البَابُ الأوَّلُ: أقْسَامُ الألْعَابِ، وحُكْمُ بَذْلِ العِوَضِ فِيْهَا
عدد مرات القراءة: 792793

البَابُ الأوَّلُ

أقْسَامُ الألْعَابِ، وحُكْمُ بَذْلِ العِوَضِ فِيْهَا

لَقَدْ تَنَوَّعَتِ الألْعَابُ الرِّياضِيَّةُ، وتَغَايَرَتْ بِحَسَبِ أحْكَامِها، وغَاياتِها، وأوْصَافِها وذَلِكَ بِدَافِعِ طَبِيعَةِ الإنْسَانِ الَّذي لَمْ يَبْرَحْ يَتَفَنَّنْ في ابْتِدَاعِ أنْوَاعٍ رِياضِيَّةٍ بَيْنَ الحِيْنِ والآخَرِ؛ فَكَانَ مِنْها المَشْرُوعُ والمَمْنُوعُ؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْه الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ لفْظًا ومَعْنًى، ومِنْ ثَمَّ كانَتِ الألْعَابُ الرِّياضِيَّةُ في جُمْلَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: (ألْعَابٍ مَشْرُوْعَةٍ، وألْعَابٍ مَمْنُوْعَةٍ، وألْعَابٍ مَسْكُوْتٍ عَنْها)، وتَفْصِيْلُ القَوْلِ فيها، كَمَا يَلِي باخْتِصَارٍ:

- القِسْمُ الأوَّلُ: ألْعَابٌ مَشْرُوْعَةٌ، وهَي نَوْعَانِ:

النَّوعُ الأوَّلُ: ألْعَابٌ قَدْ نَصَّتْ عَلَيْها الشَّرِيعَةُ: كالرِّمَايةِ، والسِّبَاقِ، والمُصَارَعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْرُوعٌ؛ عِلْمًا أنَّ بَعْضَ هَذِه الألْعَابِ قَدْ يَكُوْنُ وَاجِبًا؛ لاسِيِّمَا إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْها فَرْضُ الجِهَادِ، "ومَا لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ".

* * *

فعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ : «لا سَبَقَ إلاَّ في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حَافِرٍ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو دَاوْدَ، وهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.

* * *

قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في "الفُرُوسِيَّةِ" (171،301)، بَعْدَ أنْ قَسَّمَ الألْعَابَ إلى ثَلاثَةِ أنْوَاعٍ: "القِسْمُ الثَّانِي: عَكْسُ هَذَا (أيْ: اللِّعْبَ المَمْنُوْعَ)، وهُوَ مَا فيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَا يُحِبُّ الله ورَسُوْلُه، مُعِيْنٌ عَلَيْه، ومُفْضٍ إلَيِه، فَهَذَا شَرَعَهُ الله تَعَالَى لِعِبَادِه، وشَرَعَ لَهُم الأسْبَابَ الَّتِي تُعِيْنُ عَلَيْه، وتُرْشِدُ إلَيْه، وهُوَ: كَالمُسَابَقَةِ عَلى الخَيْلِ، والإبِلِ، والنِّضَالِ، الَّتِي تَتَضَمَّنُ الاشْتِغَالَ بأسْبَابِ الجِهَادِ، وتَعَلُّمَ الفُرُوْسِيَّةِ، والاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ أعْدَاءه، وإعْلاءَ كَلِمَتِه، ونَصْرَ دِيْنِه وكِتَابِه ورَسُوْلِه، فَهَذِه المُغَالَبَةُ تُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ العَمَلِ، ومِنْ جِهَةِ أكْلِ المَالِ لِهَذَا العَمَلِ الَّذِي يُحِبُّه الله تَعَالَى ورَسُوْلُهُ، ومِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا.

وهَذَا القِسْمُ جَوَّزَهُ الشَّارِعُ بالبُرْهَانِ تَحْرِيْضًا للنُّفُوْسِ عَلَيْه، فإنَّ النَّفْسَ يَسِيْرُ لَهَا دَاعِيَانِ: دَاعِي الغَلَبَةِ، ودَاعِي الكَسْبِ، فَتَقْوَى رَغْبَتُها في العَمَلِ المَحْبُوْبِ لله تَعَالَى ورَسُوْلِه، فَعُلِمَ أنَّ أكْلَ المَالَ بِهَذَا النَّوْعِ أكْلٌ لَهُ بِحَقٍّ، لا بِبَاطِلٍ" انْتَهَى.

وهَذا القِسْمُ قَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى جَوَازِ أخْذِ العِوَضِ فِيْهِ ابنُ قُدَامَةَ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ، والعِرَاقِيُّ، وغَيْرُهُم مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

وجَوَّزَ جَمْهُوْرُ أهْلِ العِلْمِ أيْضًا أخْذَ بَذْلِ العِوَضِ في المُسَابَقَةِ عَلى الإبِلِ.

* * *

- النَّوعُ الثَّاني: ألْعَابٌ لَمْ تَنُصْ عَلَيْها الشَّرِيعَةُ؛ إلاَّ أنَّها مِمَّا يُسْتَعَانُ بِها في الجِهَادِ، وهَذَا النَّوْعُ يَدْخُلُ في حُكْمِ النَّوْعِ الأوَّلِ مِنْ بَابِ القِيَاسِ، ورُبَّمَا كان أوْلَى لاسِيَّما إذَا تَطَوَّرَتْ آلاتُ الجِهَادِ كَمَا هُوَ الآنَ: مِنْ دَبَّابَاتٍ، وطَيَّارَاتٍ، وصَوَارِيخَ، وبَنَادِقَ، وألْغَامٍ، وغَيْرِها مِمَّا أصْبَحَتْ عُدَّةً حَرْبِيَّةً عَصْرِيَّةً، لا يَجُوْزُ مُجَاوَزَتُها، أو حَتَّى تَجَاهُلُها بِحَالٍ!

والدَّلِيْلُ عَلى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال60].

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ هَذِه المُعِدَّاتِ الحَدِيْثَةَ الآنَ هِيَ وَسَائِلُ الجِهَادِ، وفي المُسَابَقَةِ عَلَيْها بِعِوَضٍ تَقْوِيَةٌ للجُنُوْدِ، وتَزْوِيْدُهُم بالخِبْرَةِ الكَافيةِ الَّتِي يَسْتَطِيْعُوْنَ بِها مُحَارَبَةُ العَدُوِّ وقَهْرِهِ، وهَذَا دَاخِلٌ فيمَا أمَرَ الله تَعَالَى بِهِ مِنْ إعْدَادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ.

ولِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله في "الأمِّ" (4/ 23) رَدًّا عَلى مَنْ قَصَرَ السِّبَاقَ بِجُعْلٍ عَلى الخَيْلِ، والإبِلِ، والنَّصْلِ مَا نَصُّه: "وهَذَا ـ يَعْنِي بِهِ مَا عَدَا الثَّلاثَةِ المَذْكُوْرَةِ في الحَدِيْثِ مِنَ الخَيْلِ، والإبِلِ، والسِّهَامِ ـ دَاخِلٌ في مَعْنَى مَا نَدَبَ الله إلَيْه، وحَمِدَ عَلَيْه أهْلَ دِيْنِهِ مِنْ إعْدَادِ العُدَّةِ، والقُوَّةِ، ورِبَاطِ الخَيْلِ" انْتَهَى.

* * *

لِذَا؛ فَإنَّ المُسَابَقَةَ قَدْ تَجِبُ إذَا تَعَيَّنَتْ طَرِيْقًا للجِهَادِ، وكَانَتْ سَبَبًا للتَّفَوُّقِ عَلى العَدُوِّ، ولا شَكَّ أنَّ المُسَابَقَةَ بِعِوَضٍ عَلى تِلْكَ المُعِدَّاتِ الحَرْبِيَّةِ الحَدِيْثَةِ تُكْسِبُ الجُنْدِيَّ تَفَوُّقًا، ومَهَارَةً، وخِبْرَةً، وجَدَارَةً، فَهِي إنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً؛ فَلا أقَلَّ مِنْ أنْ تَكُوْنَ مُسْتَحَبَّةً، عِلْمًا بأنَّ القُرْآنَ حَثَّ عَلى إعْدَادِ العُدَّةِ، ومِنَ الوَسَائِلِ النَّافِعَةِ للاسْتِعْدَادِ للحَرْبِ التَّشْجِيْعُ عَلَيْه بالعِوَضِ.

ولِذَا قَالَ الماوَرْدِيُّ في "الإنْصَافِ" (6/ 91): "فالمُغَالَبَةُ الجَائِزَةُ تَحِلُّ بالعِوَضِ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُعِيْنُ عَلى الدِّيْنِ، كَمَا في مُرَاهَنَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ رضِيَ الله عَنْهُ" انْتَهَى.

* * *

فَهَذَا النَّوْعُ أيْضًا قَدْ أجَازَ أهْلُ العِلْمِ أخْذُ العِوَضِ فِيْهِ، يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "الاخْتِيَارَاتِ" (160): "فالمُغَالَبَةُ الجَائِزةُ تَحِلُّ بِعِوَضٍ، إذَا كَانَتْ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ في الدِّيْنِ".

وقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في "الفُرُوسِيَّةِ" (35) بَعْدَ أنْ أوْرَدَ قِصَّةَ رُكَانَةَ: "فإذَا كَانَ أكْلُ المَالِ بِهَذِه المُسَابَقَةِ أكْلاً بِحَقٍّ، فأكْلُهُ بِمَا يِتَضَمَّنُ نُصْرَةَ الدِّيْنِ، وظُهُوْرَ أعْلامِه وآيَاتِه أوْلَى وأحْرَى، وعَلى هَذَا فَكُلُّ مُغَالَبَةٍ يُسْتَعَانُ بِها عَلى الجِهَادِ تَجُوْزُ بالعِوَضِ، بِخِلافِ المُغَالَبَاتِ الَّتِي لا يُنْصَرُ الدِّيْنُ بِها".

وفي جَوَابٍ للَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ للْبُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ، والإفْتَاءِ، تَحْتَ رَقَمِ (3323)، وتَارِيْخِ (19/ 12/ 1400): "المُسَابَقَةُ مَشْرُوْعَةٌ فيما يُسَتَعَانُ بِهِ عَلى حَرْبِ الكُفَّارِ مِنَ الإبِلِ، والخَيْلِ، والسِّهَامِ، ومَا في مَعْنَاهَا مِنْ آلاتِ الحَرْبِ: كالطَّيَّارَاتِ، والدَّبَّابَاتِ، والغَوَّاصَاتِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِجَوَائِزَ، أمْ بِدُوْنِ جَوَائِزَ" انْتَهَى.

وفي جَوَابٍ آخَرَ لَهَا، تَحْتَ رَقَمِ (3219)، وتَارِيْخِ (11/ 9/ 1400):

"السِّبَاقُ عَلى الخَيْلِ، والإبِلِ، ونَحْوِها مِنْ عُدَدِ الجِهَادِ: كالطَّائِرَاتِ، والدَّبابَاتِ للتَّدْرِيْبِ عَلَيْها، وكَسْبِ الفُرُوْسِيَّةِ، وَاجِبٌ، أو مُسْتَحَبٌّ حَسْبَ مَا تَقْتَضِيْهِ حَاجَةُ المُسْلِمِيْنَ في الجِهَادِ، دِفَاعًا عَنْ حَوْزَتِهِم، ونُصْرَةً لِدِيْنِهم، وتَيْسِيْرًا لِنَشْرِ الإسْلامِ، ولِمَنْ يُسَاعِدُ عَلَيْه لِفِكْرَةٍ، أو مَهَارَتِه فيهِ، أو بِمَالِهِ الأجْرُ، والثَّوَابُ" انْتَهَى.

* * *

- أمَّا المُسَابَقَاتُ العِلْمِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ:

فَهَذه لا شَكَّ أنَّها تَدْخُلُ في هَذَا النَّوْعِ مِنَ الألْعَابِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِها في الجِهَادِ، فَقَدْ دَلَّ عَلى مَشْرُوْعِيَّتِها قِصَّةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ يَوْمَ رَاهَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى انْتِصَارِ الرُّوْمِ عَلى فَارِسَ، وغَيْرُها مِنَ الأدِلَّةِ.

- أمَّا بَذْلُ العِوَضِ فيها، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فيهَا عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المَنْعُ، وهُوَ مَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ، والمَالِكِيَّةِ.

القَوْلُ الثَّانِي: الجَوَازُ، وهُوَ مَذْهَبُ الحَنَفيةِ، ووَجْهٌ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ، واخْتَارَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ، وابنُ القَيِّمِ، وابنُ إبْرَهِيْمَ آلِ الشَّيْخِ.

* * *

يَقُوْلُ ابنُ القَيَّمِ رَحِمَهُ الله في "الفُرُوْسِيَّةِ" (156): "ولَمَّا كَانَ الجِلادُ بالسَّيْفِ والسِّنَانِ، والجِدَالِ بالحُجَّةِ والبُرْهَانِ كالأخَوَيْنِ الشَّقِيْقَيْنِ، والقَرِيْنَيْنِ المُتَصَاحِبَيْنِ؛ كَانَتْ أحْكَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما شَبِيْهَةً بأحْكَامِ الآخَرِ، ومُسْتَفَادَةً مِنْه، فالإصَابَةُ في الرَّمِي والنِّضَالِ؛ كالإصَابَةِ في الحُجَّةِ والمَقَالِ، والطَّعْنُ والتَّبْطِيْلُ نَظِيْرُ إقَامَةِ الحُجَّةِ وإبْطَالِ حُجَّةِ الخَصْمِ، والدُّخُوْلُ والخُرُوْجُ نَظِيْرُ الإيْرَادِ والاحْتِرَازِ مِنْه، وجَوَابُ الخَصْمِ والقَرْنِ عِنْدَ دُخُوْلِه عَلَيْكَ، كَجَوَابِ الخَصْمِ عَمَّا يُوْرِدُه عَلَيْكَ.

فالفُرُوْسِيَّةُ فُرُوْسِيَّتَانِ: فُرُوْسِيَّةُ العِلْمِ والبَيَانِ، وفُرُوْسِيَّةُ الرَّمْي والطِّعَانِ، ولَمَّا كَانَ أصْحَابُ النَّبِيِّ أكْمَلَ الخَلْقِ في الفُرُوْسِيَّتَيْنِ؛ فَتَحُوا القُلُوْبَ بالحُجَّةِ والبُرْهَانِ، والبِلادَ بالسَّيْفِ والسِّنَانِ.

ومَا النَّاسُ إلاَّ هَؤُلاءِ الفَرِيْقَانِ، ومَنْ عَدَاهُمَا؛ فإنْ لَمْ يَكُنْ رِدْءًا وعَوْنًا لَهُمَا، فَهُوَ كَلٌّ (عِبْءٌ) عَلى نَوْعِ الإنْسَانِ" انْتَهَى.

* * *

وانْطِلاقًا مِنْ هَذَا المَبْدَأ، فإنَّني أحُثُّ نَفْسِي وإخْوَانِي المُسْلِمِيْنَ جَمِيْعًا عَلى العِنَايِةِ باتِّبَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوَيَّةِ في جَمِيْعِ الأمُوْرِ، لاسِيَّما العِنَايَةَ بالفُرُوْسِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بنَوْعَيْهَا: جِهَادِ الحُجَّةِ والبُرْهَانِ، وجِهَادِ السَّيْفِ والسِّنَانِ!

لاسِيَّما والحَالَةُ الَّتي نَعِيْشُ؛ حَيْثُ وُجِدَتِ الأسْبَابُ والظُرُوْفُ الَّتِي تَدْفَعُ كُلَّ مُسْلِمٍ هَذِهِ الأيَّامَ إلى الاسْتِعْدَادِ والتَّأهُبِ للقُوَّةِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ معًا!

فالنَّاسُ اليَوْمَ في حَالَةِ حَرْبٍ، وحَدِيْثِ حَرْبٍ، واسْتِعْدَادٍ لِحَرْبٍ، والعَالَمُ كُلُّه مَيَادِيْنُ قِتَالٍ، فَحَيْثُمَا الْتَفَتَّ وَجَدَتَ مَيْدَانًا، ووَجَدَتَ حُرُوْبًا؛ فَهُم في حَرْبٍ دَائِمَةٍ، والهَدَفُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلَّهِ: هُوَ الإسْلامُ والمُسْلِمِيْنَ!

يَقُوْلُ الشَّيْخُ أبُو بَكْرٍ الجَزَائِرِيُّ في "مِنْهَاجِ المُسْلِمِ" (459): "إنَّ الغَرَضَ مِنْ جَمِيْعِ هَذِه الرِّيَاضَاتِ الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ في صَدْرِ الإسْلامِ بالفُرُوْسِيَّةِ: هُوَ الاسْتِعَانَةُ بِها عَلى إحْقَاقِ الحَقِّ، ونُصْرَتِه، والدِّفَاعِ عَنْه، ولَمْ يَكُنْ مِنْها الحُصُوْلُ عَلى المَالِ وجَمْعِهِ، ولا الشُّهْرَةِ، وحُبِّ الظُّهُوْرِ، ولا مَا يُسْتَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ العُلُوِّ في الأرْضِ، والفَسَادِ فَيْها، كَمَا هِيَ أكْثَرُ حَالِ الرِّياضِيِّيْنَ اليَوْمَ.

إنَّ المَقْصُوْدَ مِنْ كُلِّ الرِّياضَاتِ عَلى اخْتِلافِها: هُوَ التَّقَوِّي، وإكْسَابُ القُدْرَةِ عَلى الجِهَادِ في سَبِيْلِ الله تِعَالِى، وعَلى هَذَا يَجِبُ أنْ تُفْهَمَ الرِّيَاضَةُ في الإسْلامِ، ومَنْ فَهِمَها عَلى غَيْرِ هَذَا النَّحْوِ فَقَدْ أخْرَجَها عَنْ مَقْصَدِها الحَسَنِ إلى قَصْدٍ سِيءٍ مِنَ اللَّهْوِ البَاطِلِ، والقُمَارِ الحَرَامِ. والأصْلُ في مَشْرُوْعِيَّةِ الرِّيَاضَةِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال60]، وقَوْلُ الرَّسُوْلِ : «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ، وأحَبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيْفِ»، والقُوَّةُ في الإسْلامِ تَشْمَلُ: السَّيْفَ، والسِّنَانَ، والحُجَّةَ، والبُرْهَانَ" انْتَهَى.

* * *

- القِسْمُ الثَّانِي: ألْعَابٌ مَمْنُوعَةٌ، وهِيَ ثَلاثَةُ أنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: ألْعَابٌ نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ عَلى تَحْرِيمِها: كالْمَيْسِرِ، والنَّرْدِ (الطَّاوِلَةِ)، والشِّطْرَنْجِ عِنْدَ جَمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، والقِمَارِ، والتَّحْرِيشِ بَيْنَ الحَيْوَاناتٍ، وغَيْرِ مَا هُنا مِمَّا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيْعَةُ.

قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتَابِ "الفُرُوسِيَّةِ" (169،301): "فإنَّ المُغَالَبَاتِ في الشَّرْعِ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةُ أقْسَامٍ:

أحَدُها: مَا فيه مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلى مَنْفَعَتِه: كالنَّرْدِ، والشِّطْرَنْجِ؛ فَهَذَا يُحَرِّمُه الشَّارِعُ، ولا يُبِيْحُه، إذْ مَفْسَدَتُه رَاجِحَةٌ عَلى مَصْلَحَتِه، وهِيَ مِنْ جِنْسِ مَفْسَدَةِ السُّكْرِ، ولِهَذَا قَرَنَ الله سُبْحَانَه وتَعَالَى بَيْنَ الخَمْرِ، والقُمَارِ في الحُكْمِ، وجَعَلَهُما قَرِيْنَيْ الأنْصَابِ، والأزْلامِ، وأخْبَرَ أنَّها كُلُّهَا رِجْسٌ، وأنَّها مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وأمَرَ باجْتِنَابِها، وعَلَّقَ الفَلاحَ باجْتِنَابِها، وأخْبَرَ أنَّها تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِهِ، وعَنِ الصَّلاةِ، وتَهَدَّدَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْها، ومَعْلُومٌ أنَّ شَارِبَ الخَمْرِ إذَا سَكِرَ؛ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَصُدُّه عَنْ ذِكْرِ الله، وعَنِ الصَّلاةِ، ويُوْقِعُ العَدَاوَةَ، والبَغْضَاءَ بِسَبَبِه.

وكَذَلِكَ المُغَالَبَاتُ الَّتِي تُلْهِي بِلا مَنْفَعَةٍ؛ كالنَّرْدِ، والشِّطْرَنْجِ، وأمْثَالِهِما، مِمَّا يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ الله، وعَنِ الصَّلاةِ؛ لِشِدَّةِ الْتِهَاءِ النَّفْسِ بِها، واشْتِغَالِ القَلْبِ فيها أبَدًا بالْفِكْرِ» انْتَهَى.

فَهِذِه الألْعَابُ قَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى تَحْرِيمِ بَذْلِ العِوَضِ فِيْهَا.

* * *

النَّوْعُ الثَّاني: ألْعَابٌ لَمْ تَنُصْ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ عَلى تَحْرِيمِها؛ بَلْ حَرَّمَتْها لاقْتِرَانِها بِمَحْظُوْرٍ شَرْعيٍّ خَارِجٍ عَنْ أصْلِها، كَمَا لَوْ اقْتَرَنَ بِها: إضْرَارٌ، أو سَبٌّ، أو عَدَاوَةٌ، أو صَدٌّ عَنْ ذِكْرِ الله، أو اشْتِغَالٌ عَمَّا هُوَ أوْلَى أو أفْضَلُ، ومِثَالُه: كُلُّ لُعْبةٍ مَشْرُوعَةٍ، أو مُبَاحَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلى مَحْظُورٍ شَرْعيٍّ: كالإضْرَارِ بالآخَرِيْنَ، أو إغْرَاءِ العَدَاوَةِ بِيْنَ اللاعِبِيْنَ، أو صَدِّها عَنِ ذِكْرِ الله تَعَالَى، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وقَدْ قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: "إنَّ العُلُوْمَ المَفْضُوْلَةَ إذَا زَاحَمَتِ العُلُوْمَ الفَاضِلَةَ وأضْعَفَتْها؛ فإنَّهَا تَحْرُمُ"(1).

فإذَا كَانَ الأمْرُ هَكَذَا في العُلُوْمِ المَفْضُوْلَةِ مَعَ العُلُوْمِ الفَاضِلَةِ، فَكَيْفَ والحَالَةُ هَذِه بِـ (كُرَةِ القَدَمِ) يَوْمَ زَاحَمَتِ العُلُوْمَ الفَاضِلَةَ، وأضْعَفَتْها؛ بَلْهَ العُلُوْمَ الشَّرْعِيَّةَ؛ كَمَا هُوَ وَاقِعُ شَبَابِنَا هَذِه الأيَّامَ، في حِيْنَ أنَّ لِعْبَ (كُرَةِ القَدَمِ) لَيْسَ عِلْمًا؛ إنَّما هُوَ لَهْوٌ، وسَفَهٌ مَعًا!

فَهَذِه الألْعَابُ أيْضًا قَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى تَحْرِيمِ أخْذِ العِوَضِ فيهَا قِيَاسًا عَلى الأوَّلِ، ورُبَّما كَانَ بَعْضُها مِنْ بَابٍ أوْلَى!

* * *

النَّوْعُ الثَّالثُ: ألْعَابٌ لَيْسَ فيها إعْمَالٌ للْعَقْلِ والتَّفْكِيْرِ؛ بَلْ قَائِمَةٌ على التَّخْمِيْنِ والحَظِّ (المُصَادَفَةِ) فهَذِه ألْعَابٌ مُحَرَّمةٌ كَمَا ذَكَرَهُ أهْلُ العِلْمِ.

قَالَ الكَمَالُ بنُ الهُمَامِ رَحِمَهُ الله في "شَرْحِ فَتْحِ القَدِيْرِ" (6/ 413) مُسْتَدِلاً بالحَدِيْثِ: «مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهَ، ورَسُوْلَه»، ثُمَّ قَالَ: "ولِعْبُ الطَّابِ في بِلادِنا مِثْلُه ـ أيْ مِثْلُ النَّرْدِ ـ يُرْمَى، ويُطْرَحُ بِلا حِسَابٍ، وإعْمَالِ فِكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: ـ مُبَيِّنًا القَاعِدَةَ في هَذَا ـ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِمَّا أحْدَثَهُ الشَّيْطَانُ، وعَمِلَهُ أهْلُ الغَفْلَةِ: فَهُوَ حَرَامٌ سَواءً قُوْمِرَ بِهِ، أم لا" انْتَهَى.

ونَقَلَ صَاحِبُ "نِهَايَةِ المُحْتَاجِ" (8/ 280) مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَنِ الرَّافِعِيِّ، فَقَالَ: "قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكُلُّ مَا اعْتَمَدَ الحِسَابَ، والفِكْرَ: كنَقْلَةِ حَفْرٍ، أو خُطُوْطٍ يُنْقَلُ مِنْها، وإلَيْها حَصًى بالحِسَابِ لا يُحْرَمُ، وكُلُّ مَا يُعْتَمَدُ عَلى التَّخْمِيْنِ يُحْرَمُ".

* * *

ومِنْ خِلالِ مَا ذَكْرَنَاهُ هُنَا: تَبَيَّنَ لَنَا مِمَّا سَبَقَ أنَّ القَاعِدَةَ العَامَّةَ المُتَّفَقَ عَلى حُرْمَتِهِ مِنْ لِعْبِ المَيْسِرِ مَجَّانًا هِيَ: "كُلُّ لِعْبٍ يُعْتَمَدُ فيه عَلى الحَظِّ، والتَّخْمِيْنِ مِنْ غَيْرِ إعْمَالِ فِكْرٍ، أو حِسَابٍ"، ويَتَفَرَّعُ عَلى تِلْكَ القَاعِدَةِ كَثِيْرٌ مِنَ الألْعَابِ الدَّارِجَةِ بَيْنَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ الأيَّامَ.

وهَذِهِ الألْعَابُ أيضًا يَحْرُمُ أخْذُ العِوَضِ فيهَا لأنَّها مِنَ البَاطِلِ!

فَإذَا عَلِمْنا هَذَا؛ كَانَ مِنَ الألْعَابِ المُحَرَّمَةِ الَّتِي تَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّوْعِ: مَا يُسَمَّى بالمُسَابَقَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي تَقُوْمُ على الحَظِّ (القَدَرِ) ولَيْسَ فِيْهَا إعْمالاُ للعَقْلِ أو التَّفْكِيْرِ، مِثْلُ المُسَابَقَاتِ الَّتِي تَكُوْنُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أو أكْثَرَ، ثُمَّ يَقُوْمُ فَرِيْقُ التَّحْكِيْمِ باخْتِيَارِ الفَائِزِ اخْتِيَارًا عَشْوَائِيًّا، أو عَنْ طَرِيْقِ سَحْبِ أرْقَامٍ مجْهُوْلَةٍ وهَكَذَا في ألْعَابٍ مُتَكَاثِرَةٍ عِنْدَ أهْلِ عَصْرِنَا.

* * *

- القِسْمُ الثَّالِثُ: ألْعَابٌ سَكَتَتْ عَنْهَا الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ مَنْعًا وإثْبَاتًا، وهُوَ القِسْمُ المُبَاحُ مِنَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ.

وهَذَا القِسْمُ قَدْ جَرَى فيهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ عَلى قَوْلَيْنَ كَمَا يَلِي:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ هُوَ التَّحْرِيمُ؛ إلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ، لقَوْلِه : «كُلُّ شَيءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ، إلاَّ ثَلاثًا: رَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، وتأدِيبَه فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتَهُ أهْلَهُ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ، وغَيْرُهما، وهُوَ صَحِيْحٌ، ولِلْحَدِيثِ ألْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ.

ولِقْوْلِه : «كُلُّ شَيءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ لَغْوٌ ولَهْوٌ أو سَهْوٌ؛ إلاَّ أرْبَعَ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ، وتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتُهُ أهْلَهُ، وتَعَلُّمُ السِّبَاحَةِ» أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، والطَّبَرَانِيُّ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

وَجْهُ الدَّلالَةِ مِنَ الحَدِيْثَيْنِ، وغَيْرِهِما: أنَّ وَصْفَ اللِّعْبِ بالبَاطِلِ والضَّلالِ يَدُلانِ عَلى حُرْمَةِ اللِّعْبِ مُطْلقًا سَوَاءٌ كَانَ بِمَالٍ، أو لا، وبِهَذَا قاَلَ كُلٌّ مِنْ: الحَنَفيةِ، والقَرَافي مِنَ المَالِكِيَّةِ، والخَطَّابِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، والبَغَوِيِّ، وغَيْرِهِم.

* * *

القَوْلُ الثَّاني: أنَّ الأصْلَ في الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ هُوَ الحِلُّ؛ إلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ، وبِهَذَا قَالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ.

قَالَ ابنُ القَيَّمِ رَحِمَهُ الله في "الفُرُوسِيَّةِ" (172،301): "وأمَّا القِسْمُ الثَّالِثُ: وهُوَ مَا لَيْسَ فيهِ مَضَرَّةٌ رَاجِحَةٌ، ولا هُوَ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمَصْلَحَةٍ يَأْمُرُ الله تَعَالَى بِها، ورَسُوْلُه ، فَهَذَا لا يُحْرَمُ، ولا يُؤْمَرُ بِهِ: كالصِّرَاعِ، والعَدْوِ، والسِّبَاحَةِ، وشَيْلِ الأثْقَالِ" انْتَهَى.

* * *

ولابنِ تَيْمِيَّةَ كَلامٌ جَيِّدٌ في تَوْجِيْه مَعْنَى هَذَا الحَدِيْثِ؛ حَيْثُ قَالَ في "الاسْتِقَامَةِ" (1/ 277): "وفي الصَّحِيْحِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّه قَالَ: «كُلُّ لَهْوِ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ، إلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وتَأدِيْبَهُ فَرَسَهُ، ومُلاعَبَةَ امْرَأتَهُ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ»، والبَاطِلُ مِنَ الأعْمَالِ هُوَ مَا لَيْسَ فيه مَنْفَعَةٌ، فَهَذَا يُرَخَّصُ فيه للنُّفُوْسِ الَّتِي لا تَصْبِرُ عَلى مَا يَنْفَعُ، وهَذَا الحَقُّ في القَدْرِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْه في الأوْقَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ: كالأعْيَادِ، والأعْرَاسِ، وقُدُومِ الغَائِبِ، ونَحْوِ ذَلِكُم، وهَذِه نُفُوْسُ النِّسَاءِ، والصِّبْيَانِ، فَهُنَّ اللَّوَاتِي كُنَّ يُغَنِّيْنَ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ، وخُلَفَائِه، ويَضْرِبْنَ بالدُّفِّ، وأمَّا الرِّجَالُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْهِم؛ بَلْ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّوْنَ الرَّجُلَ المُغَنِّي: مُخَنَّثًا، لِتَشَبُّهِهِ بالنِّسَاءِ" انْتَهَى.

وقَالَ أيْضًا في مَوْضِعٍ آخَرَ (153): "وأمَّا اللَّذَّةُ الَّتِي لا تُعَقِّبُ لَذَّةً في دَارِ القَرَارِ، ولا ألَمًا، ولا تَمْنَعُ لَذَّةَ دَارِ القَرَارِ فَهَذِه لَذَّةٌ بَاطِلَةٌ، إذْ لا مَنْفَعَةَ فيها، ولا مَضَرَّةَ، وزَمَنُها يَسِيْرٌ، لَيْسَ لِتَمَتُّعِ النَّفْسِ بِها قَدْرٌ، وهِيَ لابُدَّ أنْ تَشْغَلَ عَمَّا هُوَ خَيْرٌ مِنْها في الآخِرَةِ، وإنْ لَمْ تَشْغَلْ عَنْ أصْلِ اللَّذَّةِ في الآخِرَةِ.

وهَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ» الحَدِيْثُ، وكَقَوْلِهِ لِعُمَرَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْه، وعِنْدَه جَوَارِي يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ فأسْكَتْهُنَّ لِدُخُوْلِهِ، وقَالَ: «إنَّ هَذَا رَجُلٌ لا يُحِبُّ البَاطِلَ»(2)، فإنَّ هَذَا اللَّهْوَ فيه لَذَّةٌ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَمَا طَلَبَتْه النُّفُوْسُ!

ولَكِنْ مَا أعَانَ عَلى اللَّذَّةِ المَقْصُوْدَةِ مِنَ الجِهَادِ، والنِّكَاحِ فَهُو حَقٌّ، وأمَّا مَا لَمْ يُعِنْ عَلى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، لا فَائِدَةَ فيه، ولَكِنَّه إنْ لَمْ يَكُنْ فيه مَضَرَّةٌ رَاجِحَةٌ لَمْ يَحْرُمْ، ولَمْ يُنْهَ عَنْه، ولَكِنْ قَدْ يَكُوْنُ مَا فِعْلُهُ مَكُرُوْهًا؛ لأنَّه يَصُدُّ عَنِ اللَّذَّةِ المَطْلُوْبَةِ؛ إذْ لَوْ اشْتَغَلَ اللاهِي حِيْنَ لَهْوِهِ بِمَا يِنْفَعُه، ويَطْلُبُ لَهُ اللّذَّةَ المَقْصُوْدَةَ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُ". ثُمَّ قَالَ أيْضًا: "ومَحَبَّةُ النُّفُوْسِ للبَاطِلِ نَقْصٌ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الخَلْقِ مَأمُوْرِيْنَ بالكَمَالِ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ فيهم، فإذَا فَعَلُوا مَا بِهِ يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهم مَا لا يَمْنَعُهُم مِنَ دُخُوْلِها" انْتَهَى.

* * *

- وبَعْدَ أنْ ذَكَرْنَا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في تَفْسِيْرِ مَعْنَى الحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ؛ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَخْلُصَ مِنْها إلى أرْبَعَةِ أُمُوْرٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مَعْنَى "باطِلٍ" في الحَدِيْثِ: مَا لا ثَوَابَ فِيْهِ، ولا إثْمَ.

الثَّاني: أنَّ غَيْرَ هَذِه الأنْوَاعِ المَذْكُوْرَةِ مِنَ اللَّهْوِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً؛ بَلْ مِنْها مَا هُوَ مُبَاحٌ، ومَا هُوَ مَمْنُوْعٌ شَرْعًا.

الثَّالِثُ: أنَّ هَذَا المُبَاحَ يَكُوْنُ مَكْرُوْهًا في حَقِّ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلى شُغْلِ وَقْتِهِ فيمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ.

الرَّابِعُ: إذَا كَانَ المُبَاحُ تَعْقُبُه فَائِدَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، فَهُوَ مِنْ هَذِه الثَّلاثَةِ المُبَاحَةِ، والله أعْلَمُ.

* * *

وأخيرًا؛ فَلا شَكَّ أنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْه أصْحَابُ القَوْلِ الثَّانِي: هُوَ أرْجَحُ دَلِيْلاً، وأوْضَحُ تَعْلِيْلاً؛ وهُوَ مَا عَلَيْه العَمَلُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ جِيْلاً بَعْدَ جَيْلٍ، والله تَعَالَى أعْلَمُ.

فَهَذا القِسْمُ مِنَ الألْعَابِ المُبَاحَةِ قَدْ مَنَعَ جَمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ أخْذَ العِوَضِ فيهِا، وفي كُلِّ مِمَّا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الجِهَادِ.

وهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْه الشِّيْرَازِيُّ رَحِمَهُ الله في "المُهَذَّبِ" (1/ 421): "وأمَّا كُرَةُ الصَّوْلَجَانِ، ومُدَاحَاةُ الأحْجَارِ، ورَفْعُها مِنَ الأرْضِ، والمُشَابَكَةُ، والسِّبَاحَةُ، واللَّعِبُ بالخَاتَمِ، والوُقُوْفُ عَلى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ اللَّعِبِ الَّذِي لا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلى الحَرْبِ، فَلا تَجُوْزُ المُسَابَقَةُ عَلَيْها بِعِوَضٍ؛ لأنَّه لا يُعَدُّ للحَرْبِ، فَكَانَ أخْذُ العِوَضِ فيه مِنْ أكْلِ المَالِ بالبَاطِلِ" انْتَهَى.

وهذا ما نَصَّ عَلَيْه ابنُ القَيَّمِ رَحِمَهُ الله في "الفُرُوسِيَّةِ" (172،301): "وأمَّا القِسْمُ الثَّالِثُ: وهُوَ مَا لَيْسَ فيهِ مَضَرَّةٌ رَاجِحَةٌ، ولا هُوَ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمَصْلَحَةٍ يَأْمُرُ الله تَعَالَى بِها، ورَسُوْلُه ، فَهَذَا لا يُحْرَمُ، ولا يُؤْمَرُ بِهِ: كالصِّرَاعِ، والعَدْوِ، والسِّبَاحَةِ، وشَيْلِ الأثْقَالِ... ونَحْوِهَا.

فَهَذَا القِسْمُ رَخَّصَ فيه الشَّارِعُ بِلا عِوَضٍ، إذْ لَيْسَ فيه مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، ولِلنُّفُوْسِ فيه اسْتِرَاحَةٌ، وإجْمَامٌ، وقَدْ يَكُوْنُ مَعَ القَصْدِ الحَسَنِ عَمَلاً صَالِحًا؛ كسَائِرِ المُبَاحَاتِ الَّتِي تَصِيْرُ بالنِّيَّةِ طَاعَاتٍ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ التَّرْخِيْصَ فيه؛ لِمَا يِحْصُلُ فيه مِنْ إجْمَامِ النَّفْسِ ورَاحَتِها، واقْتَضَتْ تَحْرِيْمَ العِوَضِ فيه، إذْ لَوْ إبَاحَتْهُ بِعِوَضٍ؛ لاتَّخَذَتْه النُّفُوْسُ صِنَاعَةً ومَكْسَبًا، فالْتَهَتْ بِهِ عَنْ كَثِيْرٍ مِنْ مَصَالِحِ دِيْنِها ودُنْيَاهَا.

فأمَّا إذَا كَانَ لَعِبًا مَحْضًا، ولا مَكْسَبَ فيه؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تُؤْثِرُه عَلى مَصَالِحِ دُنْيَاهَا ودِيْنِها، ولا تُؤْثِرُه عَلَيْها إلاَّ النُّفُوْسُ الَّتِي خُلِقَتْ للبَطَالَةِ!" انْتَهَى.

* * *

وهُنَاكَ ألْعَابٌ مُبَاحَةٌ مُسْتَحْدَثَةٌ مُتَدَاوَلَةٌ في أكْثَرِ النَّوادِي والمَدَارِسِ والمَحَاضِنِ، مِثْلُ: المُسَابَقَاتِ المُبَاحَةِ الَّتِي تَقُوْمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أو أكْثَرِ ممَّا يَجْرِي فِيْهَا إعْمَالٌ للعَقْلِ والتَّفْكِيْرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ طَرِيْقِ الحَرَكَاتِ البَدَنِيَّةِ، أو المُسَابَقَاتِ الثَّقَافِيَّةِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ (الجُغْرَافِيَا، أو الرِّيَاضِيَّاتِ، أو الطِّبِّ، أو غَيْرِهَا)، فَهَذِه يَجُوْزُ السِّبَاقُ واللَّعِبُ بِها، إلاَّ أنَّهُ يَحْرُمُ فِيْهَا بَذْلُ العِوَضِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ المُتَسابِقِيْنَ أو بَعْضِهِم، أو كَانَ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ أجْنَبِيٍّ، كفَرِبْقِ التَّحْكِيْمِ، أو الجِهَةِ القَائِمَةِ عَلى مُتَابَعَةِ هَذِه المُسَابَقَةِ!

* * *

في حِيْنَ أنَّ القَوْلَ: بإبَاحَةِ اللَّعِبِ هُنَا، لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ كَانَ المَقْصُوْدُ مِنْه: اللَّعِبَ الَّذِي لَم يَقْتَرِنْ بِهِ مَحْظُوْرٌ شَرْعِيٌّ، لا في أصْلِهِ، ولا في وَصْفِهِ، ولا في شَرْطِه... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِيَّةِ!

فإذَا عُلِمَ أنَّ هُنَالِكَ مِنَ الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ إلاَّ أنَّه لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أنْ يُكْثِرَ مِنَ اللَّهْوِ، والعَبَثِ، والتَّسْلِيَةِ؛ حَتَّى لا يَخْرُجَ هَذَا اللَّهْوِ عَنِ الهَدَفِ الَّذِي شُرِعَ مِنْ أجْلِهِ.

* * *

- وأخِيْرًا؛ بَعْدَ اسْتِعْرَاضِ مَجَالاتِ السَّبْقِ مَا يَجُوْزُ مِنْها، ومَا يَحْرُمُ، ومَا يُبَاحُ بَذْلُ العِوَضِ (السَّبَقِ) فِيْهِ، ومَا يُمْنَعُ، تَبَيِّنَ لَنَا أنَّ هُنَالِكَ قَاعِدَةً تَحْصُرُ هَذَا البَابَ، وضَابِطًا يَشْمَلُ تِلْكَ المَسَائِلَ، هُوَ أنْ يُقَالَ: إنَّ اللَّعِبَ، والسَّبَقَ لا يَخْلُو مِنْ أرْبَعَةِ أحْوَالٍ:

الحَالَةُ الأوْلَى: أنْ يَكُوْنَ اللَّعِبُ مُعِيْنًا عَلى الجِهَادِ، فَهَذَا مَحْبُوْبٌ مَرْضِيٌ لله تَعَالَى، يَجُوْزُ السَّبَقُ بِهِ، ويُبَاحُ؛ بَلْ يُسْتَحَبُّ بَذْلُ العِوَضِ فيه.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ اللَّعِبُ قَائِمًا عَلى التَّخْمِيْنِ والحَظِّ (المُصَادَفَةِ)، فَهَذَا يَحْرُمُ مُطْلقًا، ويَحْرُمُ أيْضًا العِوَضُ فيه.

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَانَ اللَّعِبُ لا مِنْ هَذَا القَائِمِ عَلى التَّخْمِيْنِ والحَظِّ، ولا مِنَ المُعِيْنِ عَلى الجِهَادِ، غَيْرَ أنَّ فِيْهِ تَقْوِيَةً للبَدَنِ، وإعَانَةً لَه، فَتَجُوْزُ المُسَابَقَةُ فِيْهِ، ويَحْرُمُ بَذْلُ العِوَضِ عَلَيْهِ.

الحَالَةُ الرَّابِعَةُ: إنْ كَانَ اللَّعِبُ فيه ضَرَرٌ مُؤَكَّدٌ، أو كَانَ صَادًّا عَنْ وَاجِبٍ شَرْعِيٍّ فَهَذِه مُحَرَّمَةٌ مُطْلقًا؛ في لِعْبِها، وعِوَضِها.

* * *

أمَّا إذَا نَظَرْنا إلى (كُرَةِ القَدَمِ)، فَهِيَ لا تَخْرُجُ عَنِ الحَالَتَيْنِ: (الثَّالِثَةِ، والرَّابِعَةِ).

- أمَّا أنَّها مِنَ الحَالَةِ الثَّالِثَةِ: فَلِكَوْنِها مِنَ الألْعَابِ الَّتِي لا يُسْتَعانُ بِها في الجِهَادِ، ولا الإعْدَادِ له؛ بَلْ مُجَرَّدُ لَهْوٍ ولَعِبٍ، هَذَا إذا سَلِمَتْ مِنَ المُحَرَّمَاتِ (جَدَلاً)، والحَالَةُ هَذِه فَلا يَجُوْزُ العِوَضُ فيها قَطْعًا، سَوَاءٌ كَانَ العِوَضُ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ، أو أحَدِهِما، أو طَرَفٍ خَارِجٍ عَنْهُما، فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ شَرْعًا، وهُوَ مَا عَلَيْه جَمَاهِيْرُ أهْلِ العِلْمِ؛ فإخْرَاجُ المَالِ في (كُرَةِ القَدَمِ) يُعْتَبَرُ أكْلاً للمَالِ بالبَاطِلِ.

وعَلَيْه؛ فَكُلُّ مَا يُقَدَّمُ للاعِبِيْنَ مِنْ أهْلِ (كُرَةِ القَدَمِ) سَوَاءٌ أكَانَ: مَالاً، أو كَأسًا، أو (مِيْدَالِيَّاتٍ)، أو غَيْرِها مِمَّا يُدْفَعُ مُقَابِلَ لِعْبِهم، فَهُوَ مِنَ البَاطِلِ الَّذِي حَرَّمَه الله تَعَالَى!

أمَّا أنَّها مِنَ الحَالَةِ الرَّابِعَةِ: فَلِكَوْنِها مِنَ الألْعَابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلى ضَرَرٍ مُؤَكَّدٍ، وفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، وصَدٍّ عَنْ وَاجِبٍ، والحَالَةُ هَذِه فَلا شَكَّ أنَّهَا مُحَرَّمَةٌ قطعًا، ولا أظُنُّ أحَدًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ سَيُجْرِي خِلافًا في ذَلِكَ.

 

 

([1]) «الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ» (15/ 216) .

([2]) أخْرَجَهُ أحمَدُ (3/ 435)، (4/ 24)، والبُخارِيُّ في «الأدَبِ المُفْرَدِ» (342)، ولكِنَّهُ وَرَدَ بسِيَاقٍ آخَرَ في سَمَاعِ «المَدْحِ»، لا «الغِنَاءِ»، انْظُرْ «مَجْمَعَ الزَّوائِدِ» للهَيْثَميِّ (8/ 118)، (9/ 66) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 1 )
 الزيارات الفريدة: ( 2128404)