حُكْمُ منْ سَبَّ أزْوَاجَ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم
عدد مرات القراءة: 820605

حُكْمُ منْ سَبَّ أزْوَاجَ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم

أمَّا مَنْ سَبَّ أزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَفِيْهِ مَطْلَبَانِ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.

أمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا (بِقَذْفٍ) فَهُوَ كَافِرٌ بالإجْمَاعِ، وقَدْ دَلَّ على ذَلِكَ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ.

وقَدْ سَاقَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ (456) بإسْنَادِهِ إلى هِشَامِ بْنِ عَمَّارِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أنَسٍ يَقُوْلُ: "مَنْ سَبَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جُلِدَ، ومَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيْلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ في عَائِشَةَ؟ قَالَ:

لأنَّ اللهَ تَعَالى يَقُوْلُ في عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:17].

قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ القُرْآنَ، ومَنْ خَالَفَ القُرْآنَ قُتِلَ، قَالَ ابنُ حَزْمٍ: قَوْلُ مَالِكٍ هَهُنَا صَحِيْحٌ، وهِيَ رِدَّةٌ تَامَّةٌ، وتَكْذِيْبٌ للهِ تَعَالى في قَطْعِهِ بِبَرَاءتِها"(1).

قَالَ القَاضِي أبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ: "مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلا خِلافٍ، وقَدْ حَكَى الإجْمَاعَ على هَذَا غَيْرُ واحِدٍ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ بِهَذا الحُكْمِ"(2).

وقَالَ ابنُ أبي مُوْسَى: "ومَنْ رَمَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ فَقَدْ مَرَقَ مِنَ الدِّيْنِ، ولم يَنْعَقِدْ لَهُ نِكَاحٌ على مُسْلِمَةٍ"(3)، وهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ(4)، وغَيْرِه مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

* * *

وقَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ حَدِيْثِ الإفْكِ في "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (17/ 117): "بَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنَ الإفْكِ، وهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَزِيْزِ، فَلَو تَشَكَّكَ فِيْهَا إنْسَانٌ والعَيَاذُ باللهِ صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بإجْمَاعِ المُسْلِمِيْنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وغَيْرُهُ: لم تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ، وهذا إكْرَامٌ مِنَ اللهِ تَعَالى لَهُم".

وقَدْ حَكَى ابنُ القَيَّمِ في "زَادِ المَعَادِ" (1/ 106) اتِّفَاقَ الأمَّةِ على كُفْرِ قَاذِفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ: "واتَّفَقَتِ الأمَّةُ على كُفْرِ قَاذِفِهَا".

ومِنْ خِلالِ هَذِهِ الأقْوَالِ: يَكُوْنُ قَذْفُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كُفْرًا وزَنْدَقَةً، ويُقْتَلُ فاعِلُهُ رِدَّةً، نَعُوْذُ باللهِ مِنْ ذَلِكَ!

* * *

المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم فَفِيْهِ لأهْلِ العِلْمِ قَوْلانِ:

أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ على حَسَبِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ(5).

الثَّاني: أنَّ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، هُوَ الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ على ما سَيَتَّضِحُ مِنْ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ.

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في "الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ" (567): "وأمَّا مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم فَفِيْهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ.

والثَّاني: وهُوَ الأصَحُّ أنَّهُ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا... وذَلِكَ لأنَّ هَذَا فِيْهِ عَارٌ وغَضَاَضَةٌ على رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأذَىً لَهُ أعْظَمُ مِنْ أذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ".

وممَّا يُرَجِّحُ القَوْلَ الثَّاني (أنَّهُنَّ مِثْلُ عَائِشَةَ في حُكْمِ السَّبِّ)؛ أنَّه لمَّا كَانَ رَمِيُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ أذَىً لِلْنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لُعِنَ صَاحِبُهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ولِهَذا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَيْسَ فِيْهَا تَوْبَةٌ"؛ لأنَّ مُؤْذِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تَابَ مِنَ القَذْفِ حَتَّى يُسْلِمَ إسْلامًا جَدِيْدًا، وعلى هَذَا فَرَمْيَهُنَّ نِفَاقٌ مُبِيْحٌ لِلدَّمِ.

* * *

وممَّا يَدُلُّ على أنَّ قَذْفَهُنَّ أذَىً لِلْنَبِيِّ صلى الله عليه وسلم ما خَرَّجَاهُ في الصَّحِيْحَيْنِ في حَدِيْثِ الإفْكِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُوْلٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على المِنْبَرِ: "يا مَعْشَرَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ على أهْلِي إلاَّ خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلَمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرًا، وما كَانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إلاَّ مَعِي"، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: "أنا أعْذُرُكَ مِنْهُ يا رَسُوْلَ اللهِ إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وإنْ كاَنَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ"، وهُنَالِكَ أدِلَّةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ(6).

والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْنَ

 


 

([1]) «المُحَلَّى» لابنِ حَزْمٍ (13/ 504)، و«أحْكامُ القُرْآنِ» لابنِ العَرَبِيِّ (3/ 1356)، و«الشِّفاءُ» للقَاضِي عِيَاضٍ (2/ 267) .

([2]) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (566) .

([3]) السَّابِقُ (568) .

([4]) «لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ» لابنِ قُدَامَةَ (29) .

([5]) انْظُرْ : (؟) .

([6]) انْظُرْ« عَقِيدَةَ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعةِ في الصَّحابَةِ» لنَاصِرٍ الشَّيْخِ (2/ 878) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 35 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208611)