البَابُ الثَّاني الشُّبَهُ حَوْلَ (كُرَةِ القَدَمِ) والرَّدُّ عَلَيْها
عدد مرات القراءة: 792792

البَابُ الثَّاني

الشُّبَهُ حَوْلَ (كُرَةِ القَدَمِ) والرَّدُّ عَلَيْها

أمَّا الشُّبَهُ الَّتِي لَمْ يَبْرَحْ أهْلُ (كُرَةِ القَدَمِ) يَذْكُرُوْنَها، فَلا شَكَّ أنَّها كَثِيْرَةٌ جِدًّا يَعْسُرُ حَصْرُها؛ لكنَّها في الجُمْلَةِ وَاهِيَةٌ، وحَسْبُها أنَّها شُبَهٌ قَدِ اشْتَبَهَتْ على مَنْ لا عِلْمَ لَه، ولا تَحْقِيْقَ نَظَرٍ لَدَيْهِ!

لِذَا أرَى أنَّه لَيْسَ مِنَ السَّلامَةِ الوُقُوْفُ مَعَ كُلِّ شُبْهَةٍ ذُكِرَتْ أو اخْتُلِقَتْ؛ لأنَّ الشُّبَه لا تَزَالُ تَتَوَارَدُ على أصْحَابِها إمَّا بِحُكْمِ ضَعْفِ الإيْمَانِ، أو قِلَّةِ العِلْمِ!

فَعِنْدَئِذٍ نَرَى مِنَ المُنَاسِبِ أنْ نَقِفَ مَعَ أهَمِّ هَذِه الشُّبَهِ لاسِيَّما الَّتِي كَانَتْ مَحَلاً لأنْظَارِهِم، ومَرْجَعًا لأوْهَامِهِم!

ولهذَا وغَيرِهِ؛ فَقَدْ ضَمَّنْتُ كِتَابي هَذَا بَعْضًا مِنْ تِلْكُمُ الشُّبَهِ الَّتي اتَّكَئُوا عَلَيْهَا مَعَ كَشْفِها والرَّدِّ عَلَيْهَا بِشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ، والله المُسْتَعَانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ!

فَمِمَّا قَالُوْا:

أوَّلاً: (كُرَةُ القَدَمِ) خَيْرٌ للشَّبَابِ مِنْ انْتِهَاكِ المُحَرَّمَاتِ!

ثَانِيًا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها حِفْظٌ لأوْقَاتِ الشَّبَابِ!

ثَالِثًا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها تَقْوِيَةٌ لأبْدَانِ الشَّبَابِ!

رَابِعًا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها انْتِصَارٌ على الكُفَّارِ في المُبَارَيَاتِ!

خَامِسًا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها رَفْعٌ لَعَلَمِ التَّوْحِيْدِ: (لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله)!

سَادِسًا: الأصْلُ في (كُرَةِ القَدَمِ) الإبَاحَةُ!

سَابِعًا: أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) كَانَتْ مَعْرُوْفَةً في كُتُبِ المَعَاجِمِ العَرَبِيَّةِ، مَشْهُوْرَةً في حَيَاةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

ثَامِنًا: لَيْسَ في (كُرَةِ القَدَمِ) تَشَبُّهٌ بالكُفَّارِ!

تَاسِعًا: نَحْنُ لا نَلْعَبُ (كُرَةَ القَدَمِ) بَلْ نُشَاهِدُها ونُتَابِعُها دُوْنَ تَعَصُّبٍ!

عَاشِرًا: (كُرَةُ القَدَمِ) تُعْتَبَرُ وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً!

أمَّا الرَّدُّ على هَذِه الشُّبَهِ؛ فَلَنْ يَكُوْنَ أكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ، ووَقَفَاتٍ مُعْتَصَرَةٍ، مَجْمُوْعَةً في حِوَاراتٍ، ومُنَاظَرَاتٍ عَبْرَ سُؤلاتٍ وجَوَابَاتٍ؛ ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ أكْثَرَ هَذِه الشُّبَهِ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَنْهَا: قَصْدًا، أو تِبَاعًا في مَثَانِي، ومَطَاوِي أصْلِ الكِتَابِ "حَقِيْقَةِ كُرَةِ القَدَمِ"؛ فَكُنْ على ذُكْرٍ مِنْ ذَلِكَ يَا رَعَاكَ الله!

***

الشُّبْهَةُ الأوْلَى

(كُرَةُ القَدَمِ) خَيْرٌ للشَّبَابِ مِنِ انْتِهَاكِ المُحَرَّمَاتِ

إذَا قَالُوا: (كُرَةُ القَدَمِ) خَيْرٌ للشَّبَابِ مِنْ انْتِهَاكِ المُحَرَّمَاتِ!

قُلْتُ: مَا هِيَ المُحَرَّمَاتُ الَّتِي تَخَافُوْنَها عَلَيْهم.

قَالُوْا: الزِّنَا، والخَمْرُ، والغِنَاءُ... إلخ.

قُلْتُ: إذَا كَانَ الشبابُ الَّذِيْنَ تَقْصِدُوْهُم مُسْلِمِيْنَ، فأيُّهُمَا أوْلَى: أنْ نَدْعُوْهُم إلى الحَقِّ المُبِيْنِ، والسَّبِيْلِ القَوِيْمِ؛ مِنَ: القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والاسْتِقَامَةِ على طَرِيْقِ الأنْبِيَاءِ، والصَّالِحِيْنَ كَمَا عَلَيْه سَلَفُ الأمَّةِ مِنَ السَّابِقِيْنَ، أمِ الأوْلَى أنْ نَدْعُوْهُم إلى (كُرَةِ القَدَمِ)؟

قَالُوْا: لا شَكَّ أنَّ دَعْوَتَهُم إلى الاسْتِقَامَةِ على طَرِيْقِ الصَّالِحِيْنَ؛ خَيْرٌ وأفْضَلُ، ولَكِنَّنَا نَخْشَى أنْ نَدْعُوْهُم إلى هَذَا الطَّرِيْقِ فَلا يَسْتَقِيْمُوا، أو لا يَسْتَجِيْبُوا.

قُلْتُ: هَلْ مَا تَقُوْلُوْنَه هُنَا: عِلْمٌ يَقِيْنِيٌّ تَعْلَمُوْنَه، أمْ عِلْمٌ تَظُنُّوْنَه؟

قَالُوْا: إنَّه ظَنٌّ، ولا شَكٌّ!

قُلْتُ: إنَّ مَا نَجْنِيْهِ مِنْ (كُرَةِ القَدَمِ) بَيْنَ الشَّبَابِ لا يَخْرُجُ عَنِ: العَدَاءِ، والبَغْضَاءِ، والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ الله، والسَّبِّ، والشَّتْمِ، وضَيَاعِ الجُهُوْدِ، والأوْقَاتِ... مِمَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ عِلْمَ اليَقِيْنِ لَدَى الجَمِيْعِ، فَكَيْفَ تُقَدِّمُوْنَ بَعْدَ هَذَا: المَحْظُوْرَ الظَّنِّي على المَحْظُوْرِ القَطْعيِّ؟

قَالُوْا: نَحْنُ نُقِرُّ بِمَا تُجْنِيْه (كُرَةُ القَدَمِ) بَيْنَ الشَّبَابِ، ولَكِنْ بَقَاؤُهُم على (كُرَةِ القَدَمِ) أقَلَّ ضَرَرًا، وفَسَادًا.

قُلْتُ: أيُّهُمَا أكْبَرُ ضَرَرًا، وفَسَادًا، ومَقْتًا عِنْدَ الله: العَدَاءُ، والبَغْضَاءُ، والصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ الله، والحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أنْزَلَ الله، والتَّشَبُّهُ بالكُفَّارِ...إلخ، مِمَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ يَقِيْنًا، أمْ الخَمْرُ، والزِّنَا مِمَّا هُوَ مَظْنُوْنٌ يَقِيْنًا؟، والجَوَابُ قَطْعًا: أنَّ مَا هُوَ مَعْلُوْمٌ مُقَدَّمٌ على مَا هُوَ مَظْنُوْنٌ.

كَمَا أنَّنَا نَطْرَحُ سُؤالاً لَكُم بطَرِيْقِ اللازِمِ: وهُوَ مَا تَقُوْلُوْنَ لِمَنْ يَقُوْلُ: إشْغَالُ الشَّبَابِ بالخُمُوْرِ، والأفْلامِ الخَلِيْعَةِ، والقَصَّاتِ الرَّقِيْعَةِ، والتَّشَبُّهِ بالكُفَّارِ، وتَرْكِ الجَمَاعَاتِ... إلخ، خَيْرٌ مِنَ الزِّنَا، والعَدَاءِ، والرِّبَا... إلخ؛ لأنَّ المُحَرَّمَاتِ الأُوْلَى أقَلُّ ضَرَرًا، ولأنَّهَا لا تَتَعَدَى على الآخَرِيْنَ؛ خِلافًا للمُحَرَّمَاتِ الأخْرَى الَّتِي ضَرَرُها مُتَعَدٍّ؟!

قَالُوْا: هَذَا المَطْلَبُ مُغَالَطَةٌ وحَرَامٌ، ولا يَجُوْزُ طَرْحُه؛ فَضْلاً أنْ يُجْعَلَ مَحَلاًّ للمُفَاضَلَةِ!

قُلْتُ: إذَا كَانَ الأمْرُ مَا تَقُوْلُوْنَ، وهُوَ كَذَلِكَ، فَمَا تَطْلُبُوْنَه أنْتُم لَيْسَ عَنْ هَذَا المَطْلَبِ ببَعِيْدٍ، وذَلِكَ إذَا عَلِمْنا أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) فيها مِنَ المُحَرَّمَاتِ، والمُوْبِقَاتِ مَا تَفُوْقُ الخَمْرَ، والمَيْسِرَ!

قَالُوْا: نَحْنُ نُطَالِبُ بِـ (كُرَةِ القَدَمِ) لأنَّنا: أعْلَمُ بالشَّبَابِ، ومَا يُرِيْدُوْنَ.

قُلْتُ: هَذِه مُقَامَرَةٌ بِعُقُوْلِ الشَّبَابِ، وغِشٌّ في نَصِيْحَتِهِم، وتَضْيِيْعٌ لِحُقُوْقِهِم، وخِيَانَةٌ لأمَانَاتِهِم... كُلُّ ذَلِكَ مِنْكُم: تَمْرِيْرًا لأهْوَائِكِم، وتَلْبِيَةً لرَغَبَاتِكِم، وتَسْلِيَةً لشَهَوَاتِكِم، وغَيْرُ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْكُم ضَرْبَ خَيَالٍ، أو إرْبَ خَبَالٍ.

***

الشُّبْهَةُ الثَّانيةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها حِفْظٌ لأوْقَاتِ الشَّبَابِ

إذَا قَالُوْا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها حِفْظٌ لأوْقَاتِ الشَّبَابِ!

قُلْتُ: لا نَشُكُّ جَمِيْعًا أنَّ الأوْقَاتِ الَّتِي يَقْضِيْها الشَّبَابُ في مَسَارِحِ (كُرَةِ القَدَمِ) أضْعَافَ أضْعَافَ مَا يَقْضُوْنَه فيمَا سِوَاهَا مِنَ الأوْقَاتِ.

قَالُوْا: هَذَا إذَنْ خَيْرٌ أمَلاً؛ مِنْ أنْ يَقْضُوْهُ في غَيْرِ فَائِدَةٍ.

قُلْتُ: إلاَّ أنَّنا لا نُسَلِّمُ لَكُم بِوُجُوْدِ الفَائِدَةِ في (كُرَةِ القَدَمِ)؛ لأنَّنا لَوْ سَألْنَا أوَّلاً عَنِ الأوْقَاتِ الَّتِي تُشْغَلُ في عَالَمِ (كُرَةِ القَدَمِ)؟ هَلْ هِيَ ذَاتُ فَائِدَةٍ مُعْتَبرةٍ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، أم مُنْعَدِمَةُ الفَائِدَةِ؟

* * *

إنَّ الجَوَابُ دُوْن ارْتِيَابٍ: إنَّهَا تُشْغَلُ في غَيْرِ فَائِدَةٍ: كاللَّعِبِ، واللَّهْوِ، والتَّرْفيهِ، والتَّرْوِيْحِ، والحَالَةُ هَذِه لا يَجُوْزُ هَذَا مِنْهُم شَرْعًا، لأنَّ وَقْتَ المُسْلِمِ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا، فَكَانَ الأوْلَى أنْ تُقْضَى أوْقَاتُ الشَّبَابِ في طَاعَةِ الله تَعَالَى، لا في اللَّعِبِ، واللَّهْوِ، وفي سَابِقِ عِلْمِنَا أنَّ مُعْظَمَ أوْقَاتِ الشَّبَابِ تُقْضَى في مَتَاهَاتِ وسَخَافَاتِ مَلاعِبِ (كُرَةِ القَدَمِ)، كَمَا أنَّنا هُنَا نَتَكَلَّمُ عَنْ شَبَابِ المُسْلِمِيْنَ، لا شَابٍ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ!

* * *

فَكَيْفَ والحَالَةُ هَذِه؛ إذَا عَلِمَ الجَمِيْعُ أنَّ كَرَاكِرَ (كُرَةِ القَدَمِ) يَقْضُوْنَ أوْقَاتِهم في: العَدَاءِ، والبَغْضَاءِ، والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ الله، والسَّبِّ، والشَّتْمِ، وضَيَاعِ الجُهُوْدِ، والأوْقَاتِ، والأمْوَالِ... مِمَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ يَقِيْنًا، ومُشَاهَدٌ عَيَانًا؟!

***
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها تَقْوِيَةٌ لأبْدَانِ الشَّبَابِ

إذَا قَالُوْا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها تَقْوِيَةٌ لأبْدَانِ الشَّبَابِ!

قُلْتُ: لقَدْ أغْنَانَا الله تَعَالَى بالفُرُوْسِيَّةِ الإيْمَانِيَّةِ، والشَّجَاعَةِ الإسْلامِيَّةِ، والألْعَابِ الشَّرْعِيَّةِ؛ الَّتِي تَأثِيْرُها في الغَضَبِ على أعْدَاءِ الله، ونُصْرَةِ دِيْنِه، عَنِ الفُرُوْسِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ، والألْعَابِ المُحَرَّمَةِ، كـ(كُرَةِ القَدَمِ) وغَيْرِها، الَّتِي تُعِيْنُ على بَعْثِ العَدَاءِ، والبَغْضَاءِ، والضَّرَرِ، والفَسَادِ، وحَمَيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ، كَمَا أنَّه قَدْ كَفَانَا في الرَّدِّ على هَذِه الشُّبْهَةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ حُمُوْدٌ التُّوَيْجِرِيُّ رَحمَهُ الله.

وذَلِكَ بقَوْلِه كَما جَاءَ في "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (15/ 217، 229): "فإنِ ادَّعَى المُتَشَبِّهُوْنَ بأعْدَاءِ الله تَعَالَى، أنَّهُم إنِّمَا يُرِيْدُوْنَ باللَّعِبِ بالكُرَةِ: رِيَاضَةَ الأبْدَانِ، لِتَعْتَادَ على النَّشَاطِ، والصَّلابَةِ.

فَالجَوَابُ أنْ يُقَالَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ للمُسْلِمِيْنَ في الرِّياضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ غُنْيَةً، ومَنْدُوْحَةً، عَنِ الرِّيَاضَاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: المُسَابَقَةُ على الخَيْلِ، وقَدْ سَابَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُما، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحَابُه، والمُسْلِمُوْنَ بَعْدَهُم".

وقَالَ أيْضًا رَحِمَهُ الله: "ومَنْ لَمْ يَكْتَفِ بالرِّياضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، فلا كَفَاهُ الله، ولا وَسَّعَ عَلَيْه في الدُّنْيِا والآخِرَةِ، ومَنْ آثَرَ الرِّيَاضَاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ على الرِّيَاضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَذَلِكَ عُنْوَانٌ على زَيْغِ قَلْبِه، عَيَاذًا بالله مِنْ مُوْجِبَاتِ غَضَبِهِ" انْتَهَى.

* * *

قَالُوْا: لقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ، وأحَبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ …» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قُلْتُ: إنَّ الاسْتِشْهَادَ بِهَذَا الحَدِيْثِ على مَشْرُوعِيَّةِ تَقْوِيَةِ الأجْسَامِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَ مِنَ التَّحْقِيْقِ بِشَيءٍ!

فالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرْشِدْ أُمَّتَهُ يَوْمًا مِنَ الأيَامِ إلى تَقْوِيَةِ وتَرْبيَةِ أجْسَامِهِم كَمَا عَلَيْه رِيَاضِيُّو اليَوْمَ الذين اعْتَنُوا بتَرْبِيَةِ أبْدَانِهِم وأجْسَامِهِم؛ حَتَّى عَادَتْ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْهُم: كَبَهِيْمَةِ الأنْعَامِ!

عِلْمًا أنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ ما ذَكَرَتْ ضَخَامَةَ الأجْسَامِ، وتَرْبِيَتَها إلاَّ على وَجْهِ الذَّمِّ، والتَّحْذِيْرِ!

كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون٤].

وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهم … إلى قَوْلِهِ: ثُمَّ يأتِي مِنْ بَعْدِهم قَوْمٌ يَظْهَرُ فيهِمُ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكِم، وأمْوَالِكِم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوْبِكُم وأعْمَالِكُم» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والآثَارِ السَّلَفيةِ النَّاهِيَةِ عَنْ تَرْبِيَةِ الأبْدَانِ والأجْسَامِ ترْبيَةً خَارِجِةً عَنِ الاعْتِدَالِ والتَّوَسُّطِ في المَأكَلِ والمَشْرَبِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا عَلَيْه الرِّيَاضِيُّونَ! وهَذَا مَا عَلَيْه شُرَّاحُ الحَدِيثِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

* * *

فَهَذَا الإمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله يَقُوْلُ عِنْدَ شَرْحِه لِهَذا الحَدِيْثِ (16/ 329): "والمُرَادُ بالقُوَّةِ هُنَا عَزِيْمِةُ النَّفْسِ، والقَرِيْحَةُ في أُمُوْرِ الآخِرَةِ، فَيَكُوْنُ صَاحِبُ هَذَا الوَصْفِ أكْثَرَ إقْدَامًا على العَدُوِّ في الجِهَادِ، وأسْرَعَ خُرُوْجًا إلَيْه، وذَهَابًا في طَلَبِه، وأشَدَّ عَزِيْمَةً في الأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، والصَّبْرِ على الأذَى في كُلِّ ذَلِكَ، واحْتِمَالَ المَشَاقِّ في ذَاتِ الله تَعَالَى، وأرْغَبَ في الصَّلاةِ، والصَّوْمِ، والأذْكَارِ، وسَائِرِ العِبَادَاتِ، وأنْشَطَ طَلَبًا لَهَا، ومُحَافَظَةً عَلَيْها، ونَحْوَ ذَلِكَ" انْتَهَى.

وهُوَ مَا ذَكَرَهُ المُلاَّ عَلِيٌّ القَارِيُّ في "مِرْقَاةِ المَفَاتِيْحِ" (9/ 153): "قِيْلَ: المُرَادُ بالمُؤْمِنِ القَوِيِّ الصَّابِرِ على مُخَالَطَةِ النَّاسِ، وتَحَمُّلِ أذِيَّتِهم، وتَعَلِيْمِهم الخَيْرَ، وإرْشَادِهِم إلى الهُدَى، ويُؤَيِّدُه مَا رَوَاه أحْمَدُ، وغَيْرُه عَنِ ابنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصْبِرُ على أذَاهُم؛ أفْضَلُ مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصْبِرُ على أذَاهُم»(1).

وقِيْلَ: أرَادَ بالمُؤْمِنِ القَوِيِّ؛ قَوِيٌّ في أيْمَانِه، وصَلْبٌ في إيْقَانِه؛ بِحَيْثُ لا يَرَى الأسْبَابَ، ووَثِقَ بِمُسَبِّبِ الأسْبَابِ، والمُؤْمِنُ الضَّعِيْفُ بِخِلافِهِ؛ وهُوَ في أدْنَى مَرَاتِبِ الإيْمَانِ" انْتَهَى.

* * *

وهَذَا مَا قرَّرَه شَيْخُنا العُثَيْمِيْنُ رَحِمَهُ الله في شَرْحِهِ على "رِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ" (3/ 91) بِقَوْلِه: "المُؤْمِنُ القَوِيُّ: يَعْنِي في إيْمَانِه، ولَيْسَ المُرَادُ القَوِيُّ في بَدَنِه؛ لأنَّ قُوَّةَ البَدَنِ ضَرَرٌ على الإنْسَانِ إذَا اسْتَعْمَلَ هَذِه القُوَّةَ في مَعْصِيَةِ الله، فَقُوَّةُ البَدَنِ لَيْسَتْ مَحْمُوْدَةً، ولا مَذْمُوْمَةً في ذَاتِها، إنْ كَانَ الإنْسَانُ اسْتَعْمَلَ هَذِه القُوَّةَ فَيْما يَنْفَعُ في الدُّنْيَا، والآخِرَةِ صَارَتْ مَحْمُوْدَةً، وإنِ اسْتَعَانَ بِهَذِه القُوَّةِ على مَعْصِيَةِ الله صَارَتْ مَذْمُوْمَةً.

لَكِنِ القُوَّةُ في قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ»، أيْ: قَوِيُّ الأيْمَانِ؛ ولأنَّ كَلِمَةَ القَوِيِّ تَعُوْدُ إلى الوَصْفِ السَّابِقِ وهُوَ الإيْمَانِ، كَمَا تَقُوْلُ: الرَّجُلُ القَوِيُّ: أيْ في رُجُوْلَتِه، كَذَلِكَ المُؤْمِنُ القَوِيُّ: يَعْنِي في إيْمَانِه؛ لأنَّ المُؤْمِنَ القَوِيَّ في إيْمَانِه تَحْمِلُه قُوَّةُ إيْمَانِه على أنْ يَقُوْمَ بِمَا أوْجَبَ الله عَلَيْه، وعلى أنْ يَزِيْدَ مِنَ النَّوَافِلِ مَا شَاءَ الله، والضَّعِيْفُ الإيْمَانُ يَكُوْنُ إيْمَانُه ضَعِيْفًا لا يَحْمِلُهُ على فِعْلِ الوَاجِبَاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، فَيُقَصِّرَ كَثِيْرًا" انْتَهَى.

في حِيْنَ أنَّنا نَجِدُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أفْصَحَ عَنْ بَيَانِ مَعْنَى القُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَامَّةٍ، وفي الحَدِيْثَ هَذَا خَاصَّةً عِنْدَ قَوْلِه: «ألاَ إنَّ القوَّةَ الرَّميُ، ألاَ إنَّ القوَّةَ الرَّميُ …» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

* * *

وبَعْدَ هَذِه النُّقُولاتِ لأهْلِ العِلْمِ في شَرْحِ هَذَا الحَدِيْثِ، فَلَيْسَ لأحَدٍ كائنًا مَنْ كَانَ أنْ يَحْمِلَ الحَدِيْثَ على غَيْرِ مَعْنَاهُ الشَّرْعيِّ، لاسِيَّما مُرَوِّجو (كُرَةِ القَدَمِ) خَاصَّةً، والرِّيَاضَةِ عَامَّةً! كما أنَّ هَذَا لا يَعْنِي (ضَرُوْرَةً) أنَّ الحَدِيْثَ لا يَدُلُّ رَأسًا على تَقْوِيَةِ الأبْدَانِ؛ بَلْ تَأتِي تَقْوِيَةُ الأبْدَانِ تِبَاعًا؛ لا قَصْدًا ولا أصْلاً، فَفَرْقٌ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْه الحَدِيْثُ أوَّلاً، ومَا احْتَمَلَه ثَانِيًا!

يُوَضِّحُه: أنَّكَ إذَا رَأيْتَ مُجَاهِدًا مِنْ شَبَابِ المُسْلِمِيْنَ، رَأيْتَهُ في قُوَّتِه القَلْبِيَّةِ، والبَدَنِيَّةِ، دُوْنَ نَظَرٍ إلى ضَخَامَةِ جِسْمِه، أو نُحُوْلَتِه، فَيُعْجِبُكَ مِنْهُ: إيْمانُهُ، وتَوَكُّلُهُ، وإقْدَامُهُ، وعَدْوُهُ، وسَعْيُهُ، وإصَابَتُهُ... إلخ.

وهُنَاكَ أمْرٌ آخَرُ، وهُوَ مَا يَعْلَمُه الجَمِيْعُ عَمَّا، تُخَلِّفُهُ (كُرَةُ القَدَمِ) مِنْ أضْرَارٍ بَدَنِيَّةٍ فَادِحَةٍ على لاعِبِيْها: كالكُسُوْرِ، والرُّضُوْضِ، وتَمْزِيْقِ الأعْصَابِ، والعَضَلاتِ، وارْتِجَاجِ المُخِ، والإغْمَاءِ مَا هُوَ أشْهَرُ مِنْ نَارٍ على عَلَمٍ، فَكَيْفَ بَعْدَ هَذَا نَدَّعِي تَقْوِيَةَ الأبْدَانِ، ونَتَجَاهَلُ الأضْرَارَ الكَبِيْرِةَ الَّتِي تُخَلِّفُهَا (كُرَةُ القَدَمِ)؟!

* * *

ولَوْ فُرِضَ (جَدَلاً) أنَّ في (كُرَةِ القَدَمِ) فَوَائِدَ، فَهِي قَلِيْلَةٌ جِدًّا بالنِّسْبَةِ لأضْرَارِها، ومَفَاسِدِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُوْنُ حَرَامًا، كَمَا حَرَّمَ الله تَعَالَى الخَمْرَ، والمَيْسِرَ مَعَ أنَّ فيهِمَا مَنَافِعَ؛ إلاَّ أنَّ إثْمَهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما!

كَما قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].

***

الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها انْتِصَارٌ على الكُفَّارِ في المُبَارَيَاتِ

إذَا قَالُوْا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها انْتِصَارٌ على الكُفَّارِ في المُبَارَيَاتِ!

قُلْتُ: إنَّ كَلِمَةَ "النَّصْرِ" الَّتِي تَقْصِدُوْنَها: لاشَكَّ أنَّها لَفْظَةٌ شَرْعِيَّةٌّ.

قَالُوْا: مَا مَعْنَى لَفْظٌ شَرْعِيٌّ؟

قُلْتُ: أيْ مَا دَلَّتْ عَلَيْه الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ؛ إمَّا بِذَمٍّ، أو مَدْحٍ.

قَالُوْا: ومَا لَفْظُهُ هُنَا؟

قُلْتُ: إنَّ النَّصْرَ هُنَا مِنَ الألْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَدَحَتْها الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ في القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، وأثْنَتْ عَلَيْه، وعلى أصْحَابِه؛ بَلْ أمَرَتْ بِه أمْرَ إيْجَابٍ، أو اسْتِحْبَابٍ.

فإنَّ النَّصْرَ الشَّرْعِيَّ: هُوَ النَّصْرُ على النَّفْسِ، والشَّيْطَانِ، والمُنَافِقِيْنَ، والكُفَّارِ.

فالأوَّلُ: يَكُوْنُ بِحَمْلِ النَّفْسِ على طَاعَةِ الله تَعَالَى، وحِفْظِها مِنْ مَعَاصِيْه.

والثَّانِي: يَكُوْنُ بالاسْتِعَاذَةِ بالله تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ.

والثَّالِثُ: يَكُوْنُ بِمُجَاهَدَةِ المُنَافِقِيْنَ بالحُجَّةِ والبَيَانِ، واللِّسَانِ والسُّلْطَانِ.

والرَّابِعُ: يَكُوْنُ بِمُجَاهَدَةِ الكُفَّارِ بالبَنَانِ، والسِّنَانِ في أرْضِ الجِهَادِ.

قَالُوْا: فَنَصْرُ (كُرَةِ القَدَمِ) مِنْ أيِّ الأقْسَامِ الأرْبَعَةِ؟

قُلْتُ: (كُرَةُ القَدَمِ) لَيْسَتْ مِنَ النَّصْرِ بِشَيْءٍ؛ بَلْ هِيَ فَسَادٌ لا جِهَادٌ، ومَعْصِيَةٌ لا طَاعَةٌ، وغَوَايَةٌ لا هِدَايَةٌ، وعَبَثٌ ولَعِبٌ، لا جِدٌّ واجْتِهَادٌ!

* * *

أمَّا إذَا أبَيْتُمْ إلاَّ أنْ تَكُوْنَ (كُرَةُ القَدَمِ) نَصْرًا، وقُوَّةً، وعِزَّةً، فَلا بُدَّ أنْ تَلْتَزِمُوا بِهَذَا اللازِمِ، وهو: إذَا كَانَتِ العِزَّةُ، والقُوَّةُ، والنَّصْرُ في (كُرَةِ القَدَمِ)، فَلا بُدَّ أنْ تُقِرُّوْا (حَالاً، أو مَقَالاً): أنَّ الكُفَّارَ أهْلُ نَصْرٍ، وعِزَّةٍ، وقُوَّةٍ!

لأنَّ النَّصْرَ في (كُرَةِ القَدَمِ) غَالِبًا يَكُوْنُ حَلِيْفَ الكُفَّارِ: كالأرْجَنْتِيْنِ، والبَرازِيْلِ، وإيْطَالِيَا... وغَيْرِها كَثِيْرٌ لا كَثَّرَهُمُ الله تَعَالَى.

كَمَا يَلْزَمُكُم أيْضًا أنْ تُقِرُّوْا: بأنَّ المُسْلِمِيْنَ أهْلُ هَزِيْمَةٍ، وضَعْفٍ؛ لأنَّ الهَزِيْمَةَ غَالِبًا تَكُوْنُ حَلِيْفَتَهم، ويَشْهَدُ لِهَذَا: أنَّهُم لَمْ يَنَالُوا كَأسَ (كُرَةِ القَدَمِ) على مُسْتَوَى المُبَاريَاتِ الدُّوَلِيَّةِ العَالَمِيَّةِ؛ بَلْ لَمْ يَحْلَمُوْا بِهِ!

لِذَا لا يَجُوْزُ لَكُمْ أنْ تُقَامِرُوا بالإسْلامِ في مَلاعِبِ (كُرَةِ القَدَمِ) مَا بَيْنَ نَصْرٍ، أو هَزِيْمَةٍ.

ويَدُلَّ على ذَلِكَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُنَزَّلَ العَدُوُّ على حُكْمِ الله ورَسُوْلِه، مَعَ كَوْنِهِ في مُقَامِ الجِهَادِ الشَّرْعِيِّ مَعَ العَدُوِّ، خَشْيَةَ أنْ يُخْطِيَ المُسْلِمُ في حُكْمِ الله ورَسُوْلِه، أو يُنْقِضَهُ، فَيَعُوْدَ خَطَأُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ حِيْنَئِذٍ إلى الشَّرْعِ، لا عَلَيْهِ، ولَكِنَّ الأسْلَمَ أنْ يُنَزِّلَهُم على حُكْمِه، وهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِه: «... وإذَا حَاصَرْتَ أهْلَ حُصْنٍ، فأرَادُوْكَ أنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ الله، وذِمَّةَ نَبِيَّهِ، فَلا تَجْعَلْ لَهُم ذِمَّةَ الله، وذِمَّةَ نَبِيِّه، ولَكِنْ اجْعَلْ لَهُم ذِمَّتَكَ، وذِمَّةَ أصْحَابِكَ، فإنَّكُم إنْ تَخْفِرُوا (تُنْقِضُوا) ذِمَمَكُم، وذِمَّةَ أصْحَابِكِم، أهْوَنَ مِنْ أنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ الله، وذِمَّةَ نَبِيِّه» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

فَبَعْدَ هَذَا؛ كَانَ عَلَيْنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الإسْلامَ أعْظَمُ مَنْزِلاً، وأعْلَى مُقَامًا مِنْ أنْ نَخُوْضَ بِهِ مَياديْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ؛ باسْمِ: النَّصْرِ أو الهَزِيْمَةِ!

***

الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها رَفْعٌ لَعَلَمِ التَّوْحِيْدِ

(لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله)

إذَا قَالُوْا: (كُرَةُ القَدَمِ) فِيْها رَفْعٌ لَعَلَمِ التَّوْحِيْدِ: (لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله)!

قُلْتُ: إنَّ وَضْعَ كَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ: (لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله) على العَلَمِ، أو نَحْوِهِ، لا يَجُوْزُ شَرْعًا؛ لأنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ عَظِيْمَةٌ، مُحْتَرَمَةٌ: فَهِي عَقِيْدَةٌ، ومَنْهَجٌ، لا شِعَارٌ، وأعْلامٌ.

- كَمَا أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ؛ إذَا وُضِعَتْ على العَلَمِ، سَوْفَ تُمْتَهَنُ، وتُهَانُ، وتُذَلُّ، وذَلِكَ لأمُوْرٍ:

أوَّلاً: أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحْمِلْها مَعَهُ في الغَزَوَاتِ، ولا أحَدٌ مِنْ أصْحَابِه، ولا سَلَفُ هَذِه الأمَّةِ؛ بَلْ مَا عُرِفَتْ هَذِه الأعْلامُ (التَّوْحِيْدِيَّةُ!).

ثانيًا: أنَّنا إذَا دَخَلْنا أرْضَ المَعَارِكِ وهِيَ بَيْنَ أيْدِيْنا، وفَوْقَ رُؤُوْسِنا؛ لَرُبَّما انْهَزَمْنَا أمَامَ العَدُوِّ (لاسِيَّما هَذِه الأيَّامِ الَّتِي نَحْنُ فيها أهْوَنَ مَا نَكُوْنُ إلاَّ مَا رَحِمَ الله)، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَوْفَ نُحَمِّلُ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ هَزَائِمَنا، وأخْطَاءنا!

ثَالِثًا: لا نَنْسَ أنَّ عَلَمَ التَّوْحِيْدِ هَذِه الأيَّامِ، أصْبَحَ مُبْتَذَلاً للأسَفِ، وذَلِكَ يَوْمَ نَرَاهُ مَحْمُولاً في أيْدِي العُصَاةِ: حَيْثُ نَرَاهُم يَحْمِلُوْنَه، وهُمْ بَيْنَ غِنَاءٍ، وتَصْفيقٍ، ورَقْصٍ، ورُبَّمَا أدْخَلُه بَعْضُهُم أمَاكِنَ نَجِسَةٍ، كَمَا أنَّ بَعْضَهم يَلْتَحِفُوْنَ بِه على أبْدَانِهِم، ومِنْهُم مَنْ يَسْحَبْه على الأرْضِ سَوَاءٌ بسَيَّارَتِه، أو غَيْرِهَا... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الامْتِهَانَاتِ، والابْتِذَالاتِ!

كَمَا أنَّنَا رَأيْنَاهُ للأسَفِ يُرْفَعُ في أمَاكِنِ المَعْصِيَةِ: كالمَسَارِحِ الغِنَائِيَّةِ، والبُنُوْكِ الرِّبَوِيَّةِ، وغَيْرِها.

* * *

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ: (لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله) قَدْ تَكُوْنُ أشَدُّ امْتِهَانًا، وابْتِذَالاً يَوْمَ تُحْمَلُ (تُرَفْرِفُ!) في اللِّقَاءاتِ الدُّوَلِيَّةِ، والمُبَارَيَاتِ العَالَمِيَّةِ لِـ (كُرَةِ القَدَمِ)، وغَيْرِهَا، بَيْنَ أعْلامِ بِلادِ الكُفْرِ مُجْتَمِعَةً مَعَ هَذِه الكُفْرِيَّاتِ: بِجَامِعِ ألاعِيْبَ صِبْيَانِيَّةٍ؛ مُجَارَاةً لمُجَّانِ (كُرَةِ القَدَمِ)!

في حِيْنَ أنَّنا (المُسْلِمِيْنَ) أقَلُّ النَّاسِ فَوْزًا على الكُفَّارِ في مُبَارَيَاتِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وهَذَا لا يَخْتَلِفُ عَلَيْه عَاقِلٌ رَشِيْدٌ، ومِنْه سَوْفَ نُحَمِّلُ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ: الهَزِيْمَةَ، والهَوَانَ، والصَّغَارَ، أبَيْنَا، أم ارْتَضَيْنا!

* * *

كَمَا أنَّ في حَمْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ بِهَذِه الصُّوَرِ المُبْتَذَلَةِ: نِفَاقٌ حَقِيْقِيٌّ، أو ضِمْنِيٌّ.

لأنَّ المُنَافِقِيْنَ، كَانُوا يَشْهَدُوْنَ بالتَّوْحِيْدِ، ويَقُوْلُوْنَ بأفْوَاهِهِم مَا تُكَذِّبُه قُلُوْبُهُم، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ حَمَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيْدِ، وهُوَ يُجَاهِرُ بالمَعَاصِي، أو الفُجُوْرِ؛ فَلا شَكَّ أنَّ هَذَا عَيْنُ النِّفَاقِ العَمَلِي؛ بَلْ رُبَّمَا تَعَدَّاه إلى النِّفَاقِ الاعْتِقَادِي عَيَاذاً بالله! وهَذَا مَا نَخْشَاهُ على كَثِيْرٍ مِمَّنْ يَحْمِلُ هَذَا العَلَمَ دُوْنَ تَحْقِيْقٍ لِمَعْنَاه!

* * *

كَمَا أنَّ في حَمْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ تَزْكِيَةً... حَيْثُ بَاتَ مِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غَيَّرَ كَثِيْرًا مِنَ الأسْمَاءِ الَّتِي تَحْمِلُ في مَعَانِيْها تَزْكِيَةً، مِثْلُ: بَرَّةٍ، ويَسَارٍ... وغَيْرِهِمَا، كُلُّ ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يُمْتَهَنَ هَذَا الاسْمَ مِنْ صَاحِبِه، وهُوَ لا يَشْعُرُ، أو يُوْضَعُ في غَيْرِ مَوْضِعِه! فَيُقَالُ مَثَلاً: هَلْ عِنْدَكَ بَرَّةُ، فَتَقُوْلُ: لا، ونَحْوُهُ في يَسَارٍ، وهَكَذَا.

والدَّلِيْلُ على ذَلِكَ: أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُسَمَّى بَرَّةُ، وقَالَ: «لا تُزَكُّوْا أنْفُسُكُم، الله أعْلَمُ بأهْلِ البِرِّ مِنْكُم» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهَا مِنَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ الكَثِيْرَةِ(2).

وكَذا قَالَ تَعَالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].

فَإذَا عُلِمَ هَذَا؛ كَانَ النَّهْيُ في وَضْعِ كَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ: (لا إلَه إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله) على العَلَمِ، دُوْنَ اعْتِبَارٍ لها، أو تَحْقِيْقٍ لِمَعْنَاها، أو أنْ تُوْضَعَ في أيْدِي مَنْ لا يُحْسِنُ حَقِيْقَتَها، فالنَّهِيُ هُنَا أوْلَى؛ بَلْ التَّحْرِيْمُ أوْجَهُ! والله أعْلَمُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْنا عَدَمُ حَمْلِ عَلَمِ التَّوْحِيْدِ في مَرَابِضِ هَيْشَاتِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وغَيْرِها مِنَ الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ؛ بَلْ في كُلِّ مَكَانٍ لا يَتَحَقَّقُ فيه مَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، هَذَا أوَّلاً، كَمَا عَلَيْنا ثَانِيًا: أنْ نَمْنَعَ مُزَاوَلَةَ (كُرَةِ القَدَمِ) تَوْبَةً لله تَعَالَى.

***

الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ

الأصْلُ في (كُرَةِ القَدَمِ) الإبَاحَةُ

إذَا قَالُوْا: الأصْلُ في (كُرَةِ القَدَمِ) الإبَاحَةُ!

قُلْتُ: هُنَاكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ مَنْ يَرَى أنَّ الأصْلَ في الألْعَابِ: التَّحْرِيْمُ، مَا لَمْ يَنُصْ عَلَيْهِ الدَّلِيْلُ.

* * *

لِقَوْلِه صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَيءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ، إلاَّ ثَلاثًا: رَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، وتأدِيبَه فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتَهُ أهْلَهُ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ، وغَيْرُهما، وهُوَ صَحِيْحٌ، ولِلْحَدِيثِ ألْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ.

ولِقْوْلِه صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَيءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ لَغْوٌ ولَهْوٌ، أو سَهْوٌ؛ إلاَّ أرْبَعَ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ، وتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتُهُ أهْلَهُ، وتَعَلُّمُ السِّبَاحَةِ» أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، والطَّبَرَانِيُّ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

وَجْهُ الدَّلالَةِ مِنَ الحَدِيْثَيْنِ، وغَيْرِهِما: أنَّ وَصْفَ اللِّعْبِ بالبَاطِلِ والضَّلالِ يَدُلانِ عَلى حُرْمَةِ اللِّعْبِ مُطْلقًا سَوَاءٌ كَانَ بِمَالٍ، أو لا، وبِهَذَا قاَلَ كُلٌّ مِنْ: الحَنَفيةِ، والقَرَافي مِنَ المَالِكِيَّةِ، والخَطَّابِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، والبَغَوِيِّ، وغَيْرِهِم.

قَالُوْا: نَحْنُ نَأخْذُ بِقَوْلِ الجَمْهُوْرِ؛ وهُوَ أنَّ الأصْلَ في الألْعَابِ: الإبَاحَةُ.

قُلْتُ: إنَّ الجَمْهُوْرَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ لَمْ يُطْلِقُوا هَذَا الحُكْمَ على كُلِّ الألْعَابِ دُوْنَ تَقْيِيْدٍ، وضَوَابِطَ.

فَكَانَ مِنْ أهَمِّ الضَّوَابِطِ عِنْدَهُم: ألاَّ تَقْتَرِنْ هَذِه الألُعَابُ: بِمُحَرَّمٍ، أو تَرْكِ وَاجِبٍ، أو ضَرَرٍ.

قَالُوْا: إنَّ الَّذِي يَهِمُّنَا هُنَا: هُوَ أنَّ أصْلَ (كُرَةِ القَدَمِ) مُبَاحٌ!

قُلْتُ: لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ نَتَجَادَلَ في أصْلِ (كُرَةِ القَدَمِ) بِقَدْرِ مَا يَهِمُّنَا أنْ نَتَّفِقَ جَمِيْعًا أنَّ فيها مِنَ المُحَرَّمَاتِ، والأضْرَارِ، مَا لا يُنْكِرُه كُلُّ عَاقِلٍ، وكُلُّ صَادِقٍ؛ بَلْ وُجُوْدُ آحَادِ هَذِه المُحَرَّمَاتِ، كَافٍ في القَطْعِ بتَحْرِيْمِ (كُرَةِ القَدَمِ).

* * *

ومِنْ نَافِلَةِ العِلْمِ، أنْ يَعْلَمَ الجَمِيعُ أنَّ الأحْكامَ الأرْبَعَةَ (الوَاجِبَ، والسُّنةَ، والحَرَامَ، والمَكْرُوهَ) مُتوقِّفةٌ على وَسَائِلِها المُباحَةِ؛ لأنَّ المُباحَ في حَقِيقَتِه وَسِيْلةٌ لإعْمَالِ هَذِه الأحْكَامِ الشَّرْعيَّةِ، لِذَا كَانَ مِنَ الخَطأ أنْ نَحْكُمَ على مَا هُوَ مُحَرَّمٌ بالنَّظَرِ إلى وَسِيلَتِه المُبَاحَةِ في أصْلِها، دُوْنَ النَّظَرِ إلى غَايتِهِ المُحَرَّمةِ؛ وإلاَّ اخْتَلَطَ الحَابِلُ بالنَّابِلُ، وتَغَيَّرَتْ رُسُومُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ عَيَاذًا بالله!

عِلْمًا أنَّنِي ولله الحَمْدُ قَدْ بَيَّنْتُ حُكْمَ الأصْلِ في (كُرَةِ القَدَمِ): وهُوَ أنَّها مُحَرَّمةٌ، كَمَا هُوَ مَسْطُوْرٌ في كِتَابِنَا هَذَا، ولا مَانِعَ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِه مُخْتَصَرًا:

إنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الألْعَابِ المُبَاحَةِ أصْلاً، كَلاَّ وكَلاَّ؛ بَلْ هِيَ مُحَرَّمةٌ في ابْتِدَاءِ أصْلِها، يُوَضِّحُهُ مَا يَلَي:

أوَّلاً: أنَّها نَشَأَتْ على العَدَاءِ والبَغْضَاءِ، وإلْهَاءِ الشُّعُوبِ، وضَيَاعِ الأوْقَاتِ، وهَدْرِ الأمْوَالِ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لاسِيَّما في أصْلِ وَضْعِها، وأحْكَامِها، ونِظَامِها كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ المُنَظَّمَاتِ العَالَمِيَّةِ للرِّيَاضِيَّةِ.

ثَانِيًا: أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) تَأخُذُ حُكْمَ الألْعَابِ المُحَرَّمَةِ أصْلاً، ووَصْفًا: كالمَيْسِرِ، والنَّرْدِ وغَيْرِهِما مِمَّا هُوَ في أصْلِهِ مُحَرَّمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَجُوْزُ لأحَدٍ كائنًا مَنْ كان أنْ يَقُوْلَ: إنَّ اللَّعِبَ بالمَيْسِرِ، أو النَّرْدِ مُبَاحٌ في الأصْلِ؛ لأنَّهما مِنَ الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ، غَيْرَ أنَّه قَدِ اقْتَرَنَ بِهِما مِنَ المُحَرَّمَاتِ مَا جَعَلَهُما مُحَرَّمَيْنِ، وهِيَ أكْلُ أمْوَالِ النَّاسِ بالبَاطِلِ؟!

أو يَقُوْلَ: إنَّ شُرَبَ الخَمْرِ مُبَاحٌ في الأصْلِ؛ لأنَّ الشُّرْبَ في أصْلِهِ مُبَاحٌ، غَيْرَ أنَّه اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المُحَرَّمَاتِ مَا جَعَلَهُ مُحَرَّمًا، وهو: ذَهَابُ العَقْلِ؟!

وقِيَاسًا على هَذَا التَّأويلِ الفاسِدِ نُجْرِي غَالِبَ المُحَرَّمَاتِ، والمُنْهِياتِ الشَّرْعِيَّةِ! فإنَّ مِثْلَ هَذَا الحُكْمِ يُعَدُّ عَبَثًا، وتَلاعُبًا بالأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.

وعَلَيْه فَلا شَكَّ أنَّ المُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِيَّةَ قَدِ اقْتَرَنَتْ بِلُعْبَةِ (كُرَةِ القَدَمِ) مُنْذُ ابْتِدَائِها، ونُشُوْئِها، مِمَّا يَقْطَعُ بأنَّها مُحَرَّمَةٌ أصْلاً، ووَضْعًا.

* * *

فانْظُرْ مِثَالاً آخَرَ: وهُوَ مَسْجِدُ ضِرَارٍ، الَّذِي بَنَاه المُنَافِقُونَ مُضَارَّةً بالمُؤْمِنِيْنَ، وإرْصَادًا لِمْنَ حَارَبَ اللهَ ورَسُوْلَه صلى الله عليه وسلم.

 كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107].

فإذَا كَانَ بِنَاءُ المَسَاجِدِ في الإسْلامِ سُنَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وقُرْبَةٌ إلاهِيَّةٌ... إلاَّ أنَّ مَسْجِدَ ضِرَارٍ أصْبَحَ مُحَرَّمًا! وما ذَاكَ إلاَّ أنُّه بُنِيَ على مَقْصَدٍ مُحَرَّمٍ، ويَدُلُّ على ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُبْقِهِ عَامِرًا لِصَلاةِ المُؤْمِنِيْنَ؛ بَلْ أمَرَ أصْحَابَه بِهَدْمِه وحَرْقِه، وصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَزْبَلَةً.

لِذَا كَانَ حُكْمُ مَسْجِدِ ضِرَارٍ التَّحْرِيمِ، نَظَرًا لأصْلِ مَقْصَدِهِ وضَرَرِه! أمَّا مَن بَنَى مَسْجِدًا لله تَعَالى يَرْجُو فيهِ الأجْرَ والمَثُوبَةَ أوَّلاً، ثمَّ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمْنِ تَغيَّرَتْ نِيَّةُ صَاحِبِه إلى النِّفَاقِ، ثُمَّ اتَّخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ضِرَارًا بالمُسْلِمِيْنَ، أو مَكَانًا للمُفْسِدِيْنَ، فَهُنَا يِخْتَلِفُ الحُكْمُ في أصْلِهِ لا في ثَمَرَتِه: وهُوَ أنَّ أصْلَهُ مَشْرُوعٌ؛ لأنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ ومَسْنُونٌ، غَيْرَ أنَّه اقْتَرَنَ بِهِ مُحَرَّمٌ، فَكَانَ حُكْمُه حِيْنَئِذٍ الحُرْمَةُ.

فَعِنْدَ هَذَا كَانَ مِنَ الوُضُوْحِ أنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ مَا كَانَ أصْلُه مَوْضُوْعًا للشَّرِ، ومَا كَانَ أصْلُهُ مَوْضُوعًا للخَيْرِ، فالأوَّلُ مُحَرَّمٌ رَأسًا، ولَوْ كَانَ جِنْسُهُ مِنَ المُبَاحَاتِ، والثَّاني حَلالٌ.

* * *

- وهَذَا مِثَالٌ قِيَاسِيٌّ أوْلَوِيٌّ: وهُوَ لَوْ أنَّ نَفَرًا مِنْ شَيَاطِيْنَ الإنْسِ قَامُوا بِتَنْظِيمِ لُعْبَةٍ جَدِيْدَةٍ مَفَادُهَا:

ـ إلْهَاءُ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ عَنْ قَضَايَاهُم المَصِيْرِيَّةِ.

ـ وإثَارَةُ العَدَاوَةِ والشَّحْنَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ.

ـ وتَوْظِيفُ هَذَا كُلِّهِ في صِنَاعَةِ كُرَةٍ أسْطُوَانِيَّةِ! يَرْكُلُها الجَمِيعُ بالأقْدَامِ، والأيْدِي، والرُّؤُوسِ على السَّوَاءِ، في مُحِيطٍ دَائِرِي قُطْرُه خَمْسُونَ مِتْرًا، وعَدَدُ اللاعِبِيْنَ عَشْرةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الفَرِيْقَيْنِ مُنَاصَفَةً... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشاكِلٌ في الجُمْلةِ: أنْظِمَةَ (كُرَةِ القَدَمِ).

أقُوْلُ: لَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذَا؛ ألَيْسَ مِنْ الفِقْهِ، والنَّصِيحَةِ مَعًا أنْ يَجْتَمِعَ عُمُومُ المُسْلِمِيْنَ فَضْلاً عَنْ عُلَمَائِهم على تَحْرِيم هَذِه اللُّعْبَةِ، وتَجْرِيمِ فاعِلِيها؟! بَلَى دُوْنَ تَرَدُّدٍ؛ بِلْ هَذَا والله هُوَ: عَيْنُ الفِقْهِ، وعِلْمُه، وحَقُّه.

* * *

لِذَا؛ كَانَ النَّظَرُ، والحُكْمُ على (كُرَةِ القَدَمِ) اليَوْمَ يَكُونُ تَبَعًا لأصْلِها المَوْضُوعِ لها ابْتِدَاءً، ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيْرِ هَذَا الأصْلِ كَانَ مِنَ الجائِزِ للفَقِيْهِ: أنْ يُخْرِجَ (كُرَةَ القَدَمِ) مِنْ أصْلِ الحُرْمَةِ إلى الإباحَةِ إذا خَلَتْ مِنْ تِلْكُمُ المُوْبِقَاتِ، والمُحَرَّمَاتِ إذا أمْكَنَ (ويأْبَى الوَاقِعُ!)، فَعِنْدَئِذٍ كَانَ هَذَا مِنْهُ نَقْلاً عَنِ الأصْلِ، لا بَقَاءً عَلَيْه فَتَأمَّلْ!

والحَالَةُ هَذِه؛ فلْيَعْلَمْ الجَمِيعُ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) قَدْ بُنِيَتْ على مُحَرَّمَاتٍ شَرْعِيَّةٍ ابْتِدَاءً ووَضْعًا، مِنْها مَا هُوَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ كَمَا سَيَأتِي، ومِنْها مَا هُوَ مَقْصُودٌ مَدْرُوسٌ كَمَا أفْرَزَتْه مُخَطَّطَاتُ أعْدَائِنا كاليَهُوْدِ والنَّصَارَى، مِمَّا يُقْطَعُ بأنَّها: مُحَرَّمةٌ في أصْلِها، ووَصْفِها، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

* * *

ومِنْ خِلالِ بَيَانِ حُكْمِنَا على أصْلِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وهُوَ التَّحْرِيْمُ؛ إلاَّ أنَّ هَذَا الحُكْمَ لَيْسَ فَرْضًا، أو مُتَعَيَّنًا على المُسْلِمِ الكَرِيمِ، فَرُبَّما جَازَ الخِلافُ فيه.

إلاَّ أنَّنا مَعَ هَذَا التَّسَامُحِ في أصْلِ (كُرَةِ القَدَمِ)، لا نَسْمَحُ لأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ كَائِنًا مَنْ كَانَ أنْ يُجْرِيَ خِلافًا فيما هُوْ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بِيْنَ أهْلِ العِلْمِ.

وذَلِكَ مَاثِلٌ في وُجُودِ المُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِيَّةِ في (كُرَةِ القَدَمِ) الَّتِي أصْبَحَتْ سِمَةً ووَصْفًا لا تَنْفَكُ حِسًّا ووَاقِعًا عَنْ هَذِه اللُّعْبَةِ الغَبْرَاءِ، مِمَّا يَقْطَعُ بَعْضُها بِتَحْرِيمِها فَضْلاً عَنْ مَجْمُوعِها.

* * *

قَالُوا: لَقَدْ أكْثَرْتَ حَدِيْثًا عَنِ المُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِيَّةِ في (كُرَةِ القَدَمِ)، فَهَلْ ذَكَرْتَ لَنَا هَذِه المُحَرَّمَاتِ؟

قُلْتُ: مَنْ أرَادَ الوُقُوْفَ على تَفْصِيْلاتِ هَذِه المَحْظُوْرَاتِ بالدَّلِيْلِ والتَّعْلِيْلِ؛ كَما أفْرَزَتْها (كُرَةُ القَدَمِ)، فلْيَنْظُرْهَا مُفَصَّلةً في أصْلِ كِتَابِنا "حَقِيْقَةِ كُرَةِ القَدَمِ"، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ!

- وحَسْبُنا مِنْ ذِكْرِ المُحَرَّمَاتِ في (كُرَةِ القَدَمِ)، مَا يَلي على وَجْهِ الاخْتِصَارِ:

ضَيَاعُ مَفْهُوْمِ الوَلاءِ البَرَاءِ، الحُبُّ والبُغْضُ لغَيْرِ الله، إحْيَاءُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، العَصَبِيَّاتِ القَوْمِيَّةِ، القِتَالُ، السِّبَابُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، وُجُودُ العُنْفِ والشَّغَبِ، التَّشَبُّهُ بالكُفَّارِ، الرِّهَانُ على الفَرِيْقِ الفَائِزِ، كَشْفُ العَوْرَاتُ، نَظُرُ النِّسَاءِ إلى اللاعِبِيْنَ؛ لاسِيَّما وأنَّهُم شِبْهُ عُرَاةٍ، عَدَمُ ذِكْرِ الله تَعَالَى والصَّلاةِ والسَّلامِ على رَسُوْلِه، تَرْكُ صَلاةِ الجُمْعَةِ، والجَمَاعاتِ في المَسْجِدِ، هَدْرُ الأمْوَالِ، وضَيَاعُها، قَتْلُ الأوْقَاتِ وضَيَاعُها، وجُوْدُ الرَّقْصِ، والتَّصْفيقِ، والتَّصْفيرِ، والهِتَافَات، الغِيْبَةُ، السُّخْرِيَّةُ والاسْتِهْزَاءُ، الظَّنُ السُّوْءُ، الهَمْزُ واللَّمْزُ بالمُسْلِمِيْن، التَّبَخْتُرُ والخُيَلاءُ والعُجْبُ، التَّنَابُزُ بالألْقَابِ، التَّهَاوُنُ بالتَّصْوِيرِ، الإعَانَةُ على الإثْمِ والعُدْوَانِ، تَرْوِيعُ وتَخْوِيفُ المُسْلِمِ، التَّشْجِيْعُ والتَّحْرِيْضُ بالبَاطِلِ، المُبَالَغَةُ في الإطْرَاءِ والثَّنَاءِ المَذْمُوْمَيْنِ.

تَقْدِيْمُ المَفْضُوْلِ على الفَاضِلِ، غِشُّ النَّاشِئَةِ، تَعْطِيلُ فَرْضِيَّةِ الجِهَادِ لَدَى الشَّبابِ المُسْلِمِ، تَخْدِيْرُ المُسْلِمِينَ عَنْ قَضَايَاهَا، تَمْرِيْرُ مُخَطَّطَاتِ أعْدَاءِ الإسْلامِ، سَفَرُ المُسْلِمِ إلى بِلادِ الكُفْرِ دُوْنَ عُذْرٍ، دُخُولُ الكُفَّارِ جَزِيْرَةَ العَرَبِ، تَوْلِيَةُ الكُفَّارِ على المُسْلِمِيْنَ، تَحْكِيمُ القَوَانِيْنِ الوَضْعِيَّةِ، مُمَارَسَةُ احْتِرَافِ اللَّعِبِ واتِّخَاذُها حِرْفَةً، مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ في (كُرَةِ القَدَمِ)، التَّدْلِيكُ و(المَسَاجُ) المُحَرَّمَانِ، السِّحْرُ، والشَّعْوَذَةُ، ضَرْبُ الخُدُوْدِ وشَقُّ الجُيُوْبِ... إلخ.

* * *

قَالُوْا: نَحْنُ لا نَشُكُّ أنَّ في (كُرَةِ القَدَمِ) كَثِيْرًا مِنَ المُحَرَّمَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ هُنَا، لكنَّنا قَدْ نَخْتَلِفُ مَعَكَ في بَعْضِها.

قُلْتُ: دَعُوْنا مِنَ المُخْتَلَفِ فيه، وأقِرِّوُا بِمَا هُوَ مُتَّفَقٌ على حُرْمَتِهِ شَرْعًا؛ هَذَا أوَّلاً.

أمَّا ثَانِيًا: إذَا سَلَّمْنَا جَمِيْعًا أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) قَدِ اشْتَمَلَتْ على مَجْمُوْعَةٍ مِنَ المُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِيّةِ الَّتِي اتَّفَقْنَا عَلَيْها؛ فَحَسْبُنَا أنَّهَا مُحَرَّمَةٌ قَطْعًا دُوْنَمَا تَكَلُّفٍ في القِيْلِ، والقَالِ!

***

الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) مَعْرُوْفَةً في كُتُبِ المَعَاجِمِ

وعْنَدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ

إذَا قَالُوْا: (كُرَةُ القَدَمِ) كَانَتْ مَعْرُوْفَةً في كُتُبِ المَعَاجِمِ العَرَبِيَّةِ، مَشْهُوْرَةً في حَيَاةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

قُلْتُ: هَذَا مِنْكُم: غَلَطٌ في نَقْلِ العُلُوْمِ، وخَلْطٌ في الفُهُوْمِ، ومَا فَسَادُ العِلْمِ عِنْدَ بَنِي آدَمَ إلاَّ مِنْ ذَيْنِ البَابَيْنِ!

ومِنْ خِلالِ هَذَا؛ كَانَ لِزَامًا عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ حَقِيقَةَ (الكُرَةِ) القَدِيمةِ دَفْعًا لِهَذِه المُغَالَطَاتِ كَي نَخْرُجَ جَمِيعًا بِتَعْرِيفٍ صَرِيحٍ، وحُكْمٍ صَحِيحٍ لِكُلٍّ مِنْ (كُرَةِ القَدَمِ) القَدِيمةِ والحَدِيثَةِ؛ ومِنْهُ يُوَافِقُ الخَبَرُ الخُبْرَ إنْ شَاءَ الله.

لا شَكَّ أنَّ حَقِيقَةَ (الكُرَةِ) القَدِيمةِ في كُتُبِ التَّارِيخِ، والمَعَاجِمِ العَرَبِيَّةِ تَخْتَلِفُ رَأسًا عَنْ كُرةِ اليَوْمِ، فَهِيَ تَحْمِلُ حَقَائِقَ مُذْهِلَةً تَقْطَعُ بأنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) الحَدِيثَةَ لا تَمُتُّ بتَّةً بِـ (الكُرَةِ) القَدِيمَةِ لا في وَصْفِها، ولا في وَصْفِ لِعْبِها، ولا في غَايَتِها، ولا في حُكْمِها؛ بِلْ هُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ قَلْبًا وقَالِبًا!

- يُوَضِّحُه ما يَلِي:

أوَّلاً: أنَّ (الكُرَةَ) القَدِيمَةَ لَمْ تُعْرَفْ في شَيءٍ مِنَ الكُتُبِ بأنَّها: كُرَةُ قَدَمٍ؛ كَمَا جَاءَ ذَلِك في وَصْفِها؛ اللُّهم: أنَّها (كُرَةٌ) لا غَيْر!

ثَانِيًا: أمَّا وَصْفُها: فَهِي لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها مُسْتَدِيرَةً مَحْشُوَةً بالشَّعْرِ، أو الصُّوْفِ... أو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْس لَهُ عُلاقةٌ بِحَبْسِ الهَوَاءِ؛ كمَا هُوَ شَأْنُ (كُرَةِ القَدَمِ) الحَدِيثَةِ.

ثَالِثًا: أمَّا وَصْفُ لِعْبِها: فَهِيَ لِعْبَةٌ لَهَا طَرِيقَتُها المَعْرُوفَةُ؛ وهُوَ: أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ، أو الرَّجُلانِ، أو أكْثَرُ بِضْرَبِ كُرَةٍ مِنْ شَعَرٍ ونَحْوِه بِكُوْجَةٍ (عَصَا مَعْكُوْفَةٍ)، ونَحْوِها، ويَقُومُ اللَّعِبُ بِمُتَابَعَةِ، ومُلاحَقَةِ الكُرَةِ وهُمْ عَلى ظُهُورِ الخُيُوْلِ، ونَحْوَهَا.

رَابِعًا: أمَّا غَايَتُها: فَهِي التَّدْرِيبُ عَلى الجِهَادِ.

خَامِسًا: أمَّا حُكْمُها: فأكْثُرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى إباحَتِها؛ لأنَّها مِنَ الوَسَائِلِ المُعِينَةِ عَلى الجِهَادِ.

والتَّدْلِيْلُ عَلى مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ فَمِنْ طَرِيْقَيْ: المَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ، والتَّارِيْخِ.

- فأمَّا كُتُبُ المَعَاجِمِ اللُّغوِيَّةِ: فَقَدْ أفْصَحَتِ المَعَاجِمُ اللُّغَويَّةُ بأنَّ الكُرَةَ الَّتِي لَعِبَها السَّلَفُ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها:

جِسْمًا دائريًّا، لِذَا كَانَ كُلُّ مَا يُلْعَبُ بِهِ مِنَ الألْعَابِ عَلى شَكْلٍ مُدَوَّرٍ؛ فَهُوَ: (كُرَةٌ)، فَمِنْ ذَلِكَ: لِعْبَةُ الصَّوْلَجَانِ، والكُجَّةُ وغيرهِما: وهِيَ عِبَارةٌ عنْ عَصَىً يَضْرِبُوْنَ بِهَا كُرَةً مِنَ شَعْرٍ، أو صُوْفٍ، أو نَحْوِهِما، وهُمْ عَلى دَوَابِهم للتَّدْرِيْبِ عَلى القِتَالِ، والحَرْبِ، أو مَا يَصْنَعُهُ الصِّبْيانُ مِنْ خِرْقَةٍ، فَيُدَوِّرُنَها كأنَّها كُرَةٌ، ثُمَّ يَتَقَامَرُوْنَ بِها، عَنْ طَرِيْقِ حُفَرٍ فيها حَصًى يَلْعَبُوْنَ بِها(3).

* * *

- أمَّا كُتُبُ التَّارِيخِ:

فقَدْ ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ الله في"البِدَايَةِ والنِّهَايَةِ" (16/ 374) سِيْرَةَ نُوْرِ الدِّينِ مَحْمُودِ بنِ زَنْكي رَحِمَهُ الله وأحْسَنَ الذِّكْرَ. ثُمَّ قَالَ: "وكَانَ (نُوْرُ الدِّيْنِ) حَسَنَ الشَّكْلِ، حَسَنَ اللَّعِبِ بالكُرَةِ، وكَانَ نُوْرُ الدِّيْنِ يُحِبُّ لَعِبَ الكُرَةِ، لِتَمْرِيْنَ الخَيْلِ، وتَعْلِيمَها الكَرَّ والفَرَّ".

وقَالَ عَنْهُ أيْضًا (16/ 482): "وكَانَ يُكْثِرُ اللَّعِبَ بالكُرَةِ، فَعَاتَبَهُ بَعْضُ الصَّالِحِيْنَ في ذَلِكَ، فَقَالَ(4): إنَّمَا أُرِيْدُ تَمْرِيْنَ الخَيْلِ، وتَعْلِيْمَها الكَرَّ والفَرَّ. وكَانَ لا يَلْبَسُ الحَرِيْرَ، ويَأكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ رَحِمَهُ الله".

* * *

وقَالَ أيْضًا: "وذَكَرَ ابنُ الأثيرِ أنَّ المَلِكَ نُوْرَ الدِّيْنِ بِيْنَمَا هُوَ يَوْمًا يَلْعَبُ بالْكُرَةِ إذْ رَأى رَجُلاً يُحَدِّثُ آخَرَ، ويُؤمِئ إليه، فَبَعَثَ الحَاجِبَ؛ لِيَسْألَه مَا شَأنَه، فإذَا هُوَ رَجُلٌ مَعَهُ رَسُولٌ مِنْ جِهَةِ الحَاكِمِ، وهُوَ يَزْعُمُ أنَّ لَهُ عَلى المَلِكِ نُوْرِ الدِّيْنِ حَقًا يُرِيْدُ خَلْوَتَه وإيَّاه إلى القَاضِي، فَلَمَّا أعْلَمَهُ الحَاجِبُ بِذَلِكَ ألْقَى الجُوكَانَ(5) مِنْ يَدِهِ، وأقْبَلَ مَعَ خَصْمِه إلى القاضِي كَمَالِ الدِّيْنِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ، وقَدْ أرْسَلَ إليه مِنْ أثْنَاءِ الطَّرِيقِ أنْ لا تُعَامِلْنِي إلاَّ مُعَامَلَةَ الخُصُومِ، فَحِيْنَ وَصَلا وَقَفَ نُوْرُ الدِّيْنِ مَعَ خَصْمِه؛ حَتَّى انْفَصَلَتِ الحُكُوْمَةُ، ولَمْ يَثْبُتْ للرَّجُلِ حَقٌّ؛ بَلْ ثَبَتَ الحَقُّ للسُّلْطَانِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ قَالَ السُّلْطَانُ: إنَّما جِئْتُ مَعَه؛ لئلا يَتَخَلَّفَ أحَدٌ عَنِ الحُضُورِ إلى الشَّرْعِ، فإنَّما نَحْنُ شَحْنَكِيَّةٌ بَيْنَ يَدَيْه، وأنا أعْلَمُ أنَّه لا حَقَّ له عِنْدِي، ومَعَ هَذا أُشْهِدُكُم أنِّي قَدْ مَلَّكْتُهُ ذَلِكَ ووَهَبْتُه لَهُ" انْتَهَى.

وفي حَوَادِثِ سَنَةِ (555) قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ رَحِمَهُ الله (16/ 396): "وفِيْهَا مَاتَ أمِيْرُ الحاجِّ قَايْمَازُ ابنُ عَبْدَ الله الأُرْجُوَانِيُّ(6) سَقَطَ عَنْ فَرَسِه وهُوَ يَلْعَبُ بالكُرَةِ بمَيْدَانِ الخَلِيفَةِ، فَسَالَ دُمَاغُهُ مِنْ أُذُنِهِ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ رَحِمَهُ الله، وقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الأُمَرَاءِ، فتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْه، وحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، مَاتَ في شَعْبَانَ مِنْ هَذِه السَّنَةِ، فَحَجَّ بالنَّاسِ فيها الأَمِيرُ أرْغَشْ مُقْطِعُ الكُوْفَةِ.

وحَجَّ في هَذِهِ السَّنَةِ الأمِيْرُ الكَبِيرُ شِيْرُكُوْه بِنُ شَاذِي، مُقَدَّمُ عَسَاكِرِ المَلِكِ نُوْرِ الدِّيْنِ مَحْمُودِ بنِ زَنْكِي، وتَصَدَّقَ بأمْوالٍ كَثِيْرةٍ".

* * *

ومِنْ خِلالِ ما تَقَدَّمَ بَيَانُه في وَصْفِ حَقِيقَةِ (الكُرَةِ) القَدِيمَةِ؛ تَنْكَشِفُ لنا الحَقِيْقَةُ العِلْمِيَّةُ الَّتي لا تَقْبَلُ المُنَاقَشَةَ، أو حَتَّى الاجْتِهَادَ: وهُوَ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) المُعَاصِرَةَ لَيْسَ لَهَا عُلاقةٌ بالكُرَةِ القَدِيمَةِ لا حَقِيْقَةً، ولا وَصْفًا، ولا حُكْمًا... اللهمَّ ما كَانَ مِنْ تَطَابُقٍ بَيْنَهُما في تَسْمِيَتِهِمَا: (كُرَةٌ) لا غَيْرُ!

فعِنْدَ ذَلِك كَانَ مِنَ الخَطأ أنْ نُحَاوِلَ (عَبَثًا!) خَلْقَ مُسَاوَاةٍ بَيْنَهُما في شَيءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ فَضْلاً أنْ نُسَاوِيَ بَيْنَهُما في الحُكْمِ!

هَذَا إذَا عَلِمْنا أيْضًا: أنَّ الكُرةَ عِنْدَ السَّلَفِ لَمْ تَكُنْ وَسِيلةَ عَبَثٍ، أو ضَيَاعَ وَقْتٍ، أو هَدْرَ مَالٍ؛ بَلْ كانَتْ وَسِيلةً مُعِينَةً عَلى الجِهَادِ الَّذِي شَرَعَهُ الله، والرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: ما بَيْنَ تَرْوِيضٍ للخَيْلِ، وتَعْلِيمِها الكَرَّ والفَرَّ، وتَعْلِيمِ الفَوَارِسَ الفُرُوسِيَّةَ، والمُطَارَدَةَ، واللِّحَاقَ والسِّبَاقَ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ مَسَالِكِ الجِهَادِ.

* * *

وبَعْدَ أنْ عَلِمْنا جَمِيعًا: أنَّ الكُرَةَ عِنْدَ السَّلَفِ كَانَتْ وَسِيْلَةً مَحْمُودَةً لِغَايةٍ مَشْرُوْعَةٍ، كَمَا مَرَّ مَعَنا آنِفًا، مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ لَدَى أهْلِ العِلْمِ عَامَّةً؛ إلاَّ أنَّها مَعَ هَذَا لَمْ تَكُنْ مُبَاحَةً عَلى إطْلاقِها؛ بَلْ ضُبِطَتْ بِضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ لا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُها، أو مُخَالَفَتُها، وإلاَّ أصْبَحَتْ وَسِيْلةً مُحَرَّمةً، لا يَجُوْزُ فِعْلُها بِحَالٍ، فتأمَّل!

* * *

يَقُولُ ابنُ تَيْمِيَّةُ رَحِمَهُ الله حِيْنَ سُئِلَ عَنْ لِعْبِ الكُرَةِ في بَابِ السَّبَقِ (أيْ: الكَرَةِ الَّتِي تُلْعَبُ بالصَّوْلَجَانِ، والكُجَّةِ!)، قَالَ: "... ولِعْبُ الكُرَةِ إذَا كَانَ قَصَدَ صَاحِبُهُ المَنْفَعَةَ للْخَيْلِ، والرِّجَالِ؛ بِحَيْثُ يُسْتَعَانُ بِها عَلى الكَرِّ والفَرِّ، والدُّخُوْلِ، والخُرُوْجِ، ونَحْوِهِ في الجِهَادِ، وغَرَضُه الاسْتِعَانَةُ عَلى الجِهَادِ الَّذِي أمَرَ الله بِه رَسُوْلَه صلى الله عليه وسلم فَهُوَ حَسَنٌ، وإنْ كَانَ في ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بالخَيْلِ، والرِّجَالِ، فإنَّه يُنْهَى عَنْهُ"(7).

وما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةِ رَحِمَهُ الله هُنَا لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ خِلافٍ بِيْنَ أهْلِ العِلْمِ؛ بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلْيه بَيْنَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، فَكُلُّ مَا كَانَ فيهِ ضَرَرٌّ، أو شُغْلٌ عَنْ ذِكْرِ الله: فَهُوَ حَرَامٌ قَطْعًا!

وعَلَيْهِ؛ فَلا شَكَّ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) اليَّوَمَ؛ قَدْ أجْمَعَتْ أمْرَهَا عَلى كَثِيْرٍ مِنَ المُحَرَّمَاتِ الشَّرعيَّةِ!

***

الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ

لَيْسَ في (كُرَةِ القَدَمِ) تَشَبُّهٌ بالكُفَّارِ

إذَا قَالُوْا: لَيْسَ في (كُرَةِ القَدَمِ) تَشَبُّهٌ بالكُفَّارِ!

إنَّ مِنْ أصْلِ دُرُوْسِ دِيْنِ الله وشَرَائِعِه، وظُهُوْرِ الكُفْرِ، والبِدَعِ، والمَعَاصِيِ: التَّشَبُّهُ بالكَافِرِيْنَ، كَمَا أنَّ مِنْ أصْلِ كُلِّ خَيْرٍ: المُحَافَظَةُ على سَنَنِ الأنْبِيَاءِ، وشَرَائِعِهم؛ ولِهَذا عَظُمَ وَقْعُ المَعَاصِي في الدِّيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيها تَشَبٌّه بالكُفَّارِ، فَكَيْفَ إذَا جَمَعَتِ الوَصْفَيْنِ (المَعْصِيَةَ، والتَّشَبُّهَ)؟

وهَذَا مَاثِلٌ في (كُرَةِ القَدَمِ) في كَوْنِها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَ: جُرْثُوْمَةِ المَعَاصِي، وتَسْرِيْبِ المُشَابَهَةِ أخَادِيْدِ في شَبَابِ المُسْلِمِيْنَ!

* * *

وأصْلُ المُشَابَهَةِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ؛ بَلْ سَائِرِ المَخْلُوْقَاتِ، على التَّفَاعُلِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَشَابِهَيْنِ، وكُلَّمَا كَانَتِ المُشَابَهَةُ أكْثَرَ؛ كَانَ التَّفَاعُلُ في الأخْلاقِ، والصِّفَاتِ أتَمَّ؛ حَتَّى يَؤُوْلَ الأمْرُ إلى أنْ لا يَتَمَيَّزُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ إلاَّ بالعَيْنِ فَقَطِ، ولأجْلِ هَذَا الأصْلِ: وَقَعَ التَّأثُّرُ والتَّأثَيْرُ في بَنِي آدَمَ، واكْتِسَابِ بَعْضِهم أخْلاقَ بَعْضٍ بالمُعَاشَرَةِ والمُشَاكَلَةِ، كَمَا أجْلَبَتْهُ شُمَيْطَاءُ الغَرْبِ (كُرَةُ القَدَمِ) إلى بِلادِ المُسْلِمِيْنَ، وألْبَسَتْهُ أبْنَاءَ المُسْلِمِيْنَ مِنِ اشْتِبَاهٍ وتَشَابُهٍ.

فالمُشَابَهَةُ، والمُشَاكَلَةُ في (كُرَةِ القَدَمِ) بَيْنَ اللاعِبِيْنَ مِنْ أهْلِ الكُفْرِ، وأهْلِ الإسْلامِ، سَوَاءٌ في: زِيِّهِم، أو قَوَانِيْنِهم، أو عَادَاتِهم، أو حَرَكَاتِهم، أو تَنْظِيْمَاتِهم؛ أمْرٌ ظَاهِرٌ سَائِرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانَتِ الأُمُوْرُ الظَّاهِرَةُ، تُوْجِبُ مُشَابَهَةً ومُشَاكَلَةً في الأمُوْرِ البَاطِنَةِ على وَجْهِ المُسَارَقَةِ، والتَّدَرُّجِ الخَفي، وهَذَا ظَاهِرٌ في تُرَّاعِ (كُرَةِ القَدَمِ) حَالاً، ومَقَالاً.

* * *

لِذَا كَانَ اللَّعِبُ بِـ(كُرَةِ القَدَمِ) مِنَ التَّشَبُّهِ المُحَرَّمِ! والأدِلَّةُ على تَحْرِيْمِ مُشَابَهَةِ الكُفَّارِ مَا يَلِي باخْتِصَارٍ:

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

وقَالَ سُبَحَانَه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].

فَأخْبَرَ سُبْحَانَه أنَّه لا يُوْجَدُ مُؤْمِنٌ يَوَادُّ كَافِرًا أو يُوَالِيْه؛ فَمْنَ وَادَّ الكُفَّارَ، أو وَالاهُم فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، والمُشَابَهَةُ الظَّاهِرَةُ مَظِنَّةُ المَوَدَّةِ، والمُوَالاةِ فَتَكُوْنُ مُحَرَّمَةً، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيْرُ ذَلِكَ في المَحْظُوْرِ الأوَّلِ.

* * *

فَعَنْ أبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُم: شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِرَاعًا بِذِرَاعٍ؛ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوْه» قَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله اليَهُوْدُ والنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْه، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو دَاوْدَ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله بَعْدَ هَذَا الحَدِيْثِ في "الاقْتِضَاءِ" (1/ 270): "هَذَا الحَدِيْثُ أقَلُّ أحْوَالِه: أنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيْمَ التَّشَبُّهِ بِهم، وإنْ كَانَ ظَاهِرُه يَقْتَضِي كُفْرَ المُتَشَبِّه بِهم، كَمَا في قَوْلِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

وهُوَ نَظِيْرُ مَا سَنَذْكُرُه عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّه قَالَ: "مَنْ بَنَى بأرْضِ المُشْرِكِيْنَ، وَصَنَعَ نَيْرُوْزَهم ومَهْرَجَانَهُم(8)، وتَشَبَّه بِهم؛ حَتَّى يَمُوْتَ؛ حُشِرَ مَعَهم يَوْمَ القِيَامَةِ" أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في "السُّنَنِ الكُبْرَى" (9/ 234).

* * *

قَالُوْا: نَحْنَ لا نَخْتَلِفُ مَعَكَ أنَّ التَّشَبُّهَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، إلاَّ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) لَيْسَتْ مِنَ التَّشَبُّهِ.

- قُلْتُ: إنَّ التَّشَبُّهَ بأعْمَالِ الكُفَّارِ؛ لَهُ ثَلاثُ حَالاتٍ، كَمَا يَلِي باخْتِصَارٍ:

الأوَّلُ: قِسْمٌ مَشْرُوْعٌ في دِيْنِنِا، مَعَ كَوْنِه كَانَ مَشْرُوْعًا لَهُم، أو لا يُعْلَمْ أنَّه كَانَ مَشْرُوْعًا لَهْم، لَكِنَّهُم يَفْعَلُوْنَه الآنَ.

الثَّانِي: قِسْمٌ كَانَ مَشْرُوْعًا لَهُم، ثُمَّ نَسَخَهُ شَرْعُنا.

الثَّالِثُ: قِسْمٌ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوْعًا بِحَال، وإنِّمَا هُمْ أحْدَثُوْهُ.

وهَذِه الأقْسَامُ الثَّلاثَةُ: إمَّا أنْ تَكُوْنَ في العِبَادَاتِ المَحْضَةِ، وإمَّا أنْ تَكُوْنَ في العَادَاتِ (الآدَابِ) المَحْضَةِ، وإمَّا أنْ تَجْمَعَ العِبَادَاتِ والعَادَاتِ، فَهَذِه تِسْعَةُ أقْسَامٍ(9).

فأمَّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهذَا مِمَّا تَقَعُ فيه المُخَالَفَةُ في صِفَةِ ذَلِكَ العَمَلِ، لا في أصْلِه، كَمَا سُنَّ لَنَا صَوْمُ تَاسُوْعَاءَ، وعَاشُوْرَاءَ، وكَمَا أُمِرْنا بِتَعْجِيْلِ الفُطُوْرِ، والمَغْرِبِ، وبِتَأخِيْرِ السُّحُوْرِ مُخَالَفَةً لأهْلِ الكِتَابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي جَامَعَنَاهُم في أصْلِها، وخَالَفْنَاهُم في وَصْفِها.

القِسْمُ الثَّانِي: فَمُوَافَقَتُهم في هَذَا القِسْمِ المَنْسُوْخِ مِنَ العِبَادَاتِ، أو العَادَاتِ، أو كِلاهُما: أقْبَحُ مِنَ مُوَافَقَتِهم فِيْمَا هُوَ مَشْرُوْعُ الأصْلِ، ولِهَذَا كَانَتِ المُوَافَقَةُ في هَذَه مُحَرَّمَةٌ، وفي الأوَّلِ قَدْ لا تَكُوْنَ إلاَّ مَكْرُوْهًا.

وأمَّا القِسْمُ الثَّالِثُ: وهُوَ مَا أحْدَثُوْهُ مِنَ العِبَادَاتِ، أو العَادَاتِ، أو كِلَيْهِما: فَهُوَ أقْبَحُ، وأقْبَحُ؛ فإنَّه لَوْ أحْدَثَه المُسْلِمُوْنَ لَكَانَ قَبِيْحًا؛ فَكَيْفَ إذَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَشْرَعْهُ نَبِيٌّ قَطُّ؟ بَلْ أحْدَثَهُ الكَافِرُوْنَ، فَالمُوَافَقَةُ فيه ظَاهِرَةُ القُبْحِ، فَهَذَا أصْلٌ.

وأصْلٌ آخَرُ هُوَ: أنَّ كُلَّ أنْوَاعِ المُشَابَهَةِ، فَجَمْيِعُ الأدِلَّةِ مِنَ الكِتَابِ، والسُّنَّةِ، والإجْمَاعِ على تَحْرِيْمِها في الجُمْلَةِ، ولَوْ كَانَتْ هذه المُشَابَهَةُ مَوْجُوْدَةً في العُصُوْرِ الأوْلَى؛ فالعِبْرَةُ بأصْلِ المُشَابَهَةِ، ولا عِبْرَةَ بِفِعْلِ الرِّعَاعِ السِّفْلَةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ آنَذَاكَ(10)!

* * *

- وهُنَا تَقْسِيْمٌ آخَرُ قَرِيْبٌ في مُشَابَهَتِهم فيمَا لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا، وهُوَ قِسْمَانِ باخْتِصَارٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: إذَا عُلِمَ أنَّ هَذَا العَمَلَ؛ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهم؛ فَهَذَا العَمَلُ لا شَكَّ في تَحْرِيْمِه، وقَدْ يَبْلُغُ التَّحْرِيْمُ إلى الكَبَائِرِ، وقَدْ يَصِيْرُ كُفْرًا.

القِسْمُ الثَّانِي: إذَا لَمْ يُعْلَمْ أنَّه مِنْ عَمَلِهِم، وهَذَا أيْضًا نَوْعَانِ:

أحَدُهُما: مَا كَانَ في الأصْلِ مَأخُوْذًا عَنْهم، إمَّا على الوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُوْنَه، وإمَّا مَعَ نَوْعِ تَغْيِيْرٍ في الزَّمَانِ، أو المَكَانِ، أو الفِعْلِ ونَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا غَالِبُ مَا يُبْتَلَى بِهِ العَامَّةُ؛ فإنَّهم قَدْ نَشَئُوا على اعْتِيَادِ ذَلِكَ، وتَلَقَّاهُ الأبْنَاءُ عَنِ الآبَاءِ، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُوْنَ مَبْدأ ذَلِكَ، فَهَذا يُعَرَّفُ صَاحِبُه حُكْمَهُ، فإنْ لَمْ يَنْتَهِ، وإلاَّ صَارَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَيْسَ في الأصْلِ مَأخُوْذًا عَنْهم، لَكِنَّهم يَفْعَلُوْنَه أيْضًا، فَهَذَا لَيْسَ فيه مَحْذُوْرُ المُشَابَهَةِ، ولَكِنْ قَدْ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ المُخَالَفَةِ، فأمَّا اسْتِحْبَابُ تَرْكِهِ لِمَصْلَحَةِ المُخَالَفَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ في تَرْكِهِ ضَرَرٌ؛ فَظَاهِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ المُخَالَفَةِ، وهَذَا قَدْ تُوْجِبُ الشَّرِيْعَةُ مُخَالَفَتَهُم فيه(11).

* * *

قَالُوْا: لا شَكَّ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) مِنَ العَادَاتِ؛ فَعِنْدَئِذٍ لا حَرَجَ فيها!

قُلْتُ: ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فَـ (كُرَةُ القَدَمِ) على صُوْرَتِها الحَالِيَّةِ، مَأخُوْذَةٌ مِنَ الكُفَّارِ، ولا شَكَّ(12)، فإذَنْ، هِيَ مِنَ المُشَابَهَةِ المَذْمُوْمَةِ شَرْعًا.

قَالُوْا: إنَّ مِنَ العَادَاتِ مَا هُوَ مُفيدٌ، ومِنْهُ مَا هُوَ مُضِرٌّ.

قُلْتُ: لَكِنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) مِنَ العَادَاتِ الضَّارَةِ؛ بَلْ هِيَ مِنْ مَعَاوِلِ الهَدْمِ في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ، مَعَ مَا فيها مِنَ: العَدَاءِ، والبَغْضَاءِ، وإضَاعَةِ الأوْقَاتِ، والطَّاقَاتِ... إلخ.

في حِيْنَ أنَّ ضَرَرَ (كُرَةِ القَدَمِ) مِمَّا أجْمَعَ عَلَيْه عُقَلاءُ بَنِى آدَمَ، مِنَ الكُفَّارِ، وغَيْرِهِم! وهَذَا في حَدِّ ذاتِه مَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ اعْتِبَارُه.

* * *

قَالُوْا: وهَلْ في التَّشَبُّهِ بالكُفَّارِ مَقَاصِدُ؟

قُلْتُ: نَعَمُ؛ للتَّشَبُّهِ مَقْصَدَانِ شَرْعِيَّانِ.

الأوَّلُ: مَقْصَدُ عَدَمِ التَّشَبُّهِ بالكُفَّارِ.

والآخَرُ: مَقْصَدُ المُخَالَفَةِ.

فإذَا سَلَّمْنَا أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) مَأخُوْذَةٌ مِنَ الكُفَّارِ؛ كَمَا هُوَ مَعْلُوْمٌ للجَمِيْعِ... فَلا يَجُوْزُ مُشَابَهَتُهُم فِيْهَا، لأنَّ عَدَمَ المُشَابَهَةِ مَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ.

وإذَا سَلَّمْنَا (جَدَلاً): أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) كَانَتْ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ، وعِنْدَ الكُفَّارِ ولا نَدْرِي أيُّهُمَا أخَذَهَا عَنِ الآخَرِ... والحَالَةُ هَذِه أيْضًا لا يَجُوْزُ مُشَارَكَتُهُم فيها؛ لأنَّ مَطْلَبَ المُخَالَفَةِ للْكُفَّارِ مَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا جَمِيْعًا أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) مَأخُوْذَةٌ مِنَ الكُفَّارِ دُوْنَ ارْتِيَابٍ، أو شَكٍّ، كَمَا أنَّهَا مِنَ العَادَاتِ الضَّارَّةِ الفَاسِدَةِ للدِّيْنِ، والدُّنْيا!

يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أنَّ في نَفْسِ المُخَالَفَةِ لليَهُوْدِ، والنَّصَارَى في الهَدْيِ الظَّاهِرِ مَصْلَحَةً ومَنْفَعَةً لِعِبَادِ اللِه المؤْمِنِيْنَ؛ لِمَا في مُخَالَفَتِهِم مِنَ المُجَانَبَةِ، والمُبَايَنَةِ؛ الَّتِي تُوْجِبُ المُبَاعَدَةَ عَنْ أعْمَالِ أهْلِ الجَحِيْمِ، وإنَّما يَظْهَرُ بَعْضُ المَصْلَحَةِ في ذَلِكَ لِمَنْ تَنَوَّرَ قَلْبُه بالإيْمَانِ.

وبالجُمْلَةِ: فالَكُفْرُ بِمَنْزِلَةِ مَرَضِ القَلْبِ، وأشَدُّ، ومَتَى كَانَ القَلْبُ مَرِيْضًا؛ لَمْ يَصِحْ شَيْءٌ مِنَ الأعْضَاءِ صِحَّةً مُطْلَقَةً، وإنِّمَا الصَّلاحُ أنْ لا تُشْبِهَ مَرِيْضَ القَلْبِ في شَيْءٍ مِنْ أمُوْرِه، وإنْ خَفي عَلَيْكَ مَرَضُ ذَلِكَ العُضْوِ، لَكِنْ يَكْفيكَ أنَّ فَسَادَ الأصْلِ لا بُدَّ أنْ يُؤَثِّرَ في الفَرْعِ.

وحَقِيْقَةُ الأمْرِ: إنَّ جَمِيْعَ أعْمَالِ الكُفَّارِ، وأمُوْرِهم لابُدَّ فيها مِنْ خَلَلٍ يِمْنَعُها أنْ تَتِمَّ مَنْفَعَةٌ بِهَا، ولَوْ فُرِضَ صَلاحُ شَيْءٍ مِنْ أمُوْرِهِ على التَّمَامِ؛ لاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ ثَوَابَ الآخِرَةِ، ولَكِنْ كُلُّ أمُوْرِهِم: إمَّا فَاسِدَةٌ، وإمَّا نَاقِصَةٌ، فالحَمْدُ لله على نِعْمَةِ الإسْلامِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، ويَرَضْى.

* * *

ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى؛ فإنَّنا نَقْطَعُ يَقِيْنًا أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ): حَرَامٌ لِوُجُوْدِ المُشَابَهَةِ بالكُفَّارِ اليَوْمَ؛ لِمَا فيها مِنَ: التَّنْظِيْمَاتِ، والقَوَانَيْنَ، والمُوَالاةِ والمُعَادَاةِ المُحَرَّمَةِ... لِذَا يَجِبُ تَرْكُها لِمَصْلَحَةِ المُخَالَفَةِ؛ هَذَا إذَا لَمْ يَجِبْ تَرْكُها لِمَا فيها مِنَ الضَّرَرِ المُحَقَّقِ شَرْعًا، وطَبْعًا!

* * *

قَالُوْا: اذْكُرْ لَنَا بَعْضًا مِنَ المُشَابَهَةِ بالكُفَّارِ في (كُرَةِ القَدَمِ)؟

قُلْتُ: خَيْرًا مَا سَألْتُمُوْه، فإنَّ مِنَ المُشَابَهَاتِ بالكُفَّارِ مِمَّا أفْرَزَتْه لُعْبَةُ (كُرَةِ القَدَمِ)، وغَيْرُها مِنَ الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ العَصْرِيَّةِ مَا يَلِي باخْتِصَارٍ:

أوَّلاً: مُحَارَبَةُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ(13)، فَخُذْ مثلاً: الكَلِمَاتِ اللاتِيْنِيَّةَ، والألْفَاظَ الأعْجَمِيَّةَ الَّتِي يَتَنَاقَلُها أبْنَاءُ المُسْلِمِيْنَ في قامُوْسِ (كُرَةِ القَدَمِ) فَمِنْها: (الفَاوِلْ، البِلانْتِي، السِّنْتَرْ، الكُوْرْنَرْ، الأَوِتْ، القُوْل، الكَابْتِن، الكَارْتْ، الفَانِيْلاَّتِ، والشُّوْرْتَاتِ... إلخ).

نَاهِيْكَ أنَّ الأرْقَامَ الَّتِي تُكْتَبُ على مَلابِسِ اللاعِبِيْنَ عَادَةً تَكُوْنُ لاتِيْنِيَّةً، في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّشَبُّهِ السَّافِرِ!

ثَانِيًا: المُشَابَهَةُ في اللِّبَاسِ، وذَلِكَ ظَاهِرٌ في لِبْسِ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ): كـ (الفَانِيْلاَّتِ، والشُّوْرْتَاتِ)، والأحْذِيَةِ، مَعَ العِلْمِ أنَّ كَثِيْرًا مِنْها مُخَالِفٌ للشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ، كإبْدَاءِ العَوْرَةِ، أو تَجْسِيْمِها، في حِيْنَ أنَّ بَعْضًا مِنَ النَّوَادِي تُلبِسُ لاعِبِيْها (فَانِيْلاَّتٍ، أو شُوْرْتَاتٍ) تَحْمِلُ أسْمَاءَ أهْلِ الكُفْرِ، وكَذَا شِعَارَاتٍ لِبَعْضِ الشَّرِكَاتِ المُحَرَّمَةِ، أو الكَافِرَةِ.. إلخ

ثَالِثًا: المُشَابَهَةُ في العَادَاتِ، والحَرَكَاتِ: كرَقْصِ بَعْضِ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) عِنْدَ إحْرَازِ الهَدَفِ؛ بَلْ رُبَّمَا حَاكَى اللاعِبُ المُسْلِمُ رَقْصَةً لأحَدِ اللاعِبِيْنَ الكُفَّارِ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، سَوَاءٌ في تَقْبِيْلِ الأرْضِ، أو ضَرْبِ الصَّدْرِ على طَرِيْقَةِ تَمْجِيْدِ الصَّلِيْبِ النَّصْرَانِيِّ!

ومِنْهم مَنْ يَقْفِزُ قَفَزَاتٍ حَيْوَانِيَّةً، ومِنْهُم مَنْ يَرْكُضَ كالمَجْنُوْنِ، ومِنْهُم مَنْ يَتَدَحْرَجُ مِرَارًا على الأرْضِ، أو في الهَوَاءِ، ومِنْهُم مَنْ يُقَبِّلُ يَدَيْه، وآخَرُ يَضْرِبُ على يَدِ صَاحِبِهِ أو على كَتِفِه ورُبَّمَا على مَقْعَدَتِه.. إلخ

وكَذَا لَهُم حَرَكَاتٌ (خَرْقَاءُ حَمْقَاءُ) عِنْدَ اسْتِلامِ الكَأسِ، أو عِنْدَ الاعْتِذَارِ للحَكَمِ أو للآخَرِيْنَ، أو عِنْدَ الانْتِصَارِ، أو عِنْدَما تُرفَعُ الأعْلامُ أو عِنْدَ وُقُوْفِهِم لِسَمَاعِ مُوْسِيْقَى السَّلامِ الدُّوَلِي … إلخ.

فلِكُلٍّ مِنْ هَذِه المَوَاقِفِ حَرَكَاتٌ، ومَرَاسِيْمُ قَدْ فَرَضَتْها قَوَانِيْنُ (كُرَةِ القَدَمِ) وغَيْرِها مِنَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ، فإلى الله المُشْتَكَى!

رَابِعًا: أمَّا جَمَاهِيْرُ (كُرَةِ القَدَمِ): فَلَيْسَتْ حَرَكَاتُهم أقَلَّ حَمَاقةٍ، ورُعُونةٍ مِنْ لاعِبِي الكُرَةِ، فَلَهُم مِنْ هَذِه الحَرَكَاتِ أشْكَالٌ وأحْوَالٌ قَدْ تَفُوْقُ حَرَكَاتِ الحَيْوَانَاتِ أحْيَانًا؛ بَلْ أضَلُّ سَبِيْلاً، وهِيَ كَثِيْرَةٌ تَفُوْقُ الحَصْرَ.

فَمِنْها على سَبِيْل المِثَالِ: أنَّكَ تَرَاهُم أثْنَاءَ التَّشْجِيْعِ قَدْ تَقَاسَمُوْا أدْوَارَهُم على مُدَرَّجَاتِ المَلاعِبِ: فَمِنْهم جَمَاعَاتٌ تَتَمَايَلُ بِطَرِيْقَةٍ هَوْجَاءَ، ومِنْهُم مَنْ يُصَفِّقُ، ويُصَفِّرُ، بِحَالَةٍ مَرْذُوْلَةٍ، ومِنْهُم مَنْ يُطَبِّلُ، ويُزَمِّرُ، ومِنْهُم جَمَاعَاتٌ تَهْذِي بأصْوَاتٍ أجْنَبِيَّةِ غَبِيَّةِ، ومِنْهُم مَنْ يُلَوِّحُ بأعْلامٍ صِبْيَانِيَّةٍ!

وهَكَذَا حَتَّى إذا جَاءَ الهَدَفُ، أو ضَاعَ، أو حَصَلَ مَا يُعَكِّرُ سَكْرَتَهم الرِّيَاضِيَّةَ؛ فَلا تَسْألْ عَمَّا يُحْدِثُوْنَه: مِنْ نَهِيْقٍ، وصَفيقٍ، وتَلْوِيْحٍ، ورُعُوْنَاتٍ مَا يَعْجَزُ العَاقِلُ عَدَّهُ، فَضْلاً عَنْ وَصْفِه …!

ثمَّ مَعَ هَذِه الحَرَكَاتِ، والحَمَاقَاتِ لا تْنَسَى أنَّ القَوْمَ يُؤَدَّوْنَ هَذِه المَخَارِيْقَ على هَيْئَاتٍ مُزْرِيَةٍ مَا بَيْنَ مَلابِسَ مُلَوَّنَةٍ، وثِيَابٍ مُزَرْكَشَةٍ، وأعْلامٍ مُبَهْرَجَةٍ، و(قُبَّعَاتٍ) مُرقَّعةٍ، ورُبَّمَا لَوَّنَ بَعْضُهم وَجْهَهُ، وسَيَّارَتَهُ … إلى آخِرِ مَا هُنَالِكَ مِنْ مَرَاتِعِ الهَيَجَانِ المَسْعُوْرِ، والعَطَالَةِ المُغلَّفَةِ؛ بَلْ هُمْ إلى المَسْخِ المُشَوَّهِ حَيَاءً وعَقْلاً أقْرَبُ مِنْهُم إلى الإنْسَانِيَّةِ السَّويَّةِ، فَضْلاً إلى مَقَامَاتِ المُؤْمِنِيْنَ المُتَّقِيْنَ! ‍

أمَّا إذَا خَرَجُوا مِنَ المَلاعِبِ فَحَدَثٌ وحَدِيْثٌ، وخَبَرٌ واسْتِخْبَارٌ، وقَدْ مَرَّ مَعَنا بَعْضُ فَعَلاتِهم النَّكْرَاءِ.

وإذَا سَلَّمْنَا لَكُم (جَدَلاً!) أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) لا تَأخُذُ حُكْمَ التّشَبُّهِ بالكُفَّارِ؛ فَلا شَكَّ أنَّهَا تَأْخُذُ حُكْمَ التَّشَبُّهِ بفُسَّاقِ المُسْلِمِيْنَ، وهَذَا التَّشَبُّهُ يَقْطَعُ بالتَّحْرِيْمِ أيْضًا.

* * *

- والسُّؤَالُ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ: هَلْ لُعْبَةُ (كُرَةِ القَدَمِ) مِنْ شَأنِ صَالِحِي هَذِه الأمَّةِ: كالعُلَمَاءِ، وطَلَبَةِ العِلْمِ، وذَوِيِّ الهَيْئَاتِ، أمْ مِنْ شَأنِ فُسَّاقِ هَذِه الأمَّةِ: كقَلِيْلِي الإيْمَانِ، ورَقِيْقِي الحَيَاءِ، وسِفْلَةِ النَّاسِ؟!

لاشَكَّ أنَّ الجَوَابَ: أنَّها مِنَ شَأنِ الرَّعَاعِ، والطَّغَامِ، وفُسَّاقِ هَذِه الأمَّةِ (والحُكْمُ للأغْلَبِ)، ولا عِبْرَةَ بالقَلِيْلِ، أو الشَّاذِ!

وقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو دَاوْدَ.

***

الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ

نَحْنُ لا نَلْعَبُ (كُرَةَ القَدَمِ)

بَلْ نُشَاهِدُها، دُوْنَ تَعَصُّبٍ

إذَا قَالُوا: نَحْنُ لا نَلْعَبُ (كُرَةَ القَدَمِ)؛ بَلْ نُشَاهِدُها، ونُتَابِعُها دُوْنَ تَعَصُّبٍ!

قُلْتُ: لِمَاذَا فَرَّقْتُم بَيْنَ لَعِبِ (كُرَةِ القَدَمِ)، ومُشَاهَدَتِها؟

قَالُوْا: لأنَّ لِعْبَ (كُرَةِ القَدَمِ) فِيْهِ مِنَ المَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، مَا يَقْطَعُ بِحُرْمَتِها، وتَجْرِيْمِ فَاعِلِها.

قُلْتُ: وبِمَا أنَّكُم تَتَعَبَّدُوْنَ اللهَ تَعَالَى بِحُرْمَةِ لِعْبِ (كُرَةِ القَدَمِ) كَانَ إثْمُكُم حِيْنَئِذٍ أشَدَّ ذَنْبًا، ومَقْتًا عِنْدَ الله تَعَالَى مِنَ الَّذِيْنَ يَلْعَبُوْنَها.

* * *

يُوَضِّحُه؛ أنَّ اللاعِبَ إذَا لَعِبَ (كُرَةِ القَدَمِ) وهُوَ يَجْهَلُ حُكْمَها؛ كَانَ أقَلَّ ضَرَرًا مِمَّنْ يُشَاهِدُها وهُوَ يَعْلَمُ حُرْمَتَها، هَذَا إذَا عَلِمْنا أنَّ كَثِيْرًا مِنَ الرِّياضِيِّيْنَ يَجْهَلُوْنَ تَحْرِيْمَ هَذِه اللُّعْبَةِ، فَهُم يُمَارِسُوْنَها ظَنًّا مِنْهُم أنَّهَا مِنَ المُبَاحَاتِ، لاسِيَّما مَعَ مَا يُمْلِيْه عَلَيْهم الإعْلامُ بِشَتَّى قَنَوَاتِه مِنْ تَغْرِيْرٍ، وتَدْلِيْسٍ، وتَغْيِبٍ عَنْ مَخَاطِرِ (كُرَةِ القَدَمِ).

- أمَّا مَنْ يَعْلَمُ حُرْمَةَ لُعْبَةِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وهُوَ لا يَفْتَأ يُشَاهِدُها ويُتَابِعُها، فَهُوَ أشَدُّ إثْمًا مِنَ الأوَّلِ؛ لأنَّه قَدْ وَقَعَ في إثْمَيْنِ مُرَكَّبَيْنِ: فِعْلِ المَحْظُوْرِ، وتَرْكِ المَأمُوْرِ.

فأمَّا فِعْلُ المَحْظُوْرِ: فَهُوَ مُتَابَعَةُ ومُشَاهَدَةُ المُنْكَرِ... والرِّضَى بالمُنْكَرِ مُنْكَرٌ، ومِنْه قَالُوْا: الرِّضَى بالكُفْرِ كُفْرٌ! وهَذَا الأمْرُ مُجْمَعٌ عَلَيْه بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ؛ لِذَا مَنْ تَابَعَ وشَاهَدَ لِعْبَ (كُرَةِ القَدَمِ) فَقَدْ وَقَعَ في الحَرَامِ قَطْعًا، سَوَاءٌ لَعِبَها أمْ لا.

أمَّا تَرْكُ المَأمُوْرِ: فَهُوَ أنَّكُم رَأيْتُم المُنْكَرَ ولَمْ تُنْكِرُوْه، وهَذَا في حَدِّ ذَاتِه مُنْكَرٌ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأى مِنْكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرُه بِيَدِه، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيْمَانِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وقَدِ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيْعَةِ على أنَّ تَارِكَ حُقُوقِ الله الَّتِي تَجِبُ عَلَيْه أسْوأُ حَالاً عِنْدَ الله، ورَسُوْلِه مِنْ مُرْتكِبِ المَعَاصِي.

وأدَلُّ على ذَلِكَ قَوْلُه صلى الله عليه وسلم في أئِمَّةِ الجَوْرِ: «سَتَكُوْنُ أمَرَاءُ فَتَعْرِفُوْنَ وتُنْكِرُوْنَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، ومَنْ أنْكَرَ سَلِمَ، ولَكِنْ مَنْ رَضِيَ وتَابَع...» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

* * *

- فَهَذِه أحْوَالُ النَّاسِ مَعَ أهْلِ المُنْكَرِ؛ سَوَاءٌ كَانُوْا أمَرَاءَ، أو سُفَهَاءَ:

الأوَّلُ: مَنْ كَرِهَ مَا هُمْ عَلَيْه مِنَ المُنْكَرِ بقَلْبِهِ ولم يُنْكِرْ بلِسَانِه أو يَدِهِ، فَهَذَا قَدْ بَرِئَ مِنَ الإثْمِ والتَّبَعِيَّةِ.

الثَّانِي: مَنْ أنْكَرَ مَا هُمْ عَلَيْه مِنَ المُنْكَرِ بلِسَانِه أو يَدِهِ، فَهَذَا قَدْ سَلِمَ مِنَ العُقُوْبَةِ والإثْمِ، وهَذَا أفْضَلُ حَالاً وأكْمَلُ إيْمانًا.

الثَّالِثُ: مَنْ رَضِيَ وتَابَعَ، وأعَانَ، فَهَذا الَّذِي يَلْحَقُه الإثُمُ.

قَالَ القَاضِي عِيَاضُ في "المُفْهِمِ" (6/ 264): "قَوْلُه: «ولَكِنْ مَنَ رَضِيَ وتَابَعَ»: دَلِيْلٌ على أنَّ المُعَاقَبَةَ على السُّكُوْتِ على المُنْكَرِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ رَضِيَهُ، وأعَانَ فيه بِقَوْلٍ، أو فِعْلٍ، أو مُتَابَعَةٍ، أو كَانَ يَقْدِرُ على تَغْيِيْرِه فَتَرَكَهُ..." انْتَهَى.

* * *

وقَدْ دَلَّ على خَطَرِ السُّكُوْتِ عَنِ المُنْكَرِ النُّصُوْصُ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الكِتَابِ، والسُّنَّةِ، والإجِمْاعِ، وأقْوَالِ السَّلَفِ، مِنْها باخْتِصَارٍ:

قَوْلُه تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، ولِذَا نَجِدُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُوْلُ بَعْدَ أنْ قَرَأ الآيَةَ السَّابِقَةَ: "يَا أيُّها النَّاسُ مَنْ أرَادَ أنْ يَكُوْنَ مِنْ هَذِه الأمَّةِ؛ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ الله فيها"(14).

وقَوْلُه تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].

وقَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 68-69].

* * *

قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ رَحِمَهُ الله في "تَفْسِيرِهِ" (3/ 278): "أيْ أنَّكُمْ إذَا جَلَسْتُم مَعَهُم، وأقْرَرْتُمُوْهُم على ذَلِكَ، فَقَدْ سَاوَيْتُمُوْهُم في الَّذِي هُمْ فيه... وقَالَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ في قَوْلِه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: مَا عَلَيْكَ أنْ يَخُوْضُوا في آياتِ الله إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، أيْ: تَجَنَّبْتَهُم، وأعْرَضْتَ عَنْهُم" انْتَهَى.

وقَوْلُه صلى الله عليه وسلم: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوْفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أو لَيُوْشِكَنَّ الله أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُم عَذَاباً مِنْه، ثُمَّ تَدْعُوْنَه فَلا يُسْتَجَابُ لَكُم» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وهُوَ حَسَنٌ.

وقَالَ حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ رَضِيَ الله عَنْهُ حِيْنَ سُئِلَ عَنْ مَيِّتِ الأحْيَاءِ؟ فَقَالَ: "الَّذِي لا يُنْكِرُ المُنْكَرَ بِيَدِهِ، ولا بِلِسَانِهِ، ولا بِقَلْبِه"(15).

* * *

وقَدْ رَدَّ على هَذِه الشُّبْةِ أئِمَّةٌ أعْلامٌ، مِنْهُم: ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله إذْ يَصِفُ لَنَا خَطَرَ السُّكُوْتِ عَنِ المُنْكَرِ في كِتَابِهِ "إعْلامِ المُوَقِّعِيْنَ" (2/ 176) بِقَوْلِه: "وقَدْ غَرَّ إبْلِيْسُ أكْثَرَ الخلْقِ بأنْ حَسَّنَ لَهُم القِيامَ بِنَوْعٍ مِنَ الذِّكْرِ، والقِرَاءةِ، والصَّلاةِ، والصِّيامِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا والانْقِطَاعِ، وعَطَّلُوا هَذِه العُبُودِيَّاتِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا قُلُوْبَهم بالقِيَامِ بِها، وهَؤُلاءِ عِنْدَ وَرَثَةِ الأنْبِيَاءِ مِنْ أقَلِّ النَّاسِ دِيْناً؛ فإنَّ الدِّينَ هُوَ القِيَامُ لله بِمَا أمَرَ بِهِ؛ فَتَارِكُ حُقُوقِ الله الَّتِي تَجِبُ عَلَيْه أسْوأ حَالاً عِنْدَ الله ورَسُوْلِه مِنْ مُرْتكبِ المَعَاصِي؛ فإنَّ تَرْكَ الأمْرِ أعْظَمُ مِنْ ارتِكَابِ النَّهي مِنْ أكْثَرِ مِنْ ثَلاثِيْنَ وَجْهًا، ذَكَرَها شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله (أيْ: ابنَ تَيْمِيَّةَ) في بَعْضِ تَصَانِيْفِه... وأيُّ دِيْنٍ، وأيُّ خَيْرٍ فيمَنْ يَرَى: مَحَارِمَ الله تُنْتَهَكُ، وحُدُوْدَه تُضَاعُ، ودِينَهُ يُتْرَكُ، وسُنَّةَ رَسُوْلِه صلى الله عليه وسلم يُرْغبُ عَنْهَا؛ وهُوَ بَارِدُ القَلْبِ، سَاكِتُ اللِّسَانِ، شَيْطَانٌ أخْرسٌ؛ كَمَا أنَّ المُتَكلِّمَ بالبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ!

وهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلاَّ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِيْنَ إذَا سَلِمَتْ لَهُم مَآكِلُهُم ورِيَاسَاتُهُم؛ فَلا مُبَالاةٍ بِمَا جَرَى على الدِّيْنِ.

وهَؤُلاءِ ـ مَعَ سُقُوْطِهِم مِنْ عَيْنِ الله، ومَقْتِ الله لَهُم ـ قَدْ بُلُوْا في الدُّنْيَا بأعْظَمِ بَلِيَّةٍ تَكُوْنُ، وهُمْ لا يَشْعُرُوْنَ: وهُوَ مَوْتُ القُلُوْبِ؛ فإنَّ القَلْبَ كُلَّمَا كَانَتْ حَيَاتُه أتَمَّ؛ كَانَ غَضَبُه لله ورَسُوْلِه أقْوَى، وانْتِصَارُه للدِّيْنِ أكْمَلَ" انْتَهَى.

* * *

والَّذِيْنَ يُؤْثِرُوْنَ السَّلامَةَ في دِيْنِهِم بهذه الشُّبْهَةِ، ويَتْرُكُوْنَ الأمْرَ والنَّهيَ الوَاجِبَ عَلَيْهِم تُجَاهَ أهْلِ (كُرَةِ القَدَمِ) مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْه: هُمْ كالمُسْتَجِيْرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ؛ إذْ صُورَةُ حَالِهِم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِيْنَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49].

وفي هَذَا يَقُوْلُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ في كِتَابِه "الأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ" (767): "ولَمَّا كَانَ في الأمْرِ بالمَعْرُوْفِ، والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، والجِهَادِ في سَبِيْلِ الله مِنَ الابْتِلاءِ والمِحَنِ مَا يَتَعرَّضُ بِهِ المَرْءُ للفِتْنةِ؛ صَارَ في النَّاسِ مَنْ يَتَعلَّلُ لِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْه مِنْ ذَلِكَ بأنْ يَطْلُبَ السَّلامةَ مِنَ الفِتْنَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِيْنَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49].

ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ تَرَكَ القِتَالَ الَّذِي أمَرَ الله بِه؛ لِئَلا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ؛ فَهُوَ في الفِتْنَةِ سَاقِطٌ؛ لِمَا وَقَعَ فيه مِنْ رَيْبِ قَلْبِه، ومَرَضِ فُؤَادِهِ، وتَرْكِ مَا أمَرَهُ الله بِه مِنَ الجِهَادِ" انْتَهَى.

وقَالَ الشَّيْخُ حَمَدُ بنُ عَتِيقٍ رَحِمَهُ الله في "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (8/ 77): "إنَّ المُدَاهِنَ، الطَّالِبَ رِضَا الخَلْقِ، أخْبَثُ حَالاً مِنَ الزَّانِي، والسَّارِقِ، والشَّارِبِ، قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: وَلَيْسَ الدِّيْنُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ؛ بَلْ بالقِيَامِ مَعَ ذَلِكَ بالأمُوْرِ المَحْبُوْبَةِ لله، وأكْثَرُ الدَّيِّنِيْنَ لا يَعْبَئُوْنَ مِنْها، إلاَّ بِمَا شَارَكَهُم فيه عُمُوْمُ النَّاسِ؛ وأمَّا الجِهَادُ، والأمْرُ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، والنَّصِيْحَةُ لله، ورَسُوْلِه، وعِبَادِه، ونُصْرَةُ الله، ورَسُوْلِه، وكِتَابِهِ، ودِيْنِهِ، فَهَذِه الوَاجِبَاتُ لا يَخْطُرْنَ بِبَالِهم؛ فَضْلاً عَنْ أنْ يُرِيْدُوا فِعْلَها؛ فَضْلاً عَنْ أنْ يَفْعَلُوها، وأقَلُّ النَّاسِ دِيْنًا، وأمْقَتُهم إلى الله مَنْ تَرَكَ هَذِه الوَاجِبَاتِ، وإنْ زَهِدَ في الدُّنْيِا جَمِيْعًا... وأصْحَابُ الكَبَائِرِ أحْسَنُ حالاً عِنْدَ الله مِنْ هَؤُلاءِ. انْتَهَى.

فَلَوْ قُدِّرَ: أنَّ رَجُلاً يَصُوْمُ النَّهَارَ، ويَقُوْمُ اللَّيْلَ، ويَزْهَدُ في الدُّنْيا كُلِّها، وهُوَ مَعَ ذَلِكَ لا يَغْضَبُ، ولا يَتَمَعَّرُ وَجْهُه، ويَحْمَرُّ لله، فَلا يَأمُرُ بالمَعْرُوْفِ، ولا يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، فَهَذَا الرَّجُلُ مِنْ أبْغَضِ النَّاسِ عِنْدَ الله، وأقَلُّهم دِيْنًا، وأصْحَابُ الكَبَائِرِ أحْسَنُ حَالاً عِنْدَ الله مِنْهُم، ويَشْهَدُ لِهَذا مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أنَّ السَّاكِتَ عَنِ الحَقِّ شَيْطَانٌ أخْرَسُ، والمُتَكِلِّمُ بالبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ" انْتَهَى.

* * *

وقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ الله في "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (8/ 70): "وتَرْكُ ذَلِكَ (أيْ: الأمْرِ بالمَعْرُوْفِ، والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ) على سَبِيْلِ المُدَاهَنَةِ، والمُعَاشَرَةِ، وحُسْنِ السُّلُوكِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مَمَّا يَفْعَلُه بَعْضُ الجَاهِلِيْنَ أعْظَمُ ضَرَرًا، وأكْبَرُ إثْمًا مِنْ تَرْكِهِ لِمُجَرَّدِ الجَهَالَةِ... وهَذَا في الحَقِيْقَةِ هُوَ الهُلْكَةُ في الآجِلَةِ، فَمَا ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ لَمْ يُوَالِ في الله، ويُعَادِ فيه" انْتَهَى.

* * *

فَعِنْدَ ذَلِكَ؛ كَانَ وَاجِبٌ على أصْحَابِ هَذِه الشُّبْهَةِ أنْ يَقُوْمُوْا بِوَاجِبِ الإنْكَارِ على لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ)، وذَلِكَ بِحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ: سَوَاءٌ باليَدِ، أو اللِّسَانِ، أو القَلْبِ، ولَيْسَ ورَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيْمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ، والله أعْلَمُ.

***

الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ

(كُرَةُ القَدَمِ) تُعْتَبرُ وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً

إذَا قَالُوا: (كُرَةُ القَدَمِ) تُعْتَبرُ وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً!

قُلْتُ: إنَّ الوَسَائِلَ لَهَا أحْكَامُ المَقَاصِدِ، فَمَا مَقْصَدُكُم حِيْنَئِذٍ؟

قَالُوْا: حَمْلُ الشَّبَابِ على الاسْتِقَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ.

قُلْتُ: إنَّ النَّاظِرَ في دَعْوَاتِ أكْثَرِ الدُّعَاةِ هَذِه الأيَّامِ، يَرَى أنَّهم اتَّخَذُوا هَذِه الوَسِيْلَةَ مَقْصَدًا وغَايِةً، لا وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً.

يُوَضِّحُه؛ أنَّنا نَرَاهُم يَدْفَعُوْنَ الشَّبَابَ إلى اللَّعِبِ بِـ(كُرَةِ القَدَمِ) صَبَاحًا مَسَاءً؛ بَلْ جَعَلُوا (كُرَةَ القَدَمِ) في كَثِيْرٍ مِنَ بَرَامِجِهِم شَيْئاً أسَاسِيًّا، وذَلِكَ ظَاهِرٌ في وَضْعِها في جَدْوَلَةِ البَرَامِجِ الدَّعَوِيَّةِ عِنْدَهُم.

قَالُوْا: ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ، فَهِي وَسِيْلَةٌ دَعَوِيَّةٌ لا غَيْرَ.

قُلْتُ: إذَا أبَيْتُم إلاَّ كَوْنُها وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً، دُوْنَ اعْتِبَارٍ لهَذِه المُغَالَطَاتِ، فَبَيْنَنَا وبَيْنَكُم السَّلَفُ الصَّالِحُ، وحَالُهُم في الدَّعْوَةِ.

وهُوَ: هَلْ كَانَتْ دَعْوَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقَ لعُثْمَانَ وغَيْرِه مِنَ الصَّحَابِةِ رضِيَ الله عَنْهُم مِمَّنْ أسْلَمُوا على يَدِيْهِ؛ كَانَتْ عَنْ طَرِيْقِ: السِّبَاحَةِ، أو المُسَابَقَةِ، أو اللَّعِبِ بالكُرَاتِ... إلخ؟ فالجَوَابُ قَطْعًا: لا.

وأيْضًا: هَلْ تَعْلَمُوْنَ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، كَانَتْ دَعْوَتُه إلى الله تَعَالَى عَنْ طَرِيْقِ: السِّبَاحَةِ، أو المُسَابَقَةِ، أو اللَّعِبِ بالكُرَاتِ... إلخ؟، والجَوَابُ قَطْعًا: لا.

فَعِنْدَئِذٍ؛ لا بُدَّ أنْ تُقِرُّوْا (عَقِيْدَةً!): أنَّ السَّلَفَ خَيْرٌ حَالاً، وأفْضَلُ دَعْوَةً مِنْكُم، وإلاَّ وَقَعْتُمْ في تَنَاقُضٍ بَيِّنٍ!

قَالُوْا: نَعَمْ، نَحْنُ نُقِرُّ بِذَلِكَ؛ لَكِنَّنا نَعْلَمُ أنَّ الوَسَائِلَ الدَّعَوِيَّةَ، لَيْسَتْ تَوْقِيْفيةً.

قُلْتُ: لَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ، والتَّحْقِيْقِ العِلْمِيِّ، أنْ نَحْكُمَ على الوَسَائِلِ الدَّعَوِيَّةِ بِكَوْنِها غَيْرَ تَوْقِيْفيةٍ، أو أنَّها تَوْقِيْفيةٌ؛ بَلْ للتَّفْصِيْلِ تَأصِيْلٌ، وللتَّمْثِيْلِ تَوْضِيْحٌ، لَيْسَ هَذَا مَكَانُه.

* * *

- قَالُوْا: إذَنْ، مَا تَقُوْلُ فيمَنْ جَعْلَ (كُرَةَ القَدَمِ) وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً؟

قُلْتُ: إنَّ مِنْ حَقِّ المُنَاظَرةِ أنْ أتَنَزَّلَ مَعَكُم (جَدَلاً!) في كَوِنِها وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً فَرَضًا، إلاَّ أنَّ هُنَالِكَ اعْتِرَاضَاتٍ مُعْتَبَرَةً.

وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِكُم: إنَّنا نُرِيْدُ بِـ(كُرَةِ القَدَمِ) الخَالِيَةِ مِنَ المَحَاذِيْرِ: وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً، فَلا بُدَّ أنْ تَتَقَيَّدُوا بِهَذِه الوَسِيْلَةِ إثْبَاتًا ونَفْيًا، كَمَا يَلِي:

أوَّلاً: عَلَيْكُم أنْ تَتَّخِذُوْها وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً للشَّبَابِ الغَافِلِ السَّاهِي البَعِيْدِ عَنْ طَاعَةِ الله.

ثُمَّ ثَانِيًا: عَلَيْكُم ألاَّ تُعَمِّمُوا هَذِه الوَسِيْلَةَ لِكُلِّ شَابٍ عَائِدٍ إلى الله؛ لأنَّ في هَذَا تَخْوِيْنًا لَهُم، وتَبْلِيْدًا لقُدُرَاتِهم، ومُقَامَرَةً بِمَشَاعِرِهِم، لِذَا كَانَتْ هَذِه الوَسِيْلَةُ مُقَدَّرَةً بِقَدَرِها: فَمَنْ رَأيْتُم أنَّه يَسْتَقِيْمُ بِها فَحَيْهلا، وإلاَّ أنْ نَجْعَلَها دَعْوَةً عَامَّةً لِكُلِّ عَائِدٍ إلى الله تَعَالَى فَلا.

وثَالِثاً: لا يَجُوْزُ لَكُم أنْ تَحْمِلُوا مَنْ صَلَحَ مِنَ الشَّبَابِ العَائِدِ إلى الله تَعَالَى على مُمَارَسةِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وغَيْرِها مِنَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ غَيْرِ المُعِيْنَةِ على الجِهَادِ إلاَّ بقَدَرٍ فيه تَسْلِيَةٌ، وإجْمَامٌ عَنِ النَّفْسِ، أمَّا جَعْلُها وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً مُطْلَقًا فَهَذَا لا يُقِرُّه سَلَفي، ولا مُسْلِمٌ يُحِبُّ السَّلَفَ!‍

* * *

قَالُوْا: لا شَكَّ أنَّنا قَدْ اتَّخَذْنَا (كُرَةَ القَدَمِ) وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً للشَّبَابِ، فرَأيْنَاهُم يِتَفَاعَلُوْنَ مَعَها.

قُلْتُ: هَذَا لا شَكَّ فيه، لأَّن كلَّ وَسِيْلَةٍ إذَا كَانَتْ: لَعِبًا، ولَهْوًا، وتَرْفيهًا، وتَرْوِيْحًا؛ بَلْ كُلَّ مَا مِنْ شَأنِهِ اللَّعِبُ فَهُوْ مَرْغُوْبٌ مَحْبُوْبٌ ضَرُوْرَةً، فَخُذْ مَثَلاً: لِعْبَةَ التَّزَلُّجِ على الثَّلْجِ، ولِعْبَةَ التِّنِسِ، ولِعْبَةَ (الفِرِّيْرَةِ)، ولِعْبَةَ الشِّيْشِ... إلخ، كُلُّ هَذِه الألْعَابِ يَرْغَبُها كُلُّ شَابٍ غُمْرٍ مُقْبِلٍ إلى الله تَعَالَى، لَكِنَّ الخُطُوْرَةَ كُلَّ الخُطُوْرَةِ يَوْمَ يَشْعُرُ هَذَا العَائِدُ إلى الله تَعَالَى أنَّ هَذِه الألْعَابَ أصْبَحَتْ في حَيَاتِه واسْتِقَامَتِه: غَايَةً ومَقْصَدًا، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّكُم حَمَلْتُمُوْهُم على هَذِه المُغَالَطَاتِ، الَّتِي كَانَ مِنَ الصَّعْبِ أنْ يَتْرُكَها الشَّابُ المُسْتَقِيْمُ، أو يَتَنَكَّرَها!

* * *

إنَّ مِثْلَ هَذِه الدَّعَوَاتِ مَا زِلْنَا نَجْنِي ثِمَارَها الفَاسِدَةَ، لِذَا كَانَ الأوْلَى بِكُم أنْ تَحْمِلُوا الشَّبَابَ العَائِدَ إلى الله تَعَالَى على الجَادَّةِ في الاسْتِقَامَةِ، ومَعَالِي الأمُوْرِ: كحِفْظِ القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، والجِهَادِ، وعُدَّتِه، والبَذْلِ لِهَذا الدِّيْنِ، والصِّدْقِ، واليَقِيْنِ، والتَّوَكُّلِ، والحُبِّ في الله تَعالَى، والبُغْضِ فيه... إلخ.

لا أنْ تُشْغِلُوهُم بِهَذِه التَّلاعِيْبِ السَّاذَجَةِ، وفُضُوْلِ اللِّقَاءاتِ، والرَّحَلاتِ، والمُجَالَسَاتِ، والألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ لاسِيَّما (كُرَةِ القَدَمِ)!

- فَكَانَ الأوْلَى بِكُم؛ أنْ تَحْمِلُوا أبْنَاءَ المُسْلِمِيْنَ على الفُرُوْسِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِنَوْعَيْها:

فالأُوْلَى مِنْهما: فُرُوْسِيَّةُ السِّنَانِ، والبِنَانِ؛ كالرِّمَايَةِ لاسِيَّما الحَدِيْثَةِ مِنْها، والخَيْلِ، والإبِلِ، والسِّبَاحَةِ، والمُصَارَعَةِ، وكُلِّ مَا هُوَ مِنْ شَأنِ الجِهَادِ وعُدَّتِه.

والثَّانِيَةُ مِنْهما: فُرُوْسِيَّةُ الحُجَّةِ، والبُرْهَانِ؛ كالعِلْمِ الشَّرْعِي مِنْ قُرْآنٍ، وسُنَّةٍ، وكُلِّ مَا هُوَ تَابِعٌ لَهُما: كالتَّفْسِيْرِ، والعَقِيْدَةِ، والفِقْهِ، واللُّغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

عِلْمًا؛ أنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ فُرُوْسِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ نَجِدُ كَثِيْرًا مِنَ المَرَاكِزِ الدَّعَوِيَّةِ خُلْوَةً مِنْها؛ إلاَّ في حُدُوْدٍ ضَيِّقَةٍ، وأوْقَاتٍ قَصِيْرَةٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم (للأسَفِ!) بِدَافِعِ شُبَهٍ وَاهِيَةٍ؛ مِنْها: عَدَمُ إثْقَالُ الشَّبَابِ بِهَذِه العُلُوْمِ؛ رَغْبَةً في احْتِوَائِهِم وكَسْبِهم، ومِنْها: النُّزُوْلُ للوَاقِعِ الَّذِي يَعِيْشُه الشَّبَابُ هَذِه الأيَّامِ، إلخ

* * *

في حِيْنَ أنَّنَا لا نَشُكُّ في جُهُوْدِ هَذِه المَرَاكِزِ الدَّعَوِيَّةِ؛ غَيْرَ أنَّنا لا نُسَلِّمُ لَهُم هَذِه التَّوَسُّعَاتِ في حَمْلِ هَؤُلاءِ الشَّبابِ على مُبَاحَاتٍ كَثِيْرَةٍ، مَعَ مَا يَرْجُوْنَه مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِه، ولِهَذَا الكَلامِ شَاهِدٌ بَيْنَهُم.

وهُوَ أنَّ الطَّالِبَ يَبْقَى في هَذِه المَرَاكِزِ الدَّعَوِيَّةِ: يَحْفَظُ القُرْآنَ السَّنَتَيْنِ، والثَّلاثَةَ، عِلْمًا أنَّه بِمَقْدُوْرِه أنْ يَحْفَظَه في أقَلِّ مِنْ ذَلِكَ!

كَمَا أنَّهُم لا يَدْفَعُوْنَ الطَّالِبَ بَعْدَ حِفْظِه للقُرْآنِ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ طُوْلِ الزَّمَنِ) إلى حِفْظِ السُّنَّةِ، ودَرْسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِما.

قَالُوْا: هَذَا يَحْتَاجُ إلى وَقْتٍ، وإلى طَلَبَةِ عِلْمٍ... إلخ.

قُلْتُ: إذَنْ؛ أنْتُم جَعَلْتُم مِنَ حِفْظِ القُرْآنِ كُلَّ شَيءٍ: دَعَوَاتٍ، ولِقَاءاتٍ، ورَحَلاتٍ، ومُجَالَسَاتٍ، وعُمَرَاتٍ، وحَجَّاتٍ إلى مَا لا نِهَايَةَ، ورُبَّمَا يَدْخُلُ الشَّابُ في هَذِهِ المَرَاكِزِ المُبَارَكَةِ وهُوَ بَعْدُ مَا طرَّ شَارِبُه، ولا يَخْرُجُ مِنْها إلاَّ وقَدْ تَزَوَّجَ، أو تَوَظَّفَ، أو مَا مِنْ شَأنِه أنْ يُفَارِقَكُم، وهُوَ هُوَ، لا عِلْمَ، ولا جِدِّيَّةَ في الاسْتِقَامَةِ، ورُبَّمَا نَسِي بَعْضَ القُرْآنِ، وأدْهَى مِنْ هَذَا وأمَرُّ؛ أنَّه رُبَّمَا أصْبَحَ قَائِدًا دَعَوِيًا في نَفْسِ المَرْكَزِ الدَّعَوِي!

قَالُوْا: هَلْ في تَعْلِيْمِ القُرْآنِ شَيْءٌ؟

قُلْتُ: مَعَاذَ الله، ولَكِنَّكُم بِهَذِهِ الطَّرَائِقِ تُفْرِّقُوْنَ بَيْنَ القُرْآنِ والسَّنَّةِ، والعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، بِطَرِيْقٍ، أو آخَرَ.

* * *

يُوَضِّحُه؛ أنَّ الاعْتِنَاءَ بالقُرْآنِ دُوْنَ السُّنَّةِ لَيْسَ مِنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمًا طَرِيْقًا صَحِيْحًا في الطَّلَبِ، ومَا هَذِه الدَّعَوَاتُ (القُرْآنِيَّةُ!) في كَثِيْرٍ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ مُؤَخَّرًا إلاَّ تَأثُّرًا وتأثِيْرًا بأهْلِ البِدَعِ، والجَمَاعَاتِ الإسْلامِيَّةِ أبِيْنَا أم رَضِيْنا!

كَمَا أنَّنا لا نَشُكُّ أنَّكُم وَافَقْتُم السَّلَفَ في بِدَايَةِ الطَّلَبِ، لا في نِهَايَتِه، وذَلِكَ بتَعْلِيْمِ القُرْآنِ فَقَطُ دُوْنَ تَدَبُّرٍ وعَمَلٍ؛ لأنَّ السَّلَفَ كَانُوا لا يُفَرِّقُوْن بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ في الطَّلَبِ (شَرِيْعَةً ومِنْهَاجًا)، اللهمَّ أنَّهُم يُقَدِّمُوْنَ للطَّالِبِ حِفْظَ القُرْآنِ أوَّلاً، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ مَا سِوَاهُما مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ. أمَّا أنْ يُجْعَلَ تَعْلِيْمُ القُرْآنِ غَايَةً ومَنْهَجًا قَطُّ فَلا.

- عِلْمًا أنَّ النَّاظِرَ في فِقْهِ الوَاقِعِ يَعْلَمُ صِدْقَ مَا أقُوْلُ! فَهُنَاكَ الكَثِيْرُ مِنَ الدَّلائِلِ والمُؤَشِّرَاتِ الَّتِي تَدُلُّ على خَطَرِ هَذِه الدَّعَوَاتِ القُرْآنِيَّةِ! دُوْنَ مَا سِوَاهَا مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الدَّاخِلِ، أو الخَارِجِ.

فأمَّا الدَّاخِلُ: فَنَجِدُ الاعْتِنَاءَ بالقُرْآنِ الكَرِيْمِ دُوْنَ السُّنَّةِ مِمَّا لَهُ شَأنٌ كَبِيْرٌ على مُسْتَوَى البَنِيْنَ، والبَنَاتِ، فانْظُرْ مَثَلاً: مَدَارِسَ التَّحْفيظِ، ومَرَاكِزَ التَّحْفيظِ، وحَلَقَاتِ المَسَاجِدِ... إلخ.

أمَّا الخَارِجُ: فالكُلُّ يَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ حُكُوْمَاتِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ مِمَّنْ نَابَذَتْ حُكْمَ الله تَعَالَى وَرَاءَ ظُهُوْرِها، لا تَجِدُ حَرَجًا في حِفْظِ القُرْآنِ، وتَعَلُّمِه، وإقَامَةِ المَرَاكِزِ والمُسَابَقَاتِ لأجْلِهِ... إلخ.

أمَّا حِفْظُ السُّنَّةِ في الخَارِجِ، وتَعْلِيْمُها فَهَيْهَاتَ فَدُوْنَها خَرْطُ القَتَادِ؛ بَلْ مَنْ سَوَّلَتْ لَه نَفْسُه بِذَلِكَ فَجَزَاءه السِّجْنُ والتَّعْذِيْبُ، كَمَا أنَّ اسْمَه سَيَدْخُلُ قَائِمَةَ الأصُوْلِيِّيْنَ، والمُتَطَرِّفينَ، والإرْهَابِيِّيْنَ... وأخْطَرَ مِنْ ذَلِكَ أنَّهُم يَعْلَمْوُنَ أنَّ المُشْتَغِلَ بالسُّنَّةِ سَيَكُوْنُ (سَلَفيا!)، ومِثْلُ هَذَا لا يَحِقُّ لَه أنْ يَرْفَعَ رَأسًا بَيْنَهُم؛ لكَوْنِهِم يَعْلَمُوْنَ مَعْنَى وحَقِيْقَةَ السَّلَفِ: إنَّهُم عِبَادُ الله (قَوْلاً، وعَمَلاً)!

* * *

ثُمَّ لا نَنْسَ أيْضًا أنَّ الاعْتِنَاءَ بالقُرْآنِ فَقَطُ دُوْنَ غَيْرِهِ؛ فِيْهِ تَأثُّرٌ ببَعْضِ أهْلِ البِدَعِ، وكَذَا ببَعْضِ الجَمَاعَاتِ الإسْلامِيَّةِ.

هَذَا إذَا نَظَرْنا إلى أكْثَرِ أهْلِ البِدَعِ في زَمَانِنَا نَجِدُ لَهُم عِنَايَةً فَائِقَةً بالقُرْآنِ دُوْنَ غَيْرِه، مِثْلُ: مَدَارِسِ الأشْعَرِيَّةِ (الجَامِعَاتِ)، والمُعْتَزِلَةِ، والإبَّاضِيَّةِ، والقَادِيَانِيَّةِ، والأحْبَاشِ؛ بَلْ غَالِبِ الصُّوْفيةِ.

أمَّا أكْثَرُ الجَمَاعَاتِ الإسْلامِيَّةِ فَلَمْ تَسْلَمْ مِنْ هَذِه الدَّعْوَةِ القُرْآنِيَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ في مَرَاكِزِهِم الدَّعَوِيَّةِ، وغَيْرِها.

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ طُلابَ القُرْآنِ في زَمَانِنا هُمْ أقَلُّ جِدِّيَّةً في الاسْتِقَامَةِ، مِنَ الطُّلابِ الَّذِيْنَ جَمَعُوا بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ.

بَلْ لا أعْلَمُ أحَدًا ممَّنْ جَمَعَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فِيْهِ مَا في غَيْرِه مِنْ طُلابِ القُرْآنِ فَقَطُ.

وأدَلُّ شَيْءٍ على ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الطُّلابِ الَّذِيْنَ يَحْفَظُوْنَ القُرْآنَ نَرَاهُ يَتَخَرَّجُ مِنْ مَدْرَسَتِه، أو مَرْكَزِه، أو مَسْجِدِه وهُوَ خَامِلُ الذِّكْرِ، فَاتِرُ العَزِيْمَةِ ورُبَّمَا لا تَرَى عَلَيْه سِمَاتَ الصَّالِحِيْنَ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي وهَذَا الحَالُ نَرَاهُ أبْعَدَ مَا يَكُوْنُ لطَالِبِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ مَعًا، والله أعْلَمُ.

كَمَا أنَّنَا نَخْشَى في الوَقْتِ نَفْسِه، ومَعَ مُرُوْرِ الزَّمَنِ أنْ تَنْبُتَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الشَّبَابِ نَابِتَةً نَكِدَةً تُؤْمِنُ بالقُرْآنِ دُوْنَ السُّنَّةِ، كَمَا حَذَّرَ مِنْها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِه: «لا أُلْفينَّ أحَدَكُم مُتَّكِأ على أرِيْكَتِهِ يَأتِيْه أمْرٌ مِمَّا أمَرْتُ بِهِ، أو نَهَيْتُ عَنْه، فَيَقُوْلُ: لا أدْرِي، مَا وَجَدْنا في كِتَابِ الله اتَّبَعْنَاهُ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

* * *

قَالُوْا: هَلْ تُرِيْدُ بِكَلامِكَ هَذَا أنْ نَهْجُرَ مَدَارِسَ، ومَرَاكِزَ، وحَلَقَاتِ القُرْآنِ؟

- قُلْتُ: مَعَاذَ الله أنْ أقُوْلَ مَا لَيْسَ لِي فيه سُلْطَانٌ، ولكِنَّنِي أرِيْدُ شَيْئَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَعْلَمَ الجَمِيْعُ أنَّ هُنَاكَ خَلَلاً في مَنْهَجِ الطَّلَبِ عِنْدَ بَعْضِ الدُّعَاةِ.

الثَّانِي: أنْ يَهْتَمَّ أصْحَابُ هَذِه المَدَارِسِ، والمَرَاكِزِ: بالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ اهْتِمَامًا كَبِيْرًا شَأنُه شَأنَ القُرْآنِ، وأنْ يَجْمَعُوا لأبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ القُرْآنَ والسُّنَّةَ جَمْعًا سَلَفيا (عِلْمًا، وعَمَلاً)، والله المُوَفِّقُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَعْلَمَ الخَطِيْئَةَ، والحِنْثَ العَظِيْمَ الَّذِي يُدَنْدِنُ بِه بَعْضُ الدُّعَاةِ في دَعَوَاتِهِم؛ يَوْمَ قَالُوْا: إنَّ في (كُرَةِ القَدَمِ) وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً!

قَالُوْا: إنَّ مَا تَقُوْلُه هُنَا حَقٌّ، لَكِنَّه لَيْسَ عَلى إطْلاقِه.

قُلْتُ: ولَكِنَّنِي أتَكَلَّمُ عَنْ شَرِيْحَةٍ كَبِيْرَةٍ مِنْ أصْحَابِ الدَّعَوَاتِ الخَامِلَةِ، وقَدْ قِيْلَ: فَاقِدُ الشَّيْءِ لا يُعْطِيْه! لأنَّ أكْثَرَ أصْحَابِ هَذِه الدَّعَوَاتِ لَيْسُوا طُلابَ عِلْمٍ؛ بَلْ رَضَوْا أنْ يَكُوْنُوا مَعَ الخَوَالِفِ الَّذِيْنَ لا يَرْفَعُوْنَ رَأسًا للعِلْمِ.

لِذَا كَانَتْ وَسَائِلُهُم الدَّعَوِيَّةُ هَزِيْلَةً ضَعِيْفَةً تَتَجَارَى مَعَ قُدَرَاتِهم وعِلْمِهِم، ومِنْه كَانَ مِنَ الخَطَأ أنْ نُسَلِّمَ لَهُم هَذِه الدَّعْوَةَ العَرِيْضَةَ؛ وهِي: أنَّ في (كُرَةِ القَدَمِ) وَسِيْلَةً دَعَوِيَّةً.

اللهمَّ إنَّنا رَضِيْنَا بالرِّيَاضَةِ الإسْلامِيَّةِ دِيْنًا، وبالفُرُوْسِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ شِرْعَةً ومِنْهَاجًا!

* * *

ولَوْلا خَشْيَةُ الإطَالَةِ لَذَكْرَتُ مِنْ مَنْظُوْمَةِ الشُّبهِ الَّتِي يَخْتَلِقُها أصْحَابُها العَدَدَ الكَثِيْرَ؛ لَكِنَّها ـ ولله الحَمْدُ ـ شُبَهٌ وَاهِيَةٌ لا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِنْ قَوْلِنَا لَهُمْ: (رِفَقًا بالشَّبَابِ)!

وكَذَا نُذَكِّرُهُم بِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

وقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: 2]، وقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إنَّ في ذلك لذكرى لأولي الألباب﴾ [الزمر: 21].

لِذَا كَانَ عَلَيْنا جَمِيْعًا أنْ نَقِفَ مَعَ وَاقِعِ (كُرَةِ القَدَمِ) ومَا تَحْمِلُهُ مِنْ مُوْبِقَاتٍ مُحرَّمَةٍ سَوَاءٌ في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ، أو بِلادِ الكَافِرِيْنَ، وعَلَيْنا أيْضًا أنْ نَتَذَكَّرَ (حَقِيْقَةَ كُرَةِ القَدَمِ) إنْ كُنَّا مِنْ أوْلِي الأبْصَارِ والألْبَابِ، وبِهَذَا نَكْتَفي بِمَا أجْرَاهُ القَلَمُ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ

 


 

([1])  أخْرَجَهُ أحمَدُ (5022)، وهُوَ صَحِيْحٌ .

([2]) انْظُرْ «تُحفَةَ المَوْدُوْدِ» لابنِ القَيِّمِ  (190 ومَا بَعْدَهَا)، و(226) .

([3]) انْظُرْ «مُعْجَمَ مَقَايِيْسِ اللُّغَةِ» لابنِ فَارِسٍ (5/146)، وغَيْرَه مِنَ المَرَاجِعِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتي مرَّتْ مَعَنَا آنفًا .

([4]) انْظُرْ «الرَّوْضَتَيْنِ» لأبي شَامَةَ (1/12) .

([5]) المِحْجَنُ الَّذِي تُضْرَبُ به الكُرَةُ في ألْعَابِ الفُرُوسيَّةِ، انْظُرْ «صُبْحَ الأعْشَى» (5/458) .

([6]) انْظُرْ «المُنْتَظَمُ» لابنِ الجَوْزِي (18/143)، و«الكَامِلُ» لابنِ الأثَيْرِ (11/264)، و«النُّجُوْمَ الزَّاهِرَةَ» (5/332) .

([7]) «مُخْتَصَرُ الفَتَاوَى المِصْرِيَّةِ» للبَعْليِّ (251) .

([8]) النَّيْرُوْزُ : هُوَ أوَّلُ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ، والمَهْرَجَانُ : عِيْدُ الفُرْسِ .

([9]) وهِيَ مُجْمَلَةٌ :

1- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِنا، وهُوَ مَشْرُوْعٌ لَهُم، أو لا يُعْلَمُ كَوْنُه مَشْرُوْعًا لَهُم مِنَ العِبَادَاتِ المَحْضَةِ .

2- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِنا، وهُوَ مَشْرُوْعٌ لَهُم، أو لا يُعْلَمُ كَوْنُه مَشْرُوْعًا لَهُم مِنَ العَادَاتِ المَحْضَةِ .

3- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِنا، وهُوَ مَشْرُوْعٌ لَهُم، أو لا يُعْلَمُ كَوْنُه مَشْرُوْعًا لَهُم مِنَ العِبَادَاتِ والعَادَاتِ المَحْضَةِ .

4- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِهم، ثُمَّ نَسَخَه القُرْآنُ مِنَ العِبَادَاتِ المَحْضَةِ .

5- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِهم، ثُمَّ نَسَخَه القُرْآنُ مِنَ العَادَاتِ المَحْضَةِ .

6- مَا كَانَ مَشْرُوْعًا في دِيْنِهم، ثُمَّ نَسَخَه القُرْآنُ مِنَ العِبَادَاتِ، والعَادَاتِ المَحْضَةِ .

7- مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوْعًا بِحَالٍ، وإنِّمَا هُمْ أحْدَثُوْهُ مِنَ العِبَادَاتِ المَحْضَةِ .

8- مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوْعًا بِحَالٍ، وإنِّمَا هُمْ أحْدَثُوْهُ مِنَ العَادَاتِ المَحْضَةِ .

9- مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوْعًا بِحَالٍ، وإنِّمَا هُمْ أحْدَثُوْهُ مِنَ العِبَادَاتِ، والعَادَاتِ المَحْضَةِ . انْظُرْ «الاقْتِضَاءَ» مِنْ كَلامِ نَاصِرٍ العَقْلِ (1/476) .

([10]) انْظُرْ «اقْتَضَاءَ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (1/476) بتَصَرُّفٍ .

([11]) السَّابِقُ (1/ 552) .

([12]) وقَدْ قَرَّرْنا هَذَا بِمَا فِيْه كِفَايَةٌ ولله الحَمْدُ في أصْلِ كِتَابِنا «حَقِيْقَةِ كُرَةِ القَدَمِ»، فلْيُنْظَرْ مَشُْكُوْرًا .

([13]) انْظُرْ كِتَابَ «كَفَّ المُخْطِئ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الشِّعْرِ النَّبَطِي» للمُؤلِّفِ، فَفيه بَيَانُ أهَمِّيَّةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والتَّحْذِيرُ مِنَ مُزَاحَمَتِها سَوَاءٌ باللُّغَاتِ الأجْنَبِيَّةِ، أو اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ، مَعَ بَيَانِ مخُطَطَّاتِ أعْدَاءِ الإسْلامِ في مُحَارَبَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ!

([14]) انْظُرْ «الدُّرَّ المَنْثُوْرَ» للسِّيْوطيِّ (2/63) .

([15]) انْظُرْ «إحْيَاءَ عُلُومِ الدِّيْنِ» للغَزاليِّ (2/311) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 7 )
 الزيارات الفريدة: ( 2128400)