البَابُ الثَّاني النَّقْدُ والاسْتِدْرَاكَاتُ على كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"
عدد مرات القراءة: 820614

البَابُ الثَّاني

النَّقْدُ والاسْتِدْرَاكَاتُ

على كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"

لَقَدْ شَاءَ الله تَعَالى أنْ أقِفَ على بَعْضِ الكُتُبِ الَّتِي صُنِّفَتْ وألِّفَتْ في فَنِّ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" ممَّا كَتَبَهَا أهْلُ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا، ابْتِدَاءً بكِتَابِ الجَوْزَقيِّ (388)، والحُمَيْدِيِّ (488)، وعَبْدِ الحَقِّ الإشْبِيليِّ (582) وغَيْرَهُم، وانْتِهَاءً بكِتَابِ ابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيِّ (852)، وعَبْدِ الحَقِّ الهَاشِميِّ (1394)، ومُحَمَّد فُؤَاد عَبْدَ البَاقي (1388)، ومُحَمَّد لُقْمَانَ السَّلَفِيِّ، وصَالِحٍ الشَّاميِّ، ويَحْيَى اليَحْيَى وغَيْرَهُم، وسَيَأتي ذِكْرُهُم على التَّفْصِيْلِ إنْ شَاءَ الله.

عِلمًا أنَّنِي هُنَا لم أقْصِدْ (عِيَاذًا بالله!): الاسْتِدْرَاكَ على طَرِيْقَةِ ومَنْهَجِ أصْحَابِ هَذِهِ الكُتُبِ آنِفَةِ الذِّكْرِ، لأنَّ التَّصْنِيْفَ في كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" هِيَ جَادَّةٌ مَطْرُوْقَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مُنْذُ القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ إلى وَقْتِنَا هَذَا، كَمَا أنَّني لا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنْكَرَهَا أو حَذَّرَ مِنْهَا، إلَّا مَا كَانَ مِنْ بَعْضِهِم في نَقْدِ طَرِيْقَةِ بَعْضِ المُؤلِّفِيْنَ في كُتُبِهِم الجَامِعَةِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ، ممَّا هُوَ جَارٍ في دَائِرَةِ الاجْتِهَادِ والتَّصْحِيْحِ.

وعَلى هَذَا؛ فَإنَّ اسْتِدْرَاكِي ومَلْحُوْظَاتي هُنَا هِيَ قَائِمَةٌ وجَارِيَةٌ حَوْلَ كُلِّ مَنِ اسْتَعَاضَ بحِفْظِ هَذِهِ الكُتُبِ عَنْ أصْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما الصَّحِيْحَانِ... كَمَا أنَّني مَا أرَدْتُ برِسَالَتِي هَذِهِ ابْتِدَاءً إلَّا الوُقُوْفَ والاسْتِدْرَاكَ على هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ السَّائِرَةِ في حِفْظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لأخِيْنَا الشَّيْخِ المُحَدِّثِ يَحْيَى اليَحْيَى حَفِظَهُ الله، و"الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ"!

* * *

فَعَوْدًا على بَدْءٍ؛ فإنَّني مِنْ خِلالِ مُطَالَعَاتي وقِرَاءَاتي قَدِيْمًا وحَدِيْثًا لكُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" في الجُمْلَةِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ لي أنَّ لكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم مَنْهَجَهُ وطريقَتَهُ في التَّألِيْفِ والتَّصْنِيْفِ، الأمْرُ الَّذِي يَدُلُّ ضَرُوْرَةً بِأنَّ هَذِهِ الكُتُبَ الجَامِعَةَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ قَدْ غَدَتْ مُؤلَّفَاتٍ ومُصَنَّفَاتٍ مُسْتَقِلَّةً مُنْفَرِدَةً عَنْ أصْلِهِمَا (البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ)، كَمَا أنَّ غَالِبَ هَذِهِ الكُتُبِ لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ أصُوْلهَا صِلَةٌ سَوَاءٌ أكَانَتْ في التَّرْتِيْبِ أو التَّبْوِيْبِ... اللَّهُمَّ مَا كَانَ مِنِ انْتِقَاءٍ للأحَادِيْثِ، ثُمَّ صِيَاغَتُهَا بَعْدِ تَرْتِيْبٍ جَدِيْدٍ، فافْهَمْ هَذَا هُدِيْتَ إلى الحَقِّ والصَّوَابِ!

فَكَانَ هَذَا وغَيْرُهُ أحَدَ الأسْبَابِ الَّتِي دَفَعَتْنِي إلى تَرْسِيْمِ هَذِهِ الاسْتِدْرَاكَاتِ النَّاصِحَةِ نَحْوَ مَا تَقُوْمُ بِهِ هَذِهِ الدَّوْرَاتُ العلْمِيَّةُ مِنْ تَقْنِيْنٍ وتَرْتِيْبٍ لحِفْظِ السُّنَّةِ لدَى طُلَّابِ العِلْمِ المُقْبِلِيْنَ إلَيْهَا، الأمْرُ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةَ تَقَعُ في بَعْضِ الأخْطَاءِ الَّتِي مِنْ شَأنِهَا أنْ تَدْفَعَ أصْحَابَهَا إلى اطِّرَاحِ طَرِيْقَةِ حِفْظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" كَمَا هُوَ مَاثِلٌ مِنْ خِلالِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ، والاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بحِفْظِ أصْلِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، كُمَا هُوَ الشَّأنُ عِنْدَ أئِمَّتِنَا سَلَفًا وخَلَفًا.

* * *

  لِذَا كَانَ مِنْ بَيَانِ الحَقِّ، وبَذْلِ النَّصِيْحَةِ أنْ نَقُوْلَ: إنَّ طَرِيْقَةَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ السَّائِرَةِ في حِفْظِ السُّنَّةِ لطُلَّابِ العِلْمِ عَنْ طَرِيْقِ حِفْظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لهِي طَرِيْقَةٌ غَيْرُ صَحِيْحَةٍ في الجُمْلَةِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي باخْتِصَارٍ:

الاسْتِدْرَاكُ الأوَّلُ: أنَّ كُتُبَ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"الزَّوَائِدِ"، لم تُؤلَّفْ ولم تُصَنَّفْ سَلَفًا وخَلَفًا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلَّا لأرْبَعَةِ أمُوْرٍ في الأعَمِّ الغَالِبِ:

الأوَّلُ: أنَّها لم تُؤلَّفْ عِنْدَ غَالِبِ أصْحَابِهَا إلَّا بقَصْدِ التَّقْرِيْبِ لأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ، بحُجَّةِ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِم قَدْ ضَاقَتْ أوْقَاتُهُم، وقَصُرَتْ هِمَمُهُم، وضَعُفَتْ عَزَائِمُهُم عَنْ حِفْظِ ودِرَاسَةِ الأحَادِيْثِ مَتْنًا وسَنَدًا، ولاسِيَّما أحَادِيْثُ الصَّحِيْحَيْنِ.

وهَذَا السَّبَبُ لا نَجِدُهُ (ولله الحَمْدُ!) عِنْدَ هَؤلاءِ الطَّلَبَةِ المُقْبِلِيْنَ بِكُلِّ هِمَّةٍ وعَزِيْمَةٍ على حِفْظِ السُّنَّةِ، فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ نَدْفَعَهُم إلى حِفْظِ الأصُوْلِ ابْتِدَاءً بالصَّحِيْحَيْنِ والسُّنَنِ، وانْتِهَاءً بالمَسَانِيْدِ والمَعَاجِمِ وغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ، ولَيْسَ هَذَا على الله بعَزِيْزٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مُسْلِمٍ أنَّهُ قَالَ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظَاهِرِيْنَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم؛ حَتَّى يَأتي أمْرُ الله، وهُمْ كَذَلِكَ»، وقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ: هُمْ أهْلُ الحَدِيْثِ في الجُمْلَةِ.

وقَدْ صَحَّ أيْضًا عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ أمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ لا يُدْرَى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، بإسْنَادٍ حَسَنٍ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ الله امْرأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ» أخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ. وغَيْرَهُ مِنَ الأحَادِيْثِ الدَّالَّةِ على بقَاءِ الطَّائِفَةِ المَنْصُوْرَةِ الحَافِظَة للسُّنَّةِ والأثَرِ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، ومَجيءِ أمْرِ الله تَعَالى!

* * *

وعَلى هَذَا؛ فَقَدِ انْصَرَفَتْ وُجُوْهُ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ عَنِ الاشْتِغَالِ بكُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، سَوَاءٌ في حِفْظِهَا أو مُدَارَسَتِهَا أو شَرْحِهَا، فَضْلًا أنْ يَتَّخِذُوْهَا مَنْهَجًا للحِفْظِ، وطَرِيْقَةً للتَّلْقِيْنِ: إلى دِرَاسَةِ وحِفْظِ وشَرْحِ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"!

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ (سَلَفًا وخَلَفًا) لم يَكُوْنُوا عِنْدَ تَحْدِيْثِهِم أو شَرْحِهِم: يَعْزُوْنَ الأحَادِيْثَ النَّبَوِيَّةَ إلى كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" إلَّا عِنْدَ اعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ هِيَ مِنْ شَأنِ المُشْتَغِلِيْنَ بالحَدِيْثِ، ولاسِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ بَعْضِ زِيَادَاتِ الحُمَيْدِيِّ في كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَاداتُ في السَّنَدِ أو المَتْنِ، أو غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الاعْتِبَارَاتِ العَارِضَةِ التي يَطُوْلُ ذِكْرُهَا، ومَعَ هَذَا أيْضًا لم يَكُنْ دَيْدَنُهُم هُوَ النَّقْلُ أو التَّحْدِيْثُ أو العَزْوُ إلى كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"!

وأدَلُّ شَيءٍ عَلى هَذَا أيْضًا: هُوَ مَا كَتَبَهُ وحَرَّرَهُ أهْلُ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا في كُتُبِهِم ورَسَائِلِهِم ومَقَالاتِهِم وإمْلاءَاتِهِم... الشَّيءُ الَّذِي يَدُلُّنَا صَرَاحَةً إلى أنَّ تَصَرُّفَاتِ أهْلِ العِلْمِ وعَزْوَهَم وإحَالاتِهِم عِنْدَ التَّحْدِيْثِ والتَّألِيْفِ والعَزْوِ: هُوَ مَا كَانَ مِنْهُم إلى أصُوْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ ابْتِدَاءً بالصَّحِيْحَيْنِ، وانْتِهَاءً بالسُّنَنِ الأرْبَعِ، وغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ الأصُوْلِ.

فَدُوْنَكَ مَثَلًا: مَا كَتَبَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ (463)، والخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ (463)، والنَّووِيُّ (676)، وابنُ قُدَامَةَ (620)، وابنُ تَيْمِيَّةَ (728)، وابنُ القَيِّمِ (751)، وابنُ كَثِيرٍ (774)، والذَّهِبيُّ (748)، وابنُ حَجَرٍ (852)، والشَّاطِبيُّ (790)، وابنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (1206)، والشَّوكَانيُّ (1250)، ومُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ (1389)، والسعدي (1376)، وابنُ بَازٍ (1420)، وهَكَذا في سِلْسِلَةٍ سَلَفِيَّةٍ مِنْ أئِمَّةِ السُّنَّة والأثَرِ!

ومِنْ هُنَا؛ فلْيَعْلَمِ الجَمِيْعُ أنَّ طَرَائِقَ أئِمَّتِنَا مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمانِ في التَّحْدِيْثِ والعَزْوِ: هُوَ مَا كَانَ إلى أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ (البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ)، وكُتُبِ السُّنَنِ الأرْبَعِ، والمَسَانِيْدِ، وهَكَذَا في غَيْرِهَا مِنَ الأصُوْلِ الحَدِيْثِيَّةِ، وهَذَا ممَّا لا يُخَالِفُ فِيْهِ أحَدٌ ممَّنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِسِيَرِ القَوْمِ عِنْدِ التَّحْدِيْثِ والتَّألِيْفِ والله المُوَفِّقُ.

الثَّاني: أنَّهَا أيْضًا لم تُؤلَّفْ غَالِبًا إلَّا تَذْكِيرًا للحُفَّاظِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ والأثَرِ ممَّنْ لهُم سَابِقَةُ حِفْظٍ وعِنَايَةٍ ومُطَالَعَةٍ ودِرَاسَةٍ للسُّنَّةِ.

بمَعْنَى أنَّهُم أرَادُوا بكُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" و"الزَّوَائِدِ": التَّقْرِيْبَ والتَّذْكِيْرَ لمَنْ كَانَ حَافِظًا مُحَدِّثًا ممَّنْ لَهُ كَبِيْرُ عِنَايَةٍ واهْتِمامٍ بالسُّنَّةِ، وهَذِهِ الجَادَّةُ مَعْلُوْمَةٌ مَشْهُوْرَةٌ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ ممَّنْ بَلَغُوا شَأوًا كَبِيرًا في العِلْمِ والحِفْظِ، كَمَا لهُم أيْضًا في هَذَا عِبَارَاتٌ قَدْ ضَمَّنُوْهَا تَصْدِيْرَ مُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِم، مِثْلُ قَوْلهِم عِنْدَ الاخْتِصَارِ أو الجَمْعِ: ليَكُوْنَ تَذْكِرَةً للمُنْتَهِي، وتَبْصِرَةً للمُبْتَدِئ!

وهُنَاكَ طَائِفَةٌ لَيْسَتْ بالقَلِيْلَةِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي صُنِّفَتْ وألِّفَتْ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، بغَرَضِ التَّقْرِيْبِ والتَّذْكِيْرِ، وحَسْبُكَ مِنْهَا مَثَلًا: "تُحْفَةَ الأشْرَافِ" للمِزِّي رَحِمَهُ الله وغَيْرَهُ مِنْ كُتُبِ أهْلِ السُّنَّةِ والأثَرِ، ولَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِهَا.

الثَّالِثُ: أنَّ كُتُبَ "الزَّوَائِدِ" خَاصَّةً(1) لم تُؤلَّفْ ولم تُصَنَّفْ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلَّا لتَقْرِيْبِ القَاصِي والبَعِيْدِ، وتَسْهِيْلِ العَسِيْرِ والشَّرِيْدِ، وهَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ العُمُرَ قَصِيْرٌ والزَّمَنَ يَسِيرُ، لأجَلِ هَذَا لمَّا عَلِمَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ أنَّ الإحَاطَةَ بجَمِيْعِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ: أصْبَحَ صَعْبًا وعَسِيرًا، بَلْ أمْسَى مَطْلَباً عَزِيْزًا؛ قَامُوا والحَالَةُ هَذِهِ إلى كِتَابَةِ "الزَّوَائِدِ" لعِلْمِهِمُ السَّابِقِ أنَّ إدْرَاكَ جَمِيْعِ الأحَادِيْثِ لم يَنَلْهُ إلَّا أفْذَاذٌ مِنَ جَهَابِذَةِ الحِفْظِ والتَّحْدِيْثِ ممَّنْ مَضَتْ أجْيَالهُم، وانْقَضَتْ عَجَائِبُهُم مِنْ أئَمَّةِ الحَدِيْثِ والأثَرِ، ولاسِيَّما شُعَبَةُ، وابنُ مَعِينٍ، وأحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وأبو زُرْعَةَ، والبُخَارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأصْحَابُ السُّنَنِ، والدَّارَقُطْنيُّ في غَيْرِهِم مِنْ شُيُوْخِ الإسْلامِ، وبُدُوْرِ المِلَّةِ، وأسَاطِيْنِ الدِّيْنِ، ومَحَاسِنِ الزَّمَانِ، وأعْلامِ الحِفْظِ.

فانْظُرْهُم في كِتَابِ "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ" للذَّهَبيِّ، أو في كُتُبِ التَّراجِمِ والطِّبَاقِ لتَعْلَمَ أنَّ القَوْمَ قَدْ تَرَبَّعُوا على أسِرَّةِ العِلْمِ والفِقْهِ، وتَوَسَّدُوا مَوَاطِنَ الفَهْمِ والحِفْظِ؛ حَيْثُ سَارَتْ بأخْبَارِهِم وكُتُبِهِم الرُّكْبَانُ في مَشَارِق الأرْضِ ومَغَارِبِهَا، وضَرَبَتْ إلَيْهِم أعْطَانُ الإبْلِ بأكْبَادِهَا؛ ومِنْ هُنَا ارْتَفَعَ شَأوُهُم، وعَلا كَعْبُهُم، وظَهَرُ حِفْظُهُم، وبَانَ فَضْلُهُم، فَعِنْدَهَا عَجِزَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُم أنْ يَأتي بمِثْلِهِم، وضَعُفَ مَنْ مَشَى خَلْفَهُم أنْ يَقْوَى سَعْيَهُم، والله يُؤتي فَضْلَهُ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ المُؤمِنِيْنَ!

والحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ؛ فَقَدِ اقْتَصَرَ أكْثَرُ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ على حِفْظِ أصُوْلِ الكُتُبِ السِّتَّةِ أو التِّسْعَةِ، ومَا زَادَ عَلَيْهَا اسْتَدْرَكُوْهُ مِنْ خِلالِ صِنَاعَةِ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"، و"الأفْرَادِ" الَّتِي قَرَّبَتْ إلَيْهِمُ البَعِيْدَ، وسَهَّلَتْ عَلَيْهِمُ العَصِيْبَ.

وهَذَا مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الصِّنَاعَةِ ورَئِيْسُ البِضَاعَةِ ممَّن مَهَرَ واشْتَهَرَ في فَنِّ "الزَّوَائِدِ" الحَافِظُ نُوْرُ الدِيْنِ عليُّ بنُ أبي بَكْرٍ الهَيْثَمِيُّ رَحِمَهُ الله (807) كَمَا جَاءَ في مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ "كَشْفِ الأسْتَارِ عَنْ زَوَائِدِ البَزَّارِ" (1/ 5): "فَقَدْ رَأيْتُ مُسْنَدَ أبي بَكْرٍ البَزَّارِ المُسَمَّى: ب"البَحْرِ الزَّخَّارِ" قَدْ حَوَى جُمْلَةً مِنَ الفَوَائِدِ الغِزَارِ يَصْعُبُ التَوَصُّلُ إلَيْهَا على مَلْتَمِسِهَا، ويَطُوْل ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُخَرِّجَهَا، فأرَدْتُ أنْ أتَتَبَّعَ مَا زَادَ فِيْهِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ!".

وبنَحْوِهِ قَالَ تَلْمِيْذُهُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ رَحِمَهُ الله (852) في "المَطَالِبِ العَالِيَةِ" (1/ 3): "قَدْ جَمَعَ أئِمَّتُنَا مِنَ الحدِيْثِ الشَّتَاتِ، على المَسَانِيْدِ والأبْوَابِ المُرَتَّبَاتِ، فَرَأيْتُ جَمْعَ جَمِيْعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ في كِتَابٍ وَاحِدٍ، ليَسْهُلَ الكَشْفُ فِيْهِ على أُوْلي الرَّغَبَّاتِ!".

ومِنْ خِلالِ مَا ذَكَرنَاهُ هُنَا؛ فلْيَعْلَمِ الجَمِيْعُ أنَّ كُتُبَ "الجَوَامِعِ"، و"الزَّوَائِدِ"، و"الأفْرَادِ" لم تُؤلَّفْ في غالَبِ وحَقِيْقَةِ الأمْرِ إلَّا لتَقْرِيْبِ البَعِيْدِ وتَهْذِيْبِ الشَّرِيْدِ مِنَ الأحَادِيْثِ الَّتِي غَدَتْ بَعِيْدَةَ المَنَالِ، عَزِيْزَةَ النَّوَالِ، بَلْ أضْحَتْ عَسِيْرَةَ الحِفْظِ على رَاغِبِهَا، عَصِيْبَةِ العَدِّ على طَالِبِهَا... فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ جُمِعَتْ ودُوِّنَتْ وصُنِّفَتْ كُتُبُ "الزَّوَائِدِ" وغَيْرِهَا لهَذَا الغَرَضِ النَّبِيْلِ، وهَذَا الشَّرَفِ الجَلِيْلِ... لا أنْ تَبْقَى مُزَاحِمَةً لأصُوْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ والأثَرِ، فَافْهَمْ هُدِيْتَ إلى الحَقِّ والتَّوْفِيْقِ، آمِيْنَ!

الرَّابِعُ: أنَّ كُتُبَ "الزَّوَائِدِ" لم تُؤَلَّفْ أيْضًا إلَّا للحِفَاظِ على كُتُبِ السُّنَّةِ الَّتِي يُخْشَى انْدِثَارُهَا ونِسْيَانُهَا لخُمُوْلِ ذِكْرِهَا، وقِلَّةِ العِنَايَةِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي صُنِّفَتْ قَبْلَ الصَّحِيْحَيْنِ أو بَعْدَهُمَا، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ الفَقِيْهُ الدِّهْلَويُّ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ "حُجَّةِ الله البَالِغَةِ" (1/ 134): "والطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: مُسَانِيْدُ وجَوَامِعُ ومُصَنَّفَاتٌ، صُنِّفَتْ قَبْلَ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، وفي زَمَانِهِمَا وبَعْدِهِمَا، جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّحِيْحِ والحَسَنِ والضَّعِيْفِ، والمَعْرُوْفِ والغَرِيْبِ، والشَّاذِّ والمُنْكَرِ، والخَطَأ والصَّوَابِ، والثَّابِتِ والمَقْلُوْبِ، ولم تُشْتَهَرْ في العُلَمَاءِ ذَلِكَ الاشْتِهَارَ، وإنْ زَالَتْ عَنْهَا النَّكَارَةُ المُطْلَقَةُ... فَهِيَ بَاقِيَةٌ على اسْتِتَارِهَا واخْتِفَائِهَا وخُمُوْلِهَا، كـ "مُسْنَدِ أبي يَعْلى"، و"مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ"، و"مُصْنَفِ أبي بَكْرٍ بنِ أبي شَيْبَةَ"، و"مُسْنَدِ عَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ" و"الطَّيَالِسِي"، وكُتُبِ البَيْهَقِيِّ، والطَّحَاوِيِّ، والطَّبَرانيِّ.

وكَانَ قَصْدُهُم جَمْعَ مَا وُجَدُوْهُ، لا تَلْخِيْصَهُ وتَهْذِيْبَهُ مِنَ العَمَلِ"(2) انْتَهَى.

ومَهْمَا يَكُنْ؛ فَإنَّ كُتُبَ "الزَّوَائِدِ" لا تَخْلُو مِنْ فَوَائِدَ كَثِيْرَةٍ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهَا بَعْضُ المُشْتَغِلِيْنَ بعِلْمِ "الزَّوَائِدِ" مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، ولاسِيَّمَا بَعْضُ الفَوَائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بتَرْتِيْبِ الأحَادِيْثِ على المَسَانِيْدِ أو الأطْرَافِ، أو الأبْوَابِ الفَقْهِيَّةِ، وأيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ اتِّصَالًا وانْقِطَاعًا، وسَمَاعًا وإرْسَالًا، وشَاهِدًا ومُتَابِعًا، وكَذَا في مَعْرِفَةِ عِلَّةٍ خَفِيَّةٍ، أو شُذُوْذٍ مُخِلٍّ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الفَوَائِدِ الَّتِي لا تَسَعُهَا هَذِهِ الرِّسَالَةُ المُخْتَصَرَةُ، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّاني: ومِنَ الاسْتِدْرَاكَاتِ أيْضًا، أنَّ كُلَّ مَنْ ألَّفَ أو صَنَّفَ في "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لَهُ مَنْهَجٌ خَاصٌّ، وطَرَيْقَةٌ مَعْلُوْمَةٌ في جَمْعِهِ لأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ؛ سَوَاءٌ كَانَ في طَرِيْقَةِ التَّبْوِيْبِ والتَّرْتِيْبِ، أو في الزِّيَادَاتِ والاخْتِصَارَاتِ، أو في التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ، أو في الاتِّفَاقَاتِ والإفْرَادَاتِ، أو في مَخْرَجِ الحَدِيْثِ وذِكْرِ الرَّاوِي، أو في السَّمَاعَاتِ والتَّحْدِيْثَاتِ، أو في المَوْقُوْفَاتِ والمَقْطُوْعَاتِ، أو في المُعَلَّقَاتِ والبَلاغَاتِ... أو غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ أهْلِ الشَّأنِ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ.

ومِنْ خِلالِ هَذِهِ المَنَاهِجِ والطَّرَائِقِ الخَاصَّةِ الَّتِي الْتَزَمَ بِهَا أصْحَابُهَا في تَألِيْفِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، نَكُوْنُ عِنْدَهَا على يَقِيْنٍ بِأنَّهَا قَدْ أصْبَحَتْ كُتُبًا ذَاتَ مَنْهَجٍ وطَرِيْقَةٍ لا تَتَّفِقُ والصَّحِيْحَيْنِ في شَيءٍ مِمَّا ذُكِرَ، الأمْرُ الَّذِي يَجْعَلُهَا كُتُبًا جَدِيْدَةً مُنْفَرِدَةً عَنْ أصْلِهَا: تَرْتِيْبًا وتَبْوِيْبًا ومَنْهَجًا وتَخْرِيْجًا... ولا يُخَالِفُ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ بأبْجَدِيَّاتِ كُتُبِ السُّنَّةِ، ومَنَاهِجِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ.

* * *

ومَنْ أرَادَ مَعْرِفَةَ حَقِيْقَةِ الاخْتِلافِ بَيْنَ طَرِيْقَةِ أصْحَابِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، وبَيْنَ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، فلْيَنْظُرْ إلى طَرِيْقَةِ ومَنْهَجِ عَامَّةِ أصْحَابِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، كَي يَعْلَمَ حِيْنَهَا بَأنَّ القَوْمَ لم يَدَعُوا مَجَالًا لمُتَعَقِّبٍ، ولم يَتْرُكُوا شَكًّا لمُتَحَقِّقٍ في مَعْرِفَةِ مَنَاهِجِهِم في التَّألِيْفِ، وذَلِكَ حِيْنَما يَعْلَمُ الجَمِيْعُ بأنَّهُم قَدِ الْتَزَمُوا في تَألِيْفِ كُتُبِهِم طَرَائِقَ شَتَّى ومَنَاهِجَ مُخْتَلِفَةً تَدُلُّ بمَجْمُوْعِهَا على أنَّ عَامَّةَ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" قَدِ ارْتَسَمَتْ مَنْهَجًا فَرِيْدًا، واتَّخَذَتْ طَرِيْقًا مُغَايِرًا عَنْ حَقِيْقَةِ أُصُوْلِهَا!

وتَحْقِيْقًا لمَطْلُوْبِ أهْلِ التَّحْقِيْقِ، ونُزُوْلًا عِنْدَ مَرْغُوْبِ أهْلِ التَّدْقِيْقِ ممَّنْ تَاقَتْ نُفُوْسُهُم، وشَاقَتْ قُلُوْبُهُم إلى مَعْرِفَةِ الاخْتِلافِ المَنْهَجِي بَيْنَ تَألِيْفِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، وبَيْنَ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ": فَقَدْ سُقْنَا لهُم طَرَفًا مِنْ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وذَكَرْنَا لهُم بَعْضَ أسْمَائِهَا على وَجْهِ التَّرْتِيْبِ والتَّهْذِيْبِ بحَسَبِ تَألِيْفِ أصْحَابِهَا ووَفَيَاتِهِم، فَكَانَ مِنَ ذَلِكَ:

كِتَابُ "المُسْتَخْرَجِ على الاتِّفَاقِ"، ويُقَالُ: "المُتَّفَقُ الكَبِيْرُ"، ويُقَالُ: "الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ أبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله الشَّيْبَانيِّ الجَوْزَقِيِّ رَحِمَهُ الله (388).

ثُمَّ كِتَابُ الحَافِظِ ابنِ عُبَيْدٍ الدِّمِشْقِيِّ رَحِمَهُ الله (401)، ثُمَّ كِتَابُ الحَافِظِ الفَقِيْهِ أبي مُحَمَّدٍ إسْمَاعِيْلَ بنِ أحْمَدَ المَعْرُوْفِ بابنِ الفُرَاتِ السَّرْخَسِيِّ (414)، ثُمَّ كِتَابُ الحَافِظِ الفَقِيْهِ أبي مُحَمَّدٍ إسْمَاعِيْلَ بنِ إبْرَاهِيْمَ السَّرْخَسِيِّ ثُمَّ الهَرَوِيِّ القَّرَابِ رَحِمَهُ الله (414)، ويُسَمَّى كِتَابُهُ: "الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، ثُمَّ كِتَابُ الحَافِظِ أبي بَكْرٍ أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البَرْقَانيِّ (425).

ثُمَّ كِتَابُ الحَافِظِ الفَقِيْهِ أبي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بنِ أبي نَصْرٍ فُتُوْح بنِ حُمَيْدٍ الحُمَيْدِيِّ (488)، وسَمَّى كِتَابَهُ: "الجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وقَدْ رَتَّبَهُ على مَسَانِيْدِ الصَّحَابَةِ، كَمَا أنَّهُ بَيَّنَ فِيْهِ الأحَادِيْثَ الأفْرَادَ الَّتِي وَقَعَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ولم تَقَعَ للآخَرِ، كَمَا أضَافَ إلى أحَادِيْثِ "الصَّحِيْحَيْنِ" بَعْضَ الزِّيَادَاتِ الَّتِي أخَذَهَا مِنَ "المُسْتَخْرَجَاتِ"، ومَيَّزَهَا غَالِبًا، وهِيَ مُفِيْدَةٌ للطَّالِبِ في مَعْرِفَةِ مَعَاني الحَدِيْثِ وألْفَاظِهِ.

ثُمَّ كِتَابُ "الجَامِعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ أبي مُحَمَّدٍ حُسَيْنٍ الفَرَّاءِ البَغَوِيِّ (516)، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ الإشْبِيليِّ (582)، وهُوَ مِنْ أوْسَعِ الكُتُبِ جَمْعًا وأتْقَنَهَا نَظْمًا فَقَدْ تَفَرَّدَ بمَنْهَجٍ سَدِيْدٍ في جَمْعِ أحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ لم يُسْبَقْ إلَيْهِ، وأتَى بنَوَادِرِ الكِتَابَيْنِ مِنَ النَّاحِيَةِ الحَدِيْثِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ؛ حَيْثُ حَافَظَ على أبْوَابِ البُخَارِيِّ، وألْحَقَ مُعَلَّقَاتِهِ في آخِرِ كِتَابِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ كِتَابَهُ على صَحِيْحِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ اتَّخَذَهُ أصْلًا ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ أحَادِيْثَ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ، كَمَا بَيَّنَ الإفْرَادَاتِ بَينَهُما بطَرِيْقَةٍ مَنهَجِيَّةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ في مَتْنِ الأحَادِيْثِ أو في أسَانِيْدِهَا، ومِنْ أرَادَ جِلْيَةَ الأمْرِ فليَنْظُرْ إلى مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، وطَرِيْقَةِ تَرْتِيْبِهِ للأحَادِيْثِ.

ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لأبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ بَدْرٍ المَوْصِليِّ (622)، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للعَلَّامَةِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الصَّاغَانيِّ (650)، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للمُنْذِريِّ (656)، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيِّ (852)، ثُمَّ تَكَاثَرَتْ كُتُبُ "الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، فَكَانَ مِنْهَا:

كِتَابُ "مُسْنَدِ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ الهَاشِميِّ (1394)، ثُمَّ كِتَابُ "اللُّؤْلُؤ والمَرْجَانِ فِيْمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ" للشَّيْخِ مُحَمَّد فُؤاد (1388)، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للشَّيْخِ صَالِحِ بنِ أحْمَدَ الشَّاميِّ، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ أيْضًا في كِتابٍ، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للشَّيْخِ لُقْمانَ السَّلَفِيِّ، ثُمَّ كِتَابُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للشَّيْخِ يَحْيَى اليَحْيَى، وغَيْرَهَا كَثِيْرٌ، ومَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا قَلِيْلٌ مِنْ كَثِيْرٍ لا تَسَعُهَا هَذِهِ الرّسَالَةُ المُوْجَزَةُ.

وأخِيْرًا؛ فَإنَّ كَلَّ مَنْ نَظَرَ إلى هَذِهِ الكُتُبِ بعَامَّةٍ، لاسِيَّما المَطْبُوْعُ مِنْهَا سَيَجِدُ أنَّ لكُلٍّ مِنْهَا مَنْهَجًا وطَرِيْقَةً خَاصَّةً بِهَا، ممَّا يَقْطَعُ بانْفِرَادِهَا عَنْ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ" في الجُمْلَةِ إلَّا مِنْ بَعْضِ الرَّوَابِطِ والإشَارَاتِ الدَّالَّةِ على بِنَاءِ الفَرْعِ بالأصْلِ، واتِّصَالِ نِسْبَةِ الابْنِ بالأبِ، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّالِثُ: ومِنَ الاسْتِدْرَاكَاتِ أيْضًا أنَّ التَوَسُّعَ في حِفْظِ ونَشْرِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" بَيْنَ طُلَّابِ العِلْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وسَائِرٌ هَذِهِ الأيَّامَ مِنْ خِلالِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ: يُعْتَبرُ في حَقِيقَتِهِ دَعْوَةً صَرِيحَةً إلى مُزَاحمَةِ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ورُبَّما أدَّى ذَلِكَ إلى هَجْرِ "الصَّحِيْحَيْنِ" ولَو في الأمَدِ البَعِيْدِ، عَلِمْنَا هَذَا أم جَهِلْنَاهُ!

يُوَضِّحُهُ أنَّ طَائِفَةً مِنْ كُتُبِ المُخْتَصَرَاتِ (الحَدِيْثِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ واللُّغَوِيَّةِ والتَّارِيْخِيَّةِ وغَيْرَهَا) قَدْ أخَذَتْ شُهْرَةً أكْبَرَ مِنْ أُصُوْلهَا، بَلْ إنَّ بَعْضَهَا قَدْ غَلَبَ وغَالَبَ الأُصُوْلَ؛ بسَبَبِ أنَّها نَالَتْ خِدْمَةً واهْتِمامًا مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ الأمْرُ الَّذِي جَعَلَهَا تَفُوْقُ أُصُوْلهَا شُهْرَةً وانْتِشَارًا، كَمَا هُوَ مَعْلُوْمٌ للجَمِيْعِ.

وعلى هَذَا؛ فَإنَّهُ يُخْشَى مِنْ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العلْمِيَّةِ أنْ تَكُوْنَ سَبَبًا في نَشْرِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" بَيْنَ طُلَّابِهَا مَا بَيْنَ دَوْرَةٍ وحِفْظٍ وفَهْمٍ ومُرَاجَعَةٍ، ورُبَّما تَدْفَعُهُم إلى شَرْحِهَا (كَمَا سَيَأتي ذِكْرُهُ!)، الشَّيءَ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ في الأمَدِ القَرِيْبِ أنْ تَكُوْنَ صَارِفَةً عَنْ أُصُوْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ الَّتِي عَرَفَهَا المُسْلِمُوْنَ أكْثَرَ مِنْ ألْفِ سَنَةٍ أو يَزِيْدُ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ طَائِفَةً مِنْ هَؤلاءِ الشَّبَابِ الَّذِيْنَ أقْبَلُوا على حِفْظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" قَدِ اشْتَغَلُوا بِهَا حِفْظًا وفَهْمًا ومُرَاجَعَةً عَنْ أُصُوْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، بَلْ إنَّ بَعْضَهُم لَيسَ لَهُ هِمَّةٌ في قرَاءَةِ أُصُوْلِ الصَّحِيْحَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أصَحَّا كِتَابٍ بَعْدَ كِتَابِ الله تَعَالى، كَمَا أنَّهُما أصْلُ كُتُبِ السُّنَّةِ بعَامَّةٍ، ومِنْ هُنَا سَيَكُوْنُ الخَلَلُ كَامِنًا في صَرْفِ الطَّالِبِ عَنْ حِفْظِ أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ، وعَلَيْهِ سَوْفَ يُحْرَمُ الطَّالِبُ كَثِيْرًا مِنَ الفَوَائِدِ والعَوَائِدِ العِلْمِيَّةِ والحَدِيْثِيَّةِ، كَمَا سَيَأتي.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الرَّابِعُ: ومِنْهَا أنَّ كُتُبَ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لم تَتَقيَّدْ بتَبْويْبَاتِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله في صَحِيْحِهِ، لا في تَرْتِيْبِ الأحَادِيْثِ، ولا في تَرْتِيْبِ سَرْدِهَا تَحْتَ تَرَاجِمِ أبْوابِهَا، ممَّا كَانَ سَبَبًا لصَرْفِ فَهْمِ وعِلْمِ أكْثَرِ الطُّلَّابِ عَنْ مَنْهَجِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله في تَبْوِيْبِهِ للأحَادِيْثِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ للبُخَارِيِّ في تَبْوِيْبَاتِهِ في الصَّحِيْحِ مَنْهَجًا فَرِيْدًا لَهُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ، وحَسْبُكَ أنَّ طَائِفَةً كَبِيْرةً مِنْ أهْلِ العِلْمِ لم يَغْفِلُوا هَذِهِ الأبْوَابَ، بَلْ قَدِ اشْتَغَلُوا بِدِرَاسَتِهَا وشَرْحِهَا ممَّا يَدُلُّ على أهَمِّيَّتِهَا ونَفَاسَتِهَا لكَوْنِهَا جَمَعَتْ مِنْ فِقْهِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله مَا يَصْلُحُ أنْ يَكُوْنَ كِتَابًا جَامِعًا لأكْثَرِ فِقْهِ البُخَارِيِّ، وقَدْ حَصَلَ!

ولهَذَا قَدِ اشْتُهِرَ في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ: "أنَّ فِقْهَ البُخَارِيِّ في تَرَاجِمَهِ"، وبالجُمْلَةِ فَتَراجِمُ البُخَارِيِّ قَدْ حَيَّرَتِ الأفْكَارَ وأدْهَشَتِ العُقُوْلَ والأبْصَارَ!

ومِنْ هُنَا؛ فَإنَّ تَبْوِيْبَاتِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله في صَحِيْحِهِ لهَا شَأنٌ وتَقْدِيْرٌ واهْتِمامٌ كَبِيْرٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا، وحَسْبُكَ مِنْهَا كِتَابَ "المُتَوَارِي على تَرَاجِمِ أبْوَابِ البُخَارِيِّ" لنَاصِرِ الدِّيْنِ أحمَدَ ابنِ المُنَيِّرِ رَحِمَهُ الله (683)، وغَيْرَهُ ممَّنْ شَرَحَ صَحِيْحِ البُخَارِيّ، ولاسِيَّما ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ رَحِمَهُ الله في "فَتْحِ البَارِي" وغَيْرَهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

ومِنْ خِلالِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أهَمِّيَّةِ تَبْوِيْبَاتِ البُخَارِيِّ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ والفِقْهِ؛ فَإنَّ الَّذِي نَخْشَاهُ على طُلَّابِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ وغَيْرِهَا ممَّنْ اقْتَصَرُوا على كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"؛ أنَّهم سَوْفَ يُحْرَمُوْنَ هَذِهِ الفَوَائِدَ الحَدِيْثِيَّةَ، وهَذِهِ الفَرَائِدَ الفِقْهِيَّةَ عِنْدَ اقْتِصَارِهِم على حِفْظِ ومُدَارَسَةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ".

وأمَّا تَبْوِيْبَاتِ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ فَهِي مِنْ صَنِيْعِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ الله على المَشْهُوْرِ (3)، وأيًّا كانَ الأمْرُ فَهِي تَبْوِيْبَاتٌ مُعْتَبرَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ فَرِيْدَةٌ في صِيَاغَتِهَا واسْتِدْلالهَا، وقَدْ سَارَ عَلَيْهَا أكْثَرُ الشُّرَاحِ، لِذَا كَانَ الأخْذُ بهَا أوْلى وأسْلَمُ مِنْ إهْمَالهَا، ولاسِيَّما إذَا قَارَنَّاهَا بغَيْرِهَا ممَّنْ جَاءَ بَعْدَهُ ممَّنْ هُوَ دُوْنَهُ عِلْمًا وحِفْظًا ومَكَانةً! وهَلْ الإتِّبَاعُ إلَّا مِنْ هَذَا الطِّرَازِ؟!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الخَامِسُ: ومِنْهَا أيْضًا أنَّ البُخَارِيَّ ومُسْلِمًا رَحِمَهُمَا الله قَدِ الْتَزَمَا في تَرْتِيْبِ وسَرْدِ الأحَادِيْثِ في صَحِيْحَيْهِما مَنْهَجًا فَرِيْدًا خَاصًّا بِهِمَا، وهَذَا ممَّا لا تَجِدُهُ عِنْدَ غَالِبِ مَنْ ألَّفَ وصَنَّفَ في "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وهَذَا المَنْهَجُ مَاثِلٌ في طَرِيْقَةِ وتَرْتِيْبِ الأحَادِيْثِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والشَّوَاهِدِ والمُتَابَعَاتِ، والإجْمَالِ والتَّفْصِيْلِ، والنَّسْخِ والمَنْسُوْخِ... فَهَذَا مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الله قَدِ الْتَزَمَ في سَرْدِ الأحَادِيْثِ في صَحِيْحِهِ على النَّحْوِ التَّالي:

أنَّه يَبْدَأ في وَضْعِ الأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ الَّتِي تُعْتَبرُ عِنْدَهُ مِنَ الأصُوْلِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا بالشَّوَاهِدِ والمُتَابَعَاتِ، فلِمُسْلِمٍ ثَلاثُ درَجَاتِ في اخْتِيَارِ الأحَادِيْثِ وسَرْدِهَا مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والشَّوَاهِدِ والمُتَابَعَاتِ.

يَقُوْلُ النَّوَويُّ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ "المِنْهَاجِ" (26): "الثَّاني: أنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ وَاقِعًا في المُتَابِعَاتِ والشَّوَاهِدِ، لا في الأُصُوْلِ، وذَلِكَ بأنْ يَذْكُرَ الحَدِيْثَ أوَّلًا بإسْنَادٍ نَظِيْفٍ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، ويَجْعَلُهُ أصْلًا، ثُمَّ يَتْبَعُهُ بإسْنَادٍ آخَرَ، أو أسَانِيْدَ فِيْهَا بَعْضُ الضُّعَفَاءِ، على وَجْهِ التَّأكِيْدِ بالمُتَابَعَةِ، أو لزِيَادَةٍ فِيْهِ تَنْبِيْهٌ على فَائِدَةٍ فِيْما قَدَّمَهُ" انْتَهَى.

وقَالَ ظَفَر أحمَدُ العُثْمانيُّ التَّهَانَوِيُّ رَحِمَهُ الله (1394) في "قَوَاعِدِهِ" (467): "أمَّا إخْرَاجُ مُسْلِمٍ والبُخَارِيِّ عَنْ بَعْضِ الضُّعَفَاءِ، فَلا يَقْدَحُ في صِحَّةِ كِتَابِهِمَا، فَإنَّ مَدَارَهَا على صِحَّةِ الأحَادِيْثِ المُخَرَّجَةِ فِيْهِمَا، لا على كَوْنِ الرُّوَاةِ كُلِّهَا رُوَاةَ الصَّحِيْحِ، فإنَّهُمَا لا يُخَرِّجَانِ للضُّعَفَاءِ إلَّا مَا تُوبِعُوا عَلَيْهِ، دُوْنَ مَا تَفَرَّدُوا بِهِ، على أنَّ الضَّعْفَ والثِّقَةَ مَرْجِعُهُما الاجْتِهَادُ والظَّنُّ" انْتَهَى.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ السَّادِسُ: ومِنْهَا أنَّ الحَافِظَ لكُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" سَوْفَ يَنْصَرِفُ عَنِ الكُتُبِ الشَّارِحَةِ للصَّحِيْحَيْنِ بمُفْرَدَاتِهَا، بمَعْنَى أنَّه سَوْفَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ محَالِّ ومَظَانِّ شَرْحِ الحَدِيْثِ المَوْجُوْدِ في كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، أيْ أنَّه إذَا أرَادَ أنْ يَقِفَ على شَرْحِ حَدِيْثٍ مَّا ممَّا هُوَ في كُتُبِ "الجَمْعِ"، فَإنَّهُ والحَالَةُ هَذِهِ سَوْفَ يَصْعُبُ عَلَيْهِ غَالِبًا أنْ يَقِفَ على شَرْحِ هَذَا الحَدِيث في مَظَانِّهِ مِنْ كُتُبِ شُرَّاحِ الصَّحِيْحَيْنِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ لكُلِّ كِتَابٍ مِنَ "الصَّحِيْحَيْنِ" أكْثَرَ مِنْ عِشْرِيْنَ شَرْحًا!

  فَخُذْ مَثلًا شُرُوْحَ البُخَارِيِّ على اخْتِصَارٍ:

"أعْلامُ السُّنَنِ" لحَمْدٍ الخَطَّابيِّ (386)، و"شَرْحُ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لابنِ بَطَّالٍ القُرْطُبيِّ المَالكِيِّ (449)، و"شَرْحُ مُشْكِلِ البُخَارِيِّ" لمُحَمَّدٍ الدَّبِيْثيِّ الوَاسِطيِّ (637)، و"شَرْحُ البُخَارِيِّ" للحَافِظِ أبي زَكَرِيَّا مُحي الدِّيْنِ يَحْيَى بنِ شَرَفِ النَّوَوِيِّ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله (676)، و"البَدْرُ المُنِيرُ السَّارِي في الكَلامِ على البُخَارِيِّ" لعَبْدِ الكَرِيْمِ بنِ مُنِير الحَلَبيِّ (735)، و"شَوَاهِدُ التَّوْضِيْحِ والتَّصْحِيْحِ لمُشْكِلاتِ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ" لمُحَمَّدِ بنِ مَالِكٍ (672)، و"التَّنْقِيْحُ لألْفَاظِ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ" للزِّرْكَشِي (794)، و"الرَّامُوْزُ على صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لعَليِّ بنِ مُحمَّدٍ اليُونِيْنِيِّ (701)، و"التَّوْضِيْحُ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ" لابنِ المُلَقِّن (805)، و"فَتْحُ البَارِي بشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لابنِ رَجَبٍ الحَنْبليِّ (795)، "فَتْحُ البَارِي بشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لابنِ حَجَرٍ العُسْقَلانيِّ (852)، و"عُمْدَةُ القَارِئ" للعَيْنِيِّ (855)، و"إرْشَادُ السَّارِي إلى شَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" للقَسْطَلانيِّ المِصْرِيِّ (923)، و"التَّوْشِيْحُ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ" للسِّيُوطِيِّ (911)، و"مِنْحَةُ (تُحْفَةُ) البَارِي بشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لزَكَرِيَّا الأنْصَارِيِّ المِصْرِيِّ (926)، وغَيْرَهَا كَثِيْرٌ جِدًّا.

  أمَّا شُرُوْحُ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا، فَمِنْهَا على وَجْهِ الاخْتِصَارِ:

"المُعْلِمُ بفَوَائِدِ كِتَابِ مُسْلِمٍ" للحَافِظِ أبي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بنِ عَليِّ المَازَرِيِّ رَحِمَهُ الله (536)، ثُمَّ أكْمَلَهُ القَاضِي عِيَاضُ بنُ مُوْسَى اليَحْصُبيُّ المَالِكِيُّ رَحِمَهُ الله (544)، تَحْتَ عُنْوَانِ: "إكْمالِ المُعْلِمِ في شَرْحِ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ"، ثُمَّ كِتَابُ "المُفْهِمِ لمَا أُشْكِلَ مِنْ تَلْخِيْصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ" لأبي العَبَّاسِ أحمَدَ بنِ عُمَرَ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ الله (656)، وهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شَرْحٍ على مُخْتَصَرِ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ.

ومِنْهَا كِتَابُ: "المِنْهَاجِ في شَرْحِ صُحِيْحِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ" للحَافِظِ مُحِي الدِّيْنِ النَّوَوِيِّ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله (676)، و"إكْمَالِ إكْمَالِ المُعْلِمِ" لأبي عَبْدِ الله بنِ خَلِيْفَةَ الوَشْتَانيِّ الأبِّي المَالِكِي رَحِمَهُ الله (827)، وكِتَابُ: "الدِّيْبَاجِ على صَحِيْحِ مُسْلِمِ بن الحَجَّاجِ" للحَافِظِ جَلالِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ السِّيُوطِيِّ رَحِمَهُ الله (911).

وهُنَاكَ شُرُوْحٌ لبَعْضِ مَشَايخِي المُعَاصِرِيْنَ، مِثْلُ كِتَابِ: "البَحْرِ المُحِيْطِ الثَّجَّاجِ في شَرْحِ صَحِيْحِ الإمَامِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ" لشَيْخِنَا المُحَدِّثِ الأُصُوليِّ مُحَمَّدِ بنِ الشَّيْخِ عَليِّ بنِ آدَمَ الأتْيُوبيِّ الوَلَّوِيِّ، وكَذَا كِتَابُ: "الكَوْكَبِ الوَهَّاجِ والرَّوْضِ البَهَّاجِ في شَرْحِ صَحِيْحِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ" لشَيْخِنَا العَلَّامَةِ المُفَسِّرِ مُحَمَّد الأمِيْنِ الهَرَرِيِّ ثُمَّ المَكيِّ، وغَيْرُهُم آخَرُوْنَ.

فَهَذِهِ الشُّرُوْحُ في غَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي اعْتَنَتْ بكِتَابِ الصَّحِيْحَيْنِ (البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ) قَدْ غَدَتْ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ حُفَّاظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" نَسْيًا بَعْدَ غَفْلَةٍ، أو جَهْلًا قَبْلَ هَمْلَةٍ، والشَّيءُ بالشَّيءِ يُذْكَرُ، فمِنْ أرَادَ جِلْيَةَ الأمْرِ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَسْألَ بَعْضَ طُلَّابِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ عن حَقِيْقَةِ مَعْرِفَتِهِم بهَذِهِ الشُّرُوْحِ، وعَنْ دِرَايَتِهِم بِهَا وبِمُطَالَعَتِهَا، كَيْ يُدْرِكَ مَغَبَّةَ وخُطُوْرَةَ هَذَا الاتِّجَاهِ السَّائِرِ في نَشْرِ وبَعْثِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" على حِسَابِ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"؟! والله خَيْرٌ حَافِظًا.

ومِنْ أسَفٍ أنَّني سَمِعْتُ مُؤخَّرًا أنَّ الشَّيْخَ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله قَدْ شَرَعَ في شَرْحِ بَعْضِ كُتُبِهِ، ولاسِيَّما كِتَابُهُ: "الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" الأمْرُ الَّذِي يُنْذِرُ بخَطَرٍ دَاهِمٍ على "الصَّحِيْحَيْنِ"، وعَلى شُرُوْحِهِمَا الَّتِي صَنَّفَهَا أهْلُ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا، كَمَا مَرَّ مَعَنَا بَعْضُ أسْمائِهَا آنِفًا، وهَذَا دَلِيْلٌ ظَاهِرٌ على مُزَاحَمَةِ "الصَّحِيْحَيْنِ" سَوَاءٌ في حِفْظِهِما أو في شُرُوْحِهِما، فَهِذِهِ السَّبِيْلُ هِيَ الَّتِي كُنَّا نَخْشَاهَا ونُحَذِّرُ مِنْهَا، والله المُسْتَعَانُ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ السَّابِعُ: ومِنْهَا أنَّ الطَّالِبَ سَوْفَ يَشْتَغِلُ بحِفْظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" عَنْ أصَلْهِمَا (البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ)، وهَذَا في حَدِّ ذَاتِهِ ممَّا سَيَصْرِفُهُ عَنْ مُهِمَّاتِ الفَوَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ، والنَّوَادِرِ العِلْمِيَّةِ المَوْجُوْدَةِ في أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ، فمِنْ ذَلِكَ.

أنَّ الحَافِظَ "للجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" سَوْفَ يُحْرَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ وحِفْظِ المُعَلَّقَاتِ المَوْجُوْدَةِ في أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما الَّتِي في صَحِيْحِ البُخَارِيِّ، وهَذَا في حَدِّ ذَاتِهِ ممَّا سَيَحْرِمُ الطَّالِبَ غَالِبًا مِنَ الوُقُوْفِ على كِتَابِ "تَغْلِيْقِ التَّعْلِيْقِ" لابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله وغَيْرِهِ، وهَكَذَا في سِلْسِلَةٍ مِنَ الجَهَالاتِ الَّتِي سَوْفَ يَكْسِبُهَا الطَّالِبُ عَلِمَ أم جَهِلَ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّامِنُ: ومِنْهَا أنَّ الحَافِظَ "للجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" سَوْفَ يُحْرَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ وحِفْظِ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ المَوْجُوْدَةِ في أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما الَّتِي في صَحِيْحِ البُخَارِيِّ، وهَذَا في حَدِّ ذَاتِهِ سَوْفَ يُحْرِمُهُ غَالِبًا مِنَ الوُقُوْفِ على مَعْرِفَتِهَا وشَرْحِهَا ومُدَارَسَتِهَا، وهَكَذَا في سِلْسِلَةٍ مِنَ الأخْطَاءِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي تَدْفَعُ بالطَّالِبِ إلى الانْصِرَافِ عَنْ كُنُوْزٍ عِلْمِيَّةٍ، ودُرَرٍ حَدِيْثِيَّةٍ ممَّا يَحْتَاجُهَا الطَّالِبُ، عَلِمْنَا أم جَهِلْنَا!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ التَّاسِعُ: ومِنْهَا أنَّ الحَافِظَ "للجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" سَوْفَ يُحْرَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، فَهِي مِنَ الكُنُوْزِ الَّتِي أوْدَعَهَا مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الله في مُقَدِّمَةِ صَحِيْحِهِ، ممَّا يَحْتَاجُهَا كُلُّ مُحْدِّثٍ وفَقِيْهٍ، فَضْلًا عَنْ طُلَّابِ السُّنَّةِ وحُفَّاظِهَا، لأنَّهَا قَدْ حَوَتْ مِنَ الفَوَائِدِ والعِلَلِ والضَّوَابِطِ مَا لا يَجِدُهُ الطَّالِبُ في غَيْرِهَا!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ العَاشِرُ: ومِنْهَا أنَّ دَعْوَى تَقْرِيْبِ أحَادِيْثِ "الصَّحِيْحَيْنِ" تَحْتَ مُسَمَّى كُتُبِ: "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لَيْسَتْ صَحِيْحَةً، بَلْ هَذِهِ دَعْوَى عَرِيْضَةٌ لا حَقِيْقَةَ لهَا عِنْدَ التَّحْقِيْقِ والتَّحْرِيْرِ، ولاسِيَّما إذَا أرَدْنَا أنْ نُخَاطِبَ بِهَا طُلَّابَ العِلْمِ المُقْبِلِيْنَ على حِفْظِ السُّنَّةِ والأثَرِ، مِنْ أهْلِ الهِمَّةِ العَالِيَةِ والعَزِيْمَةِ القَوِيَّةِ، يُبَيِّنُهُ مَا يَلي باخْتِصَارٍ:

أنَّ حِفْظَ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" هِيَ في الحَقِيقَةِ أصْعَبُ حَالًا، وأثْقَلُ حِفْظًا مِنَ حِفْظِ الأُصُوْلِ، وذَلك إذَا عَلِمْنَا أنَّ كُلَّ مَنْ ألَّفَ وصَنَّفَ في "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" قَدِ الْتَزَمَ مَنْهَجًا وطَرِيقَةً هِيَ إلى الصُّعُوْبَةِ أقْرَبُ مِنْهَا إلى التَّسْهِيْلِ والتَّيْسِيرِ، ولاسِيَّما إذَا كَانَ الجَامِعُ ممَّنْ قَدِ الْتَزَمَ بإيْدَاعِ كُلِّ مَا في الصَّحِيْحَيْنِ مِنَ الأحَادِيْثِ في الجُمْلَةِ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ المُصَنِّفَ عِنْدَ ذِكْرِهِ للحَدِيْثِ الوَاحِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَوْفَ يَذْكُرُ غَالِبًا بَعْدَهُ زِيَادَاتِ كُلٍّ مِنَ الصَّحِيْحَيْنِ على الآخَرِ سَوَاءٌ في المَتْنِ، أو التَّخْرِيْجِ (الرَّاوِي)، أيْ: سَيَذْكُرُ زِيَادَةَ كَلِمَةٍ في المَتْنِ عِنْدَ أحَدِهِمَا، أو ذِكْرِ رَاوٍ للحَدِيْثِ لَيْس عِنْدَ أحْدِهِمَا، أو غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مِنْ مَنَاهِجِ الجَامِعِيْنَ لأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ، وهُنَاكَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ ممَّا هُوَ ظَاهِرُ الصُّعُوْبَةِ بطَرِيْقٍ أو آخَرَ، عِلمًا أنَّ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ قَدْ لا يَجِدُهَا الطَّالِبُ عنْدَ حِفْظِهِ للأصُوْلِ على انْفِرَادِهَا، ودَلِيْلُ الحَالِ وشَاهِدُ التَّجْرُبَةِ يَدُلَّانِ ضَرُوْرَةً على هَذَا.

وحَسْبُنَا صُعُوْبَةً الطَّرِيْقَةُ الَّتِي ارْتَسَمَهَا غَالِبُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ في بَيَانِ مَنْهَجِ طَرِيْقَتِهِم في الجَمْعِ، لِذَا كَانَ مِنَ البَيَانِ والتَّوْضِيْحِ أنْ نَقِفَ مَعَ مَنْهَجِ أمْثَلِهِم طَرِيْقَةً: وهُوَ أبو مُحمَّدٍ عَبْدُ الحقِّ الإشْبِيليُّ رَحِمَهُ الله؛ حَيْثُ إنَّهُ رَسَمَ لَنَا مَنْهَجَهُ في كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" مِنْ خِلالِ سِتِّ صَفَحَاتٍ تَقْرِيْبًا كَمَا جَاءَتْ في مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، وهَذَا ممَّا يَزِيْدُنَا يَقِيْنًا أنَّ الصُّعُوْبَةَ قَدْ اسْتَوْطَنَتْ كِتَابَهُ، ولاسِيَّما عِنْدَ مَنْ أرادَ حِفْظَهُ مِنَ النَّاشِئَةِ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ.

ولا أرِيْدُ ذِكْرَ أمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ هَذَا لأنَّه ممَّا سَيَطُوْلُ ذِكْرُهُ، بَلْ يَكْفِيْنَا أنْ نَقِفَ مَعَ حَدِيْثٍ أو حَدِيْثَيْنِ ممَّا ذَكَرَهَا أصْحَابُهَا في كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ".

ومِنْ هُنَا سَوْفَ نَقِفُ باخْتِصَارٍ مَعَ حَدِيْثٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ الإشْبِيْليِّ رَحِمَهُ الله لتَسْتَبِيْنَ لَنَا حَقِيْقَةُ الصُّعُوْبَةِ على مَنْ رَامَ حِفْظَهُ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ.

قَالَ الإشْبِيليُّ رَحِمَهُ الله عِنْدَ الحَدِيْثِ الثَّاني مِنْ كِتَابِ الإيْمانِ مَا نَصُّهُ: "مُسْلِمٌ: عَنْ أبي هُرِيْرَةَ قَالَ: «أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأتَاهُ رَجَلٌ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله!: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وكِتَابِهِ ولِقَائِهِ ورُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ الآخَرِ، قَالَ يَا رَسُوْلَ الله!: مَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: الإسْلَامُ أنْ تَعْبُدَ الله وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ يَا رَسُوْلَ الله! مَا الإحْسَانُ؟ قَالَ: أنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ فَإنَّكَ إنْ لا تَرَاهُ، فَإنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ سَأحَدِّثُكَ عَنْ أشْرَاطِهَا: إذَا رَأيْتَ المَرْأةَ تَلِدُ رَبَّها فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا، وَإذَا رَأيْتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوْكَ الأرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا، وإذَا رَأيْتَ رِعَاءَ البَهْمِ يَتَطاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ من الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا الله، ثُمَّ قرأ: ﴿إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوْتُ إنَّ الله عَلَيْمٌ خَبِيرٌ﴾[لقمان:34]، ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُوْلُ الله: رُدُّوهُ عليَّ، فالْتُمْسَ فَلَمْ يَجِدُوْهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ الله: هَذَا جِبْرِيلُ أرَادَ أنْ تَعَلَّمُوا إذْ لم تَسْألُوا».

خَرَّجَ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيْثَ في كِتَابِ الإيْمانِ، وفي تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ لُقْمَانَ.

وفي كِلا المَوْضِعَيْنِ لم يَقُلْ: «وكِتَابِهِ»، ولا «وكُتُبِهِ»، ولا «المَكْتُوْبَةَ»، ولا ذَكَرَ الإيْمانَ بالقَدَرِ، ولا قَالَ: «سَلُونِي»، فَهَابُوهُ أنْ يَسْألُوهُ، ولا قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أرَادَ أنْ تَعَلَّمُوا إذْ لم تَسْألُوا»، ولا قَالَ: «أنْ تَخْشَى الله»، قَالَ: «أنْ تَعْبُدَ الله»، ولا قَالَ: «الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوْكَ الأرْضِ»، ولا قَالَ هَذا اللَّفْظَ: «بَعْلَهَا» يَعْنِي السَّرارِي، وقَالَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إذْ أتَاهُ رَجَلٌ يَمْشِي، وقَالَ: «وإذَا كَانَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رُؤوْسَ النَّاسِ فَذَلِكَ مِنْ أشْرَاطِهَا».

وقَالَ في كِتَابِ الإيْمانِ: «وإذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الإبِلِ البُهْمِ في البُنْيَانِ» انْتَهَى كَلامُهُ رَحِمَهُ الله!

ومِنْ خِلالِ هَذِهِ التَّفْرِيْعَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الإشْبِيليُّ رَحِمَهُ الله حَوْلَ هَذَا الحَدِيْثِ، ومَا زَادَهُ مِنْ رِوَايَاتٍ ومَا أخْرَجَ مِنْهَا، ومَا بَيَّنَ فِيْهِ مِنْ تَقْدِيْمٍ وتَأخِيْرٍ، ومَا أوْضَحَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوَاضِعِ الحَدِيْثِ في صَحِيْحِ البُخَارِيِّ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الإشْكَالاتِ: نَسْتَطِيْعُ أنْ نُدْرِكَ أنَّ كِتَابَ الإشْبِيليِّ وغَيْرِهِ مِنْ عَامَّةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" ممَّا الْتَزَمَ أصْحَابُهَا فِيْهَا إيْدَاعَ جَمِيْعَ أحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ: أنَّها على جَلالَتِهَا وأهَمِّيَتِهَا لا تَخْلُوا غَالِبًا مِنْ وُجُوْدِ صُعُوْبَةٍ ومُضَايَقَةٍ لمَنْ يُرِيْدُ حِفْظَهَا اسْتِعَاضَةً بِهَا عَنْ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، الأمْرُ الَّذِي لا نَجِدُهُ في "الصَّحِيْحَيْنِ"، والله المُوَفِّقُ.

ولَنَا أيْضًا وَقْفَةٌ مَعَ أوَّلِ حَدِيْثَيْنِ مِنْ كِتَابِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للشَّيْخِ اليَحْيَى؛ كَي نَلْمَسَ حَقِيْقَةَ الصُّعُوْبَةِ والعُسْرِ الَّذِي يَجِدُهُ الطَّالِبُ عِنْدَ حِفْظِهِ للكِتَابِ، كَمَا سَيَأتي ذِكْرُهُ في البَابِ الثَّاني إنْ شَاءَ الله.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الحَادِي عَشَرَ: أنَّ الكَّافَةَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والحَدِيْثِ قَدْ أقَرُّوا وقَطَعُوا ضَرُوْرَةً بسُهُوْلَةِ حِفْظِ "الصَّحِيْحَيْنِ" على انْفِرَادِهِمَا، وأنَّ في حِفْظِهِمَا مِنَ الفَوَائِدِ والفَرَائِدِ مَا لا يُوْجَدُ في غَيْرِهَا، ولاسِيَّما في كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، فَمِنْ ذَلِكَ باخْتِصَارٍ:

بَرَكَةُ قِرَاءَةِ الأصُوْلِ، وهَذِهِ البَرَكَةُ لَوْ لم يَكُنْ فِيْهَا إلَّا اتِّبَاعُ السَّلَفِ في طَرِيْقَةِ حِفْظِهِم للسُّنَّةِ، وأيْضًا سُهُوْلَةُ الحِفْظِ، وزِيَادَةُ الفَهْمِ، ومَعْرفَةُ مَوَاضِعِ الاتِّفَاقَاتِ والإنْفِرَادَاتِ والزِّيَادَاتِ.

يُبَيِّنُهُ أنَّ الطَّالِبَ إذَا حِفْظَ "الصَّحِيْحَيْنِ"؛ فَلَهُ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَمُرَّ على حِفْظِ مَا فِيْهِمَا مِنْ مُعَلَّقَاتٍ وآثَارٍ وغَيْرِهَا مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ ممَّا لا يَجِدُهُ في غَالِبِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ".

وأنَّهُ أيْضًا عِنْدَ حِفْظِهِ للصَّحِيْحَيْنِ سَوْفَ يَمُرُّ بفَوَائِدَ كَثِيْرَةٍ جِدًّا مِنْهَا: إمَّا أنْ يَكُوْنَ الحَدِيْثُ الَّذِي حَفِظَهُ ممَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وإمَّا أنْ يَكُوْنَ مِنْ مُفْرَدَاتِ البُخَارِيِّ، أو مِنْ مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ، فَهَذِهِ الفَوَائِدُ سَوْفَ يَقْتَنِصُهَا الطَّالِبُ مِنْ طَرِيْقَةِ حِفْظِهِ للصَّحِيْحَيْنِ، وهَذَهِ الطَرِيْقَةُ هِيَ مِنْ مَسَالِكَ المُحَدِّثِيْنَ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا لمَعْرِفَةِ مَوَاضِعِ الاتِّفَاقَاتِ والإفْرَادَاتِ والزَّوَائِدِ.

وأنَهُ أيْضًا سَوْفَ يَقِفُ على تَبْوِيْبَاتِ وتَرْتِيْبَاتِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما صَحِيْحُ البُخَارِيِّ، وهَذِهِ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا لا يَعْقِلُهَا إلَّا الحُفَّاظُ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ!

وكَذَا مِنْ فَوَائِدِ حِفْظِ الصَّحِيْحَيْنِ: مَعْرِفَةُ الكُتُبِ الشَّارِحَةِ "للصَّحِيْحَيْنِ"، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ كُتُبِ الشَّرْحِ أو الاسْتِدْرَاكِ أو التَّخْرِيْجِ أو الإلْزَامِ أو الاخْتِصَارِ.

ومِنْهَا أيْضًا: مَعْرِفَةُ رِجَالِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ومَعْرِفَةِ الكُتُبِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ رِجَالَ "الصَّحِيْحَيْنِ" في غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ العِلَلِ والتّعْلِيْقَاتِ والغَرِيْبِ.

ومِنْهَا: مَعْرِفَةُ وتَمْيِيْزُ الأحَادِيْثِ الأصُوْلِ في "الصَّحِيْحَيْنِ" مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أحَادِيْثِ المُتَابَعَاتِ والشَّوَاهِدِ ممَّا هِي في الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ في الصِّحَّةِ، كَمَا هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بالحَدِيْثِ والرِّجَالِ، وغَيْرَهَا كَثِيرٌ جِدًّا لا يَسْتَطِيْعُ الإحَاطَةَ بِهَا إلَّا مَنْ مَارَسَ حِفْظَ "الصَّحِيْحَيْنِ"، أو دَاوَمَ مُطَالَعَتَهُمَا، أو أنْعَمَ النَّظَرَ في مَجْمُوْعِ شُرُوْحِهِمَا، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّاني عَشَرَ: ومِنْهَا أنَّ الحَافِظَ للجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ قَدْ يَغْرُبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ ضَبْطِ اسْمِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ الوُقُوْفَ على اسْمَيْهِمَا لهُمَا مِنَ الفَوَائِدِ والعَوَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ الشَّيءُ الكَثِيْرُ.

ولَوْ لم يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أنَّ الطَّالِبَ يَعْلَمُ: أنَّ البُخَاريَّ ومُسْلمًا لم يَقْصِدَا بكِتَابَيْهِمَا الإحَاطَةَ بجَمِيْعِ الأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ، وأنَّهمَا أيْضًا لم يَقْصِدَا جَمْعَ وذِكْرَ الآثَارَ والمَوْقُوْفَاتِ والمَقْطُوْعَاتِ والبَلاغَاتِ وغَيْرَهَا ممَّا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عِنْوَانِ اسْمِ كِتَابَيْهِمَا(4).

  يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ اسْمَيْ كِتَابَيْهِمَا يَدُلَّانِ على مَنَاهِجَ حَدِيْثِيَّةٍ، ومَعَانٍ عِلْمِيَّةٍ، كَمَا هُوَ مَأخُوْذٌ ومُتَلَقَّى مِنَ الاسْمِ والعِنْوَانِ، كَما يَلي:

فَأمَّا اسْمُ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ: فَهُوَ: "الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيْحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أمُوْرِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم، وسُنَنِهِ وأيَّامِهِ"، كَمَا وَضَعَهُ الإمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ أبو عَبْدِ الله محَمَّدُ بنُ أسْماعِيْلَ البُخَارِيُّ الجُعْفِيُّ رَحِمَهُ الله (256)، وأمَّا اسْمُ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: فَهُوَ "المُسْنَدُ الصَّحِيْحُ المُخْتَصَرُ مِنَ السُّنَنِ بنَقْلِ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ عَنْ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم"، كَمَا وَضَعَهُ الإمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ أبو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ القُشيْريُّ النَّيْسَابُورِيُّ رَحِمَهُ الله (261)، وحَسْبُكَ أنَّ في هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ، والدُّرَرِ العِلْمِيَّةِ، والنُّكَاتِ البَدِيْعَةِ الشَّيءَ الكَثِيرَ الكَثِيْرَ ممَّا يَعْرِفُهُ أهْلُ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، والمُشْتَغِلِيْنَ بمُطَالَعَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ والأثَرِ، ولَيْسَ هَذَا مَحلَّ بَسْطِهَا، والله المُوَفِّقُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّالِثَ عَشَرَ: ومِنْهَا أنَّ الحَافِظَ للجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ قَدْ يَفُوْتُهُ أيضًا مَعْرِفَةُ رِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، الأمْرُ الَّذِي أشْغَلَ أهْلَ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ والفُقَهَاءِ والشُّرَّاحِ على حَدٍّ سَوَاءٍ، لِذَا فَقَدْ أخَذَتِ العِنَايَةُ بضَبْطِ رِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" عِنْدَ كُلِّ مُشْتَغِلٍ بالصَّحِيْحِ جُهْدًا كَبِيرًا، وتَتَبُّعًا بَالِغًا، مَا جَعَلَ كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ تَفُوْقُ غَيْرَهَا ضَبْطًا وإتْقَانًا، فعِنْدَئِذٍ اخْتَلَفَتْ طَرَائِقُ عَامَّةِ شُرَّاحِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، وتَنَوَّعَتْ مَسَالِكُهُم في اخْتِيَارِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وتَقْدِيْمِهَا على بَعْضٍ، ممَّا جَعَلَ هَذَا الخِلافَ بَيْنَهُم مَحلًّا للتَّنَافُسِ والتَّمَيُّزِ والتَّدْقِيْقِ!

فمِنَ العُلَماءِ الَّذِيْنَ اهْتَمُّوا برِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، واعْتَنُوا بمَعْرِفَةِ الاخْتِلافِ بَيْنَ رُوَاةِ الصَّحِيْحِ، مَا يَلي:

الحَافِظُ النَّاقِدُ أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ الجَيَّانيُّ (498)، في كِتَابِهِ: "تَقْيِيْدِ المُهْمَلِ وتَمْيِيزِ المُشْكِلِ"، حَيْثُ ذَكَرَ فَصْلًا عَنْ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" بعِنْوَانِ: "التَّنْبِيْهِ على الأوْهَامِ الوَاقِعَةِ في الصَّحِيْحَيْنِ مِنْ قِبَلِ الرُّوَاةِ"، وكَذَا الحَافِظُ أبو بَكْرٍ محَمَّدٌ الحَنْبليُّ المَعْرُوْفُ بابنِ نُقْطَةَ (629)، في كِتَابِهِ: "التَّقْيِيْدِ لمَعْرِفَةِ رُوَاةِ السُّنَنِ والمَسَانِيْدِ"، وكَذَا الحَافِظُ مُحِبُّ الدِّيْنِ أبو عَبْدِ الله محَمَّدُ بنُ رُشَيْدٍ الفِهْرِيُّ السّبتِيُّ الأنْدَلُسِيُّ (726)، في كِتَابِهِ: "إفَادَةِ النَّصِيْحِ في التَّعْرِيْفِ بسَنَدِ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ"، وكَذَا الحَافِظُ تَقِيُّ الدِّيْنِ أبو الطَّيِّبِ الفَاسيُّ المَكِّيُّ (832) في كِتَابِهِ: "ذَيْلِ التَّقْيِيْدِ في رُوَاةِ السُّنَنِ والمَسَانِيْدِ"، وهَكَذَا في غَيرِهَا مِنَ الكُتُبِ والرَّسَائِلِ القَدِيْمِ مِنْهَا والحَدِيْثِ.

* * *

وأمَّا رِوَايَاتُ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" فَقَدْ فَاقَتِ الحَصْرَ والكَثْرَةَ، فَكَانَ مِنْ أهَمِّهَا: تِيْكَ الرِّوَايَاتُ الَّتِي رَوَاهَا الحُفَّاظُ عَنِ الإمَامِ البُخَاريِّ وسَمِعُوْهَا مِنْهُ.

فَكَانَ على رَأسِهِم أرْبَعَةٌ: وهُم أبو عَبْدِ الله محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ (320)، وهُوَ مِنْ أشْهَرِ مَنْ رَوَى "الصَّحِيْحَ"، ورِوَايَتُهُ أتَمُّ الرِّوَايَاتِ، وأبو إسْحَاقَ إبْرَاهِيْمُ بنُ مَعْقِلٍ النَّسفيُّ (295)، وحمَّادُ بنُ شَاكِرٍ النَّسويُّ (310)، وأبو طَلْحَةَ مَنْصُوْرُ بنُ محَمَّدِ بنِ عليٍّ البَزْدَوِيُّ (329).

وهُنَاكَ رُوَاةٌ آخَرُوْنَ قَدْ رَوَوْا "الصَّحِيْحَ" عَنْ هَؤلاءِ الأرْبَعَةِ:

فَكَانَ ممَّنْ رَوَى "الصَّحِيْحَ" عَنِ الفَرَبْرِيِّ تِسْعَةُ رُوَاةٍ مِنْهُم: الحَافِظُ أبو عليٍّ سَعِيْدُ بنُ عُثْمانَ بنِ سَعِيْدِ بنِ السّكَنِ (353)، وعَنْهُ عَبْدُ الله بنُ محَمَّدٍ الجُهَنيُّ (395).

والحَافِظُ أبو إسْحَاقَ إبْرَاهِيْمُ بنُ أحمَدَ المُسْتَمْليُّ (376)، وعَنْهُ الحَافِظُ أبو ذَرٍّ عَبْدُ بنُ أحمَدَ الهَرَوِيُّ (434)، وعَبْدُ الرَّحمَنَ بنُ عَبْدِ الله الهَمْدانيُّ (411).

وأبو الهَيْثَمِ محَمَّدُ بنُ مَكِّيِّ الكُشْمِيْهَنيُّ (389)، وعَنْهُ أبو ذَرٍّ الهرَوِيُّ، وأبو سَهْلٍ محَمَّدُ بنُ أحمَدَ الحَفْصيُّ (466)، وكَرِيْمَةُ بِنْتُ أحمَدَ المَرْوَزِيَّةُ (463).

وأبو عَليٍّ إسْماعِيْلُ بنُ محَمَّدِ بنِ أحمَدَ الكُشَانيُّ (391)، وهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ بالصَّحِيْحِ عَنِ الفَرَبْرِيِّ، وعَنْهُ أبو العَبَّاسِ جَعْفَرُ بنُ محَمَّدٍ المُسْتَغْفِريُّ (432).

وهُنَاكَ رُوَاةٌ آخَرُوْنَ غَيرَ مَا ذُكِرَ، قَدْ رَوَوْا "الصَّحِيْحَ" عَنْ غَيْرِ الفَرَبْرِيِّ؛ حَيْثُ رَوَوْهُ عَنِ الحُفَّاظِ الثَّلاثَةِ الآخَرِيْنَ، وهَؤلاءِ أيْضًا لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، مِثْلُ أبي محَمَّدٍ الأُصَيْليِّ، وأبي القَاسِمِ ابنِ عَسَاكِرَ، وعليِّ بنِ أبي الوَقْتِ إلَخْ.

ومِنْ هُنَا؛ نَجِدُ عَامَّةَ شُرَّاحِ "الصَّحِيْحِ" لم يَغْفَلُوا هَذِهِ الرِّوَايَاتِ للصَّحِيْحِ، لِذَا نَجِدُهُم قَدْ أوْلَوْهَا عِنَايَةً فَائِقَةً، ممَّا جَعَلَهُم يَعْتَمِدُوْنَ على بَعْضِهَا بَعْضًا، فَذَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله نَجِدُهُ في شَرْحِهِ: "فَتْحِ البَارِي شَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" قَدِ اعْتَمَدَ على رِوَايَةِ أبي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ.

قَالَ ابنُ حَجَرٍ في أوَّلِ شَرْحِهِ: "فلْيَقَعِ الشُّرُوْعُ في الشَّرْحِ والاقْتِصَارِ على أتْقَنِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَنَا: وهِيَ رِوَايَةُ أبي ذَرٍّ عَنْ مَشَايخِهِ الثَّلاثَةِ، لضَبْطِهِ لهَا، وتَميِيْزِهِ لاخْتِلافِ سِيَاقِهَا، مَعَ التَّنْبِيْهِ إلى ما يحْتَاجُ إلَيْهِ ممَّا يخَالِفُهَا" انْتَهَى.

وهَكَذَا تَنَوَّعَتِ الطَّرَائِقُ وتَبَايَنَتِ الرِّوَايَاتُ عِنْدَ عَامَّةِ شُرَّاحِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، مَا بَيْنَ مُقَدِّمٍ ومُؤخِّرٍ، ومَا بَيْنَ جَامِعٍ بَيْنَهَا ومُفَرِّقٍ، وهَكَذَا أصْبَحَتْ رِوَايَاتُ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ محَلًّا للعِنَايَةِ والاهْتِمامِ، والأخْذِ والإلمَامِ.

* * *

فَإذَا عُلِمَ هَذَا؛ كَانَ مِنْ بَادِيَاتِ الاسْتِدْرَاكَاتِ الحَدِيْثِيَّةِ على كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" جُنُوْحُ أكْثَرِهَا عَنِ اعْتِبَارِ رِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، وانْصِرَافِهَا عَنْهَا بطَرِيْقٍ أو آخَرَ، ممَّا يجْعَلُهَا محَلًّا للنَّقْدِ والنَّظَرِ، والله أعْلَمُ.

ومِنْ مَآتي هَذِهِ المُؤاخَذَاتِ والاسْتِدْرَاكَاتِ أيْضًا؛ هُوَ مَا أخَذَهُ أهْلُ العِلْمِ على ابنِ الأثِيرِ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ: "جَامِعِ الأصُوْلِ": وذَلِكَ بكَوْنِهِ لم يَعْتَمِدْ على أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، بَلِ اعْتَمَدَ على "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" للحُمَيْدِيِّ (488) رَحِمَهُ الله، فَكَانَ هَذَا مِنَ المُؤاخَذَاتِ العِلْمِيَّةِ عَلَيْهِ، ومَا ذَاكَ إلَّا أنَّ الحُمَيْدِيَّ في جَمْعِهِ للصَّحِيْحَيْنِ لم يَعْتَمِدْ أيْضًا على أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ، بَلْ كَانَ كِتَابُهُ أشْبَهَ بالمُسْتَخْرَجَاتِ عَلَيْهِما في الجُمْلَةِ، وهُوَ كَذَلِكَ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّه رَحِمَهُ الله قَدْ أضَافَ إلى أحَادِيْثِ "الصَّحِيْحَيْنِ" بَعْضَ الزِّيَادَاتِ الَّتِي أخَذَهَا مِنَ "المُسْتَخْرَجَاتِ"، كمَا مَرَّ مَعَنَا.

وقَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ كُتُبَ المُسْتَخْرَجَاتِ لهَا طَرِيْقَتُهَا ومَنْهَجُهَا في التَّألِيْفِ والتَّصْنِيْفِ لَيْسَ هَذَا محَلَّ بَحْثِهَا.

لِذَا؛ فَمَنْ عَلِمَ مَنْهَجَ المُسْتَخْرَجَاتِ: عَلِمَ حَقِيْقَةَ عُزُوْفِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" عَنِ الاهْتِمامِ وضَبْطِ رِوَايَاتِ "الصَّحِيْحِينِ"، ومِنْهُ سيَعْلَمُ أيْضًا مَآخِذَ الجَهْلِ الَّتِي سَيَقَعُ فِيْهَا حُفَّاظُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وذَلِكَ عِنْدَمَا يَغْفَلُوْنَ عَنْ ضَبْطِ رِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" رَحِمَهُ الله.

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ مَعْرِفَةَ رِوَايَاتِ "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" وتحْقِيْقَ ضَبْطِهَا لهَا مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ والعَوَائِدِ الفِقْهِيَّةِ الشَّيءُ الكَثِيرُ ممَّا يُدْرِكُهُ حُفَّاظُ الحَدِيْثِ، وفُقَهَاءُ المِلَّةِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الرَّابِعَ عَشَرَ: وهَذَا الاسْتِدْرَاكُ هُوَ مِنْ أعَمِّهَا ضَرَرًا، وأخْوَفِهَا أثرًا، وذَلِكَ عِنْدَمَا تَنْقَطِعُ مَدَارِكُ حُفَّاظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وتَبْتَعِدُ عُلُوْمُهُم عَنْ عَامَّةِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ الَّتِي كَتَبَهَا أصْحَابُها خِدْمَةً مِنْهُم للصَّحِيْحَيْنِ!

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ الكُتُبَ الَّتِي ألِّفَتْ وصُنِّفَتْ حَوْلَ "الصَّحِيْحَيْنِ"، والَّتِي دَارَتْ في فَلَكِهِمَا قَدْ فَاقَتِ الحَصْرَ والإحَاطَةَ، ممَّا تَصْلُحُ أنْ تَكُوْنَ مَكْتَبَةً عِلْمِيَّةً حَدِيْثِيَّةً مُسْتَقِلَّةً بنَفْسِهَا، وهَذَا بالنَّظَرِ إلى مَا كَتَبَهُ أهْلُ العِلْمِ بعَامَّةٍ سَوَاءٌ المُتَقَدِّمٌ مِنْهُم والمتَأخِّرُ!

فَإنْ سَألْتَ يَا طَالِبَ العِلْمِ عَنْهَا: فَهِيَ عَامَّةُ الكُتُبِ الَّتِي تَكَلَّمَتْ عَنِ "الصَّحِيْحَيْنِ": مَا بَيْنَ شَرْحٍ وتَوْضِيْحٍ، وبَيَانِ غَرِيْبٍ ومُشْكِلٍ، ومُسْتَدْرَكٍ ومُتَعَقِّبٍ، ومُتَابعٍ ولازَمٍ، وتَقْيِيْدٍ لمُهْمِلٍ، وتَوْضِيْحٍ لمُشْكِلٍ، وضَبْطٍ لرُوَاةٍ، وتَرْجمَةٍ لرِجَالٍ، ومَعْرِفَةٍ للرِّوَايَاتِ، ومُخْتَصِرٍ ومُهَذِّبٍ، ومُعَلِّقٍ ومُغْلِقٍ، ومُبَوِّبٍ ومُرَتِّبٍ، ومُسْنَدٍ، وهَكَذَا في سِلْسِلَةٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

وإنِّي مِنْ خِلالِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَا؛ لا أرِيْدُ مِنْ حُفَّاظِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" أنْ يُحِيْطُوا بهَذِهِ الكُتُبِ قِرَاءَةً وجَمْعًا، وإنْ كَانَ هَذَا مَطْلُوْبًا؛ إلَّا أنَّني أرَدْتُ بهَذَا أنْ أبَيِّنَ خُطُوْرَةَ الانْصِرَافِ عَنْ هَذِهِ الكُتُبِ حِيْنَما نَدْفَعُ بطُلَّابنَا وأبنَائِنَا إلى حِفْظِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، والاسْتِعَاضَةِ بهَا عَنْ أصْلِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، فَهَلْ بَانَ مَا هُنَا؟!

* * *

وهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الاسْتِدْرَاكَاتِ والتَّعَقُّبَاتِ على مَنِ اسْتَعَاضَ بحِفْظِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" عَنِ حِفْظِ "الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما ممَّنْ أعْطَاهُ الله هِمَّةً عَالِيَةً، وأعْطَاهُ عَزِيْمَةً قَوِيَّةً، وآتَاهُ ذَاكِرَةً صَافِيَةً، ورَزَقَهُ صَبْرًا وجَلَدًا في حِفْظِ ودِارَسَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ والأثَرِ، فَهَذِهِ الاسْتِدْرَاكَاتُ وغَيْرُهَا قَدْ تَجَاوَزْنَا ذِكْرَهَا خَشْيَةَ الإطَالَةِ والمِلالِ، والله الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.


 

([1]) ويَدْخُلُ في مَعْنَاهَا كُتُبُ الأفْرَادِ!

([2]) قُلْتُ : إنَّ مَا ذَكَرَهُ الدِّهْلِويُّ عَنْ خُمُوْلِ ذِكْرِ بَعْضِ الكُتُبِ؛ مُسْتَدْرَكٌ ومُنْتَقَدٌ، بَلْ لا يُسَلَّمُ لَهُ فِيْمَا ذَكَرَهُ وقَالَهُ، ولاسِيَّما عَنْ مُسْنَدِ أبي يَعْلى، وكُتُبِ البَيْهَقِي وغَيْرِهِمَا!

([3]) لاشَكَّ أنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله لم يَكْتُبْ في صَحِيْحِهِ إلَّا أسْماءَ الكُتُبِ فَقَطُ، أمَّا أسْماءُ الأبْوَابِ فَلَمْ يُبَوِّبْهَا، بَلْ سَاقَ أحَادِيْثَ الكِتَابِ على التَّرتِيْبِ الفِقْهِيِّ، لِذَا فَإنَّ هَذِهِ التَّبْوِيْبَاتِ المَوْجُوْدَةَ في كِتَابِهِ هِيَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ والمُخَرِّجِيْنَ والمُخْتَصِرِيْنَ لكِتَابِهِ، ومِنْ هَؤلاءِ محي الدِّيْنِ النَّووِيُّ رَحِمَهُ الله، وإنْ كَانَ تَبْوِيْبُ أبي العَبَّاسِ القُرْطُبيِّ قَبْلَهُ أجْوَدَ مِنْهُ صِنَاعَةً، والله أعْلَمُ!

([4]) لاشَكَّ أنَّ المَوْقُوْفَاتِ والآثَارَ وغَيْرَهَا المَوْجُوْدَةَ في «الصَّحِيْحَيْنِ» لم تَكُنْ مَقْصُوْدَةً بالتَّألِيْفِ؛ بَلْ تَأتي عِنْدَهُمَا تِبَاعًا؛ خِلافًا لذِكْرِ الأحادِيْثِ المَرْفُوْعَةِ، والله أعْلَمُ!

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 32 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208587)