البَابُ الثَّانِي: الفَوَائِدُ والتَّنْبِيْهَاتُ
عدد مرات القراءة: 820622

البَابُ الثَّانِي

الفَوَائِدُ والتَّنْبِيْهَاتُ

- وفِيْهِ خَمْسُ تَنَابِيْه

***

فوَائِدُ وتَنْبِيْهَاتٌ

هُنَاكَ بَعْضُ الفَوَائِدِ والتَّنَابِيْهِ؛ كَانَ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ أنْ يَأخُذَها بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ؛ حَتَّى يَتَسَنَّى لَهُ الطَّرِيْقُ، ويَسْتَبِيْنَ لَهُ (المَنْهَجُ العِلْمِيُّ) حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ إنْ شَاءَ اللهُ!

- التَّنْبِيْهُ الأوَّلُ: أنَّ طَالِبَ العِلْمِ هُوَ صَاحِبُ القَرَارِ لاخْتِيَارِ مَا يُوَافِقُ قُدُرَاتِه العِلْمِيَّةَ مِنْ إحْدَى المَرَاحِلِ الأرْبَعِ، كَمَا لَهُ حَقُّ التَّنقُّلِ، واخْتِيَارُ مَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا مِنْ مَجْمُوْعِ هَذِه المَرَاحِلِ، شَرِيْطَةَ أنْ يَكُوْنَ قَدْ أتْقَنَ المَرْحَلَةَ الأُوْلَى والثَّانِيَةَ، أو مَا يُقَارِبَها مِنَ المُتُوْنِ المُخْتَصَرَةِ.

وأضِفْ هُنَا أمْرًا مِنَ الأهَمِيَّةِ بِمَكَانٍ: وهُوَ أنْ يَعْلَمَ طَالِبُ العِلْمِ بأنَّ المَرْحَلَتَيْنِ الأوَّلَتَيْنِ هُنَا؛ لَهِي مِنْ أهَمِّ المَرَاحِلِ العِلْمِيَّةِ في «البَرْنَامِجِ العِلْمِيِّ» فَعَلَيْهُما المُعْتَمَدُ (بَعْدَ اللهِ) لِفَهْمِ مَا سِوَاهُمَا، وهُمَا الوِرْدُ الصَّافي الَّذِي يَصْدُرُ الطَّالِبُ مِنْهُمَا، فلا تَعْجَلَنَّ اجْتِيَازَهُمَا، ولا تَسْتَثْقِلَنَّ مُدَارَسَتَهُما!

* * *

- التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: أنَّ طَالِبَ العِلْمِ إذَا تَجَاوَزَ مَرَاحِلَ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) الأرْبَعِ، فإنِّنَا نَدْفَعُ بِهِ (وبِمَنْ هَذِه حَالُه) أنْ يَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى، وأنْ يَلْزَمَ الجَادَّةَ في الاسْتِقَامَةِ عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ عَقِيْدَةً ومَنْهَجًا، وأنْ يَأخُذَ بآدَابِ الطَّلَبِ، وسَنَنِ العِلْمِ والحِلْمِ، وخَفْضِ الجَنَاحِ، ودَمَاثَةِ الأخْلاقِ، وأنْ يَتَدَثَّرَ بِثِيَابِ التَّوَاضُعِ، وسِمَةِ أهْلِ العِلْمِ، فَذَلِكَ المُتَنَاهِي في الفَضْلِ، العَالِي في ذُرَى المَجْدِ، الحَاوِي قَصَبَ السَّبْقِ، الفَائِزُ بِخَيْرِ الدَّارَيْنِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى!

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «يَنْبَغِي للفَقِيْهِ أنْ يَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأسِهِ تَوَاضُعًا للهِ، وشُكْرًا لَهُ»(1).

* * *

- التَّنْبِيْهُ الثَّالِثُ: أنْ يَرْفَعَ طَالِبُ العِلْمِ رَأسًا بعَمَلِ مَا عَلِمَ، وأنْ يَصْبِرَ عَلَى الدَّعْوَةِ إلى اللهِ تَعَالَى، إذِ الصَّبْرُ شَرْطٌ في نَيْلِ كُلِّ عَزِيْزٍ وغَالٍ.

- ومِنْ مَحَاسِنِ الشِّعْرِ في الصَّبْرِ، مَا قَالَهُ ابنُ هِشَامٍ النَّحْوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَنْ يَصْطَبِرْ للعِلْمِ يَظْفَـــــــــــــرْ بنَيْلِـهِ    ومَنْ يَخْطُبِ الحَسْنَاءَ يَصْبِرْ عَلَى البَذْلِ

    ومَنْ لَمْ يُذِلَّ النَّفْسَ في طَلَبِ العُلا    يَسِيْرًا يَعِشْ دَهْرًا طَوِيْلاً أخَا ذُلِّ

* * *

فَلا يَرَاكَ اللهُ يَا طَالِبَ العِلْمِ إلاَّ: مُتَعَلِّمًا أو عَامِلاً، مُجَاهِدًا أو مُجْتَهِدًا.

كَمَا قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في «زَادِ المَعَادِ» (3/ 10): «فإذَا اسْتَكْمَلَ (العَبْدُ) هَذِه المَرَاتِبَ الأرْبَعَ (العِلْمَ، والعَمَلَ بِهِ، والدَّعْوَةَ إلَيْه، والصَّبْرَ عَلَيْه)؛ صَارَ مِنَ الرَّبَّانِيِّيْنَ!

فَإنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُوْنَ عَلَى أنَّ العَالِمَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسمَّى رَبَّانِيًّا؛ حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ، ويَعْمَلَ بِهِ، ويُعَلِّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ؛ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيْمًا في مَلَكُوْتِ السَّمَوَاتِ» انْتَهَى.

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «العِلْمُ يَهْتِفُ بالعَمَلِ، فإنْ أجَابَهُ وإلاَّ ارْتَحَلَ».

وعَنْ أيُّوْبَ السِّخْتِيَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: قَالَ لِي أبُو قِلابةَ: «إذَا أحْدَثَ اللهُ لَكَ عِلْمًا فأحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، ولا يَكُنْ هَمُّكَ أنْ تُحَدِّثَ بِهِ».

وقَالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «كُنَّا نَسْتَعِيْنُ عَلَى حِفْظِ الحَدِيْثِ بالعَمَلِ بِهِ»(2).

* * *

وأُعِيْذُكَ باللهِ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ عِلْمِ المُنَافِقِ!، وقَدْ قِيْلَ: «عِلْمُ المُنَافِقِ في قَوْلِه، وعِلْمُ المُؤْمِنِ في عَمَلِه»(3).

 فاللهَ اللهَ: «زَيِّنُوا العِلْمَ، ولا تَتَزَيَّنُوا بِه»(4).

* * *

- التَّنْبِيْهُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ إنَّ العِلْمَ نِصْفَانِ.

* نِصْفٌ: مَا حَوَتْهُ قَمَاطِرُ العِلْمِ؛ ابْتِدَاءً بالوَحْيَيْنِ (الكِتَابِ والسُّنَّةِ) ومَا تَخَرَّجَ مِنْهُما، أو حَامَ حَوْلَهُما، وانْتِهَاءً بِمَا تَضَمَّنَه «المَنْهَجُ العِلْمِيُّ» مِنْ تَنَابِيْهَ وعَزَائِمَ... إلخ.

* ونِصْفٌ: هُوَ قَوْلُكَ فيمَا لا تَعْلَمُ: لا أعْلَمُ، لا أدْرِي!

يَقُوْلُ أبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللهُ: «قَوْلُ الرَّجُلِ فيما لا يَعْلَمُ: لا أعْلَمُ، نِصْفُ العِلْمِ»(5).

فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ العَالِمَ إذَا أخْطَأ: (لا أدْرِي) فَقَدْ أُصِيْبَتْ مَقَاتِلُهُ!

فَحَذَارَ حَذَارَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ تَنَكُّبِ سَنَنِ أهْلِ العِلْمِ السَّالِفينَ فِيْمَا لا عِلْمَ لَكَ فِيْهِ، بأنْ تَقُوْلَ: لا أدْرِي، فَمَا أبْرَدَها الَيْوَمَ عَلَى الكَبِدِ، ومَا أحَرَّهَا يَوْمَ المَرَدِّ!

فَإنْ كَانَ العِلْمُ (بِـلا أدْرِي) نِصْفَ العِلْمِ، فَهِي واللهِ الجَهْلُ كُلُّهُ إذَا جُهِلَتْ!

* * *

- قَالَ الرَّاجِزُ(6):

فَإنْ جَهِلْتَ مَــا سُئِلْتَ عَنْهُ    ولَـمْ يَكُنْ عِنْـدَكَ عِلْـمٌ مِنْـهُ

فَلا تَقُـلْ فيه بِغَيْرِ فَهْـــمِ    إنَّ الخَطَـأ مُـزْرٍ بأهْـلِ العِلْـمِ

وقُلْ إذَا أعْيَاكَ ذَاكَ الأمْـرُ    مَالِي بِمَا تَسْـألُ عَنْـهُ خَبـَرُ

فَذَاكَ شَطْرُ العِلْمِ عَنِ العُلَمآ    كَذَاكَ مَا زَالَتْ تَقُوْلُ الحُكَمآ

* * *

قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُوْلُ: إذَا أخْطَأ العَالِمُ لا أدْرِي أُصِيْبَتْ مَقَاتِلُهُ»، وبِمِثْلِهِ قَالَ كَثِيْرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ(7).

- فلا تَكُنْ كَمَنْ قِيْلَ لَهُ(8):

                                         جَهِلْتَ فَعَادَيْتَ العُلُوْمَ وأهْلَهَـا

                                                            كَذَاكَ يُعَادِي العِلْمَ مَنْ هُوَ جَاهِلُه

                                         ومَنْ كَانَ يَهْوَى أنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا

                                                                  ويَكْرَهُ «لا أدْرِي» أُصِيْبَتْ مَقَاتِلُه

* * *

قَالَ ابنُ وَهْبٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَوْ كَتَبْنا عَنْ مَالِكٍ: لا أدْرِي، لَمَلأنا الألْوَاحَ».

وعَنْ أبِي الذَّيَّالِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «تَعَلَّمْ لا أدْرِي، فإنَّكَ إنْ قُلْتَ: لا أدْرِي، عَلَّمُوْكَ حَتَّى تَدْرِي، وإنْ قُلْتَ: أدْرِي، سَألُوْكَ حَتَّى لا تَدْرِي!»(9).

وهَذا الإمامُ الآجُرِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ نَرَاهُ في كِتَابِ «أخْلاقِ العُلَمَاءِ» (108) يُحَذِّرُ أهْلَ العِلْمِ مِنْ تَرْكِ «لا أدْرِي» فيما لا عِلَمَ لَهُم بِه، بِقَوْلِه:

«وأمَّا الحُجَّةُ للعَالِمِ يُسْألُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَعْلَمُه فَلا يَسْتَنْكِفْ أنْ يَقُوْلَ: لا أعْلَمُ، إذا كَانَ لا يَعْلَمُ، وهَذَا طَرَيِقُ أئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ بَعْدَهُم مِنَ أئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ. اتَّبَعُوا في ذَلِكَ نَبِيَّهُم ؛ لأنَّه كَانَ إذا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فيه عِلْمُ الوَحْي مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَقُوْلُ: «لا أدْرِي».

وهَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فيه عِلْمٌ أنْ يَقُوْلَ: اللهُ أعْلَمُ، ولا عِلْمَ لِي بِه، ولا يَتَكَلَّفْ مَا لا يَعْلَمُه، فَهُوَ أعْذَرُ لَهُ عِنْدَ اللهِ، وعِنْدَ ذَوِي الألْبَابِ» انْتَهَى.

* * *

- التَّنْبِيْهُ الخَامِسُ: فإنَّني أهْمِسُ وأُهَمْهِمُ في أُذُنِ طَالَبِ العِلْمِ (إسْرَارًا لا جِهَارًا): أنَّ طَالِبَ العِلْمِ إذا أتْقَنَ مَرَاحِلَ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) الأرْبَعِ، مَعَ مَا هُنَالِكَ مِنَ التَّنَابِيْهِ، والفَوَائِدِ، والعَزَائِمِ المَرْقُوْمَةِ في مَثَانِي (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ):

فَهُو أهْلٌ للفَتْوَى، والتَّصَدُّرِ للدَّرْسِ والتَّعْلِيْمِ، وإنَّي عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِيْنِ، واللهُ خَيْرٌ شَاهِدًا وحَافِظًا!

 


 

([1]) انْظُرْ: «سِيَرَ أعْلامِ النُّبَلاءِ» للذَّهَبِيِّ (10/ 53).

([2]) انْظُرْ الآثَارَ في «جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ» لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (1/ 653، 707، 709 ).

([3]) انْظُرْ: «اقْتِضَاءَ العِلْمِ العَمَلُ» للخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (38).

([4]) انْظُرْ: «جَامِعَ العِلْمِ» لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (1/ 665)، و«الحِلْيَةَ» لأبِي نُعَيْمٍ (6/ 399).

([5]) انْظُرْ: «جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ» لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (2/ 842).

([6]) السَّابِقُ (2/ 842).

([7]) انْظُرْ: «جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ» لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (2/ 839)، و«تَذْكِرَةَ السَّامِعِ والمُتَكَلِّمِ» لابْنِ جَمَاعَةَ (42)، و«الفَقِيْهَ والمُتَفَقِّهَ» للخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (2/ 172).

([8]) انْظُرْ: «أدَبَ الدُّنْيا والدِّيْنِ» للمَاوَرْدِيِّ (42).

([9]) انْظُرْ الآثَارَ في «جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ» لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (2/ 839، 842).

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 35 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208642)