البَابُ الثَّالِثُ النَّقْدُ والاسْتِدْرَاكَاتُ على كِتَابِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ" للشَّيْخِ يَحْيَى اليَحْيَى
عدد مرات القراءة: 867286

البَابُ الثَّالِثُ

النَّقْدُ والاسْتِدْرَاكَاتُ على كِتَابِ

"الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ"

للشَّيْخِ يَحْيَى اليَحْيَى

لاشَكَّ أنَّ الشَّيْخَ يَحْيَى اليَحْيَى حَفِظَهُ الله لَهُ آثَارُ حَسَنَةٌ، وجُهُوْدٌ مَشْكُوْرَةٌ في إحْيَاءِ السُّنَّةِ بَيْنَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ سَوَاءٌ في بِلادِ الحَرَمَيْنِ أو في غَيْرِهَا مِنَ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ؛ حَيْثُ أجْرَى الله على يَدَيْهِ قِيَامَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ في ضَبْطِ السُّنَّةِ، ودَفْعِ الطُّلَّابِ إلى حِفْظِهَا، في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجُهُوْدِ الحَدِيْثِيَّةِ الَّتِي تَنْتَظِمُ في عِقْدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، ولا نُزَكِّيْهِ على الله تَعَالى!

كَمَا أنَّني أذَكِّرُ نَفْسِي والشَّيْخَ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله بحَدِيْثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أجْرُهَا وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُوْرِهِم شَيءٌ...»، وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.

* * *

ونَحْنُ مِنْ خِلالِ ثَنَائِنَا على هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ، وعلى جُهُوْدِ القَائِمِيْنَ عَلَيْهَا لا نَقْطَعُ بسَلامَتِهَا مِنَ الخَطَأ والاسْتِدْرَاكِ، لأنَّهُ قَدْ بَاتَ لَدَى عُقَلاءِ بَنِي آدَمَ: أنَّ كُلَّ عَمَلٍ أو كِتَابٍ يَقُوْمُ بِهِ البَشَرُ؛ فَهُوَ عُرْضَةٌ للنَّقْدِ والنَّقْصِ؛ لأنَّ الله تَعَالى لم يَكْتُبِ الحِفْظَ والكَمَالَ إلَّا لكِتَابِهِ العَزِيْزِ، لأجْلِ هَذَا فَقَدْ وَقَعَ نَظَرِي على بَعْضِ الاسْتِدْرَاكَاتِ المَوْجُوْدَةِ في كِتَابِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ" للشَّيْخِ اليَحْيَى، فَكَانَ ذِكْرُنَا لهَذِهِ الاسْتِدْرَاكَاتِ مِنْ وَاجِبِ النَّصِيْحَةِ، ومِنْ إبْرَاءِ الذِّمَّةِ في حَقِّ السُّنَّةِ وأهْلِهَا، ولاسِيَّما في حَقِّ "الصَّحِيْحَيْنِ" عَلَيْنَا وعلى الأمَّةِ أجْمَعَ!

ومِنْ قَبْلُ؛ فَإنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ في البَابِ الأوَّلِ مِنْ مُلاحَظَاتٍ واسْتِدْراكَاتٍ على عَامَّةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" وغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"؛ فَإنَّها جَارِيَةٌ والحَالَةُ هَذِهِ على كُتُبِ الشَّيْخِ اليَحْيَى، بطَرِيْقِ الأوْلى أو اللُّزُوْمِ.

عِلمًا أنَّني هُنَا لم أتَتَبَّعْ جَمِيْعَ مَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله في كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ"، بَلْ إنَّني وَقَفْتُ مَعَ المُقَدِّمَةِ الَّتِي خَطَّهَا الشَّيْخُ كمَنْهَجٍ للتَّألِيْفِ فَقَطُ، كَمَا وَقَفْتُ أيْضًا مَعَ أوَّلِ حَدِيْثَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ في أوَّلِ كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لقَصْدِ التَّمْثِيْلِ والاعْتِبَارِ، لَيْسَ إلَّا.

لِذَا فَإنَّني لم أقِفْ أو أتَتَبَّعْ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى في كُتُبِهِ، عِلْمًا أنَّ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَعْقِيْبٍ أو اسْتِدْرَاكٍ على مُقَدِّمَتِهِ وعلى أوَّلِ حَدِيْثَيْنِ عِنْدَهُ لهُوَ كَافٍ في الحُكْمِ عَلَى كُتُبِهِ: وذَلِكَ بلُزُوْمِ الاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بحِفْظِ "الصَّحِيْحَيْنِ" وغَيْرِهِمَا مِنْ أُصُوْلِ السُّنَّةِ، وعلى هَذَا اقْتَضَى التَّنْبِيْهُ، والله مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ.

* * *

ثُمَّ أمَّا بَعْدُ؛ فَهَذِهِ بَعْضُ الاسْتِدْرَاكَاتِ العِلْمِيَّةِ، والتَّعَقُّبَاتِ الحَدِيْثِيَّةِ على كِتَابِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زِيَادَاتِ الكُتُبِ العَشَرَةِ" على وَجْهِ الاخْتِصَارِ، وطَرَفِ الاعْتِبَارِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ:

الاسْتِدْرَاكُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْخَ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله قَدِ ارْتَسَمَ مَنْهَجًا في تَألِيْفِ كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" مِنْ خِلالِ طَرِيْقَةٍ مُبْتَكَرَةٍ عِنْدَ كُلِّ مَنْ جَمعَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ، كمَا هُوَ ظاهِرُ خِطَّةِ مُقَدِّمَتِهِ؛ إذْ قَالَ:

المُتَّفَقُ عَلَيْهِ ومُلْحَقَاتُهُ، هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَتْنٍ وحَاشِيَةٍ، فَمَا ألْحِقَ بِهِ ممَّا هُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ البُخَارِيِّ وَضَعْنَاهُ في المَتْنِ بَيْنَ قَوْسَيْنِ، ومَا هُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ وَضَعْنَاهُ في الحَاشِيَةِ، ومَا قُلْنا عَنْهُ في الحَاشِيَةِ: و"لمُسْلِمٍ" بِدُوْنِ رِوَايَةٍ، فَهُو رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لحَدِيْثِ المَتْنِ نَفْسِهِ، ومَا قِيْلَ: و"لمُسْلِمٍ في رِوَايَةٍ"، فَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لمُسْلِمٍ غَيْرِ رِوَايَةٍ المَتْنِ.

ثُمَّ قَالَ: وكُلُّ أبْوَابِ الكِتَابِ هِيَ أبْوَابُ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ إلَّا مَا أشَرْتُ إلَيْهِ بنَجْمَةٍ، هَكَذَا: *.

وقَالَ: أسْمَاءُ الكُتُبِ مُرَتَّبَةٌ حَسبَ كُتُبِ الفِقْهِ.

وقَالَ: ثُمَّ إنَّ الشَّوَاهِدَ والمُتَابَعَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيْهَا أحْكَامٌ جَدِيْدَةٌ لم أُثْبِتْهَا هُنَا إلَّا يَسِيْرًا، ولَكِنْ أُثْبِتُهَا كُلَّهَا في كِتَابِ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ للبَاحِثِيْنَ... انْتَهَى باخْتِصَارٍ.

قُلْتُ: لَنَا فِيْما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله بَعْضُ المَلْحُوْظَاتِ والاسْتِدْرَاكَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ:

أنَّه حَفِظَهُ الله قَسَّمَ الكِتَابَ إلى قِسْمَيْنِ: مَتْنٍ وحَاشِيَةٍ، وفي هَذَا خَطَأٌ مَنْهَجِيٌّ في التَّألِيْفِ والتَّصْنِيْفِ، لأمُوْرٍ:

1- أنَّ الأصْلَ في تَألِيْفِ الكِتَابِ أنْ يَكُوْنَ مُنْفَرِدًا وخُلْوًا عَنْ كُلِّ مَا يُزَاحِمُهُ، لِذَا فَإنَّ الحَاشِيَةَ عِنْدَ عَامَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ هِيَ في حَقِيْقَتِهَا تُعْتَبرُ كِتَابًا جَدِيْدًا؛ خِلافًا للمُتَأخِّرِيْنَ الَّذِيْنَ عِنْدَهُم وَلَعٌ وشَغَفٌ بذِكْرِ الحَوَاشِي، وقَدْ بَيَّنْتُ مِثْلَ هَذَا الخَطَأ في كِتَابي "صِيَانَةِ الكِتابِ" أسْألُ الله تَيْسِيْرَهُ آمِيْنَ!

وأيًّا كَانَ الأمْرُ؛ فَإنَّ ذِكْرَ كِتَابَيْنِ (مَتْنٍ وحَاشِيَةٍ) في كِتَابٍ وَاحِدٍ سَوْفَ يَكُوْنُ سَبَبًا للتَّشْوِيْشِ والخَلْطِ على حِفْظِ الطَّالِبِ، وهَذَا الصَّنِيْعُ ممَّا لا يَجِدُهُ الطَّالِبُ في حِفْظِ "الصَّحِيْحَيْنِ" على انْفِرَادِهِمَا.

2- أنَّ وُجُوْدَ كِتَابَيْنِ (مَتْنٍ وحَاشِيَةٍ) في كِتَابٍ وَاحِدٍ بحُجَّةِ حِفْظِهِمَا، لَيْسَ صَوَابًا، بَلْ فِيْهِ مِنَ المُضَايَقَةِ والمَشَقَّةِ مَا يَعْلَمُهُ كُلُّ بَصِيْرٍ؛ ولَو لم يَكُنْ فِيْهِ مِنَ التَّعْسِيْرِ إلَّا أنَّه يَدْفَعُ الطَّالِبَ عِنْدَ حِفْظِهِ لكُلِّ حَدِيْثٍ إلى اسْتِحْضَارِ مَا يَلي: أنْ يَسْتَحْضِرَ حِفْظَ مَا في المَتْنِ: وهُوَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ مَا انْفَرَدَ بِهِ البُخَاريُّ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرَ حِفْظَ مَا في الحَاشِيَةِ: وهُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ لنَفْسِ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ أفْرَادِ مُسْلِمٍ لغَيْرِ رِوَايَةٍ الحَدِيْثِ! وهَذَا وغَيْرَهُ ممَّا يَقْطَعُ بصُعُوْبَةِ ومَشَقَّةِ طَرِيْقَةِ اليَحْيَى في مَنْهَجِ كِتَابِهِ الَّذِي ألَّفَهُ بحُجَّةِ التَّيْسِيْرِ والتَّسْهِيْلِ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّاني: أنَّ تَضْمِيْنَاتِ مُفْرَدَاتِ البُخَارِيِّ في المَتْنِ بَيْنَ قَوْسَيْنِ، فِيْهِ مُغَالَطَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ؛ يَدُلُّ على ذَلِكَ أنَّ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله قَدِ الْتَزَمَ بتَصْنِيْفِ كِتَابٍ مُسْتَقِلٍ يَتَضَمَّنُ مُفْردَاتِ البُخَارِيِّ!

ومَهْمَا يَكُنْ؛ مِنِ اعْتِذَارٍ في مَنْهَجِ اليَحْيَى في مَعْرِفَةِ وضَبْطِ "الزَّوَائِدِ" فَهُوَ غَيْرُ سَدِيْدٍ؛ لأنَّ التَّوَسُّعَ في جَمْعِ وضَبْطِ "الزَّوَائِدِ" فِيْهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لمَنْهَجِ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدِ اصْطَلَحُوا على مَنْهَجٍ فَرِيْدٍ دَقِيْقٍ في عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، لا يَجُوْزُ والحَالَةُ هَذِهِ خَرْقُهُ بحُجَّةِ التَّوَسُّعِ في مَعْنَى "الزَّوَائِدِ"، أو بحُجَّةِ لا مُشَاحَّةَ في الاصْطِلاحِ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّالِثُ: وكَذَا وُجُوْدُ هَذِهِ المُغَالَطَةِ أيْضًا في تَضْمِيْنِهِ لمُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ التَّي وَضَعَهَا في الحَاشِيَةِ، وذَلِكَ على حَدِّ قَوْلِهِ: "ولمُسْلِمٍ"، أو "ولمُسْلِمٍ في رِوَايَةٍ!"، عِلمًا أنَّهُ صَنَّفَ أيْضًا كِتَابًا مُسْتَقِلًّا يتَضَمَّنُ مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الرَّابِعُ: وفي قَوْلِهِ: "ولمُسْلِمٍ بدُوْنِ رِوَايَةٍ، فَهُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لحَدِيْثِ المَتْنِ نَفْسِهِ، ومَا قِيْلَ: ولمُسْلِمٍ في رِوَايَةٍ، فَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لمُسْلِمٍ غَيْرَ رِوَايَةِ المَتْنِ"!

قُلْتُ: إنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ في اعْتِبَارِ اخْتِلافِ المَخْرَجِ للحَدِيْثِ، سَوَاءٌ في زِيَادَةِ المَتْنِ أو اخْتِلافِ الرَّاوِي؛ لهُوَ أحَدُ طُرُقِ مَعْرِفَةِ إفْرَادَاتِ الأحَادِيْثِ عِنْدَ أئِمَّةِ الشَّأنِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، فَهَذَا ممَّا يَزِيْدُنَا يَقِيْنًا أنَّ اليَحْيَى كَانَ وَاسِعَ الخَطْوِ في تَحْقِيْقِ مَعْرِفَةِ "الإفْرَادَاتِ"، و"الزِّيَادَاتِ"، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الخَامِسُ: وأمَّا قَوْلُهُ: "وكُلُّ أبْوَابِ الكِتَابِ: هِيَ أبْوَابُ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ، إلَّا مَا أشَرْتُ إلَيْهِ بنَجْمَةٍ، هَكَذَا: *".

قُلْتُ: هَذِهِ دَعْوَى عَرِيْضَةٌ، يُبَيِّنُهُ أنَّني لمَّا أحْصَيْتُ فَقَطُ عَدَدَ الأبْوَابِ المَوْجُوْدَةِ في أوَّلِ كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، والَّتِي هِيَ تَحْتَ عُنْوَانِ كِتَابِ الإيْمانِ، فَوَجَدْتُ أنَّ عَدَدَ الأبْوَابِ اثْنَيْنِ وسِتِّيْنَ بَابًا.

مِنْهَا وَاحِدٌ وعِشْرُوْنَ بَابًا (أيْ: بمُعَدَّلِ ثُلْثِ الأبْوَابِ!): هِيَ لَيْسَتْ مِنْ أبْوَابِ البُخَارِيِّ، بَلْ لم يَنُصْ عَلَيْهَا البُخَارِيُّ رَحِمَه الله، بَلْ كَانَتْ مِنْ وَضْعِ الشَّيْخِ اليَحْيَى؛ حَيْثُ نَجِدَهُ قَدْ وَضَعَ بجَانِبِهَا عَلامَةَ النَّجْمَةِ الدَّالَةِ على ذَلِكَ، قُلْتُ هَذَا الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ خِلالِ أبْوَابِ الكتَابِ الأوَّلِ مِنْ كِتَابِهِ، ومَا خَفِيَ كَانَ أعْظَمَ، والله أعْلَمُ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ السَّادِسُ: ومَعَ هَذَا فَلَمْ تَسْلَمْ هَذِهِ التَّبْوِيْبَاتُ الَّتِي وَضَعَهَا اليَحْيَى مِنْ مَلْحُوْظَاتٍ؛ حَيْثُ قَالَ في أوَّلِ تَبْوِيْبٍ في كِتَابِ الإيْمانِ: "بَابٌ: مَا هُوَ الإيْمانُ؟".

قُلْتُ: إنَّ قَوْلَهُ: "مَا هُوَ الإيْمانُ؟" فِيْهِ حَشْوٌ ظَاهِرٌ؛ حَيْثُ أدْخَلَ ضَمِيْرَ الفَصْلِ في غَيْرِ مَحلِّهِ؛ ممَّا أفْسَدَ بِهِ المَعْنَى لُغَةً واصْطِلاحًا؛ لِذَا كَانَ الصَّوَابُ أنْ يُقَالَ: مَا الإيْمانُ؟

ثُمَّ نَجِدُهُ حَفِظَهُ الله قَدْ أدْخَلَ حَدِيْثَ ابنِ عَبَّاسٍ الأوَّلِ تَحْتَ تَعْرِيْفِ الإيْمَانِ، وهَذَا أيْضًا لَيْسَ بصَوَابٍ؛ لأنَّهُ أطْلَقَ بِهِ تَعْرِيْفَ الإيْمَانِ؛ لِذَا كَانَ الأوْلى أنْ يُقَيِّدَهُ، لأنَّ الحَدِيْثَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهَ مُبَاشَرَةً فِيْهِ اخْتِلافٌ في تَعْرِيْفِ الإيْمانِ، لِذَا كَانَ الأوْلى أنْ يُدْرِجَ الحَدِيْثَيْنِ ويُضَمِّنْهُمَا تَحْتَ عُنْوَانٍ وَاحِدٍ عَامٍّ، كَقَوْلِكَ: بَابُ الإسْلامِ والإيْمانِ والإحْسَانِ، أو بَابُ سُؤالِ جِبْرِيْلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإيْمانِ، كَما هُوَ تَصَرُّفُ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ؛ لأنَّ البُخَارِيَّ رَحِمَه الله تَرْجَمَ لحَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسِ الأوَّلِ بَقَوْلِهِ: "وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ"، ثُمَّ نَرَاهُ أيْضًا قَدْ تَرْجَمَ لحَدِيْثِ أبي هُرَيْرَةَ الثَّاني، بقَوْلِهِ: "بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيْلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإيْمانِ والإسْلامِ والإحْسَانِ، وعِلْمِ السَّاعَةِ، وبَيَانِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ".

ومِنْ خِلالِ وُقُوْفِنَا على تَرَاجِمِ أبْوَابِ البُخَارِيِّ الّتِي وَضَعَهَا في صَحِيْحِهِ، وبَيْنَ مَا صَنَعَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى يَتَّضِحُ لكُلِّ ذِي عَيْنٍ: البَوْنَ الشَّاسِعَ بَيْنَهُما، والخَطَأ الوَاضِحُ عِنْدَ اليَحْيَى، والله المُوَفِّقُ.

كَمَا أنَّ الشَّيْخَ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله لم يَلْتَزِمْ بتَبْوِيْبِ البُخَارِيِّ؛ حَيْثُ تَرْجَمَ لحَدِيْثِ أبي هُرِيْرَةَ الثَّاني، بقَوْلِهِ: "بَابُ سُؤَالِ جَبْرِيْلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإيْمانِ"، عِلمًا أنَّ البُخَارِيَّ رَحِمَهُ الله لم يَقْتَصِرْ في التَّرْجَمَةِ على الإيْمانِ، بَلْ قَالَ: "بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيْلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإيْمانِ والإسْلامِ والإحْسَانِ، وعِلْمِ السَّاعَةِ"، فأيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟، كَمَا أنَّنَا مَهْمَا اعْتَذَرْنَا لليَحْيَى في تَصَرُّفِهِ في اخْتِصَارِ التَّرْجَمَةِ، إلَّا أنَّنا أيْضًا لا نَعْذُرُهُ فِيْما يَأتي.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ التَّرْجَمَةَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا اليَحْيَى مُوْهِمَةٌ ومُشْكِلَةٌ؛ لأنَّ الطَّالِبَ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا قَدْ يَفْهَمُ مِنْهَا أنَّ تَعْرِيْفَ الإيْمانِ: مَا ذُكِرَ في حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ قَطُّ، وأنَّ سُؤالَ جَبْرِيْلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَنِ الإيْمانِ قَطُّ!

عِلمًا أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ تَعْرِيْفِ الإيْمانِ والإسْلامِ؛ حَيْثُ أنَّهُم جَعَلُوا لكُلٍّ مِنْهُما تَعْرِيْفًا عِنْدَ الاقْتِرَانِ، وتَعْرِيفًا آخَرَ عِنْدَ الافْتِرَاقِ، فَالإيْمانُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ مَعْنَاهُ على مَعْنَى الإسْلامِ، والعَكْسُ صَحِيْحٌ، كَمَا هُوَ ظَاِهِرُ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ الأوَّلِ، وإذَا اقْتَرَنَا دَلَّ مَعْنَى الإيْمانُ على الأعْمَالِ القَلْبِيَّةِ، ودَلَّ مَعْنَى الإسْلامِ على الأعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيْثُ أبي هُرَيْرَةَ الثَّاني، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ السَّابِعُ: أنَّ دَعْوَى اليحْيَى بِأنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ بتَضْمِيْنِ كُلِّ أبْوَابِ البُخَارِيِّ في كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"؛ فَهِيَ دَعْوَى غَيْرُ سَدِيْدَةٍ ولا مَقْبُوْلَةٍ مِنَ النَّاحِيَةِ الحَدِيْثِيَّةِ والفَقْهِيَّةِ!

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله لم يَلْتَزِمْ بَوَضْعِ الأحَادِيْثِ الَّتِي ارْتَضَاهَا واخْتَارَهَا البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله تَحْتَ كُلِّ تَرْجَمَةٍ وَضَعَهَا في صَحِيْحِهِ، بَلْ قْدْ أجْرَى اليَحْيَى عَلْيَهَا قَلَمَ الاخْتِصَارِ والانْتِقَاءِ، إلَّا مَا نَدَرَ وقَلَّ!

وهَذَا في حَدِّ ذَاتِهِ ممَّا يَدُلُّ على وُجُوْدِ خَلَلٍ في تَرَاجِمِ أبْوَابِ اليَحْيَى سَوَاءٌ مِنَ النَّاحِيَةِ الحَدِيْثِيَّةِ أو الفَقْهِيَّةِ، ولا يُدْرِكُ هَذَا الخَلَلَ إلَّا مَنْ أدْمَنَ النَّظَرَ في صَحِيْحِ البُخَارِيِّ، وعَلِمَ أيْضًا فِقْهَ البُخَارِيِّ في اخْتِيَارَاتِهِ وتَصَرُّفَاتِهِ في الأبْوَابِ، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّامِنُ: أنَّ الطَّرِيْقَةَ الَّتِي اتَّخَذَهَا اليَحْيَى حَفِظَهُ الله في كِتَابِهِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" فِيْهَا تَكَلُّفٌ وَاضِحٌ، ومُزَاحَمَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ حَيْثُ نَرَاهُ قَدْ وَقَعَ في بَعْضِ الأخْطَاءِ المَنْهَجِيَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ ذِكْرِهِ لأوَّلِ حَدِيْثَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، فَضْلًا عَنِ الأحَادِيْثِ البَاقِيَةِ مِنْهَا.

فَأمَّا الحَدِيْثُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيْقِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، فَقَدْ أوْرَدَه هَكذَا كَمَا جَاءَ في الطَّبْعَةِ الأوْلى لعَامِ (1426)(1):

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَرْحَبًا بِالوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مُضَرُ وَإنَّا لَا نَصِلُ إلَيْكَ إلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ فَمُرْنَا بِأمْرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ أرْبَعٌ وَأرْبَعٌ أقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَصُومُوا رَمَضَانَ وَأعْطُوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ، قَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا: حَاشِيَتَيْنِ!).

(وفي حَدِيْثِ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الظُّرُوفِ» فَقَالَتْ الأنْصَارُ: إنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا قَالَ فَلَا إذًا) انْتَهَى كَلامُهُ.

ثُمَّ نَرَاهُ أيْضًا قَدْ ذَكَرَ في حَاشِيَةِ هَذَا الحَدِيْثِ ثَلاثَ حَوَاشٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، هَكَذَا:

الحَاشِيَةُ الأوْلى قَالَ: ولمُسْلِمٍ: وَقَالَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم لأشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فِيكَ لخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله: الحِلْمُ وَالأنَاةُ».

وفي الحَاشِيَةِ الأخْرَى، قَالَ: ولمُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ: «قَالُوا: يا نَبِيَّ الله! ما عِلْمُكَ بالنَّقِيْرِ؟ قَالَ: بَلى، جِذْعٌ تَنْقِرُوْنَهُ فتَقْذِفُوْنَ فِيْهِ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّوْنَ فِيْهِ مِنَ المَاءِ، حَتَّى إذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوْهُ، حَتَّى إنَّ أحَدَكُم ليَضْربُ ابنَ عَمِّهِ بالسَّيْفِ، قَالَ: وفي القَوْمِ رَجُلٌ أصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ في أسْقِيَةِ الأدَمِ الَّتِي تُلاثُ على أفْوَاهِهَا.

قَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله! إنَّ أرْضَنَا كَثِيْرَةُ الجِرْذَانِ، ولا تُبْقِي بِهَا أسْقِيَةَ الأدَمِ. فَقَالَ نَبِيُ الله صلى الله عليه وسلم: وإنْ أكَلَتْهَا الجِرْذَانُ، وإنْ أكَلَتْهَا الجِرْذَانُ، وإنْ أكَلَتْهَا الجِرْذَانُ».

وفي الحَاشِيَةِ الثَّالِثَةِ، قَالَ: ولمُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيْثِ بُرَيْدَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: «نَهَيْتُكُم عَنِ النَّبِيْذِ إلَّا في سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا في الأسْقِيَّةِ كُلِّهَا، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». وفي رِوَايَةٍ: «إنَّ الظُّرُوْفَ لا تُحِلُّ شَيْئًا ولا تُحرِّمُهُ».

  قُلْتُ: إنَّ الطَّالِبَ إذَا نَظَرَ إلى هَذَا الحَدِيْثِ سَوْفَ تَسْتَوْقِفُهُ بَعْضُ الإشْكَالاتِ، مِنْهَا:

أنَّ اليَحْيَى قَدْ ذَكَرَ في المَتْنِ حدِيْثًا وَاحِدًا مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ ضَمَّنَهُ رِوَايَتَيْنِ في المَتْنِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِرِوَايَةٍ مُفْرَدَةٍ للبُخَارِيِّ، كَمَا أنَّهُ ألْحَقَ الحَدِيْثَ بثَلاثِ حَوَاشٍ، هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أرْبَعِ رِوَايَاتٍ مِنْ إفْرادَاتِ مُسْلِمٍ عَلى البُخَارِيِّ.

ومِنْ هُنَا كَانَ الإشْكَالُ قَائِمًا؛ حَيْثُ نَجِدُ في الحَدِيْثِ الوَاحِدِ سَبْعَةَ إشْكَالاتٍ: فمَرَّةً يَأتي بالحَدِيْثِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، وثَانِيَةً يَأتي برِوَايَتَيْنِ للحَدِيْثِ ضِمْنًا، وثَالِثَةً مَعَ أفْرَادِ البُخَارِيِّ، ورَابِعَةً وخَامِسَةً وسَادِسَةً وسَابِعَةً مَعَ إفْرَادَاتِ مُسْلِمٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ المَتْنِ مَعَ إلْحَاقَاتِ الحَاشِيَةِ... فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الإشْكَالاتِ والمُضَايَقَاتِ على حِفْظِ الطَّالِبِ بطَرِيْقٍ أو آخَرَ، في حِيْنَ أنَّنا لا نَجِدُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الإشْكَالاتِ عِنْدَ حِفْظِ أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ!

  أمَّا الحَدِيْثُ الثَّاني، فَقَدْ أوْرَدَهُ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله، هَكَذَا:

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلمكَانَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ(هُنَا حَاشِيَةٌ!)، إذْ أتَاهُ رَجَلٌ يَمْشِي (هُنَا حَاشِيَةٌ!)، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: «الإيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ولِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ الآخَرِ» (هُنَا حَاشِيَةٌ!)، قَالَ يَا رَسُوْلَ الله: مَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: «الإسْلَامُ أنْ تَعْبُدَ الله وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ» (هُنَا حَاشِيَةٌ!)، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ (هُنَا حَاشِيَةٌ!)، قَالَ يَا رَسُوْلَ الله: مَا الإحْسَانُ؟ قَالَ: «أنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ سَأحَدِّثُكَ عَنْ أشْرَاطِهَا: إذَا وَلَدَتْ الأمَةُ ربَّتَها» ـوفي رِوَايَةٍ: «رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا»، وَإذَا كَانَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رُؤوْسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا -وفي رِوَايَةٍ (مُعَلَّقَةٍ): «إذَا تَطَاوَلَ رُعَاءُ الإبِلِ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِهَا»، وفي رِوَايَةٍ أخْرَى: «تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإبِلِ البُهْمِ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا الله: إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: رُدُّوا عليَّ، فأخَذُوا ليَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ ليُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ» (هُنَا حَاشِيَةٌ!).

(وفي حَدِيْثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَفَاتِيْحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾[لقمان:34]»).

ثُمَّ نَرَاهُ أيْضًا قَدْ ذَكَرَ في حَاشِيَةِ هَذَا الحَدِيْثِ سِتَّ رِوَايَاتٍ، هِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ، هَكَذَا:

الحَاشِيَةُ الأوْلى: ولمُسْلِمٍ في رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَلُونِي»، فَهَابُوهُ أنْ يَسْألُوهُ.

الحَاشِيَةُ الثَّانِيَةُ: ولمُسْلِمٍ مِن حَدِيْثِ عُمَرَ: «إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ».

الحَاشِيَةُ الثَّالِثَةُ: ولمُسْلِمٍ في رِوَايَةٍ: «وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ»، وفي حَدِيْثِ عُمَرَ: «وتُؤْمِنُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ».

الحَاشِيَةُ الرَّابِعَةُ: ولمُسْلِمٍ: «المَكْتُوْبَة».

الحَاشِيَةُ الخَامِسَةُ: ولمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ: «وَتَحُجَّ البَيْتَ إنْ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ».

الحَاشِيَةُ السًّادِسَةُ: ولمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: "كَانَ أوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ فَانْطَلَقْتُ أنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَسَألنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أنَا وَصَاحِبِي أحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إلَيَّ فَقُلْتُ: أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أنْ لَا قَدَرَ وَأنَّ الأمْرَ أنُفٌ قَالَ فَإذَا لَقِيتَ أولَئِكَ فَأخْبِرْهُمْ أنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ لَوْ أنَّ لِأحَدِهِمْ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ مَا قَبِلَ الله مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أبِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ...".

  قُلْتُ: إنَّ إشْكَالاتِ هَذَا الحَدِيْثِ لَيْسَتِ عَنْ سَابِقِهِ ببَعِيْدٍ، بَلْ زَادَتْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْكَالاتِ والتَّعْقِيْدَاتِ مَا يَسْتَشْكِلُ على الطَّالِبِ، ويَغْلِقُ عَلَيْهِ حِفْظَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ:

أنَّ اليَحْيَى قَدْ ذَكَرَ في المَتْنِ حَدِيْثًا وَاحِدًا مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ ضَمَّنَهُ بَأرْبَعِ رِوَايَاتٍ أْخَرَى، إحْدَاهَا مُعْلَّقَةٌ، وأخْرَى مِنْ إفْرَادَاتِ البُخَارِيِّ، ثُمَّ أعْقَبَهُ في الحَاشِيَةِ بسِتِّ رِوَايَاتٍ، هِيَ مِنْ إفْرادَاتِ مُسْلِمٍ عَلى البُخَارِيِّ.

ومِنْ هُنَا كَانَ الإشْكَالُ قَائِمًا؛ حَيْثُ نَجِدُ في الحَدِيْثِ الوَاحِدِ عَشْرَةَ إشْكَالاتٍ: فمَرَّةً يَأتي بالحَدِيْثِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، وثَانِيَةً مَعَ تَضْمِيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وثَالِثَةً مَعَ تَضْمِيْنِ رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ، ورَابِعَةً مَعَ تَضْمِيْنِ رِوَايَةٍ مِنْ أفْرَادِ البُخَارِيِّ، وخَامِسَةً وسَادِسَةً وسَابِعَةً وثَامِنَةً وتَاسِعَةً وعَاشِرَةً مَعَ إفْرَادَاتِ مُسْلِمٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ في رِوَايَةِ المَتْنِ مَعَ إلْحَاقَاتِ الحَاشِيَةِ... فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الإشْكَالاتِ والمُضَايَقَاتِ على حِفْظِ الطَّالِبِ بطَرِيْقٍ أو آخَرَ، في حِيْنَ أنَّنا لا نَجِدُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّعْقِيْدَاتِ والإشْكَالاتِ عِنْدِ حِفْظِ أصْلِ الصَّحِيْحَيْنِ، كَما سَيَأتي بَيَانُهُ، إنْ شَاءَ الله تَعَالى!

* * *

ثُمَّ بَعْدَ هَذَا؛ لا تَذْهَبَنَّ بِنَا الظُّنُوْنُ؛ بأنَّ كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ ممَّنْ حَفِظُوا كِتَابَ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" لليَحْيَى لم يَجِدُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الإشْكَالاتِ!

قُلْتُ: إنَّ هَذَا الظَّنَّ لا يَشْفَعُ لَنَا أنْ نَسْتَمِرَّ في تَسْوِيْقِ هَذِهِ الإشْكَالاتِ بحُجَّةِ أنَّ بَعْضَ الطُّلَّابِ قَدْ حَفِظُوْهَا دُوْنَ إشْكَالٍ... لأنَّنَا وإيَّاكُم نَعْلَمُ جَمِيْعًا: أنَّ هَؤلاءِ الطُّلَّابَ قَدْ أجْمَعُوا أمْرَهُم على حِفْظِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما الصَّحِيْحَيْنِ، كَمَا أنَّهُم قَدْ وَطَّنُوا أنْفُسَهُم على تَحَمُّلِ ورُكُوْبِ الصِّعَابِ في سَبِيْلِ حِفْظِ الصَّحِيْحَيْنِ خَاصَّةً، وكُتُبِ السُّنَّةِ بعَامَّةٍ، لِذَا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الأمْرُ عِنْدَهُم على الحِفْظِ على أيِّ وَجْهٍ كَانَ، وأيِّ إشْكَالٍ بَانَ، فَهَذَا وغَيْرَهُ ممَّا يَدْفَعُنَا ضَرُوْرَةً إلى دَفْعِهِم إلى حِفْظِ الأصُوْلِ الحَدِيْثِيَّةِ أوَّلًا بأوَّلٍ، وإلَّا كُنَّا عَيَاذًا بالله ممَّنْ يُغَالِطُ بِهَذِهِ الهِمَمِ العَالِيَةِ، والفُهُوْمِ الوَقَّادَةِ، والجُهُوْدِ الكَبِيْرَةِ في غَيْرِ طَرِيْقِهَا الصَّحِيْحِ، والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ التَّاسِعُ: أنَّ الشَّيْخَ اليَحْيَى قَدْ جَنَحَ إلى تَصْنِيْفِ كِتَابٍ فَرِيْدٍ في بَابِهِ لم يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ، وهُوَ كِتَابُ: "أفْرَادِ البُخَارِيِّ على مُسْلِمٍ"(2)، وهَذَا مِنْهُ يَدُلُّنَا على أنَّ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله وَاسِعُ الخَطْوِ في ضَبْطِ عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، وأيًّا كَانَ الأمْرُ؛ فَإنَّ المَسْألَةَ أيْضًا قَابِلَةٌ للاجْتِهَادِ، والله أعْلَمُ.

* * *

  وأمَّا الكِتَابُ الآخَرُ الَّذِي ألَّفَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله، فَهُوَ بعِنْوَانِ: "زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ على الصَّحِيْحَيْنِ"، أيْ: زِيَادَاتِ سُنَنِ أبي دَاوُدَ، وسُنَنِ التِّرمِذِيِّ، وسُنَنِ النِّسَائِيِّ، وسُنَنِ ابنِ مَاجَه، ومُوَطَّأ مَالِكٍ، وسُنَنِ الدَّارِميِّ، ومُسْنَدِ أحمَدَ، وصَحِيْحِ ابنِ خُزَيْمَةَ، وصَحِيْحِ ابنِ حِبَّانَ، ومُسْنَدِ البَزَّارِ.

ولَهُ في هَذِهِ الزِّيَادَاتِ طَرِيْقَةٌ مَبْتَكَرَةٌ لم يَسْبِقْهُ إلَيْهَا أحَدٌ إلَّا مَا كَانَ مِنَ الحَافِظِ ابنِ المُلَقِّنِ رَحِمَهُ الله (804)، كَمَا سَيَأتي الحَدِيْثُ عَنْهُ.

أمَّا مَنْهَجُ الشَّيْخِ اليَحْيَى في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ "جَمْعِ الزَّوَائِدِ"، فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ في مَطْلَعِ مقَدِّمَاتِ الكُتُبِ العَشَرَةِ المَذْكُوْرَةِ آنِفًا، كَمَا يَلي:

1- زِيَادَاتُ أبي دَاوُدَ على الصَّحِيْحَيْنِ.

2- زِيَادَاتُ التِّرْمِذِيِّ على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ.

3- زِيَادَاتُ النَّسَائيِّ على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ.

4- زِيَادَاتُ ابنُ مَاجَه على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ.

5- زِيَادَاتُ مَالِكٍ على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابنِ مَاجَه.

6- زِيَادَاتُ الدَّارِمِيِّ على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابنِ مَاجَه ومَالِكٍ.

7- زِيَادَاتُ مُسْنَدِ أحمَدَ على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابنِ مَاجَه ومَالِكٍ والدَّارِمِيِّ، وهَكَذَا إلى آخِرِ الكُتُبِ العَشَرَةِ المَذْكُوْرَةِ آنِفًا.

قُلْتُ: لَنَا مَعَ طَرِيْقَةِ الشَّيْخِ اليَحْيَى في زِيَادَاتِهِ مِنْ خِلالِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ بَعْضُ المَلْحُوْظَاتِ والاسْتِدْرَاكَاتِ اليَسِيْرَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ:

الاسْتِدْرَاكُ الأوَّلُ: أنَّهُ حَفِظَهُ الله جَاءَ بطَرِيْقَةٍ في تَصْنِيْفِ "الزَّوَائِدِ" لَيْسَ لهَا سَابِقَةٌ عِنْدَ أئِمَّةِ الشَّأنِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ، إلَّا مَا كَانَ في مَطْلَعِ القَرْنِ التَّاسِعِ، وذَلِكَ فِيْمَا ألَّفَهُ الحَافِظُ ابنُ المُلَقِّنِ المِصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله (804)؛ حَيْثُ صَنَّفَ: "زَوَائِدَ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ"، و"زَوَائِدَ أبي دَاوُدَ على الصَّحِيْحَيْنِ"، و"زَوَائِدَ التِّرْمِذِيِّ على الثَّلاثَةِ" يَعْنِي: الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ، و"زَوَائِدَ النِّسَائِي على الأرْبَعَةِ"، يَعْنِي: الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ، و"زَوَائِدَ ابنِ مَاجَه على الخَمْسَةِ" يَعْنِي: الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ، كَمَا أنَّه رَحِمَهُ الله قَدْ شَرَحَهَا كَامِلَةً إلَّا "زَوَائِدَ أبي دَاوُدَ" فَإنَّهُ لم يُكْمِلْ شَرْحَهُ، وهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ ابنُ حَجرِ رَحِمَهُ الله: أنَّه رَآهَا بخَطِّ ابنِ المُلَقِّنِ، ولكِنَّهَا أُحْرِقَتْ للأسَفِ بَعْدَ وَفَاةِ ابنِ المُلَقِّنِ والله أعْلَمُ.

وقَدْ خَرَجَ مُؤخَّرًا كِتَابٌ بعِنْوَانِ "زَوَائِدِ أبي دَاوُدَ على الصَّحِيْحَيْنِ" لأخِيْنَا الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيْزِ الطِّرِيفيِّ حَفِظَهُ الله.

ومَعَ هَذَا؛ فَإنَّنا أيْضًا لا نُسَلِّمُ للحَافِظِ ابنِ المُلَقِّنِ رَحِمَهُ الله فِيْما ذَهَبَ إلَيْهِ في "زَوَائِدِهِ"؛ حَيْثُ أنَّهَا لم تَخْلُو مِنِ اسْتِدْرَاكَاتٍ وإشْكَالاتٍ، سَيَأتي ذِكْرُهَا عِنْدَ كَلامِنَا على كِتَابِ "زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ" للشَّيْخِ اليَحْيَى، لِذَا فَإنَّ هَذِهِ الطَّرِيْقَةَ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا الحَافِظُ ابنُ المُلَقِّنِ وغَيْرُهُ لَيْسَتْ مِنْ طَرَائِقِ الضَّبْطِ في عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ!

وأيًّا كَانَ الأمْرُ؛ فَإنَّ الحَافِظَ ابنَ المُلَقِّنِ في صَنيْعِهِ هَذَا لم يَخْرُجْ بِزِيَادَاتِهِ هَذِهِ عَنِ "الكُتُبِ السِّتَّةِ" الَّتِي إلَيْهَا تَرْجِعُ كُتُبُ "الزَّوَائِدِ" وِرْدًا وصُدُوْرًا، خِلافًا لليَحْيَى الَّذِي خَرَجَ بزَوَائِدِهِ عَنْهَا!

وكَمْ تَمنَّيْنَا لَوْ أنَّنا وَقَفْنَا على شَيءٍ مِنْ كُتُبِ ابنِ المُلَقِّنِ كَيْ نَتَبَيَّنَ حَقِيْقَةَ مَنْهَجِهِ وطَرِيْقَةَ زَوَائِدِهِ في تَألِيْفِهِ لهَذِهِ الكُتُبِ، ولكِنْ بحَسْبِنَا أنْ نُضَمِّنَ نَقْدَهَا والاسْتِدْرَاكَ عَلَيْهَا تَحْتَ اسِتْدَرَاكَاتِنَا على كِتَابِ اليَحْيَى في زَوَائِدِهِ لمَا بَيْنَهَا مِنَ التَّقَارُبِ في الاسْمِ، وفي مَضْمُوْنِ المُسَمَّى، وهُوَ كَذَلِكَ.

ومِنْ هُنَا؛ فَإنَّ هَذِهِ الطَّرِيْقَةَ الَّتِي جَنَحَ إلَيْهَا اليَحْيَى لهِيَ طَرِيْقَةٌ مُشْكِلَةٌ وعَسِيْرَةٌ لا تَسْتَقِيْمُ وطَرِيْقَةَ أهْلِ الزَّوَائِدِ بعَامَّةِ؛ حَيْثَ أنَّهُ ذَكَرَ زَوَائِدَ الكُتُبِ العَشَرَةِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ بطَرِيْقَةٍ فِيْهَا شَيءٌ مِنَ الخَلَلِ والاضْطِرَابِ، ممَّا قَدْ تُشْكِلُ على الطَّالِبِ ضَبْطَهَا، وتُغْلِقُ عَلَيْهِ حِفْظَهَا.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّنا لَوْ أرَدْنَا أنْ نَقِفَ مَعَ أحَدِ زَوَائِدِ هَذِهِ الكُتُبِ العَشَرَةِ؛ لعَلِمْنَا يَقِيْنًا أنَّ الصُّعُوْبَةَ والإشْكَالَ حَالٌّ ومُرْتَحِلٌ في مَجْمُوْعِ هَذِهِ الزَّوَائِدِ العَشَرَةِ الَّتِي اخْتَطَّهَا اليَحْيَى في كِتَابِهِ.

فَمَثَلًا؛ لَوْ أخَذْنَا زَوَائِدَ الكِتَابِ السَّابِعِ: وهُوَ "زِيَادَاتِ مُسْنَدِ أحمَدَ" على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابنِ مَاجَه ومَالِكٍ والدَّارِمِيِّ.

فَعِنْدَ أوَّلِ وَقْفَةٍ سَوْفَ نَجِدُ في كِتَابِ "زَوَائِدِ المُسْنَدِ" إشْكَالاتٍ كَثِيْرَةً، مِنْهَا:

أنَّ "زَوَائِدَ المُسْنَدِ" هُنَا، لَيْسَتْ وُجُوْدِيَّةً فَقَطُ، بَلْ هِيَ أيْضًا عَدَمِيَّةٌ، لِذَا كَانَ وَاجِبًا على الطَّالِبِ أنْ يُدْرِكَ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ مِنْ حَيْثُ الوُجُوْدِ والعَدَمِ، وإلَّا وَقَعَ في وَادِي تُضِلِّلَ.

بمَعْنَى؛ أنَّ "زَوَائِدَ المُسْنَدِ" قَاصِرَةٌ على الكُتُبِ الثَّمانِيَةِ السَّابِقَةِ فَقَطُ، أيْ: على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابنِ مَاجَه ومَالِكٍ والدَّارِمِيِّ، وأنَّها أيْضًا غَيْرُ زَائِدَةٍ على الكُتُبِ الثَّلاثَةِ البَاقِيَةِ: أيْ على صَحِيْحِ ابنِ خُزَيْمَةَ، وصَحِيْحِ ابنِ حِبَّانَ، ومُسْنَدِ البَزَّارِ.

وعَلى هَذَا؛ كَانَ وَاجِبًا عَيْنِيًّا على الطَّالِبِ الَّذِي يُريْدُ حِفْظَ "زَوَائِدِ المُسْنَدِ": أن يَسْتَحْضِرَ تَرْتِيْبَ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ الاثْنَيْ عَشَرَ على وَجْهِ التَّرْتِيْبِ، لكَي يُمَيِّزَ زِيَادَاتِ المُسْنَدِ على غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، كَمَا عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَسْتَحْضِرَ تَرْتِيْبَ مَوْضِعِ "مُسْنَدِ أحمَدَ" مِنْ بَيْنِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ الاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ حَيْثُ تَرْتِيْبِ السَّابِقِ واللَّاحِقِ، وهَكَذَا في جَمِيْعِ هَذِهِ الكُتُبِ العَشَرَةِ.

فَمَثَلًا؛ إذَا أرَادَ الطَّالِبُ أنْ يَعْزُوَ حَدِيْثًا إلى "سُنَنِ ابنِ مَاجَه"، فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَحْضِرَ تَرْتِيْبَ الكُتُبِ الاثْنَي عَشَر وَاحِدًا بَعْدَ الآخَرِ دُوْنَ تَقْدِيْمٍ أو تَأخِيْرِ، وإلَّا وَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ، وهِيَ كَمَا يَلي على التَّرتِيْبِ: كُتُبُ الصَّحِيْحَيْنِ وسُنَنِ أبي دَاوُدَ، وسُنَنِ التِّرمِذِيِّ، وسُنَنِ النِّسَائِيِّ، وسُنَنِ ابنِ مَاجَه، ومُوَطَّأ مَالِكٍ، وسُنَنِ الدَّارِميِّ، ومُسْنَدِ أحمَدَ، وصَحِيْحِ ابنِ خُزَيْمَةَ، وصَحِيْحِ ابنِ حِبَّانَ، ومُسْنَدِ البَزَّارِ.

كَمَا عَلَيْهِ ثَانِيًا أنْ يَسْتَحْضِرَ تَرْتِيْبَ مَوْضِعِ "سُنَنِ ابنِ مَاجَه" مِنْ بَيْنِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ الاثْنَيْ عَشَرَ على التَّرتِيْبِ!

وهَكَذَا في مُضَايَقَاتٍ للعُقُوْلِ، وإشْكَالاتٍ عِنْدَ الحِفْظِ، وإغْلاقَاتٍ في المُذَاكَرَةِ والله أعْلَمُ.

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّاني: أنَّ تَرْتِيْبَ اليَحْيَى في الكُتُبِ العَشَرَةِ، لَيْسَ سَدِيْدًا؛ حَيْثُ نَرَاهُ قَدْ قَدَّمَ مَا حَقَّهُ التَّأخِيْرُ، وأخَّرَ مَا حَقَّهُ التَّقْدِيْمُ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَأخِيْرِهِ لمُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، في حِيْنَ أنَّنِي لا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ المُعْتَبرِيْنَ أنَّهُ قَدَّمَ مُسْنَدَ الدَّارِمِيِّ على مُسْنَدِ أحْمَدَ فِيْمَا أعْلَمُ.

ورُبَّما كَانَ الخَطَأ أيْضًا في تَقْدِيْمِ مُوَطَّأ مَالِكٍ على مُسْنَدِ أحْمَدَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَنْ يُقَدِّمُ مُسْنَدَ أحْمَدَ على المُوَطَّأ باعْتِبَارِ الشُّمُولِيَّةِ والسِّعَةِ، لا باعْتِبَارِ الصِّحَّةِ في غَيْرِهَا مِنَ الاعْتِبَارَاتِ!

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الثَّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ الَّتِي طَرَقَهَا الشَّيْخُ اليَحْيَى لَيْسَتْ مَنْهَجِيَّةً ولا عِلْمِيَّةً، بَلْ فِيْهَا مِنَ المُغَالَطَاتِ والتَّكَلُّفَاتِ الشَّيءُ الَّذِي لا يُقِرُّهُ أهْلُ العِلْمِ مِنْ جَهَابِذَةِ الحَدِيْثِ وحُفَّاظِهِ، وذَلِكَ لمَا يَلي:

أنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ طَرِيْقَةً خَاطِئَةً سَوَاءٌ في تَرْتِيْبِ هَذِهِ الكُتُبِ العَشَرَةِ، أو في التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّنا لَو وَقَفْنَا مَعَ كِتَابِ "زَوَائِدِ التِّرمِذِيِّ" مَثَلًا، فإنَّنَا نَقْطَعُ أنَّه لَيْسَ بالضَّرُوْرَةِ أنْ تَكُوْنَ أحَادِيْثُ التِّرْمِذِيِّ هُنَا زَائِدَةً على الصَّحِيْحَيْنِ وأبي دَاوُدَ فَقَطُ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَرْتِيْبِهِ الوَضْعِيِّ بَيْنَ الكُتُبِ العَشَرَةِ، بَلْ رُبَّما كَانَتْ أحَادِيْثُهُ زَائِدَةً أيْضًا على أحَادِيْثِ النَّسَائيِّ أو ابنِ مَاجَه أو المُوَطَّأ وهَكَذَا إلى آخِرِ الكُتُبِ العَشَرَةِ، أو رُبَّمَا كَانَتْ أحَادِيْثُهُ زَائِدَةً على بَعضِهَا دُوْنَ بَعْضٍ، وعلى هَذَا يَجْرِي القِيَاسُ على جَمِيْعِ زَوَائِدِ الكُتُبِ العَشَرَةِ المَذْكُوْرَةِ، وهَذا في حَدِّ ذَاتِهِ فِيْهِ إشْكَالِيَّةٌ مَنْهَجِيَّةٌ بَعِيْدَةٌ عَنْ مَدَارِكِ مَعْرِفَةِ عِلْمِ "الزَّوَائِدِ".

* * *

الاسْتِدْرَاكُ الرَّابِعُ: وهُوَ مِنَ الاسْتِدْرَاكَاتِ العَامَّةِ الَّتِي يَمْتَدُّ بِسَاطُهَا على طَرَائِقِ الشَّيْخِ اليَحْيَى في تَقْيِيْدِ دَوْرَاتِهِ العِلْمِيَّةِ وتَحْدِيْدِهَا مِنْ خِلالِ مُوَاضَعَةٍ عِنْدَهُ في اخْتِيَارِ وَقْتٍ ضَيِّقٍ لَدَى الطُّلَّابِ عِنْدَ حِفْظِهِم، ممَّا سَيَكُوْنُ عِبْئًا يَوْمًا مِنَ الأيَّامِ على حِفْظِ الطُّلَّابِ؛ وذَلِكَ إذَا عَلِمْنَا أنَّ الوَقْتَ الَّذِي حَدَّدَهُ الشَّيْخُ للطُّلَّابِ في حِفْظِ بَعْضِ مَرَاحِلِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ مَا يَكُوْنُ غَالِبًا في غُضُوْنِ شَهْرَيْنِ أو قَرِيْبًا مِنْهُما، الأمْرُ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ تَفَلُّتُ الحِفْظِ عِنْدَ أكْثَرِ الطَّلَبَةِ المُقْبِلِينَ على حِفْظِ السُّنَّةِ، لِذَا كَانَ مِنْ مَبَاغِي الطَّلَبِ في تَرْسِيْخِ الحِفْظِ وضَبْطِهِ، هُوَ مَا اتَّسَعَ لَهُ الوَقْتُ اتِّسَاعًا صَالحًا للمُذَاكَرَةِ بَعْدَ المُرَاجَعَةِ، ولَنَا في حِفْظِ السَّلَفِ للأحَادِيْثِ وضَبْطِهَا عِلْمًا وعَمَلًا سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، ولَيْسَ هَذَا محَلَّ ذِكْرِهَا!

وعَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ لَنَا أنْ نَقِفَ فَرْحًا بحِفْظِ هَؤلاءِ الطُّلَّابِ للسُّنَّةِ في أشْهُرٍ مَعْدُوْدَةٍ دُوْنَ اعْتِبَارٍ للقَرَائِنِ العِلْمِيَّةِ الأهْلِيَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ بَأنَّ عَامَّةَ الطُّلَّابِ إذَا أجْمَعَ الوَاحِدُ مِنْهُم أمْرَهُ على حِفْظِ السُّنَّةِ، واعْتَكَفَ على مُرَاجَعَتِهَا دُوْنَ صَارِفٍ أو شَاغِلٍ، بَلْ كَانَ حِفْظُهُ دِيْمَةً، ووَقْتُهُ عَزِيْمَةً إلَّا مَا لابُدَّ مِنْهُ... كَانَ والحَالَةُ هَذِهِ حَافِظًا لمَرْوِيَّاتِهِ، ضَابِطًا لمَحْفُوْظَاتِهِ؛ إلَّا أنَّهُ بقَدْرِ سُرْعَةِ حِفْظِهِ، وقُوَّةِ ضَبْطِهِ سَيَنْسَى كَثِيرًا، ويَذْهَلَ مِرَارًا، لأنَّ مَا أُخِذَ سُرْعَةً ذَهَبَ سُرْعَةً، وقَدْ قِيْلَ: حِفْظُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ سَماعِ وِقْرَيْنِ، وفَهْمُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِ وِقْرَيْنِ! وقِيْلَ أيْضًا: ازْدِحَامُ العُلُوْمِ مَضَلَّةُ الفُهُوْمِ!

وعَنْ يُوْنُسَ بنِ يَزِيْدَ قَالَ: قَالَ لي ابنُ شِهَابٍ: "يَا يُوْنُسَ! لا تُكَابِرَ العِلْمَ، فَإنَّما هُوَ أوْدِيَةٌ، فَأيَّها أخَذْتَ فِيْهِ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَهُ قُطِعَ بِكَ، ولكِنْ خُذْهُ مَعَ اللَّيَالي والأيَّامِ"، وقَدْ بَسَطْتُ الكَلامَ عَنْ مِثْلِ هَذَا في كِتَابي: "المَنْهَجِ العِلْمِيِّ" ففِيْهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ.

وهُنَاكَ بَعْضُ الاسْتِدْرَاكَاتِ الَّتِي لم يَسْلَمْ مِنْهَا كِتَابُ "زِيَادَاتِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ العَشَرَةِ" للشَّيْخِ اليَحْيى حَفِظَهُ الله قَدْ تَجَاوَزْنَا عَنْ ذِكْرِهَا.

* * *

  وأخِيْرًا؛ فَإنَّني مِنْ خِلالِ مَا مَضَى أحْبَبْتُ أنْ أذْكُرَ طَرِيْقَةَ أهْلِ الحَدِيْثِ والأثَرِ في تَألِيْفِ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ طَرِيقَتُهُم في الجُمْلَةِ، وأشَارَتْ إلَيْهِ تَصَرُّفَاتُهُم في الغَالِبِ، وهِيَ باخْتِصَارٍ لا تَخْرُجُ عَنْ طَرِيْقَتَيْنِ:

الطَّرِيْقَةُ الأوْلى: تَألِيْفُ "الزَّوَائِدِ" حَوْلَ الصَّحِيْحَيْنِ (البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ)، سَوَاءٌ كَانَتْ زَوَائِدَ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ، أو زَوَائِدَ كُتُبِ السُّنَنِ الأُخْرَى عَلَيْهِما (عَدَا السُّنَنِ الأرْبَعِ)؛ لِذَا كَانَتْ غَالِبُ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ" عِنْدَهُم مَا كَانَتْ دائِرَةً حَوْلَ "الصَّحِيْحَيْنِ".

الطَّرِيْقَةُ الثَّانِيَةُ: التَّألِيْفُ في الزَّوَائِدِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ (الصَّحِيْحَيْنِ والسُّنَنِ الأرْبَعِ)، أيْ: زَوَائِدُ المَسَانِيْدِ، أو المَعَاجِمِ، أو غَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ.

ومَنْ تَتَبَّعَ كُتُبَ "الزَّوَائِدِ" عَلِمَ يَقِيْنًا أنَّهَا كَانَتْ حَوْلَ الأُصُوْلِ السِّتَّةِ، لِذَا فَإنَّني لم أقِفْ على أحَدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ ممَّنْ ألَّفَ كِتَابًا في الزَّوَائِدِ على غَيْرِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ ابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله (852)، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ كِتَابِهِ: "المَطَالِبِ العَالِيَةِ بزَوَائِدِ المَسَانِيْدِ الثَّمانِيَةِ"؛ حَيْثُ زَادَ على الكُتُبِ السِّتَّةِ مُسْنَدَ الإمَامِ أحْمَدَ، غَيْرَ أنَّ ابنَ حَجَرٍ قَدْ اعْتَذَرَ عَنْ ضَمِّهِ للمُسْنَدِ؛ حَيْثُ قَالَ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ "زَوَائِدِ مُسْنَدِ البَزَّارِ": "لأنَّ الحَدِيْثَ إذَا كَانَ في المُسْنَدِ الأحْمَدِي، لم يَحْتَجْ إلى عَزْوِهِ إلى مُصَنَّفٍ غَيْرِهِ لجَلالَتِهِ" انْتَهَى.

وثَمَّةَ فَائِدَةٌ عَزِيْزَةٌ، وهِيَ أنَّ غَالِبَ مَنْ صَنَّفَ في "الزَّوَائِدِ" اقْتَصَر تَألِيْفُهُ على إفْرَادَاتِ تِلْكَ الكُتُبِ السِّتَّةِ مُجْتَمِعَةً لا مُتَفَرِّقَةً؛ لأنَّهَا أُصُوْلُ كُتُبِ السُّنَّةِ؛ فَكَانَ إبقْاؤهَا والمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا صُدُوْرًا ووِرْدَاً مِنْ مَقَاصِدِ عِلْمِ الزَّوَائِدِ؛ إلَّا مَا كَانَ مِنِ اقْتِصَارِ بَعْضِهِم على الزِّيادَاتِ على "الصَّحِيْحَيْنِ"، مِثْلُ كِتَابِ: "مَوَارِدِ الظَّمْآنِ إلى زَوَائِدِ ابنِ حِبَّانَ" للحَافِظِ أبي الحَسَنِ الهَيْثَمِيِّ رَحِمَهُ الله (807)، ومَا كَانَ أيْضًا مِن كِتَابِ: "مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ في زَوَائِدِ ابنِ مَاجَه" للحَافِظِ البُوْصِيْرِيِّ رَحِمَهُ الله (840)، وهُوَ عِبارَةٌ عَنْ زِيَادَاتِ سُنَنِ ابنِ مَاجَه على الكُتُبِ الخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ أُصُوْلُ الكُتُبِ السِّتّةِ (الصَّحِيْحَيْنِ، وأبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ) وغَيْر ذَلِكَ، ممَّا يُفْهَمُ مِنْهُ أنَّ الغَالِبَ الأعَمَّ في كُتُبِ "الزَّوَائِدِ" مَا كَانَتْ دَائِرَةً حَوْلَ الأُصُوْلِ السِّتَّةِ، والله أعْلَمُ.

وعَلَيْهِ؛ فَإنَّ الخَطَأ الذي وَاقَعَهُ الشَّيْخُ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله هُوَ تَوَسُّعُهُ في إدْرَاجِ طَرِيْقَةِ الزَّوَائِدِ على غَيْرِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ زِيَادَاتِهِ على بَعْضِ الكُتُبِ غَيْرِ المَقْصُوْدَةِ في عِلْمِ "الزَّوَائِدِ": مِثْلُ زِيَادَاتِ سُنَنِ الدَّارِمِيِّ؛ حَيْثَ أصْبَحَ مِنَ الزِّيَادَاتِ على مُوَطَّأ مَالِكٍ، وكَذَا زِيَادَاتُ مُسْنَدِ أحْمَدَ على المُوَطَّأ والدَّارِمِيِّ، وكَذَا زِيَادَاتُ صَحِيْحِ ابنِ خُزَيْمَةَ على الثَّلاثَةِ، وكَذَا زِيَادَاتُ صَحِيْحِ ابنِ حِبَّانِ على الأرْبَعَةِ، وزِيادَاتُ مُسْنَدِ البَزَّارِ على الخَمْسَةِ، وأخَيْرًا زِيَادَاتُ الجَمِيْعِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ!

ثُمَّ اعْلَمْ؛ أنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ مَنَاهِجِ أهْلِ العِلْمِ في تَألِيْفِ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"، هُوَ في الأعَمِّ الأغْلَبِ، أمَّا أنْ يَقُوْمَ أحَدٌ مِنَّا بكِتَابَةِ زَوَائِدِ أحَدِ كُتُبِ السُّنَّةِ على الآخَرِ، ثُمَّ يُعَرِّجُ إلى كِتَابَةِ زِيَادَةِ كِتَابِ ثَالِثٍ عَلَيْهِما، ثُمَّ زَوَائِدِ الرَّابِعِ عَلَيْهِم، وهَكَذَا في سِلْسِلَةٍ مِنْ زِيَادَاتِ كُتُبِ السُّنَّةِ على بَعْضِهَا حَتَّى يَخْرُجَ بِهَا عَنِ الكُتُبِ السِّتَّةِ... فَهَذَا غَيْرُ مَقْبُوْلٍ ولا مَرْضِيٍّ في الجُمْلَةِ، ولاسِيَّما إذا عَلِمْنَا أنَّها طَرِيْقَةٌ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ لمَنْ رَامَ حِفْظَ السُّنَّةِ، والله أعْلَمُ.

* * *

وأخِيْرًا؛ فلْيَعْلَمِ الجَمِيْعُ أنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنَ الأوْهَامِ والأخْطَاءِ حَوْلَ كُتُبِ الشَّيْخِ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله، لم تَكُنْ قاصِرَةً بمُفْرَدِهَا ولا قَائِمَةً بآحَادِهَا حَوْلَ مَا كَتَبَهُ اليَحْيَى فَقَطُ، بَلْ جَاءَتْ مُتَضَامِنَةً ومُتَلازِمَةً أيْضًا مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الاسْتِدْرَاكَاتِ الأُخْرَى الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا حَوْلَ عَامَّةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" كَمَا مَرَّ مَعَنَا في البَابِ الأوَّلِ.

فَعِنْدَئِذٍ؛ فَقَدِ انْتَظَمَ مَجْمُوْعُ هَذِهِ الاسْتِدْرَاكَاتِ في عِقْدٍ وَاحِدٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ سَبْعَةٍ وعِشْرِيْنَ وَهْمًا مَا بَيْنَ اسْتِدْرَاكٍ وخَطأ وتَعَقُّبٍ ممَّا هِيَ دَائِرَةٌ في فَلَكِ عامَّةِ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ" القَدِيْمِ مِنْهَا والحَدِيْثِ، والله المُوَفِّقُ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ

 


 

([1]) مَلْحُوْظَةٌ : إنَّنا نَجِدُ كِتَابَ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» للشَّيْخِ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله بَيْنَ طَبْعَةٍ وأخْرَى لا يخْلُو مِنِ اسْتِدْرَاكَاتٍ مَا بَيْنَ زِيَادَاتٍ ومَحْذُوْفَاتٍ سَوَاءٌ في المَتْنِ أو الحَاشِيَةِ، وهَذَا ممَّا يَدُلُّ على أنَّ الكِتَابَ هُوَ محَلٌّ للنَّقْدِ والإشْكَالِ، والله أعْلَمُ!

([2]) هُنَاكَ كِتَابٌ آخَرُ لأحَدِ المُعَاصِرِيْنَ بعِنْوَانِ : «تَلْبِيَةِ الأمَاني بأفْرَادِ الإمَامِ البُخَارِي» لعَبْدِ الكَرِيْمِ الحجُوْرِيِّ!

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 19 )
 الزيارات الفريدة: ( 2353399)