لطُلَّابِهِ مِنْ شَرْحِهِ لكُلِّ حَدِيْثٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بالضَّعْفِ بحُجَّةِ أنَّ الحَدِيْثَ الضَّعِيْفَ لا يِثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وهَكَذَا في كَثِيْرٍ مِنَ المُغَالَطَاتِ المُرْتَجَلَةِ، والمُزَايَدَاتِ المُفْتَعَلَةِ!

ولَيْسَ هَذَا بالأخِيْرِ مِنَ الاتِّجَاهَاتِ العِلْمِيَّةِ عِنْدَ مُؤلِّفِي كُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ؛ بَلْ سَيَأتي بَيَانُهَا مَعَ بَيَانِ أمْثِلَتِهَا في كِتَابي "أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ"([5]) إنْ شَاءَ الله.

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: حُفَّاظُ أحَادِيْثِ الإسْلامِ، وأصْحَابُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ هُمُ الَّذِيْنَ قَصَدْتُهُم في كِتَابي هَذَا "أوْهَامِ الرَّائِدِ"؛ ومَا ذَاكَ إلَّا أنَّهُم حَفِظَهُمُ الله قَدْ شَمَّرُوا عَنْ سَوَاعِدِ الجِدِّ، وكَشَفُوا عَنْ عُلُوِّ الهِمَمِ في حِفْظِ السُّنَّةِ؛ حَيْثُ وَجَدْنَاهُم لا يَرْضَوْنَ عَنْ حِفْظِ الحَدِيْثِ بَدَلًا، ولا عَنْ فِقْهِهِ مَثَلًا، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أسْلافُهُم في طَرِيْقَةِ التَّلَقِّي والعِلْمِ، قُلْتَ: وهُوَ كَذَلِكَ.

إلَّا أنَّهُم مَعَ هَذَا وذَاكَ (للأسَفِ!) لم يَأخُذُوا بطَرِيْقَةِ أهْلِ السُّنَّةِ في حِفْظِ السُّنَّةِ... بَلْ ذَهَبُوا إلى طَرِيْقَةٍ في الحِفْظِ مُبْتَكَرَةٍ؛ حَيْثُ اسْتَبْدَلُوا حِفْظَ كُتُبِ الجَمْعِ والزَّوَائِدِ بأُصُوْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ، يُبَيِّنُهُ مَا سَيَأتي في عُمُوْمِ هَذَا الكِتَابِ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، والله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ

 


 

([1]) هُنَاكَ اسْتِدْرَاكٌ عِلْمِيٌّ على إطْلاقِ «مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ» على عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، قَدْ بَيَّنْتُهُ في كِتَابي : «مَسَالِكِ التَّحْدِيْثِ» أسْألُ الله تَعَالى أنْ يُيَسِّرَهُ، آمِيْنَ .

([2]) لا شَكَّ أنَّ الاسْمَ الصَّحِيْحَ لكِتَابِ «مُقَدِّمَةِ ابنِ الصَّلاحِ»، هُوَ «مُعْرِفَةُ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» .

([3]) أرَدْتُ بأهْلِ التَّطْفِيْفِ هُنَا : الَّذِيْنَ مَالُوا عَنِ الصَّوَابِ في أحْكَامِهِم على الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ بغَيْرِ مَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بقَوَاعِدِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وبمَسَالِكِ العِلَلِ والتَّأوِيْلِ .

([4]) قُلْتُ : المَقْصُوْدُ بكُتُبِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ المُجَرَّدَةِ هُنَا : أيْ الَّتِي كَتَبَهَا مُؤلِّفُوْهَا دُوْنَ أسَانِيْدَ إلى أصْحَابِهَا، بَلِ انْتَقَوْهَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ المُسْنَدَةِ، وبِهَذَا القَيْدِ تَخْرُجُ كُتُبُ «السُّنَنِ»، ولاسِيَّما كِتُابُ «المُنْتَقَى» للحِافِظِ ابنِ الجَارُوْدِ رَحِمَهُ الله (307)؛ لأنَّهُ ألَّفَهُ بسَنَدِهِ، لِذَا فَهُوَ إلى كُتُبِ السُّنَّةِ أقْرَبُ مِنْهُ إلى كُتُبِ الأحْكَامِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ أهْلَ العِلْمِ لم يَعْتَنُوا بشَرْحِهِ كَمَا هُوَ شَأنُ كُتُبِ الأحْكَامِ، بَلْ تَعَامَلُوا مَعَهُ كغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ المُسْنَدَةِ في الحِفْظِ والاهْتِمَامِ بأسَانِيْدِهِ، عِلمًا أنَّني لا أعْلَمُ له عِنْدَ المُتَقَدِّمِيْنَ شَرْحًا حَتَّى سَاعَتِي هَذِهِ، وهَذَا حَسَبُ عِلْمِي .

([5]) وكِتَابي هَذَا «أخْبَارُ المُحَدِّثِيْنَ» هُوَ وَاحِدٌ مِنْ سِلْسِلَةِ الكُتُبِ الَّتِي سَتَأتي في وَقْتِهَا إنْ شَاءَ الله تَحْتَ عَنَاوِيْنَ : «أخْبَارِ المُفَسِّرِيْنَ، وأخْبَارِ العُلَمَاءِ، وأخْبَارِ الفُقَهَاءِ، وأخْبَارِ الدُّعَاةِ» فأسْألُ الله تَعَالى الإعَانَةَ والتَّوْفِيْقَ على إخْرَاجِهَا، آمِيْنَ .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 36 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208620)