أقْوَالُ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ
عدد مرات القراءة: 820619

أقْوَالُ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ

اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى القَوْلِ بِتَكْفِيْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، أو انْتَقَصَهُم وطَعَنَ في عَدَالَتِهِم وصَرَّحَ بِبُغْضِهِم، وإنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَقَدْ أبَاحَ دَمَ نَفْسِهِ وحَلَّ قَتْلُهُ؛ إلاَّ أنْ يَتُوْبَ مِنْ ذَلِكَ ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم.

وممَّن ذَهَبَ إلى هَذَا القَوْلِ مِنَ السَّلَفَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيْلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ أبْزَى، وغَيْرُهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِيْنَ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الأوْزَاعِيِّ، وأبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ، وبِشْرِ ابنِ الحَارِثِ المَرْوَزِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ العَبْدِيِّ وغَيْرِهِمْ كَثِيْرٌ(1).

فَهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ صَرَّحُوا بِكُفْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وبَعْضُهُم صَرَّحَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ يُعَاقَبُ بالقَتْلِ، وإلى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، والمَالِكِيَّةِ، والشَّافِعِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ، والظَّاهِرَيَّةِ.

قَالَ الإمَامُ الطَّحَاوِيُّ: "وحُبُّهُم -أي الصَّحَابَةَ- دِيْنٌ وإيْمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ"(2)، ومَنْ سَبَّهُم وطَعَنَ فِيْهِم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم.

وقَالَ السَّرَخْسِيُّ الحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ (483) في "أُصُولِهِ" (2/ 134): "فأمَّا مَنْ طَعَنَ في السَّلَفِ من نُفَاةِ القِيَاسِ لاحْتِجَاجِهِم بالرَأْيِ في الأحْكَامِ فَكَلامُهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:5]، لأنَّ اللهَ تَعَالى أثْنَى عَلَيْهِم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ،كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:29].

ورَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وصَفَهُم بأنَّهُم خَيْرُ النَّاسِ فَقَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِيَ الَّذِي أنَا فِيْهِم»(3).

والشَّرِيْعَةُ بَلَغَتْنا بِنَقْلِهِم، فَمَنْ طَعَنَ فِيْهِم فَهُوَ مُلْحِدٌ مُنَابِذٌ لِلإسْلامِ، دَوَاءُهُ السَّيْفُ إنْ لَم يَتُبْ".

وبِهَذَا قَالَ كُلٌّ مِنَ الحُمَيْدِيِّ القُرَشِيِّ، والقَاضِي حُسَيْنِ المَرْوَزِيِّ، والإمَامِ الذَّهَبِيِّ، والسُّبْكِيِّ، والقَاضِي أبِي يَعْلَى، وابنِ تَيْمِيَّةَ وغَيْرِهِم كَثِيْرٌ(4).

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ في "الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ" (581): "وقَدْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ مِنْ أهْلِ الكُوْفَةِ وغَيْرِهِم بِقَتْلِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وكُفْرِ الرَّافِضَةِ".

وقَالَ أيْضًا: "فَمَنْ سَبَّهُم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم، فَيَجِبُ أنْ يَكُوْنَ مُنَافِقًا، لا يُؤْمِنُ بِاللهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ" انْتَهَى.

* * *

الثَّانِي: ذَهَبَ فَرِيْقٌ آخَرُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ سَابَّ الصَّحَابَةِ لا يَكْفُرُ بِسَبِّهِم؛ بَلْ يَفْسُقُ ويُضَلَّلُ؛ بَلْ يَكْتَفِي بِتَأدِيْبِهِ وتَعْزِيْرِهِ تَعْزِيرًا شَدِيْدًا يَرْدَعُهُ ويَزْجُرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ارْتِكَابِ ضَلالِهِ وجُرْمِهِ، وإنْ لم يَرْجِعْ تُكَرَّرُ عَلَيْهِ العُقُوْبَةُ حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ.

فَقَدْ رَوَى اللاَّلَكَائِيُّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: "إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَبَّ عُثْمَانَ، فَقَالَ: ما حَمَلَكَ على أنْ سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: أُبْغِضُهُ، قَالَ: وإنْ أبْغَضْتَ رَجُلًا سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: فأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ثَلاثِيْنَ سَوْطًا"(5).

وممَّنْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: عَاصِمُ الأحْوَلُ، والإمَامُ مَالِكُ، والإمَامُ أحْمَدُ وكَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ(6).

* * *

قُلْتُ: وبَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأقْوَالِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ إلاَّ أنَّ في المَسْألَةِ تَفْصِيْلًا بِهِ يَنْحَلُّ الخِلافُ وتَجْتَمِعُ الأقْوَالُ إنْ شَاءَ اللهُ وَهُوَ أنَّ السَّبَّ نَوْعَانِ (دِيْنِيٌّ، ودُنْيَوِيٌّ):

الأوَّلُ: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بِدِيْنِهِم، فَهُو عَلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: أنَّ مَنْ سَبَّهُم جَمِيْعًا، أو طَعَنَ في عَدَالَتِهِم، كَصُحْبَتِهِم ونُصْرَتِهِم لِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أو الجِهَادِ مَعَهُ، أو زَعَمَ أنَّهُم ارْتَدُّوا أو فَسَقُوا فَهَذَا مُرْتَدٌ زِنْدِيْقٌ عِيَاذًا باللهِ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ!

القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ عَلى إيمانِه وعَدَالَتِه … فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ!

القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على إيمانِه وعَدَالَتِه … فَهَذا فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالًا شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ.

* * *

الثَّاني: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بدُنْيَاهُم، فَهذَا أيْضًا على ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُم، كَقَوْلِهِ مَثَلًا: إنَّهُم جُبَنَاءُ أو بُخَلاءُ … فَهَذَا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في وصْفِهِ هَذَا لَهُم تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ!

القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلًا؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ... فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ فِيْهِ تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ!

القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلًا؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ... ففِيْه الخِلافُ السَّابِقُ، فجَمْهُوْرُ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ تَكْفِيْرَه، بَلْ يَقُوْلُوْنَ: أنَّه فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالًا شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، ومِنْهُم مَنْ يَرَى تَكْفِيْرَه، وعَلى الحَاكِمِ أنْ يَقْتُلَه مَا لم يَتُبْ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ.

 


 

([1]) انْظُرْ : «الشَّرْحَ والإبَانَةَ» لابنِ بَطَّةَ (160)، و«الصَّارِمَ المَسْلُوْلَ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (570)، و«فَتَاوَى السُّبْكِيِّ» (2/ 580) .

([2]) «شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (528) .

([3]) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2535) .

([4]) انْظُر«مُسْنَدَ الحُمَيْدِيِّ» (2/ 546) و«الشَّرْحَ والإبَانَةَ» لابنِ بَطَّةَ (1629) و«الجَامِعَ لأحْكَامِ القُرْآنِ» للقُرْطُبيِّ (16/ 297)، و«شَرْحَ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (16/ 93) .

([5]) ذَكَرَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ في «الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ» (569) .

([6]) انْظُرْ : «الصَّارِمَ المَسْلُوْلَ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (568)، و«الشِّفَاءَ» للقَاضِي عِيَاضٍ (2/ 267).

 
   ابو محمد  الأحد 1 شعبان 1434هـ
هل سبقت بهذا التفصيل المتين أرى أنه تفصيل بعلم وعدل حفظك الله وبارك في علمك  
 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 33 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208638)