البَابُ الرَّابِعُ: حِفْظُ السُّنَّةِ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ
عدد مرات القراءة: 867273

البَابُ الرَّابِعُ

حِفْظُ السُّنَّةِ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ

هَذِهِ بَعْضُ التَّوْصِيَاتِ نَسُوْقُهَا إلى إخْوَانِنَا وأبْنَائِنَا حُفَّاظِ السُّنَّةِ؛ تَصْحِيْحًا لطَرِيْقَةِ حِفْظِ السُّنَّةِ بعَامَّةٍ، ولاسِيَّما حِفْظُ "الصَّحِيْحَيْنِ"، و"السُّنَنِ الأرْبَعِ"، كَمَا أنَّ فِيْهَا أيْضًا تَأيِيْدًا وتَعْزِيْزًا لهَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ القَائِمَةِ هُنَا وهُنَاكَ، غَيْرَ أنَّ غَالِبَهَا مَرْقُوْمٌ مِنْ بَابَةِ النُّصْحِ والتَّصْحِيْحِ، ومِنْهَا مَسْطُوْرٌ مِنْ بَابَاتِ الاجْتِهَادِ الدَّائِرِ بَيْنَ القَبُوْلِ والرَّدِّ، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

أقُوْلُ: لا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أنَّ "الصَّحِيْحَيْنِ" هُمَا مِنْ أصَحِّ الكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِ الله تَعَالى! كَمَا أنَّ الأمَّةَ قَدْ أجْمَعَتْ على صِحَّةِ مَا فِيْهِما إلَّا أحْرُفَ يَسِيْرَةً لَيْسَ هَذَا مَوْطِنَ بَحْثِهَا، كَمَا أنَّهمَا قَدْ نَالا اهْتِمَامًا وعِنَايَةً وخِدْمَةً كَبِيْرَةً مِنْ قِبَلِ أهْلِ العِلْمِ على مَرِّ العُصُوْرِ وطُوْلِ الدُّهُوْرِ مَا بَيْنَ: مُخَرِّجٍ ومُسْتَدْرِكٍ ومُتَتَبِّعٍ ولازِمٍ وشَارِحٍ وكَاشِفٍ ومُعَلِّقٍ ومُغَلِّقٍ ومُخْتَصِرٍ وجَامِعٍ بَيْنَهُما... إلَخْ.

وهَكَذَا؛ فَقَدْ أخَذَ "الصَّحِيْحَانِ" عِنَايَةً وَاسِعَةً، ومُتَابَعَةً فَائِقَةً عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ، والحَالَةُ هَذِهِ لمَّا يَنْتَهِ أهْلُ العِلْمِ بَعْدُ مِنْ خِدْمَتِهِمَا حَتَّى سَاعَتِي هَذِهِ، فللَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ!

* * *

  وأخِيرًا؛ فَهَاكَ يَا طَالِبَ السُّنَّةِ والأثَرِ طَرِيْقَةَ حِفْظِ السُّنَّةِ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ، كَمَا عَرَفْنَاهَا عَنْهُم، وعَلِمْنَاهَا مِنْهُم، كَمَا تَلَقَّاهَا الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، واقْتَفَاهَا الأصَاغِرُ عَنِ الأكَابِرِ في مَعْلَمَةٍ حَدِيْثِيَّةٍ، ومَنْهَجِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ، ومَا السُّنَّةُ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ إلَّا بالإتِّبَاعِ؟!

ثُمَّ اعْلَمْ يَا رَعَاكَ الله؛ أنَّ هَذِهِ الطَّرِيْقَةَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَيْنَ يَدَيْكَ: هِيَ مِنْ خَاصَّةِ رُوَّامِ الحَدِيْثِ، وحُفَّاظِ السُّنَّةِ... فَإنْ كُنْتَ مِنْهُم فلْيَهْنَئَكَ العِلْمُ حِيْنَئِذٍ، وأحْسِبُكَ مِنْهُم إنْ شَاءَ الله، وهَذَا مَا نَظُنُّهُ ونَلْمَسُهُ اليَوْمَ عِنْدَ طَلائِعِ هَؤلاءِ الطُّلَّابِ الَّذِيْنَ أقْبَلُوا على هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ لحِفْظِ السُّنَّةِ والأثَرِ، ممَّنْ تَدَثَّرُوا بثَوْبِ الصِّدْقِ والهِمَّةِ، وتَزَمَّلُوا بجِلْبَابِ الرَّغْبَةِ والعَزِيْمَةِ، فَمَنْ هَذِهِ حَالهُمُ فَهُم أجْدَرُ لضَبْط هَذِهِ الطَّرِيْقَةِ، وأوْلى مَنْ يَتَسَنَّمُ نَهْجَهَا، ويَعْلُو ذُرَاهَا، فلَهُم في حِفْظِ السَّلَفِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، ولهُم في الخَلَفِ طَرِيْقَةٌ بَاقِيَةٌ!

وإنْ كُنْتَ يَا طَالِبَ العِلْمِ دُوْنَ ذَلِكَ هِمَّةً وعَزِيْمَةً، فدُوْني ودُوْنَكَ تَرْسِيْمَ الطَّرِيْقَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا سَتَأتي، وإنْ كُنْتَ دُوْنَ هِمَمِ وعَزَائِمِ أهْلِ المَرْحَلَتَيْنِ فدُوْنَكَ تَرْسِيْمَ الطَّرِيْقَةِ الثَّالِثَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهَا لَكَ قَرِيْبًا إنْ شَاءَ الله.

* * *

  فأمَّا الطَّرِيْقَةُ الأوْلى الَّتِي هِيَ مِنْ شَأنِ حُفَّاظِ السُّنَّةِ، فَتَأتي على ثَلاثِ مَرَاحِلَ، كَمَا يَلي باخْتِصَارٍ:

المَرْحَلَةُ الأوْلى: أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ "الصَّحِيْحَيْنِ" ابْتِدَاءً بحِفْظِ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ"، ثُمَّ يُعَرِّجُ على حِفْظِ "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ"(1)، وهَذِه طَرِيْقَةُ جَمَاهِيْرِ أهْلِ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا.

ومِنْهُم مَنْ يُقَدِّمُ "مُسْلِمًا" على "البُخَارِيِّ"، كَمَا هِيَ طَرِيْقَةُ المَغَارِبَةِ، وهَذِهِ الطَّرِيْقَةُ عِنْدَ التَّحْقِيْقِ هِيَ أجْوَدُ حِفْظًا وأتْقَنُ ضَبْطًا، وذَلِكَ لمَنْ رَامَ حِفْظَ "الصَّحِيْحَيْنِ" مَعًا.

وقَدْ قَالَ الحَافِظُ عَبْدُ الرَّحمَنِ الدَّيْبَعُ رَحِمَهُ الله (944):

تَنَازَعَ قَوْمٌ في البُخَارِي ومُسْلِم    لَدَيَّ وقَالُوا: أيُّ ذَيْنِ يُقَدَّمُ؟

فَقُلْتُ: لَقَدْ فَاقَ البُخَارِي صِحَّةً  كَمَا فَاقَ في حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ

ومِنْ هُنَا؛ فَإنَّ حَقِيْقَةَ الخِلافِ الجَارِي بَيْنَ جَمَاهِيْرِ أهْلِ العِلْمِ وأهْلِ المَغْرِبِ في تَقْدِيْم أحَدِ "الصَّحِيْحَيْنِ" على الآخَرِ: هُوَ جَارٍ بَيْنَهُم باعْتِبَارِ الأصَحِّيَّةِ والأفْضَلِيَّةِ في الصِنَّاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، في حِيْنَ أنَّ بَعْضَهُم قَدِ اعْتَرَضَ على مَنْ أجْرَى خِلافًا باعْتِبَارِ الأصَحِّيَّةِ، لأنَّ صَحِيْحَ البُخَارِيِّ قَدْ حَازَ سَبْقَ الصِّحَّةِ، وفَاقَ في الأصَحِّيَّةِ، لضِيْقِ شَرْطِهِ ومَخْرَجِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الاعْتِبَارَاتِ ممَّا لا يُنَازِعُهُ فِيْهَا أحَدٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وهُوَ كَذَلِكَ!

أمَّا مَسْألَةُ التَّقْدِيْمِ بَيْنَهُمَا باعْتِبَارِ أفْضَلِيَّةِ التَّرتِيْبِ والتَّنْسِيْقِ والسُّهُوْلَةِ في الحِفْظِ والضَّبْطِ، سَوَاءٌ في سَرْدِ الأحَادِيْثِ بلفْظِهَا أو في جَمْعِ أطْرَافِهَا، أو في عَدَمِ تَقْطِيْعِهَا ونَحْوِهِ، فَهَذِهِ الأفْضَلِيَّةُ لا أرَى أنْ نُجْرِيَ فِيْهَا خِلافًا!

بَلِ الصَّوَابُ فِيْهَا باعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا: هُوَ تَقْدِيْمُ حِفْظِ "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، كَمَا دَلَّ على ذَلِكَ مَسَالِكُ التَّحْقِيْقِ، وشَوَاهِدُ الحَالِ، فَإنْ سَلَّمْتَ بِهَذَا يَا طَالِبَ العِلْمِ وإلَّا فَالأمْرُ في سَعَةٍ!

* * *

لأجْلِ هَذَا؛ فَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَا بَعْضَ الاعْتِبَارَاتِ والتَّرْجِيْحَاتِ الَّتِي مِنْ أجْلِهَا قَدَّمَ فِيْهَا أهْلُ العِلْمِ مِنَ المَغَارِبَةِ وغَيْرِهِم "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" باعْتِبَارِ الأفْضَلِيَّةِ لأمُوْرٍ خَارِجَةٍ عَنِ الأصَحِّيَّةِ! فَمِنْ ذَلِكَ على وَجْهِ الاخْتِصَارِ:

أوَّلًا: أنَّ صَحِيْحَ مُسْلِمٍ أسْهَلُ تَنَاوُلًا، وأقْرَبُ مَنَالًا؛ لأنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله جَعَلَ لكُلِّ حَدِيْثٍ مَوْضِعًا وَاحِدًا يَلِيْقُ بِهِ؛ بحَيْثُ جَمَعَ فِيْهِ طُرَقَهُ الَّتِي ارْتَضَاهَا، واخْتَارَ ذِكْرَهَا، وأوْرَدَ فِيْهِ أسَانِيْدَهُ المُتَعَدِّدَةَ وألْفَاظَهُ المُخْتَلِفَةَ، فَيَسْهُلُ على الطَّالِبِ النَّظَرُ في وُجُوْهِهِ واسْتِثْمارِهَا، ويَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بجَمِيْعِ مَا أوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقِهِ، بخِلافِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله؛ فَإنَّهُ يَذْكُرُ تِلْكَ الوُجُوْهَ المُخْتَلِفَةَ في أبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ، وكَثِيْرٌ مِنْهَا يَذْكُرُهَا في غَيْرِ بَابِهِ، الَّذِي يَسْبِقُ إلى الفَهْمِ أنَّهُ أوْلى بِهِ، وذَلِكَ لدَقِيْقَةٍ يَفْهَمُهَا البُخَارِيُّ مِنْهُ، فيَصْعُبُ على الطَّالِبِ جَمْعُ طُرُقِهِ، وحُصُوْلُ الثِّقَةِ بجَمِيْعِ مَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مِنْ طُرُقِ هَذَا الحَدِيْثِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ.

ثَانِيًا: أنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله يَسُوْقُ الحَدِيْثَ بكَامِلِهِ في البَابِ الوَاحِدِ، ولَوْ كَانَ الحَدِيْثُ طَوِيْلًا، ولا يُكَرِّرُ ذَلِكَ في أبْوَابٍ أو كُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ، إلَّا نَادِرًا بخِلافِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله.

ثَالِثًا: أنَّ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" لَيْسَ فِيْهِ بَعْدَ المُقَدِّمَةِ إلَّا الحَدِيْثُ السَّرْدُ، ولم يُمازِجْهُ غَيْرُ الصَّحِيْحِ.

رَابِعًا: أنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله صَنَّفَ كِتَابَهُ في بَلَدِهِ، بحُضُوْرِ أصُوْلِهِ، في حَيَاةِ كَثِيْرٍ مِنْ مَشَايخِهِ، فَكَانَ يَتَحَرَّزُ في الألْفَاظِ، ويتَحَرَّى في السِّيَاقِ، بخِلافِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ الله، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: رُبَّ حَدِيْثٍ سَمعْتُهُ بالبَصْرَةِ كَتَبْتُهُ بالشَّامِ، ورُبَّ حَدِيْثٍ سَمِعْتُهُ بالشَّامِ كَتَبْتُهُ بمِصْرَ، ولهَذَا رُبَّما يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ، وهَذَا مَا قِيْلَ عَنْ بَعْضِهِم، وإلَّا البُخَارِيُّ عِنْدَنَا هُوَ أحْفَظُ وأثْبَتُ في حَدِيْثِ مَشَايخِهِ مِنْ مُسْلِمٍ دُوْنَ شَكٍّ!

خَامِسًا: أنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله لم يُكْثِرْ مِنَ المُعَلَّقَاتِ في كِتَابِهِ، وإنَّما هِيَ اثْنَا عَشَرَ حَدِيْثًا فَقَطُ، بخِلافِ مَا هُوَ مَوْجُوْدٌ في "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"؛ حَيْثُ هِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

سَادِسًا: أنَّ مُسْلمًا رَحِمَهُ الله قَدِ اعْتَنَى كَثِيرًا بالفَرْقِ بَيْنَ حَدَّثَنَا وأخْبَرَنَا، وتَقْيِيْدِهِ ذَلِكَ على مَشَايخِهِ، وفي رِوَايَتِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأصْحَابِهِ وأكْثَرِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وجَمْهُوْرِ أهْلِ العِلْمِ بالمَشْرِقِ، بخِلافِ البُخَارِيِّ.

سَابِعًا: اعْتِنَاءُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ الله في تَلْخِيْصِ الطُّرُقِ، وتَحْوِيْلِ الأسَانِيْدِ مَعَ إيْجَازِ العِبَارَةِ، وكَمَالِ حُسْنِهَا.

ثَامِنًا: اعْتِنَاؤه أيْضًا بحُسْنِ تَرْتِيْبِ أحَادِيْثِ كِتَابِهِ وتَرْصِيْفِهَا على نَسَقٍ يَقْتَضِيْهِ تَحْقِيْقُهُ، وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ بمَوَاقِعِ الخِطَابِ، ودَقَائِقِ العِلْمِ، وأصُوْلِ القَوَاعِدِ، وخَفِيَّاتِ عِلْمِ الأسَانِيْدِ، ومَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ.

تَاسِعًا: اعْتِنَاؤهُ واحْتِيَاطُهُ رَحِمَهُ الله بضَبْطِ اخْتِلافِ لَفْظِ الرُّوَاةِ في التَّحْدِيْثِ، وهُنَاكَ غَيْرُ ذَلِكَ ممَّا امْتَازَ بِهِ "صَحِيْحُ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" تَجَاوَزْنَا ذِكْرَهَا.

وقَدْ قَالَ ابنُ الدَّيْبَعِ رَحِمَهُ الله:

إنَّ صَحِيْحَ مُسْلِمٍ يا قَارِي    لبَحْرُ عِلْمٍ مَا لَهُ مُجَارِي

سِلْسَالُ مَا سُلْسِلَ مِنْ حَدِيْثِهِ    ألَذُّ مِنْ مُكَرَّرِ البُخَارِي

* * *

ومَهْمَا قِيْلَ مِنْ ذِكْرٍ لبَعْضِ الاعْتِبَارَاتِ والمُرَجِّحَاتِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، إلَّا أنَّنَا هُنَا لَسْنَا في مُقَامِ الاعْتِرَاضِ والتَّعْقِيْبِ عَلَيْهَا، لأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ لهَا بَسْطُهَا وتَرْجِيْحُهَا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ، غَيْرَ أنَّني ولله الحَمْدُ قَدْ بَسَطْتُ الكَلامَ عَلَيْهَا وعلى غَيْرِهَا في كِتَابي الكَبِيْرِ: "مَسَالِكِ التَّحْدِيْثِ في شَرْحِ اخْتِصَارِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ".

في حِيْنَ أنَّهُ قَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ والفُقَهَاءِ والأصُولِيَّيِنْ وغَيْرِهِم: بأنَّ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ" أصَحُّ مِنْ "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ"، لاعْتِبَارَاتٍ ومُرَجِّحَاتٍ لا تَسَعُهَا هَذِهِ الرِّسَالَةُ المُخْتَصِرَةُ .

ومَا ذِكْرُنَا لهَذِهِ المُرَجِّحَاتِ وغَيْرِهَا إلَّا زِيَادَةَ يَقِيْنٍ لَنَا على القَوْلِ: بأفْضَلِيَّةِ تَقْدِيْمِ حِفْظِ "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ"، وذَلِكَ باعْتِبَارِ التَّنْسِيْقِ والتَّرتِيْبِ ممَّا هُوَ مِنْ مَقَاصِدِ تَقْرِيْبِ الحَدِيْثِ، وتَسْهِيْلِ الحِفْظِ عِنْدَ طُلَّابِ الحَدِيْثِ وحُفَّاظِهِ، والله المُوَفِّقُ.

  المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: ثُمَّ يَحْفَظُ الطَّالِبُ كُتُبَ "السُّنَنِ الأرْبَعِ"(2)، ابْتِدَاءً بسُنَنِ أبي دَاوُدَ (275)، ثُمَّ التِّرمِذِيِّ (279)، ثُمَّ النِّسَائيِّ (303)، ثُمَّ ابنِ مَاجَه (273)، وهَذَا التَّرْتِيْبُ لَهُ اعْتِبَارٌ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْ أئِمَّةِ الشَّأنِ، وإلَّا فَالمَسْألَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ لا غَيْرَ، لِذَا فَإنَّ الطَّالِبَ لَهُ حَقُّ التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ، ولاسِيَّما مَا كَانَ لَهُ أرْفَقُ، ولحِفْظِهِ أتْقَنُ، كَمَا عَلَيْهِ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَسْتَنْصِحَ أهْلَ العِلْمِ المُشْتَغِلِيْنَ بكُتُبِ السُّنَّةِ والأثَرِ.

وقَدْ درَج عَامَّةُ أصْحَابِ الحَدِيْثِ (عَدَا ابنِ الأثِيرِ وغَيْرِهِ) على تَسْمِيَتِهِم للصَّحِيْحَيِنْ والسُّنَنِ الأرْبَعِ: بـ"الكُتُبِ السِّتَّةِ"!

  المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ يَحْفَظُ الطَّالِبُ مَا زَادَ على "الكُتُبِ السِّتَّةِ" مِنَ كُتُبِ السُّنَّةِ ابْتِدَاءً بـ"مُوَطَّأ" الإمَامِ مَالِكٍ، و"المُسْنَدِ" للإمَامِ أحمَدَ، ثُمَّ يُعَرِّجُ إلى حِفْظِ غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ: "المَسَانِيْدِ"، و"المَعَاجِمِ"، و"المُصَنَّفَاتِ"، و"الأجْزَاءِ" وغَيْرِهَا ممَّا هُوَ مِنْ شَأنِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، وحُفَّاظِ السُّنَّةِ.

ومَنْ نَظَرَ إلى عَامَّةِ حِفْظِ أهْلِ السُّنَّةِ لكُتُبِ السُّنَّةِ يَجِدُ أنَّ الحِفْظَ عِنْدَهُم لا يَنْضَبِطُ في تَحْدِيْدِ كِتَابٍ دُوْنَ آخَرَ، بَلْ كَانَ لهُم هِمَمٌ عَالِيَةٌ وحَافِظَةٌ جَامِعَةٌ ممَّا جَعَلَ بَعْضَهُم يَحْفَظُ ألْفَ ألْفَ حَدِيْثٍ أو يَزِيْدُ! سَوَاءٌ كَانَتْ بأعْدَادِ أحَادِيْثِهَا أو باخْتِلافِ أسَانِيْدِهَا!

وأيًّا كَانَ الأمْرُ؛ فَإنَّ للقَوْمِ أخْبَارًا وكَوَائِنَ في سُرْعَةِ الحِفْظِ وكَثْرَتِ الجَمْعِ مَا تَحَارُ عِنْدَهُ العُقُوْلُ، وتَعْجَزُ عِندَهُ النُفُوْسُ، لِذَا كَانَ مِنَ الصَّعْبِ أنْ نَضْبِطَ مَحْفُوْظَاتِهِم إلَّا مِنْ خِلالِ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا لتَقْرِيْبِ مَا عِنْدَهُم، والله هُوَ الحَافِظُ وهُوَ المُعِيْنَ.

غَيْرَ أنَّ غَالِبَ حِفْظِ أهْلِ السُّنَّةِ لكُتُبِ السُّنَّةِ مَا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ حِفْظِ "الكُتُبِ السِّتَّةِ"، وبَيْنَ مَا زَادَ عَلَيْهَا مِنْ أحَادِيْثِ أمَّاتِ كُتُبِ السُّنَّةِ، وفي ذَلِكَ فلْيَتَنَافِسِ المُتَنَافِسُوْنَ، لِذَا لا يَصِحُّ بل لا يَسْتَقِيْمُ لأحَدٍ مِنْ أبْنَاءِ عَصْرِنَا ممَّنْ اشْتَغَلَ بدِرَاسَةِ الأحَادِيْثِ أنْ يَتَشَرَّفَ باسْمِ المُحَدِّثِ إلَّا إذَا كَانَ في أقَلِّ أحْوَالِهِ حَافِظًا للكُتُبِ السِّتَّةِ مَتْنًا وسَنَدًا، رِوَايَةً ودِرَايَةً، والله أعْلَمُ.

وأخِيْرًا؛ فَإنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ مَحْفُوْظَاتِ أهْلِ الطَّرِيْقَةِ الأوْلى هِيَ المَقْصُوْدَةُ بتَرْجَمَةِ هَذَا البَابِ: حِفْظُ السُّنَّةِ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ! ومَا يَأتي بَعْدَهَا فَهِي أغْلَبِيَّةٌ يَسَعُهَا بَابُ الاجْتِهَادِ، والله أعْلَمُ.

* * *

  وأمَّا الطَّرِيْقَةُ الثَّانِيَةُ: وهِيَ لمَنْ قَلَّ عَزْمُهُ، وكَلَّ حِفْظُهُ، ممَّنْ هُم دُوْنَ أصْحَابِ الطَّرِيْقَةِ الأوْلى، وهَذِهِ الطَّرِيْقَةُ تَأتي على ثَلاثِ مَرَاحِلَ، كَمَا يَلي:

المَرْحَلَةُ الأوْلى: أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ كُتُبَ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما كِتَابُ الحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ الإشْبِيْليِّ رحمه الله (582)، الَّذِي اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ على اسْتِحْسَانِ مَنْهَجِهِ، وعلى إتْقَانِ ضَبْطِهِ، وعلى جَوْدَةِ طَرِيْقَتِهِ في جَمْعِهِ بَيْنَ أحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

قَالَ ابنُ نَاصِرِ الدِّيْنِ: "إنَّ عَبْدَ الحَقِّ أحْسَنَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، وقَالَ الذَّهِبيُّ في "السِّيَرِ" (21/ 199): "عَمِلَ (أيْ عَبْدَ الحَقِّ الإشْبِيْلي) الجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ بِلا إسْنَادٍ على تَرْتِيْبِ مُسْلِمٍ، وأتْقَنَهُ وجَوَّدَهُ".

وبَعْدَ هَذَا؛ فَإنَّ طَالِبَ العِلْمِ أيْضًا لَهُ حَقُّ الخِيَارِ في حِفْظِ مَا يَشَاءُ مِنْ كُتُبِ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ"، ولاسِيَّما الكِتَابُ الَّذِي يَعْرِضُهُ أهْلُ العِلْمِ على الطَّالِبِ، سَوَاءُ كَانَ كِتَابَ الشَّيْخِ يَحْيَى اليَحْيَى أو غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ الجَامِعَةِ بَيْنَ أحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ، فالمسْألَةُ هُنَا وَاسِعَةٌ، غَيْرَ أنَّنا قَدَّمْنَا كِتَابَ الحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ الإشْبِيْليِّ لأنَّ طَرِيْقَتَهُ عِنْدَنَا مَرْضِيَّةٌ ومُجَوَّدَةٌ، ولأنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ اسْتَحْسَنُوا طَرِيْقَتَهُ وأثْنَوْا عَلَيْهَا، كَمَا مَرَّ مَعَنَا.

* * *

  ومِنْ هُنَا؛ فَإنِ اسْتَحْسَنَ طَالِبُ العِلْمِ هَذِهِ المَرْحَلَةَ، وإلَّا فَلَهُ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ" أوَّلًا، ثُمَّ يَحْفَظَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ على البُخَارِيِّ، وهَذِهِ الطَّرِيْقَةُ قَدْ مَشَى عَلَيْهَا عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، وهُنَاكَ أيْضًا كُتُبٌ قَدْ صُنِّفَتْ في هَذَا البَابِ مِنْهَا: "زَوَائِدُ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ" وشَرْحِهِ للحَافِظِ ابنِ المُلَقِّنِ رَحِمَهُ الله (804)، إلَّا أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُوْدٍ؛ لأنَّهُ احْتَرَقَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ" الَّتِي صَنَّفَهَا ابنُ المُلَقِّنِ قَبْلَ مَوْتِهِ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا ذِكْرُهَا.

وهُنَاكَ كِتَابٌ بعِنْوَانِ: "إرْشَادِ السَّارِي إلى أفْرَادِ مُسْلِمٍ عَنِ البُخَارِيِّ" لأحَدِ المُعَاصِرِيْنَ، وهُوَ الأخُ الشَّيْخُ عُبْدُ الله بنُ صَالحٍ العُبِيْلانُ، وهُوَ جَيِّدٌ في بَابِهِ، قَدْ حَرَّرَهُ صَاحِبُهُ، وأحْسَنَ اخْتِيَارَهُ.

وكَذَا مَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ يَحْيَى اليَحْيَى تَحْتَ عِنْوَانِ: "أفْرَادِ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ"، غَيْرَ أنَّني لم أتَحَقَّقْ مِنَ النَّظَرِ في طَرِيْقَتِهِ، ولم أتَبَيَّنْ صِنَاعَةَ تَرْتِيْبِهِ، إلَّا أنَّهُ يُعْتَبرُ وَاحِدًا مِنْ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"، والله أعْلَمُ.

* * *

المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ بَعْدَ إحْدَى المَرْحَلَتَيْنِ زِيَادَاتِ كُتُبِ "السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ"، غَيْرَ إنِّي لا أعْلَمُ كِتَابًا صُنِّفَ في هَذَا عِنْدَ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ، ومَا ذَاكَ إلَّا لكَوْنِ الكُتُبِ السِّتَّةِ هِيَ الأُصُوْلُ الَّتِي يَدُوْرُ حَوْلهَا فَلَكُ عِلْمِ الزَّوَائِدِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا؛ إلَّا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الحيِّ الكِتَّانيُّ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ "فِهْرِسِ الفَهَارِسِ والأثْبَاتِ" (1/336) عِنْدَ ذِكْرِهِ لكُتُبِ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله الَّتِي شَرَعَ في تَألِيْفِهَا وكَتَبَ مِنْهَا الشَّيءَ اليَسِيْرَ ولم يُتِمَّهَا؛ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ لَهُ كِتَابَ: "زَوَائِدِ الكُتُبِ الأرْبَعَةِ ممَّا هُوَ صَحِيْحٌ"، غَيْرَ أنَّهُ لم يُبَيِّنْ لَنَا مَنْهَجَ ابنِ حَجَرٍ في زَوَائِدِ هَذَا الكِتَابِ، ولم يُفْصِحْ لَنَا أيْضًا عَنْ طَرِيْقَتِهِ ومَوْضُوْعِهِ، الأمْرُ الَّذِي يَجْعَلُنَا في شَكٍّ مِنْ حَقِيْقَةِ اسْمِ ومَضْمُوْنِ هَذَا الكِتَابِ، ولاسِيَّما أنَّ عِنْوَانَهُ يُوْحِي إلى مَعْنًى بَعِيْدٍ جِدًّا عَمَّا يَتَبَادَرُ إلى الفَهْمِ مِنْ كَوْنِ كِتَابِهِ يَتَكَلَّمُ عَنْ "زَوَائِدِ الكُتُبِ الأرْبَعَةِ" على الصَّحِيْحَيْنِ؛ حَيْثُ ضَمَّنَهُ بقَوْلِهِ: "ممَّا هُوَ صَحِيْحٌ"، وهَذَا يُشْعِرُنَا بِأنَّهُ أرَادَ بكِتَابِهِ هَذَا: أنْ يَذْكُرَ الأحَادِيْثَ الصَّحِيْحَةَ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهَا الكُتُبُ الأرْبَعَةُ عَنِ الصَّحِيْحَيْنِ، كُلَّ هَذَا لتُصْبِحَ عِنْدَهُ مُكَمِّلَةً لأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والقَبُوْلِ، واطِّرَاحِ مَا سِوَاهَا ممَّا لم يَصِحْ عِنْدَهُ، ومِنْ هَذَا أيْضًا نَسْتَشِفُّ أنَّ هَذَا الكِتَابَ هُوَ إلى التَّخْرِيْجِ والتَّصْحِيْحِ (بالمَعْنَى الأخِيْرِ) أقْرَبُ مِنْهُ إلى عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، والله أعْلَمُ.

وأخِيْرًا؛ فَقَدْ قَامَ أحَدُ المُعَاصِرِيْنَ: وهُوَ الشَّيْخُ المُحَدِّثُ صَالِحُ بنُ أحْمَدَ الشَّامِيُّ حَفِظَهُ الله فصَنَّفَ كِتَابًا بعِنَوَانِ: "زَوَائِدِ السُّنَنِ على الصَّحِيْحَيْنِ"، أيْ زِيَادَاتِ السُّنَنِ الأرْبَعِ وسُنَنِ الدَّارمِيِّ على الصَّحِيْحَيْنِ، وقَدْ أجَادَ فِيْهِ وأفَادَ، ومَنْ نَظَرَ فِيْهِ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ تَعِبَ في تَحْرِيْرِهِ وتَجْوِيْدِهِ كَمَا تَقْتَضِيْهِ الصِّنَاعَةُ الحَدِيْثِيَّةُ في ضَبْطِ عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، فَهُوَ بحَقٍّ يُعْتَبرُ وَاحِدًا مِنْ كُتُبِ الزَّوَائِدِ، في حِيْنَ أنَّ الشَّيْخَ حَفِظَهُ الله لَهُ شُرُوْعٌ مُبَارَكٌ في بَعْضِ كُتُبِ الزَّوَائِدِ، كَزَوَائِدِ "المُسْنَدِ"، و"المُوَطَّأ" على الكُتُبِ السِّتَّةِ، وكَذَا زَوَائِدُ "سُنَنِ" البَيْهَقِيِّ عَلَيْهَا أيْضًا، وهَذَا مِنْ بَابَاتِ الجُهْدِ المَشْكُوْرِ.

وكَذَا مَا كَتَبَهُ أخِيْرًا الأخُ الشَّيْخُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الله المُقْبِلُ تَحْتَ عِنْوَانِ: "زَوَائِدِ السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ" في أحَادِيْثِ الصِّيَامِ، وهُوَ كِتَابٌ جَيِّدٌ مُحرَّرٌ، غَيْرَ أنَّ صَاحِبَهُ قَدِ اقْتَصَرَ على الزَّوَائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بكِتَابِ الصِّيَامِ، فَلَيْتَهُ يَشْرَعُ في تَكْمِيْلِ الكِتَابِ ليُصْبِحَ كِتَابًا كَامِلًا فَرِيْدًا في "زَوَائِدِ السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ"، والله المُوَفِّقُ.

وهُنَاكَ كِتَابٌ آخَرُ على مِنْوَالِ كِتَابِ المُقْبِلِ؛ غَيْرَ أنَّهُ في "زَوَائِدِ السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ" في أحَادِيْثِ الجُمْعَةِ والعِيْدَيْنِ، ولم يُطْبَعْ بَعْدُ.

وأيًّا كَانَ الأمْرُ، فمَوْضُوْعُ "زَوَائِدِ السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ" لهُوَ مِنَ الأهِمِّيَّةِ بمَكَانَ؛ لِذَا كَانَ التَّألِيْفُ فِيْهِ مِنْ جَادَّةِ مَقَاصِدِ عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، بَلْ فِيْهِ مِنَ الفَوَائِدِ والفَرَائِدِ الحَدِيْثِيَّةِ، والتَّقْرِيْبِ للأحَادِيْثِ، والتَّسْهِيْلِ للحُفَّاظِ مَا يَعْلَمُهُ كُلُّ مُشْتَغِلٍ بعِلْمِ الحَدِيْثِ!

ومِنْ بَقَايَا العَجَبِ، أنَّنَا وَجَدْنَا انْصِرَافًا مِنَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَنِيْنَ بعِلْمِ "الزَّوَائِدِ" عَنْ طَرْقِ وبَحْثِ مَوْضُوْعِ "زَوَائِدِ السُّنَنِ الأرْبَعِ على الصَّحِيْحَيْنِ"، فَذَلِكَ فَضْلُ الله سَيُؤتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ!

المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ إذَا أخَذَ الطَّالِبُ في حِفْظِ المَرْحَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، عَادَ بَعْدَهَا إلى حِفْظِ زَوَائِدِ المَسَانِيْدِ والمَعَاجِمِ وغَيْرِهَا على "الكُتُبِ السِّتَّةِ"، أيْ: على الصَّحِيْحَيْنِ، والسُّنَنِ الأرْبَعِ.

ومِنْ نَافِلَةِ العِلْمِ؛ فَإنَّ خَيْرَ كِتَابٍ ألِّفَ، بَلْ أفْضَلَ جَامِعٍ صُنِّفَ في "الزَّوَائِدِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ"، هُوَ كِتَابُ: "مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ومَنْبَعِ الفَوَائِدِ" للحَافِظِ أبي الحَسَنِ الهَيْثَمِيِّ رَحِمَهُ الله (807)، فَهُوَ شَيْخُ الصِّنْعَةِ في عِلْمِ "الزَّوَائِدِ"، وكُلُّ مَنْ ألَّفَ بَعْدَهُ فَهُم عِيَالٌ عَلَيْهِ، وحَسْبُكَ أنَّ كِتَابَهُ "مَجْمَعَ الزَّوَائِدِ" يُعْتَبرُ مِنْ أجْمَعِ الكُتُبِ وأنْفَعِهَا، وأطْنَبِهَا وأوْعَبِهَا؛ حَيْثُ بَذَلَ الهَيْثَمِيُّ فِيْهِ غَايَةَ جُهْدِهِ، وبَالِغَ وُسْعِهِ، ومُعْظَمَ وَقْتِهِ، فَهُوَ بحَقٍّ كِتَابٌ جَامِعٌ نَافِعٌ يُعْتَبَرُ مِنْ نَوَادِرِ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ، ومِنْ مَحَاسِنِ كُتُبِ "الزَّوَائِدِ"؛ حَيْثُ جَمَعَ فِيْهِ: زِيَادَاتِ مُسْنَدِ أحمَدَ، ومُسْنَدِ البَزَّارِ، ومُسْنَدِ أبي يَعْلى، وزَيَادَاتِ مَعَاجِمِ الطَّبرانيِّ الثَّلاثَةِ، على الكُتُبِ السِّتَّةِ، وحَكَمَ عَلَيْهَا صِحَّةً وضَعْفًا، وجَرْحًا وتَعْدِيْلًا!

وبِهَذَا نَقُوْلُ: إنَّ مَنْ حَصَّلَ كِتَابَ: "الصَّحِيْحَيْنِ"، و"السُّنَنِ الأرْبَعِ"، و"مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ومَنْبَعِ الفَوَائِدِ" فَقَدْ حَصَلَ على عَظِيْمٍ، ولم يَفُتْهُ مِنَ الأحَادِيْثِ إلَّا النَّزْرُ اليَسِيْرُ، والله أعْلَمُ.

وعلى هَذَا يَكُوْنُ كِتَابُ الهَيْثَمِيِّ رَحِمَهُ الله "مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ": ثَالِثَ الأثَافي دُوْنَ مُنَازِعٍ، وخَاتِمَةَ الكُتُبِ السِّتَّةِ دُوْنَ مُدَافِعٍ، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

* * *

  وأمَّا الطَّرِيْقَةُ الثَّالِثَةُ: وهِيَ للَّذِيْنَ هُم دُوْنَ أصْحَابِ الطَّرِيْقَةِ الأوْلى والثَّانِيَةِ، ممَّن قَلَّ عَزْمُهُم، وكَلَّ حِفْظُهُم، وهَذِهِ الطَّرِيْقَةُ تَأتي على مَرْحَلَتَيْنِ، كَمَا يَلي:

المَرْحَلَةُ الأوْلى: أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ مُختَصَرَ "الصَّحِيْحَيْنِ"، وعَلى رَأسِهِمَا كِتَابُ: "التَّجْرِيْدِ لأحَادِيْثِ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ" للحَافِظِ زَيْنِ الدِّيْنِ أحمَدَ الزَّبِيْدِيِّ رَحِمَهُ الله (893).

ثُمَّ يَحْفَظُ كِتَابَ "مُخْتَصَرَ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" للحَافِظِ عَبْدِ العَظِيْمِ المُنْذِرِيِّ رَحِمَهُ الله (656)، ويَأتي حِفْظُهُما هُنَا على التَّرتِيْبِ؛ لأنَّ الاعْتِبَارَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في تَقْدِيْمِ حِفْظِ "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" على "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" لَيْسَتْ جَارِيَةً هُنَا في "المُخْتَصَرَيْنِ"، والله أعْلَمُ.

ثُمَّ يَحْفَظُ بَعْدَهُمَا مُخْتَصَرَاتِ "السُّنَنِ الأرْبَعِ" ابْتِدَاءً باخْتِصَارِ الحَافِظِ المُنْذِرِيِّ رَحِمَهُ الله "لسُنَنِ أبي دَاوُدَ"، أو غَيْرَهُ مِنَ المُخْتَصَرَاتِ الَّتِي ألَّفَهَا بَعْضُ المُعَاصِرِيْنَ.

ولاسِيَّما مَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ مُصْطَفى دِيْبُ البُغَا حَفِظَهُ الله في اخْتِصَارَاتِهِ لسُنَنِ أبي دَاوُدَ والتِّرمِذِيِّ والنَّسَائيِّ وابنِ مَاجَه، وذَلِكَ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ طَرِيْقَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا في مُقَدِّمَاتِ هَذِهِ الكُتُبِ!

المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: أنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ كِتَابَ: "رِيَاضِ الصَّالحِيْنَ مِنْ حَدِيْثِ سَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ" للحَافِظِ مُحي الدِّيْنِ النَّووِيِّ رَحِمَهُ الله (676).

ثُمَّ يَحْفَظُ كِتَابَ: "عُمْدَةِ الأحْكَامِ مِنْ كَلامِ خَيْرِ الأنَامِ" للحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسيِّ رَحِمَهُ الله (600). ثُمَّ يَحْفَظُ كِتَابَ: "بُلُوْغِ المَرَامِ مْنَ أدِلَّةِ الأحْكَامِ" للحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيِّ رَحِمَهُ الله (852)، ثُمَّ يَحْفَظُ الطَّالِبُ مَا شَاءَ مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ، والله أعْلَمُ.

ثُمَّ اعْلَمْ يَا رَعَاكَ الله أنَّ هَذَا البَابَ جَاءَ لضَبْطِ طَرِيْقَةِ حِفْظِ السُّنَّةِ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما عِنْدَ أهْلِ الطَّرِيْقَةِ الأوْلى، ممَّنْ هُم غَالِبًا مِنْ هَؤلاءِ الطُّلَّابِ الَّذِيْنَ أقْبَلُوا على حِفْظِ السُّنَّةِ مِنْ خِلالِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ، ومَا سِوَى الطَّرِيْقَةِ الأوْلى فَهِي أغْلَبِيَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ؛ إلَّا أنَّها أضْبَطُ جَمعًا وأحْسَنُ وَضْعًا لكُتُبِ السُّنَّةِ، والله خَيْرٌ شَاهِدًا.

* * *

وأخِيْرًا؛ فَهَذِا جُهْدِي الكَلِيْلُ، وفِكْرِي العَلِيْلُ، وبِضَاعَتِي المُزْجَاةُ، ورِسَالَتِي المُنْتَقَاةُ وَضَعْتُهَا بَيْنَ طُلَّابِ السُّنَّةِ والأثَرِ ليَنْظُرُوا إلَيْهَا بعَيْنِ النَّصِيْحَةِ والتَّصْحِيْحِ، وليَقِفُوا عِنْدَهَا بعَيْنِ التَّأمُّلِ والتَّوْضِيْحِ، لا أنْ يَضْرِبُوا بَعْضَهَا ببَعْضٍ، والله هُوَ المَسْئُولُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

وَكَتَبهُ

حَامِدًا لله رَبِّ العَالمِيْنَ، ومُصَلِّيًّا ومُسَلِّمًا على عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي


 

([1]) إنَّ أفْضَلَ طَبَعَاتِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ : هِيَ الَّتِي حَقَّقَتْهَا مُؤسَّسَةُ الرِّسَالَةِ نَاشِرُوْنَ، وكَذَا طَبْعَةُ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ الَّتِي حَقَّقَهَا أخُوْنَا الشَّيْخُ نَظْرُ الفِرْيَابيُّ في طَبْعَتِهِ الثَّانِيَةِ، فَهَذِهِ أفْضَلُ الطَّبَعَاتِ وأنْفَعُهَا ودَعْ مَا سِوَاهَا؛ لأنِّي بسَوِاهَا لخَبِيْرٌ، والله أعْلَمُ!

([2]) إنَّ أفْضَلَ طَبَعَاتِ السُّنَنِ الأرْبَعِ : هِيَ الَّتِي حَقَّقَتْهَا مُؤسَّسَةُ الرِّسَالَةِ العَالمِيَّةِ، لأنَّهَا أفْضَلُ الطَّبَعَاتِ وأنْفَعُهَا، والله تَعَالى أعْلَمُ!

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 11 )
 الزيارات الفريدة: ( 2353372)