البَابُ الرَّابِعُ: البَدِيْلُ عَنْ (كُرَةِ القَدَمِ)
عدد مرات القراءة: 792788

البَابُ الرَّابِعُ

البَدِيْلُ عَنْ (كُرَةِ القَدَمِ)

لَقَدْ بَاتَ مِنَ المُسَلَمَّاتِ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ومُؤْمِنَةٍ: أنَّ الدِّيْنَ الإسْلامِيَّ دِيْنٌ شَامِلٌ كَامِلٌ لأمْرِ الدِّيْنِ والدُّنْيا، فَهُوَ كَافِلٌ لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ، ولِكُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، ولِكُلِّ إنْسَانٍ وجَانٍّ، لا يَقْبَلُ الله سِوَاهُ، ولا يَرْحَمُ غَيْرَ أهْلِهِ، ولا يَسَعُ أحَدًا الخُرُوْجَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُ حُكْمًا سِوَاهُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة44].

وقَوْلُه صلى الله عليه وسلم: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِه الأمَّةِ؛ يَهُوْدِيٌّ، ولا نَصْرَانِيُّ، ثُمَّ يَمُوْتُ، ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

- فَإذَا عُلِمَ مَا هُنَا؛ وهُوَ شُمُوْلِيَّةُ هَذَا الدِّيْنِ؛ فَلَنا أنْ نَقِفَ بَعْدَها مَعَ مَا يُسَمَّى: (البَدِيْلُ)!

أمَّا مَعْرِفَةُ البَدِيْلِ في العِبَادَاتِ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ على مَعْرِفَةِ أصْلِهِ؛ وهُوَ الأصْلُ في العِبَادَاتِ أوَّلاً، كَمَا يَلَي:

قُلْتُ: كَانَ عَلَيْنا أنْ نَسْتَلْهِمَ حَقِيْقَةً شَرْعِيَّةً، وقَاعِدَةً مُحْكَمَةً؛ وهِي: أنَّ الأصْلَ في العِبَادَاتِ الإتْيَانُ بِهَا على وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وعَلَيْه قَالُوا: (الأصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ على مَا كَانَ)، ولَيْسَ لَنَا أنْ نَتْرُكَ الأصْلَ، ونَنْتَقِلَ إلى البَدِيْلِ عَنْه إلاَّ في حَالَتَيْنِ:

الأوْلَى: عِنْدَ عَدَمِ وُجُوْدِ الأصْلِ.

الثَّانِيَة: عِنْدَ عَدَمِ القُدْرَةِ على تَنَاوُلِ الأصْلِ، واسْتِعْمَالِه.

والدَّلِيْلُ على ذَلِكَ، قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6].

* * *

يَقُوْلُ ابنُ كَثِيْرٍ رَحِمَهُ الله في "تَفْسِيْرهِ" (3/ 60): "... بَلْ أبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ المَرَضِ، وعِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، تَوْسِعَةً عَلَيْكُم، ورَحْمَةً بِكُم". وعَلَيْه كَانَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، أو عَدَمِ القُدْرَةِ على اسْتِعْمَالِه مِمَّا دَلَّ عَلَيْه الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والإجْمَاعُ في الجُمْلَةِ(1).

فَعِنْدَ ذَلِكَ كَاَن التَّيَمُّمُ بَدَلاً عَنْ طَهَارَةِ المَاءِ؛ لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِهَا عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ شَرْعًا؛ لأنَّه مُتَرَتِّبٌ عَلَيْها يَجِبُ فِعْلُه عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ، ولا يَجُوْزُ مَعَ وُجُوْدِه إلاَّ لِعُذْرٍ، وهَذَا شَأنُ البَدَلِ.

وقَوْلُه صلى الله عليه وسلم لعُمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: «صَلِّ قَائِمًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعلى جَنْبٍ» البُخَارِيُّ، والآيَاتُ القُرْآنِيَّةُ، والأحَادِيْثُ النَّبَوِيَّةُ في بَيَانِ هَذِه القَاعِدَةِ كَثِيْرَةٌ جِدًّا.

قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (21/ 354): "التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنِ المَاءِ، والبَدَلُ يَقُوْمُ مُقَامَ المُبْدَلِ في أحْكَامِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُمَاثِلاً لَهُ في صِفَتِه: كَصِيَامِ الشَّهْرَيْنِ؛ فإنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الإعْتَاقِ، وصِيَامِ الثَّلاثِ والسَّبْعِ، فإنَّه بَدَلٌ عَنِ الهَدْي في التَّمَتُّعِ، وكَصِيَامِ الثَّلاثَةِ الأيَّامِ في كَفَّارَةِ اليَمِيْنِ؛ فإنَّهُ بَدَلٌ عَنِ التَّكْفيرِ بالمَالِ، والبَدَلُ يَقُوْمُ مُقَامَ المُبْدَلِ".

فَإذَا عَلِمْنَا حَقِيْقَةَ البَدَلِ، والمُبْدَلِ، وهِيَ: أنْ يَأتِيَ المُسْلِمُ بالعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ على الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ مَعَ القُدْرَةِ، وأنَّ البَدَلَ حَالَةٌ ثَانِيَةٌ شُرِعَتْ للمُسْلِمِ عِنْدَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الإتيْاَنِ بالعِبَادَةِ على أصْلِها الشَّرْعِيِّ ابْتِدَاءً.

* * *

فَنَقُوْلُ حِيْنَئِذٍ؛ لَيْسَ للدُّعَاةِ اليَوْمَ، أنْ يَتَكَلَّفُوا طَرَائِقَ مُلْتَوِيَةً في دَعْوَتِهِم، أو يَجْعَلُوا مِنَ البَدَائِلِ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، وأصُوْلاً ثَابِتَةً، وغَايَاتٍ مَقْصُوْدَةً!

وهَذَا للأسَفِ مَا عَلَيْه كَثِيْرٌ مِنْ دُعَاةِ اليَوْمِ؛ يَوْمَ جَعَلُوا مِنْ أنْفُسِهِم أهْلَ حِكْمَةٍ، وأصْحَابَ دَعْوَةٍ عَصْرِيَّةٍ تَتَمَاشَى مَعَ الوَاقِعِ، وتَتَكَيَّفَ مَعَ ضُغُوْطِه!

لِذَا نَرَاهُم لا يَلْوُنَ على أحَدٍ في الرِّضَى بالقَلِيْلِ في دَعْوَتِهم؛ ولَوْ على حِسَابِ التَّبَسُّطِ في المُبَاحَاتِ، والتَّكَلُّفِ في الكَلِمَاتِ، والتَّنَطُّعِ في وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ، مِمَّا أخْرَجَهُم هَذَا الحَدُّ مِنَ الاعْتِدَالِ والاقْتِصَادِ مِنْ حِكْمَةِ الدَّعْوَةِ إلى حَالٍ مَشِيْنٍ، ودَعْوَةٍ هَزِيْلَةٍ ضَعِيْفَةٍ!

* * *

- فَكَانَ مِنْ سَوْءاتِ حَصَائِدِ هَذِه الدَّعَوَاتِ الغَارِقَةِ في البَدَائِلِ مَا يَلِي باخْتِصَارٍ:

أوَّلاً: أنَّهُم جَعَلُوا مِنَ البَدَائِلِ أُصُوْلاً ثَابِتَةً، وغَايَاتٍ مَقْصُوْدَةً، وفي هَذَا ارْتِكَاسٌ عَنِ الأُصُوْلِ الشَّرْعِيَّةِ، والغَايَاتِ المَنْشُوْدَةِ.

ثَانِيًا: أنَّهُم بِهَذِه الطَرَائِقِ الهَزِيْلَةِ سَعَوْا في غِشِّ كَثِيْرٍ مِنَ العَائِدِيْنَ إلى الله تَعَالَى، وذَلِكَ بإشْعَارِهِم بطَرِيْقٍ أو آخَرَ: أنَّ العَوْدَةَ إلى الله تَعَالى، والتَّوْبَةَ مِنَ المَعَاصِي تَحْصُلُ عِنْدَ البَدَائِلِ، وتَنْتَهِي إلَيْها، مِمَّا يُضَعِّفُ مِنْ عَزَائِمِ العَائِدِيْنَ إلى الله إذَا عَلِمُوْا فيمَا بَعْدُ أنَّ التَّوْبَةَ إلى الله تَتَطَلَّبُ مِنْهُم الجِدِّيَّةَ في الاسْتِقَامَةِ، والمُجَاهَدَةَ بالنَّفْسِ والنَّفيسِ، والغَالِي والرَّخِيْصِ.

وعِنْدَ هَذَا قَدْ يُخْشَى على بَعْضِهِم مِنَ الفُتُوْرِ بَعْدَ النُّشُوْرِ، والحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ؛ حَتَّى إنَّ بَعْضَهم عَيَاذًا بالله قَدِ انْتَكَسَ على أمِّ رَأسِه!

ثَالِثًا: أنَّهُم بِهَذِه الطَّرَائِقِ يَكُوْنُوْنَ قَدْ سَوَّغُوا للعَامَّةِ، والعُصَاةِ أنْ يَبْقَوْا على مَا هُمْ عَلَيْه؛ ولَكِنْ بِطَرِيْقَةٍ أُخْرَى (شَرْعِيَّةٍ!): وذَلِكَ بدَفْعِهِم إلى التَّبَسُّطِ، والإسْرَافِ في المُبَاحَاتِ، وفُضُوْلِ اللَّعِبِ، والكَلامِ، والنَّوْمِ، والنَّظَرِ، والمُخَالَطَةِ.

رَابِعًا: أنَّهُم بِهَذِه الطَرَائِقِ قَدْ أُصِيْبُوا بالاسْتِسْلامِ، والاسْتِكَانَةِ للوَاقِعِ المَرِيْرِ، يَوْمَ نَرَاهُم يَتَنَزَّلُوْنَ بِدَعْوَتِهم وحِكْمَتِهم إلى مُسْتَوَى العَامَّةِ والعُصَاةِ، ومُجَارَاتُهم فيمَا هُمْ عَلَيْه عَنْ طَرَائِقَ، ووَسَائِلَ دَعَوِيَّةٍ هَزِيْلَةٍ، ضَعِيْفَةٍ!

خَامِسًا: أنَّهُم بِهَذِه الطَرَائِقِ قَدْ رَجَعُوا عَنِ الدَّعْوَةِ السَّلَفيةِ، وهِيَ الدَّعْوَةُ الجَادَّةُ المُسْتَقِيْمَةُ النَّبَوِيَّةُ دُوْنَ مُوَارَبَةٍ، أو مُجَامَلَةٍ، بأنْ يَقُوْلُوا للمُسِيْءِ أسَأتَ، وللمُحْسِنِ أحْسَنْتَ، والصَّدْعُ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، وألاَّ تَأخُذْهُم في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.

وهَذَا هُوَ الأصْلُ في الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولَمْ يَخْرَجْ عَنْه أحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إلاَّ في حَالاتٍ يَسِيْرةٍ تُقَدَّرُ بِقَدَرِها، وذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ المَدْعُوِّ لا غَيْرَ، أمَّا أنْ تُجْعَلَ هَذِه البَدَائِلُ أصُوْلاً دَعَوِيَّةً تُمَرَّرُ على سَائِرِ المَدْعُوِّيْنَ، فَلا!

ونَحْنُ، وهُمْ (للأسَفِ!) إذَا كُنَا لا نَرْضَى بِمَا تُفْرِزُه بَعْضُ الجَمَاعَاتِ الإسْلامِيَّةِ في مَجَالاتِ الدَّعْوَةِ... إلاَّ أنَّنا نَجِدُ بَعْضَ دُعَاةِ اليَوْمَ (السَّلَفييْنَ!) قَدْ قَنِعُوا بدَعْوَةِ التَّائِبِيْنَ إلى الله عِنْدَ حَدِّ اللَّعِبِ والمُخَالَطَةِ، والخَرَجَاتِ، والزِّيَارَاتِ السَّائِرَةِ!

فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُوْلُ لِمَنْ يَرَى: إبَاحَةَ لُعْبَةِ (كُرَةِ القَدَمِ) السَّالِمَةِ (قَطْعًا) مِنَ المَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، لا بُدَّ مِنْ تَفْصِيْلاتٍ، وضَوَابِطَ كَيْ تَسْلَمَ لَنَا هَذِه اللُّعْبَةُ الشَّوْهَاءُ مِنْ هَذِه المَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ بِطَرِيْقٍ، أو آخَرَ، وإلاَّ وَقَعْنَا فيمَا فَرَرْنَا مِنْهُ، ولا بُدَّ!

* * *

وقَبْلَ أنْ نَقِفَ مَعَ بَيَانِ هَذِه الضَّوَابِطِ؛ كَانَ عَلَيْنا أيْضًا أنْ نَعْلَمَ جَمِيْعًا أنَّ طَائِفَةً كَبِيْرَةً مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ قَدِ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِم خَضْرَاءُ الدِّمَنِ (كُرَةُ القَدَمِ) مِمَّا كَانَ لِزَامًا عَلَيْنا أنْ نَسَعَى في تَقْرِيْبِ هَذِه اللُّعْبَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ تَقْرِيْبًا مَقْبُوْلاً في الجُمْلَةِ، لِمَنْ يَرَى إبَاحَةَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ الخَالِيَةِ مِنَ المَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ كَيْ نَضَعَ بَيْنَ أيْدِيْهِم بَعْضَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَحْسِبُها قَدْ تُخْرِجُ (كُرَةَ القَدَمِ) مِنْ ثَوْبِها المَحْمُوْمِ، ووَصْفِها المَحْظُوْرِ إلى وَسِيْلَةِ إلْهَاءٍ، وتَرْوِيْحٍ، وتَرْفيهٍ.

ونَحْنُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيْبِ الجَدِيْدِ مُوْقِنُوْنَ: بأنَّ لُعْبَةَ (كُرَةِ القَدَمِ) في ثَوْبِها الجَدِيْدِ؛ لَهِي مِنَ البَاطِلِ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِه على الحَقِّ، في حِيْنَ كَانَ الأوْلى بِنَا جَمِيْعًا أنْ نَسْتَغْنِيَ بالألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ الإسْلامِيَّةِ لاسِيَّما الفُرُوْسِيَّةِ مِنْها عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ الإفْرَنْجِيَّةِ.

كَمَا قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتَابِه "الفُرُوسِيَّةِ" (2/ 92): "وقَدْ أغْنَانَا الله بالفُرُوْسِيَّةِ الإيْمَانِيَّةِ، والشَّجَاعَةِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي تَأثِيْرُها في الغَضَبِ على أعْدَائِه، ونُصْرَةِ دِيْنِه، عَنِ الفُرُوْسِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يُبْعَثُ عَلَيْها الهُوَى، وحَمَيَّةُ الجَاهِلِيَّةُ" انْتَهَى.

وكَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ حُمُوْدٌ التُّوَيْجِرِيُّ رَحِمَهُ الله في "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (15/ 217، 229): "فإنِ ادَّعَى المُتَشَبِّهُوْنَ بأعْدَاءِ الله تَعَالَى، أنَّهُم إنِّمَا يُرِيْدُوْنَ باللَّعِبِ بالكُرَةِ: رِيَاضَةَ الأبْدَانِ، لِتَعْتَادَ على النَّشَاطِ، والصَّلابَةِ.

فَالجَوَابُ أنْ يُقَالَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ للمُسْلِمِيْنَ في الرِّياضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ غُنْيَةً، ومَنْدُوْحَةً، عَنِ الرِّيَاضَاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: المُسَابَقَةُ على الخَيْلِ، وقَدْ سَابَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُما، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحَابُه، والمُسْلِمُوْنَ بَعْدَهُم".

وقَالَ أيْضًا رَحِمَهُ الله: "ومَنْ لَمْ يَكْتَفِ بالرِّياضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، فلا كَفَاهُ الله، ولا وَسَّعَ عَلَيْه في الدُّنْيِا والآخِرَةِ، ومَنْ آثَرَ الرِّيَاضَاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ على الرِّيَاضَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَذَلِكَ عُنْوَانٌ على زَيْغِ قَلْبِه، عَيَاذًا بالله مِنْ مُوْجِبَاتِ غَضَبِهِ" انْتَهَى.

* * *

- ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى كَانَ لَنَا أنْ نَضَعَ نُصْبَ أعْيُنِنا هَذِه الضَّوَابِطَ والمَلْحُوْظَاتِ كَيْ تَسْلَمَ لَنَا لُعْبَةُ (كُرَةِ القَدَمِ) مِنَ المَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ:

أوَّلاً: أنْ لا تَتَقَيَّدْ بأنْظِمَةِ، وقَوَانِيْنِ (كُرَةِ القَدَمِ) المَعْرُوْفَةِ: كالتَّقْيِيْدِ بعَدَدِ اللاعِبِيْنَ، ومَسَاحَةِ المَلْعَبِ، وكَذَا بَابِه، وزَمَنِ اللِّعِبِ، والأحْكَامِ الجَزَائِيَّةِ(2) إلخ.

ثَانِيًا: عَدَمُ تَحَيُّزِ اللاعِبِيْنَ تَحْتَ مَظَلَّةِ: نَادٍ، أو مَلْعَبٍ، أو لَوْنٍ، أو إقْلِيْمٍ، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُوْنَ سَبَبًا للشَّحْنَاءِ، والعَدَاوَةِ، والبَغْضَاءِ، والتَّحْرِيْشِ!

ثَالِثًا: عَدَمُ التَّقْيِيْدِ بلاعِبِيْنَ رَسْمِيِّيْنَ مُعَيَّنِيْنَ دُوْنَ آخَرِيْنَ؛ بَلْ يَتَبَادَلُ كُلٌّ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ اللاعِبِيْنَ فيمَا بَيْنَهُما، فَتَارَةً يَلْعَبُ هَؤلاءِ مَعَ أوْلَئِكَ، وأوْلَئِكَ مَعَ هُؤلاءِ، وهَلُمَّ جَرًّا، كُلُّ ذَلِكَ دَفْعًا لأسْبَابِ التَّحْزُّبِ، والشَّحْنَاءِ، والعَدَاوَةِ، والبَغْضَاءِ، والتَّحْرِيْشِ!

رَابِعًا: عَدَمُ لِبْسِ المَلابِسِ الرِّيَاضِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ؛ بَلْ يَلْبَسُوْنَ سَرَاوِيْلَ طَوِيْلَةً وَاسِعَةً، ومِنَ فَوْقِها قُمْصَانُ سَاتِرَةٌ تَبْلُغُ حَدَّ الرُّكْبَةِ، خَوْفًا مِنْ تَجْسِيْمِ العَوْرَةِ.

خَامِسًا: تَعْيِيْنُ اللاعِبِيْنَ، وعَدَدِ الإصَابَاتِ؛ دُوْنَ اعْتِبَارٍ للوَقْتِ(3).

سَادِسًا: مُجَانَبَةُ، وتَرْكُ كُلِّ مَا هُنَالِكَ مِنَ المَحْظُوْرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَرَّتْ مَعَنا آنِفًا، والله تَعَالَى أعْلَمُ.


 

([1]) انْظُرْ «المُغْني» (1/310)، و«شَرْحَ الزَّرْكشي» (1/324)، و«المُبْدِعَ» (1/205) .

([2]) الأحْكَامُ الجَزَائِيَّةُ هُنَا : مَا كَانَ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الله تَعَالَى، أمَّا مَا كَانَ مِنْها للتَّنْظِيْمِ والتَّرْتِيْبِ؛ فَلا بَأسَ .

([3]) انْظُرْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مُفَصَّلَيْنِ في المَحْظُوْرِ الثَّامِنِ والتَّاسِعِ بَعْدَ الثَّلاثِيْنَ، مِنْ كِتَابِ «حَقِيْقَةِ كُرَةِ القَدَمِ» .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 11 )
 الزيارات الفريدة: ( 2128387)