البَابُ الرَّابِعُ: فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ، وحُكْمُ سَبِّهِم، والذَّبُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ
عدد مرات القراءة: 820629

البَابُ الرَّابِعُ

- الفَصْلُ الأوَّلُ: فَضَائِلُ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.

- الفَصْلُ الثَّانِي: وُجُوبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ.

- الفَصْلُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلْصَّحَابَةِ.

- الفَصْلُ الرَّابِعُ: عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ.

- الفَصْلُ الخَامِسُ: حُكْمُ مَن سَبَّ الصَّحَابَةِ.

- الفَصْلُ السَّادِسُ: فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

 

***

الفَصْلُ الأَوَلُ

فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

إنَّ فَضَائِلَ وشَمَائِلَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم في الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وكَلامِ السَّلَفِ، أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِنْ أنْ تُذْكَرَ؛ فَهَذِهِ المَكْتَبَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ مَلِيْئَةٌ بِكُتُبِ فَضَائلِهِم وشَمَائِلِهِم ومَنَاقِبِهِم وسِيَرِهِم، وَهَذَا لاَ يَخْفَى عَلى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوفِيْقُ والعِصْمَةُ(1).

إلاَّ أنَّنا أحْبَبْنا أنْ نَقِفَ بالقَارِئ الكَرِيْمِ على بَعْضِ ما ذُكِرَ في فَضَائِلِهِم بِعَامَّةٍ، أمَّا ذِكْرُ ما وَرَدَ في فَضَائلِهِم على وَجْهِ الخُصُوصِ فَلَمْ نُشِرْ إِليْهِ؛ لأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ بَحْثِنَا؛ اللَّهُمَّ مَا كَانَ مِن ذِكْرِ فَضَائِلِ: مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لأنَّ الكَلامَ حَوْلَهُ قَدْ أَخَذَ مَنْحَىً آخَرَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ والبِدَعِ، وعَلَيْهِ تَأَثَّرَ بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ بِهِ إمَّا جَهْلًا، وإمَّا سُوْءَ طَوِيَّةٍ عَيَاذًا بِاللهِ!

أَمَّا فَضْلُ الصَّحَابَةِ بِعَامَّةٍ فَهَاكَ طَرَفًا مِنْهَا، عَسَانِي أُطَرِّبُ(2) سَمْعَكَ، وأُثْلِجُ صَدْرَكَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

فَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَبْلَغِ الثَّنَاءِ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ عَلَى السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُم بِإحْسَانٍ، حَيْثُ أَخْبَرَ تَعَالَى أنَّهُ رَضِيَ عَنْهُم، ورَضُوْا عَنْهُ بِمَا مَنَّ عَلَيْهِم وأكْرَمَهُم مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ خَالِدِيْنَ فِيهَا أبَدًا، وقَد خَسِرَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذَا مَنْ مَلأ قَلْبَهُ بِبُغْضِهِم، واسْتَعْمَلَ لِسَانَهُ في سَبِّهِم، والوَقِيعَةِ فِيْهِم عَيَاذًا بِاللهِ!

وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:59].

وقَدْ أَطْبَقَ كَثِيْرٌ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ المُصْطَفِيْنَ هُنَا في الآيَةِ: هُم أصْحَابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بَلْ هُم أوْلى النَّاسِ يَقِينًا بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ.

قَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في "جَامِعِ البَيَانِ" (20/ 2): "(الَّذِينَ اصْطَفَاهُم) يَقُولُ: الَّذِينَ اجْتَبَاهُم لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَهُم أَصْحَابَهُ ووُزَرَاءهُ عَلَى الدِّيْنِ الَّذِي بَعَثَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيهِ دُوْنَ المُشْرِكِيْنَ بهِ الجَاحِدِيْنَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِم، ثُمَّ ذَكَرَ بِإسْنَادِهِ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ في تَّأوِيْلِ هَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ اصْطَفَاهُم اللهُ لِنَبِيِّهِ"، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبَارَكِ.

* * *

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في "مِنْهاجِ السُّنةِ" (1/ 156)؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: "قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: هم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا رَيْبَ أنَّهُم أفْضَلُ المُصْطَفِيْنَ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ".

وقَالَ السَّفَّارِيْنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ (1189) في "لَوامِعِ الأنْوارِ البَهِيَّةِ" (2/ 384)؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: "هُم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم".

وقَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[الفتح: 29].

وهَذِه الآيَةُ كَذَلِكَ تَضَمَّنَتْ مَنْزِلَةَ الرَّسُوْلِ صلى الله عليه وسلم بالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالى فيها بالثَّنَاءِ على سَائِرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجْمَعِيْنَ.

* * *

وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: «صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ: فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوْعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» أخْرجَهُ مُسْلِمٌ.

فَهَذَا الحَدِيْثُ قَدْ تَضَمَّنَ فَضِيْلَةَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم على وجْهِ العُمُوْمِ كما اشْتَمَلَ على بَيَانِ مَنْزِلَتِهِم ومَكَانَتِهِمُ العَالِيَةِ في الأمَّةِ وذَلِكَ بأنَّهُم في الأمَّةِ بِمَنْزِلَةِ النُّجُوْمِ مِنَ السَّمَاءِ.

وعَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً؟

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويُنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في "مَجْمُوعِ الفَتاوَى" (4/ 430) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ بَعْضَ الأحَادِيْثِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: "وهذه الأحَادِيْثُ مُسْتَفِيْضَةٌ؛ بل مُتَوَاتِرَةٌ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِم، وتَفْضِيْلِ قَرْنِهِم على مَنْ بَعْدَهُم مِنَ القُرُونِ، والقَدْحُ فِيْهِم قَدْحٌ في القِرْآنِ والسُّنَّةِ".

* * *

أمَّا ذِكْرُ فَضَائلِهِم عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَحَدِيْثٌ ذُو شُجُونٍ لا تَشْبَعُ مِنْهُ النُّفُوسُ.

فهَاكَ بَعْضَ ما قَالَهُ حَبْرُ الأمَّةِ تُرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "إنَّ اللهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُهُ- خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِصَحَابَةٍ آثَرُوْهُ على الأنْفُسِ والأمْوَالِ، وبَذَلُوا النَّفْسَ دُوْنَهُ في كُلِّ حالٍ، ووَصَفَهُم اللهُ في كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29].

قامُوا بِمَعَالِمِ الدِّيْنِ، وناصَحُوا الاجْتِهَادَ لِلمُسْلِمِيْنَ حَتى تَهَذَّبَتْ طُرُقُهُ، وقَوِيَتْ أسْبَابُهُ وظَهَرَتْ آلاءُ اللهِ، واسْتَقَرَّ دِيْنُهُ وَوَضَحَتْ أعْلامُهُ، وأذَلَّ بِهِمُ الشِّرْكَ، وأزَالَ رُؤُوْسَهُ ومَحَا دَعَائِمَهُ، وصَارَتْ كَلِمَةُ اللهِ العُلْيَا، وكَلِمَةُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى، فَصَلَوَاتُ اللهِ ورَحْمَتُهُ وبَرَكَاتُهُ على تِلْكَ النُّفُوْسِ الزَّكِيَّةِ، والأرْوَاحِ الطَّاهِرَةِ العَالِيَةِ، فَقَدْ كانُوا في الحَياةِ للهِ أوْلِيَاءَ، وكانُوا بَعْدَ المَوْتِ أحْيَاءَ (بِذِكْرِهِم)، وكانُوا لِعِبَادِ اللهِ نُصَحَاءَ، رَحَلُوا إلى الآخِرَةِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إليْهَا، وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وهُم بَعْدُ فِيْهَا"(3).

* * *

ورَوَى ابْنُ بَطَّةَ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ كان مِنْكُمْ مُسْتَنًا فلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فإنَّ الحَيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُوْلَئِكَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ كانُوا واللهِ أفْضَلَ هذه الأمَّةِ، وأبَرَّها قُلُوْبًا، وأعْمَقَهَا عِلْمًا وأقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمًا أخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقَامَةِ دِيْنِهِ، فاعْرِفُوا لَهُم فَضْلَهُم، واتَّبِعُوهُم في آثارِهِم، وتَمَسَّكُوا بِمَااسْتَطَعْتُم مِنْ أخْلاقِهِم ودِيْنِهِم؛ فإنَّهُم كانوا على الهُدَى المُسْتَقِيْمِ"(4).

ورَوَى أبُو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(5) نَحْو كلامِ ابنِ مَسْعُوْدٍ.

* * *

ورَوَى الإمَامُ أحَمْدُ بإسْنَادِهِ إلى قَتَادَةَ بنِ دُعَامَةَ أنَّهُ قال: "أحَقُّ مَنْ صَدَّقْتُمْ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِيْنَ اخْتَارَهُم اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقامَةِ دِيْنِهِ"(6).

قَالَ الإمَامُ أبُو زُرَعَةَ رَحِمَهُ اللهُ: "إذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاعْلَمْ أنَّهُ زِنْدِيْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُوْلَ صلى الله عليه وسلم عِنْدَنَا حَقٌّ، والقُرْآنَ حَقٌ، وإنَّمَا أدَّى إلَيْنَا هذا القُرْآنَ والسُّنَنَ أصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِصلى الله عليه وسلم، وإنَّمَا يُرِيْدُونَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُوْدَنا لِيُبْطِلُوا الكَتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلى وَهُم زَنَادِقَةٌ"(7) رَوَاهُ الخَطِيْبُ، وابْنُ عَسَاكِرَ.

وقَالَ الفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ، وسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ انْتَقَصَ مُعَاوِيَةَ، وعَمْرَو بْنَ العَاصِ أيُقَالُ لَهُ: رَافِضِيٌ؟ قال: "إنَّهُ لم يَجْتَرِئ عَلَيْهِمَا إلاَّ وله خَبِيْثَةُ سُوْءٍ، ما يُبْغِضُ أحَدٌ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ولَهُ دَاخِلَةُ سُوْءٍ"(8).

* * *

وقَالَ العَلاَّمَةُ السَّفَّارِيْنِيُّ في "لوَامِعِ الأنْوارِ البَهِيَّةِ" (2/ 379): "ولا يَرْتَابُ أحَدٌ مِنْ ذَوِي الألْبَابِ أنَّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ هُمُ الَّذِيْنَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، واسْتَوْلَوْا على مَعَالِي الأمُوْرِ مِنَ الفَضْلِ والمَعْرُوْفِ والصِّدْقِ، فالسَّعِيْدُ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُم المُسْتَقِيْمَ، واقْتَفَى مَنْهَجَهُم القَوِيْمَ، والتَّعِيْسُ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيْقِهِم، ولم يَتَحَقَّقْ بِتَحْقِيْقِهِم... فلا مَعْرُوْفَ إلاَّ ما عَنْهُم عُرِفَ، ولا بُرْهَانَ إلاَّ بِعُلُومِهِم كُشِفَ، ولا سَبِيْلَ نَجَاةٍ إلاَّ ما سَلَكُوا، ولا خَيْرَ سَعَادَةٍ إلاَّ ما حَقَّقُوهُ وحَكَوْهُ، فَرِضْوَانُ اللهُ تَعَالى عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ".

وقَدْ قِيْلَ: "كُلُّ خَيْرٍ فِيْهِ المُسْلِمُوْنَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الإيْمَانِ، والإسْلامِ، والقُرْآنِ، والعِلْمِ، والمَعَارِفِ، والعِبَادَاتِ، ودُخُوْلِ الجَنَّةِ والنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وانْتِصَارِهِم على الكُفَّارِ، وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللهِ ـ فإنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ ما فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ الَّذِيْنَ بَلَّغُوا الدِّيْنَ، وجَاهَدُوا في سَبِيْلِ اللهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ باللهِ فَلِلْصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ الفَضْلُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"(9).

* * *

وبِهَذا نَكْتَفِي بِمَا جَاءَ في فَضْلِهِم، والثَّنَاءِ عَلَيْهِم رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجْمَعِيْنَ، ومَنْ أرَادَ زِيَادَةً في فَضْلِهِم فَعَلَيْهِ بِكُتُبِ السُّنَّةِ، والسِّيَرِ، لا سِيَّمَا الكُتُبُ الَّتِي عَنَتْ بِتَرَاجِمِهِم.

لِذَلِكَ لمَّا وَقَفَ عُلَمَاءُ الأمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ سَلَفًا وخَلَفًا حِيَالَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والأحَادِيْثِ النَبَوِيَّةِ، والآثارِ السَّلَفِيَّةِ الدَّالَةِ على فَضْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، قابَلُوْها بالتَّسْلِيْمِ والقَبُولِ مَعَ اعْتِقَادِ فَضْلِهِم، والتَّرُحُّمِ عَلَيْهِم، وذِكْرِ مَحَاسِنِهِم بَيْن النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِذَلِكَ سَلامَةُ صُدُورِهِم وقُلُوْبِهِم تُجَاهَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وهذا كُلُّهُ لا يَسْتَقِيْمُ ولا يَكُوْنُ إلاَّ باعْتِقَادِ ضِدِّهِ، ومُنَابَذَةِ خِلافِهِ.

وذَلِكَ بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وعَدَمِ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِهِ سُوْءُ ظَنٍّ، وضِيْقُ صَدْرٍ، وإثارَةُ شُبَهٍ عَلَيْهِم؛ وهذا يَتَنَافَى مَعَ ما يَجِبُ في حَقِّهِم مِنْ حُبٍّ، وتَرَضٍّ عَنْهُم، وتَرَحُّمٍ عَلَيْهِم، وحِفْظِ فَضَائِلِهِم، والاعْتِرَافِ لَهُم بِسَوَابِقِهِم، ونَشْرِ مَنَاقِبِهِم، وأنَّ الَّذي حَصَلَ بَيْنَهُم إنِّمَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ فالْقَاتِلُ والمَقْتُوْلُ مِنْهُم في الجَنَّةِ، ولم يُجَوِّزْ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ الخَوْضَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ، ولا يُخَالِفُ ذَلِكَ إلاَّ مُبْتَدِعٌ أو جَاهِلٌ!

***

مَا وَقَعَ بَينَ الصَّحَابَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْه

النُّصُوصُ الشَّرْعَيَّةُ

هُنَاكَ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ قَدْ أَشَارَتْ وَأَخْبَرَتْ بِمَا سَيَقَعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم مِنْ قِتَالٍ ونِزَاعٍ مَعَ بَيَانِ فَضْلِهِم وَاصْطِفَائِهِم كَمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، فَمِنْهَا:

مَا رَوَاهُ الشَيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيْمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

فَالمُرَادُ بِالفِئَتَيْنِ في هَذَا الحَدِيْثِ جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَجَمَاعُةُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، والمُرَادُ بالدَّعْوَةِ أيْضًا الإسْلامُ على الرَّاجِحِ، وقِيْل المُرَادُ: اعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُما الحَقَّ(10).

* * *

وعَنْ أبي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهََ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

ففِي هَذَا الحَدِيْثِ شَهَادَةٌ مِنَ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم بإسْلامِ الطَّائِفَتَيْنِ ـ أهْلِ العِرَاقِ وأهْلِ الشَّامِ ـ لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ رَحِمَهُ اللهُ: "قَوْلُهُ: فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا".

قال البَيْهَقِيُّ: "وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ"(11).

* * *

وهَذَا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُوْلُ فِيْمَا رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أبِيْهِ قَالَ: وقَفَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَى قَتْلاهُ وقَتْلَى مُعَاوِيَةَ، فقَالَ: "غَفَرَ اللهُ لَكُم" لِلْفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعًا"(12).

وقَالَ أيْضًا فِيْمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُرْوَةَ (126) قالَ: أخْبَرَني مَنْ شَهِدَ صِفِّيْنَ، قَالَ: رَأيْتُ عَلِيًّا خَرَجَ في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي فَنَظَرَ إلى أهْلِ الشَّام، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولَهُم"(13).

ورَوَى الشَّعْبِيُّ (104) قَالَ: قُلْتُ لِلْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ: ما شَأنُ الحَسَنِ (ابْنِ عَلِيٍّ) بايَعَ مُعَاوِيَةَ؟

قَالَ: إنَّه سَمِعَ مِنْ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ما سَمِعْتُ.

قُلْتُ: ومَا سَمِعْتَ؟

قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: "لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوهُ رَأيْتُم رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِها كأنَّهَا الحَنْظَلُ"(14) ابنُ أبي شَيْبَةَ.

وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: "لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فِإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنَا بالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُونَ"(15).

* * *

وهَذِهِ الأحَادِيْثُ والآثَارُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا قَاطِعَةٌ بأنَّ أهْلَ العِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، وأهْلَ الشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ بأنَّهُم مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ومُتَعلِّقُوْنَ جَمِيْعًا بالحَقِّ، كَمَا شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ(16).

"والكِتَابُ والسُّنَّةُ قَدْ دَلاَّ عَلَى أنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُسْلِمُوْنَ، وأنَّ تَرْكَ القِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ وُجُوْدِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:9]، فَسَمَّاهُم مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الاقتِتَالِ والبَغْي"(17).

***

أقْوَالُ النَّاسِ فِيْمَا وَقَعَ في صِفِّيْنَ

فلا رَيْبَ أنَّ مَا وَقَعَ بَيْنَ العَسْكَرَيْنِ (عَسْكَرِ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ بِصِفِّيْنَ)، لم يَكُنْ لِعَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا اخْتِيَارٌ في الحَرْبِ ابْتِدَاءً؛ بَلْ كَانَا مِنْ أشَدِّ النَّاسِ حِرْصًا على أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ.

وقِتَالُ صِفِّيْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ أقْوَالٌ:

الأوَّلُ: مَنْ يَقُوْلُ: كِلاهُمَا كَانَا مُجْتَهِدًا مُصِيْبًا، وَبِهِ قَالَ أكْثَرُ أهْلِ الكَلامِ، والفِقْهِ، والحَدِيْثِ ممَّنْ يَقُوْلُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيْبٌ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيْرٍ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ، والكُّرَّاميَّةِ وَغَيْرِهِم.

الثَّاني: مَنْ يَقُوْلُ: بَلِ المُصِيْبُ أحَدُهُمَا لا بِعَيْنِهِ.

الثَّالِثُ: مَنْ يَقُوْلُ: عَلِيٌّ هُوَ المٌصِيْبُ وَحْدَهُ، ومُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أهْلِ الكَلامِ، والفُقَهَاءِ أهْلِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.

وقَدْ حَكَى هَذِهِ الأقْوَالَ الثَّلاثَةَ أبُو عَبْدِ اللهِ ابنُ حَامِدٍ عَنْ أصْحَابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِم.

الرَّابِعُ: مَنْ يَقُوْلُ: كَانَ الصَّوَابُ أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ في الاقْتِتِالِ صَوَابٌ، ولَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ أقْرَبَ إلى الحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، والقِتَالُ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ولا مُسْتَحَبٍ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، مَعَ أنَّ عَلِيًّا كَانَ أوْلى بالحَقِّ!

وهَذَا هو قَوْلُ أحْمَدَ، وأكْثَرِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وأكْثَرِ أئمَّةِ الفُقَهَاءِ، وهُوَ قَوْلُ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ، والتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بإحْسَانٍ(18)، وعَلَيهِ تَحْقِيْقُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ.

***

أيُّهُمَا أوْلَى بالحَقِّ عَلِيٌّ أمْ مُعَاوِيَةُ؟

ومَعَ ما ذَكْرْناهُ آنِفًا؛ فَلا نَشُكُّ أنَّ عَلِيًّا ومَنْ مَعَهُ أوْلى بالحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةِ ومَنْ مَعَهُ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قاَلَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، تَقْتُلُهُم أُوْلى الطَّائِفَتَيْنِ بالحَقِّ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

فَدَلَّ هَذَا الحَدِيْثُ عَلَى أنَّ عَلِيًّا أوْلى بالحَقِّ ممَّنْ قَاتَلَهُ؛ فإنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الخَوَارِجَ لمَّا افْتَرَقَ المُسْلِمُونَ(19).

ومَعَ هَذَا؛ إذَا قُلْنَا: إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ أوْلَى بالحَقِّ مِمَّنْ قَاتَلَهُ، إلاَّ أنَّ الصَّوَابَ والحَقَّ كُلَّه كَانَ فِي تَرْكِ القِتَالِ؛ لأنَّ القِتَالَ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، ولا مُسْتَحَبٍّ، فكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا للطَّائِفَتَيْنِ قَطْعًا!

"... فأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَمِيْعُ ما يُطْعَنُ بِهِ فِيْهِم أكْثَرُهُ كَذِبٌ، والصِّدْقُ مِنْهُ غَايَتُهُ أنْ يَكُوْنَ ذَنْبًا أو خَطَأً، والخَطَأُ مَغْفُوْرٌ، والذَّنْبُ لَهُ أسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَقْطَعَ بأنَّ واحِدًا مِنْهُم فَعَلَ مِنَ الذُّنُوبِ ما يُوجِبُ النَّارِ لا مَحَالَةَ"(20).

"وبالجُمْلَةِ لَيْسَ عَلَيْنَا أنْ نَعْرِفَ كُلَّ واحَدٍ تَابَ، ولَكِنْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ التَّوبَةَ مَشْرُوْعَةٌ لِكُلِّ عَبْدٍ: لِلأنْبِيَاءِ ولِمَن دُوْنِهِم، وأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، يَرْفَعُ عَبْدَهُ بالتَّوبَةِ، وإذا ابْتَلاهُ بِمَا يَتُوبُ مِنْهُ، فالمَقْصُودُ كَمَالُ النِّهَايَةِ، لا نَقْصَ البِدَايَةِ، فإنَّهُ تَعَالى يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِيْنَ، وهُوَ يُبَدَّلُ بالتَّوبَةِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ"(21).

***

الفَصْلُ الثَّاني

وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

لَقَدْ بَاتَ مِنْ عَقَائِدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: وُجُوبُ مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَعْظِيْمِهِم، وتَوْقِيْرِهِم، وتَكْرِيْمِهِم، والإقْتِدَاءِ بِهِم، والأخْذِ بآثارِهِم، وحُرْمةُ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ: بُغْضِهِم، أو ازْدِرَائِهِم، أو ذِكْرِ مَسَاوِئِهِم...!

قَالَ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:10].

فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيْلٌ على وُجُوْبِ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ، لأنَّهُ تَعَالى جَعَلَ لِمَنْ بَعْدَهُم حَظًا في الفَيْءِ ما أقَامُوا على مَحَبَّتِهِم، ومُوَالاتِهِم، والاسْتِغْفَارِ لَهُم، وأنَّ مَنْ سَبَّهُم، أو واحِدًا مِنْهُم، أو اعْتَقَدَ فِيْهِ شَرًّا: أنَّه لا حَقَّ لَهُ في الفَيْءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وغَيْرِهِ.

قَالَ مَالِكٌ: "مَنْ كَانَ يُبْغِضُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أو كَانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِم غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ، ثمَّ قَرَأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾(22).

وقَالَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في مُبَيِّنًا مَا يَجِبُ على المُسْلِمِ اعْتِقَادُهُ في مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم "ونُحِبُّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، ولا نَتَبَرَّأُ مِنْ أحَدٍ مِنْهُم، ونُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم وبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نَذْكُرُهُم إلاَّ بِخَيْرٍ، وحُبُّهُم دِيْنٌ وإيِمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ"(23).

فَعَلى المُسْلِمِ أنْ يَسْلُكَ في حُبِّ الصَّحَابَةِ مَسْلَكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، بِحَيْثُ يُحِبُّهُم جَمِيْعًا، ولا يَفْرُطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، وأنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ طَرِيْقَةِ الشِّيَعَةِ الرَّافِضَةِ الَّذِيْنَ يَتَديَّنُوْنَ بِبُغْضِهِم وسَبِّهِم، ومِنْ طَرِيْقِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ ابْتُلُوا بِبُغْضِ أهْلِ بَيْتِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم!

قَالَ ابنُ تَيْمِيَةّ رَحِمَهُ اللهُ: "ويَتَبَرَّؤُوْنَ (أَي السَلَفُ) مِنْ طَرِيْقَةِ الرَّوَافِضِ والشِّيَعَةِ الَّذِيْنَ يُبْغِضُوْنَ الصَّحَابَةَ ويَسُبُّونَهُم، وطَرِيْقَةِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ"(24).

وبَعْدَ هَذا؛ فمَنْ أرَادَ السَّلامَةَ لِدِيْنِهِ فَليُحِبَّهُم جَمِيْعًا، وأنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ على نَفْسِهِ، وعلى كُلِّ أبْنَاءِ جِنْسِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ على جَمِيْعِ الأمَّةِ، واتَّفَقَ على ذَلِكَ الأئمَّةُ، فلا يَزُوْغُ عَنْ حُبِّهِم إلاَّ هَالِكٌ، ولا يَزُوْغُ عَنْ وُجُوبِ ذَلِكَ إلاَّ آفِكٌ(25).

***

الفَصْلُ الثَّالِثُ

وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يَدْعُوَ لَهُم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم لِمَا لَهُم مِنَ القَدْرِ العَظِيْمِ، ولِمَا حَازُوْهُ مِنَ المَنَاقِبِ الحَمِيْدَةِ، والسَّوَابِقِ القَدِيْمَةِ، والمَحَاسِنِ المَشْهُوْرَةِ، ولِمَا لَهُم مِنَ الفَضْلِ الكَبِيْرِ على كُلِّ مَنْ أتَى بَعْدَهُم(26).

وأخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حَاتِمٍ، وابنُ الأنْبَارِيِّ في (المَصَاحِفِ)، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيصلى الله عليه وسلم، فَسَبُّوهُم!، ثُمَّ قَرَأتُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:10] الآيَةَ"(27).

قَالَ النَّوَوَيُّ رَحِمَهُ اللهُ في "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (18/ 158): "أمَّا قَوْلُهَا: (أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم فَسَبُّوْهُم)، قَالَ القَاضِي: الظَّاهِرُ أنَّهَا قَالَتْ هذا عِنْدَما سَمِعَتْ أهْلَ مِصْرَ يَقُوْلُوْنَ في عُثْمَانَ ما قَالُوا، وأهْلَ الشَّامِ في عَلِيٍّ ما قَالُوا، والحَرُوْرِيَّةَ في الجَمِيْعِ ما قَالُوا!

وأمَّا الأمْرُ بالاسْتِغْفَارِ الَّذِي أشَارَتْ إلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر:10] الآيَةَ.

وبِهَذَا احْتَجَّ مَالِكٌ في أنَّهُ لاحَقَّ في الفَيْءِ لِمَن سَبَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى إنَّمَا جَعَلَهُ لِمَن جَاءَ بَعْدَهُم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لَهُم، واللهُ أعْلَمُ".

وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: "لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ"(28).

* * *

وذَكَرَ البَغَوَيُّ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: قَالَ عَامِرُ بنُ شُرَاحِيْلِ الشَّعْبِيُّ: يا مَالِكُ تَفَاضَلَتْ (أيْ: فَضُلَتْ) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى الرَّافِضَةَ بِخِصْلَةٍ، سُئِلَتِ اليَهُوْدُ مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالَتْ: أصْحَابُ مُوْسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُئِلَتِ النَّصَارَى: مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: حَوَارِيُّ عِيْسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسُئِلَتِ الرَّافِضَةُ: مَنْ شَرُّ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. أُمِرُوا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم فَسَبُّوهُم، فالْسَّيْفُ عَلَيْهِم مَسْلُوْلٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تَقُوْمُ لَهُم رَايَةٌ، ولا يَثْبُتُ لَهُم قَدَمٌ، ولا تَجْتَمِعُ لَهُم كَلِمَةٌ، كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ بِسَفْكِ دِمَائِهِم وتَفْرِيْقِ شَمْلِهِم وإدْحَاضِ حُجَّتِهِم، أعَاذَنَا اللهُ وإيَّاكُم مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ"(29).

وأخِيْرًا هَاكَ ما قَالَهُ الإمَامُ الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في "فَتْحِ القَدِيْرِ" (5/ 202) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ: "أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا على الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الصَّحَابَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِم أشْرَفَ المُؤْمِنِيْنَ، ولِكَوْنِ السِّيَاقُ فِيْهِم، فَمَن لم يَسْتَغْفِرْ لِلْصَّحَابَةِ على العُمُومِ، ويَطْلُبْ رِضْوَانَ اللهِ لَهُم فَقَدْ خَالَفَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلْبِهِ غِلاًّ لَهُم فَقَدْ أصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيْبٌ وافِرٌ مِنْ عِصْيَانِ اللهِ لِعَدَاوَةِ أولِيَائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الخُذْلانِ يَفِدُ بِهِ على نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدَارَكْ نَفْسَهُ باللَّجَأ إلى اللهِ سُبْحَانَه، والاسْتِغَاثَةِ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قِلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنْ جَاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنْهُم، فَقَدْ انْقَادَ لِلْشَّيْطَانِ بِزِمَامٍ وَوَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ، وهذا الدَّاءُ العُضَالُ إنَّمَا يُصَابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضَةِ، أو صَاحِبٍ مِنْ أعْدَاءِ خَيْرِ الأمَّةِ الَّذِيْنَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ، وزَيَّنَ لَهُم الأكَاذِيْبَ المُخْتَلَقَةَ، والأقَاصِيْصَ المُفْتَرَاةَ، والخُرَافَاتِ المَوْضُوْعَةَ، وصَرَفَهُم عَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لا يَأتِيْهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ، وعَنْ سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المنقُوْلَةِ إلَيْنَا بِرِوَايَاتِ الأئِمَةِ الأكَابِرِ في كُلِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُوْرِ فاشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بالهُدَى، واسْتَبْدَلُوا الخُسْرَانَ العَظِيْمَ بالرِّبْحِ الوَافِرِ، وما زَالَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيْمُ يَنْقُلُهُم مِنْ مَنْزِلَةٍ إلى مَنْزِلَةٍ، ومِنْ رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتَّى صَارُوا أعْدَاءَ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِهِ، وخَيْرِ أُمَّتِهِ، وصَالِحِي عِبَادِهِ، وسَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ، وأهْمَلُوا فَرَائِضَ اللهِ، وهَجَرُوا شَعَائِرَ الدِّيْنَ، وسَعُوا في كَيْدِ الإسْلامِ وأهْلِهِ كُلَّ السَّعْي، ورَمُوا الدِّيْنَ وأهْلَهُ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ واللهُ مِنْ ورَائِهِم مُحِيْطٌ".

* * *

فَهَذِهِ النُّصُوْصُ الَّتِي سُقْنَاهَا في هذا المَبْحَثِ عَنِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمُتَأخِّرِيْنَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أنَّهُم هُمُ الفَائِزُوْنَ بِسَلامَةِ الصُّدُورِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ لأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنَّهُم يَعْتَقِدُوْنَ أنَّ مِنْ حَقِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ على مَنْ بَعْدَهُم التَّرَحُّمَ عَلَيْهِمْ، والاسْتِغْفَارَ لَهُم، فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يَتَرَحَّمُوْنَ على أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، صَغِيْرِهِم وكَبِيْرِهِم، وأوَّلِهِم وآخِرِهِم، ويَذْكُرُونَ مَحَاسِنَهُم ويَنْشُرُونَ فَضَائِلَهُم، ويَقْتَدُوْنَ بِهَدْيِهِم، ويَقْتَفُونَ آثارَهُم، ويَعْتَقِدُوْنَ أنَّ الحَقَّ في كُلِّ مَا قَالُوْهُ، والصَّوَابَ فِيْمَا فَعَلُوْهُ(30).

وبَعْدَ هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مَنْ لم يَتَرَحَّمْ على الصَّحَابَةِ، ويَسْتَغْفِرْ لَهُم، ولَيْسَ لَهُ حَظٌ في شَيْءٍ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ كَمَا ذَكَرَهُ الإمَامُ مَالِكُ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ.

***

الفَصْلُ الرَّابِعُ

عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعَهُم عُدُوْلٌ بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أوْ لا، نَظَرًا لِمَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ شَرَفِ الصُّحْبَةِ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، ولِمَا لَهُمْ مِنَ المآثِرِ الجَلِيْلَةِ، والمَوَاقِفِ العَظِيْمَةِ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، مِنْ مُنَاصَرَةٍ، ومُؤَازَرَةٍ، وإيْمَانٍ، ومُتَابَعَةٍ، وإيْثَارٍ، وجِهَادٍ، بَيْنَ يَدَيْهِ!

وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَتِهِم جَمْعٌ غَفِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

قَالَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ (463) في كِتَابِهِ "الكِفَايَةِ" (67) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، الَّتِي دَلَّتْ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وأنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، قَالَ: "هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ العُلَمَاءِ، ومَنْ يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِم مِنَ الفُقَهَاءِ".

وقَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أيْضًا في "الاسْتِيْعَابِ" (1/ 8): "ونَحْنُ وإنْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم قَدْ كُفِيْنَا البَحْثَ عَنْ أحْوَالِهِم لإجْمَاعِ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُسْلمِيْنَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، فَوَاجِبٌ الوُقُوْفُ على أسْمَائِهِم".

وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ كالإمَامِ الجُوَيْنِيِّ، والغَزَالِيِّ، وابنِ الصَّلاحِ، والنَّوَوَيِّ، وابنِ كَثِيْرٍ، والعِرَاقِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، والسَّخَاوِيِّ، والألُوْسِيِّ، وغَيْرِهِم ممَّا لا تَسَعُهُم هَذِهِ الرِّسَالَةُ(31).

* * *

وبَعْدَ هذا؛ نَخْتِمُ بِقَوْلِ أبي زُرَعَةَ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: "إذا رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاعْلَمْ أنَّهُ زِنْدِيْقٌ… وإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلَى وهُم زَنَادِقَةٌ"(32) رَوَاهُ الخَطِيْبُ.

فَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ فلا يَتَجَرَّأُ على تَجْرِيْحِ الصَّحَابَةِ إلاَّ مَجْرُوحٌ في دِيْنِهِ ودُنْيَاهُ، زِنْدِيْقٌ في مُعْتَقَدِهِ، عَبْدٌ لِهَوَاهُ، عَدُوٌ للهِ وأوْلِيَائِهِ.

وأخِيْرًا؛ فَهَذَا ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: وهُوَ أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْها.

وما أحْسَنَ ما قَالَهُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ (748) في كِتَابِهِ "الرُّوَاةِ المُتَكَلَّمُ فِيْهِم بِمَا لا يُوْجِبُ الرَّدَّ" (46)؛ حَيْثُ قَالَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: "فأمَّا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم فَبُسَاطُهُم مَطْوِيٌّ وإنْ جَرَى ما جَرَى، إذْ على عَدَالَتِهِم وقَبُولِ ما نَقَلُوْهُ العَمَلُ، وبِهِ نَدِيْنُ اللهَ تَعَالى".

***

الفَصْلُ الخَامِسُ

حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

إنَّ سَبَّ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وهو ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وعَلى هَذا جَاءتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا يَلِي:

قَالَ تَعَالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].

وكَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيْفَهُ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِلَفْظٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ: رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَهُ.

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَبَّ أصْحَابي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، والمَلائِكَةِ، والنَّاسِ أجْمَعِيْنَ» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ (3/ 174)، وقَدْ ذَكَرَه السِّيُوْطِيُّ في "الجَامِعِ الصَّغِيْرِ"، ورَمَزَ لَهُ بـ(بالحُسْنِ)، انْظُر: "فَيْضَ القَدِيْرِ" للمُنَاوِيِّ (6/ 146)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في "صَحِيْحِ الجَامِعِ" (5/ 299)، وقَالَ: حَسَنٌ، و"الصَّحِيْحَةِ" (2340).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أصْحَابي» ذَكَرَهُ السِّيُوْطِيُّ في "الجَامِعِ الصَّغِيْرِ" ورَمَزَ له بـ (بالصَّحَةِ)، انْظُر "فَيْضَ القَدِيْرِ" للمُنَاوِيِّ (5/ 274)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في "صَحِيْحِ الجَامِعِ" (5/ 23)، وقَالَ: حَسَنٌ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في "شَرْحِ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" (16/ 93): "واعْلَمْ أنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم حَرَامٌ مِنْ فَوَاحِشِ المُحَرَّمَاتِ، سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ مِنْهُم ومِنْ غَيْرِهِم لأنَّهُم مُجْتَهِدُوْنَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مُتَأوِّلُوْنَ".

قَالَ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ في "الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ" (576): "فإنْ قِيْلَ: فَلِمَ نَهَى (رَسُوْلُ اللهِ) خَالِدًا عَلى أنْ يَسُبَّ أصْحَابَهُ إذْ كَانَ مِنْ أصْحَابِهِ أيْضًا؟ وقَالَ: «لو أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيفَهِ». قُلْنا: لأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ونُظَرَاءهِ هُم مِنَ السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ في وَقْتٍ كان خَالِدٌ وأمْثَالُهُ يُعَادُوْنَهُ فِيْهِ، وأنْفَقُوا أمْوَالَهُم قَبْلَ الفَتْحِ وقَاتَلُوا وهُمْ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِيْنَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الفَتْحِ وقَاتَلُوا، وكُلًا وَعَدَ اللهُ الحُسْنى، فَقَدْ انْفَرَدُوا مِنَ الصُّحْبَةِ بِمَا لم يَشْرَكْهُم فِيْهِ خَالِدٌ ونُظَرَاؤُهُ ممَّن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ -الَّذِي هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ- وقَاتَلَ، فَنَهَى أنْ يَسُبَّ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ قَبْلَهُ، ومَنْ لم يَصْحَبْهُ قَطُّ نِسْبَتُهُ إلى مَنْ صَحِبَهُ كَنِسْبَةِ خَالِدٍ إلى السَّابِقِيْنَ وأبْعَدُ.وقَوْلُهُ: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي» خِطَابٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَسُبَّ مَنِ انْفَردَ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذَا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيْثٍ آخَرَ: «أيُّها النَّاسُ إنِّي أتِيْتُكُم، فَقُلْتُ: إنِّي رَسُوْلُ اللهِ إلَيْكُم، فَقُلْتُم: كَذَبْتَ، وقَالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، فَهَلْ أنتُمْ تارِكُوا لِي صَاحِبِي...؟»(33)، أو كَمَا قَالَ بأبِي هُوَ وأُمِّي صلى الله عليه وسلم، قَالَ ذَلِكَ لَمَّا عَايَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أبا بَكرٍ، وذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ فُضَلاءِ أصْحَابِهِ، ولَكِنِ امْتَازَ أبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ وانْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ".

قَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: "مَنْ شَتَمَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ كَافِرٌ وإنْ صَامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ"(34).

وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: "مَنْ شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصِدِّيْقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ دِيْنِهِ، وأبَاحَ دَمَه"(35).

وقَالَ المَرْوَزِيُّ: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ (الإمَامَ أحْمَدَ): عَمَّنْ شَتَمَ أبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.فَقَالَ: "ما أَرَاهُ على الإسْلامِ"(36).

وقَالَ أبُو طَالِبٍ لِلإمَامِ أحْمَدَ: الرَّجُلُ يَشْتُمُ عُثْمَانَ؟ فأخْبَرُوْنِي أنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ فِيْهِ فَقَالَ: "هَذِهِ زَنْدَقَةٌ"(37) نَعُوْذُ باللهِ مِنَ الضَّلالِ!


 

([1]) ومِنَ الكُتُبِ الَّتِي سَاهَمَتْ في تَرَاجُمِ وفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بعَامَّةٍ : «فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ» للإمَامِ أحْمَدَ، و«مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ» لابنِ مَنْدَه، و«الاسْتِيْعَابُ» لابنِ عَبْدِ البَرِّ، و«أُسُدِ الغَابَةِ» لابنِ الأثِيْرِ، وغَيْرُها كَثِيْرٌ، ومِنْ آخِرِها «الإصَابَةُ في تَمْيِيْزِ الصَّحَابَةِ» لابنِ حَجَرٍ، وهو مِنْ أجْمَعِها وأنْفَعِها تَحْقِيْقًا وتَدْقِيْقًا، تَحْرِيْرًا وتَمْيِيْزًا إلاَّ أنَّه رَحِمَهُ اللهُ لم يُكْمِلْه بِشَكْلِه النِّهائِي، لأنَّه خَصَّصَ بابًا للمُبْهمَاتِ في آخِرهِ ولم نَرَه فِيْهِ !، كما أنَّه في حَاجَّةٍ مُلِحَّةٍ لتَحْقِيْقِه تَحْقِيْقًا عِلْمِيًّا؛ لاسِيَّما أنَّ مَخْطُوطَاتِه مَوْجُوْدَةٌ، كُلُّ ذَلِكَ نُصْرَةً لأصْحَابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِرًّا لابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى .

([2]) أطْرَبَ الآذَانَ أو أمْتَعَها، لا شَنَّفَها اعْتِمادًا عَلى ما يَدُوْرُ عَلى ألْسِنَةِ الأُدَباء، ومَا تُحَبِّره أقْلامُهُم!، لأنَّ الشَّنَفَ : هُو ما عُلِّقَ في أعْلَى الأذُنِ، أي القُرْطُ الأعْلَى . انْظُرْ «مُعْجَمَ الأغْلاطِ اللُّغَوِيَّةِ« لمحَمَّدٍ العَدْنانيِّ (356) .

([3]) «مُرُوجُ الذَّهَبِ ومَعَادِنُ الجَوْهَرِ» للمَسْعُوْدِيِّ ( 3/ 75) .

([4]) انظُر : «مِنْهاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 166) .

([5]) «حِلْيةُ الأوْلياءِ» (1/ 305)، وذَكَرهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ (1/ 214) .

([6]) أخْرَجَهُ أحْمَدُ (3/ 134) .

([7]) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ البَغْدادِيِّ (97)، و«تارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (38/ 32) .

([8]) «تارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (59/ 210)، و«السُّنةُ» للخَلاَّلِ (447) .

([9]) مِنْ كلامِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، وانْظُر «طَرِيْقَ الهِجْرَتَيْنِ» لابنِ القَيِّمِ (362) نَقْلًا عَنْ «عَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعةِ» لناصِرٍ .

([10]) انظُرْ : «فَتْحَ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (12/ 303) .

([11]) «الاعْتِقَادُ» للبَيْهَقِيِّ (198)، و«فَتْحُ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (13/ 66) .

([12]) «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيانَ» لأبي يَعْلَى الحَنْبَلِيِّ (92) .

([13]) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (15/ 297)، وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (93) .

([14]) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (15/ 293) وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (93) .

([15]) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (119)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيُّ في «تَفْسِيْرِه» (18/ 33) .

([16]) وفي هذا رَدٌّ على طَائِفَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ : الخَوَارِجِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا الصَّحَابَةَ، والشِّيْعَةِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا مُعْظَمَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم!

([17]) انظُرْ : «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (4/ 449) .

([18]) انْظُر : «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (4/ 447) بتَصَرُّفٍ .

([19]) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (7/ 57) .

([20]) السَّابِقَ .

([21]) السَّابِقُ (6/ 209) .

([22]) «الجامِعُ لأحْكامِ القُرآنِ» للقُرْطُبِيِّ (18/ 32) .

([23]) «شَرْحُ الطَّحاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (2/ 689) .

([24]) «شَرْحُ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ» لمُحَمَّد خَلِيْل هَرَّاسٍ (173) .

([25]) انظُرْ : «لَوَامِعَ الأنْوَارِ البَهِيَّةِ» للسَّفارِيْنِيِّ (2/ 354) .

([26]) انْظُرْ : «طَرِيْقَ الهِجْرَتَيْنِ» لابنِ القَيِّمِ (537) .

([27]) «الدُّرُّ المَنْثُوْرُ» للسِّيُوْطِيِّ (8/ 113) .

([28]) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (119)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيِّ في«الجامِعُ لأحْكامِ القُرآنِ» (18/ 33) .

([29]) «تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ» (7/ 54)، وذَكَرَه القُرْطُبيُّ في «الجَامِعِ لأحْكَامِ القُرْآنِ» (18/ 33)، وانْظُر أيْضًا «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 6 – 7)، و«شَرْحَ الطَّحاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (531) .

([30]) انْظُر : «الشَّرْحَ والإبَانَةَ على أُصُوْلِ السُّنةِ والدِّيانَةِ» لابنِ بَطَّةَ (264) .

([31]) انْظُر «فَتْحَ المَغِيْثِ» للسَّخَاوِيِّ (3/ 112)، و«تَدْرِيْبَ الرَّاوِي» للسِّيُوْطِيِّ ( 2/ 164)، و«مَعْرِفَةَ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لابنِ الصَّلاحِ (146)، و«شَرْحَ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (15/ 149)، و«شَرْحَ مُخْتَصَرِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لأحْمَدَ شَاكِرٍ (181)، و«التَّبْصِرَةَ والتَّذْكِرَةَ» للعِرَاقِي (3/ 13)، و«الإصَابَةَ» لابنِ حَجَرٍ (1/ 17) .

([32]) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (97)، و«تَارِيخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (38/ 32) .

([33]) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ «فَتْحُ البَارِي» (8/ 303) .

([34]) «الشَّرْحُ والإبَانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (162) .

([35]) السَّابِقُ (161) .

([36]) السَّابِقُ .

([37]) «السُّنةُ» للخَلاَّلِ (3/ 493) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 35 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208663)