البَابُ الأوَّلُ: المُقَدِّمَاتُ العَامَّةُ، والأحْكَامُ الهَامَّةُ
عدد مرات القراءة: 820628

البَابُ الأوَّلُ

المُقَدِّمَاتُ العَامَّةُ، والأحْكَامُ الهَامَّةُ

لَقَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَعْرِفَةَ أحْكَامِ الصَّلاةِ مِنْ أهَمِّ المُهِمَّاتِ في الدِّيْنَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَوْحِيْدِ رَبِّ العَالمِيْنَ، لِذَا كَانَتِ الصَّلاةُ أحَدَ أرْكَانِ الإسْلامِ الخَمْسَةِ الَّتِي لا يَسْتَقِيْمُ إسْلامُ المَرْءِ إلَّا بأدَائِهَا، وذَلِكَ بتَحْقِيْقِ شُرُوْطِهَا وأرْكَانِهَا ووَاجِبَاتِهَا وسُنَنِهَا، وكَذَا بالمُحَافَظَةِ على وَقْتِهَا والمُدَاوَمَةِ على فِعْلِهَا، كَمَا قَالَ الله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤمِنُوْنَ * الَّذِيْنَ هُم في صَلاتِهم خَاشِعُوْنَ[المؤمِنُوْنَ:1-2].

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ على المُؤمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[النساء:103].

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإنْ تابوا وأقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوا الزَّكَاةَ فإخْوانُكُم في الدِّيْنِ﴾[التوبة:11].

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِم خَلفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا﴾[مريم:59].

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿قَالُوا لم نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾[المدثر:43].

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ للمَصَلِّيْنَ * الَّذِيْنَ هُم عَنْ صَلاتِهِم سَاهُوْنَ﴾[الماعون:4-5].

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وإقَامِ الصَّلاةِ، وإيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُما.

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وبَيْنَهُم الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» أخْرَجَهُ أحمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيْثِ بُرَيْدَةَ رَضِي الله عَنْهُ.

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنْهُما، وغَيْرَهَا مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.

لأجْلِ هَذَا؛ فَقَدْ تَوَاتَرَتِ الأدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجمَاعِ على فَضْلِ الصَّلاةِ والتَّرغِيْبِ في فِعْلِهَا، وعلى خَطَرِ التَّهَاوُنِ بِهَا، والتَّرهِيْبِ مِنْ تَرْكِهَا.

لِذَا؛ كَانَ الاهْتِمامُ بالصَّلاةِ ومَعْرِفَةُ أحْكَامِهَا مِنْ جَادَّةِ كُلِّ مُسْلِمٍ يُؤمِنُ بالله وباليَوْمِ الآخِرِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَعْرِفَتِهِ لأحْكَامِهَا وآدَابِهَا مِنْ شُرُوْطٍ وأرْكَانٍ ووَاجِبَاتٍ وسُنَنٍ؛ كُلَّ ذَلِكَ كَيْ يَكُوْنَ ممَّنْ قَامَ بحَقِّهَا العِلمِيِّ، وحَافَظَ على أدَائِهَا الفِعْليِّ، والله المُوَفِّقُ.

* * *

ý وقَبْلَ الحَدِيْثِ عَنْ حُكْمِ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي، كَانَ لَنَا أنْ نَقِفَ باخْتِصَارٍ مَعَ بَعْضِ المُقَدِّمَاتِ العَامَّةِ والأحْكَامِ الهَامَّةِ الَّتِي لهَا عُلاقَةٌ بالصَّلاةِ وغَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرعِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ.

- أوَّلًا: أنَّ الصَّلاةَ وغَيْرَهَا مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ على أرْكَانٍ لا تَصِحُّ إلَّا بِهَا؛ ولاسِيَّما تَحْقِيْقُ رُكْنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ والسُّجُوْدِ وغَيْرِهَا مِنَ الأرْكَانِ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا رُكْنًا قَادِرًا عَلَيْهِ عَالمًا بِهِ مُخْتَارًا لفِعْلِهِ: فَصَلاتُهُ بَاطِلَةٌ بالإجْمَاعِ، وقَدْ نَصَّ على الإجمَاعِ الآجُرِّيُّ وابنُ هُبَيرَةَ وابنُ حَزْمٍ والنَّوَوِيُّ وابنُ قُدَامَةَ وغَيرُهُم مِنْ أهْلِ العِلمِ.

ومِنَ الأدِلَّةِ على ذَلِكَ قَوْلُ الله تعالى: ﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[البقرة:43]، وقَوْلُهُ تعالى: ﴿وقُوْمُوا لله قَانِتِينَ﴾[البَقَرَةُ:238]، وقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكُم﴾[الحَجُّ:77].

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ مَالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ رَضِيَ الله عَنْهُ.

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ.

وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم للمُسِيءِ صَلاتَهُ: «إذَا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَأسْبِغِ الوُضُوْءِ، ثُمَّ اسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وغَيْرَهَا كَثِيرٌ.

إلَّا أنَّ هَذَا الحُكْمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ لا يَنْطَبِقُ على صَلاةِ النَّافِلَةِ؛ لأنَّ صَلاةَ النَّافِلَةِ ممَّا تَتَشَوَّفُ الشَّرِيْعَةُ على فِعْلِهَا وتَتَسَامَحُ في بَعْضِ أفْعَالهَا، ولأنَّها أوْسَعُ مِنَ الفَرِيْضَةِ، لِذَا فَإنَّ لهَا مِنَ الأحْكَامِ والرُّخَصِ الشَّرعِيَّةِ مَا لا يُوْجَدُ في صَلاةِ الفَرِيْضَةِ، بَلْ هُنَاكَ فُرُوْقٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ صَلاةِ الفَرِيْضَةِ والنَّافِلَةِ قَدْ أوْصَلَهَا بَعْضُ أهْلِ العِلمِ إلى خَمْسَةٍ وعِشْرِيْنَ حُكْمًا، لَيْسَ هَذَا محَلَّ ذِكْرِهَا!

وعلى هَذَا؛ فللمُسْلِمِ أنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ جَالِسًا أو على الكَرَاسِي ولَوْ كَانَ قَادِرًا على القِيامِ، إلَّا أنَّ صَلاتَهُ هَذِهِ تَأتي في الأجْرِ على النِّصْفِ مِنْ أجْرِ صَلاةِ القَائِمِ، لقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أفْضَلُ، ومَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ، ومَنْ صلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَاعِدِ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ.

وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ في آخِرِ حَيَاتِهِ جَالِسًا، لقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: لم يَمُتْ رَسُوْلُ اللهصلى الله عليه وسلم؛ حتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلاتِهِ وهُوَ جَالِسٌ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

- ثَانِيًا: أنَّ تَحْقِيْقَ أرْكَانِ الصَّلاةِ وغَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ مُتَوَقِّفٌ أيْضًا على الاسْتِطَاعَةِ والقُدْرَةِ، فَكُلُّ مُسْلِمٍ عَاجِزٍ عَنِ القِيَامِ بأحَدِ أرْكَانِ الصَّلاةِ: كالقِيَامِ أو الرُّكُوْعِ أو السُّجُوْدِ أو غَيْرِهَا فَهُوَ مَعْذُوْرٌ شَرْعًا وعَقْلًا، لقَوْلِهِ تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، وقَوْلِهِ تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾[التغابن:16]، وقَوْلِهِ تعالى: ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّيْنِ مَنْ حَرَجٍ﴾[الحج:78]، وقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُرِيْدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾[البقرة:185].

وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وقَدْ قَالَ أنَسٌ رَضِيَ الله عَنْهُ: سَقَطَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ فَرَسٍ، فخُدِشَ أو جُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ، فدَخَلنَا عَلَيْهِ نَعُوْدُهُ، فحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وصَلَّيْنَا خَلفَهُ قُعُوْدًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والأدِلَّةُ في هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وقَدْ ذَكَرَ الإجْمَاعَ على هَذَا النَّووِيُّ وابنُ قُدَامَةَ وغَيْرُهُما مِنْ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ.

قَالَ النَّووِيُّ رَحِمَهُ الله في "المَجْمُوْعِ" (4/ 182): "أجْمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ القِيَامِ في الفَرِيْضَةِ، صَلَّاهَا قَاعِدًا، ولا إعَادَةَ عَلَيْهِ"، وقَالَ المَرْدَاوِيُّ في "الإنْصَافِ" (2/ 305): "بِلا نِزَاعٍ".

وتَحْقِيْقًا أيْضًا للقَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار"، وقَاعِدَةِ: "المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيْرَ"، وقَاعِدَةِ: "لا وَاجِبَ مَعَ العَجْزِ"، وقَاعِدَةِ: "الضَّرُوْرَاتُ تُبِيْحُ المَحْذُوْرَاتِ"، وغَيْرَهَا مِنَ القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ.

وعَلَيْهِ؛ فَكُلُّ مُسْلِمٍ عَاجِزٍ لا يَسْتَطِيْعُ أنْ يَأتي بأحَدِ أرْكَانِ الصَّلاةِ: فهُوَ مَعْذُوْرٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ.

يُوضِّحُهُ؛ أنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ القِيَامِ في الصَّلاةِ صَلَّى جَالِسًا، ومَنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ أوْمَأ برَأسِهِ حَالَ قِيَامِهِ، ومَنْ عَجَزَ عَنِ السُّجُوْدِ أوْمَأ برَأسِهِ حَالَ جُلُوْسِهِ اتِّفَاقًا.

ويَكُوْنُ سُجُوْدُهُ أخْفَضَ مِنْ رُكُوْعِهِ وُجُوبًا، وفِيْهِ حَدِيْثٌ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ لكِنَّهُ لا يَصِحُّ، وهُوَ مَا أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ والبَيْهَقِيُّ مَرْفُوْعًا: «يُصَلِّي المَرِيْضُ قَائِمًا، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ أنْ يَسْجُدَ أوْمَأ، وجَعَلَ سُجُوْدَهُ أخْفَضَ مِنْ رَكُوْعِهِ، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى على جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلقِيًا، رِجْلاهُ ممَّا يَلي القِبْلَةِ» وسَنَدُهُ ضَعِيْفٌ، لأنَّ مَدَارَهُ على حَسَنَ بنِ حُسَينٍ العُرَنيِّ وهُوَ مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ، وكَانَ مِنْ رُؤوْسِ الشِّيْعَةِ! وفِيْهِ الحُسَينُ بنُ زَيِدٍ وفِيْهِ ضَعْفٌ.

وقَدْ صَحَّ عِنْدَ البَيْهَقيِّ مَوْقُوفًا عَنْ جَابرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَوْلُهُ: «صَلِّ على الأرْضِ إنِ اسْتَطَعْتَ، وإلَّا فَأوْمِئ إيْماءً، واجْعَل سُجُوْدَكَ أخْفَضَ مِنْ رُكُوْعِكَ»، قَالَهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في "بدَائِعِ الفَوَائِدِ" (3/ 1155)، وقِيْلَ: جَعْلُ سُجُوْدِهِ أخْفَضَ مِنْ رُكُوْعِهِ ليَتَمَيَّزَ أحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ.

وعَلَيْهِ؛ فَإنَّنا نَقُوْلُ: مَنْ قَدَرَ على القِيَامِ أو القُعُوْدِ، وعَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ أو السُّجُوْدِ، فَإنَّه يُومِئُ بِهمَا، فَيُومِئُ بالرُّكُوْعِ قَائِمًا، وبالسُّجُوْدِ جَالِسًا سَوَاءٌ كَانَ مُفْتَرِشًا أو مُتَورِّكًا.

وقِيْلَ: يَجْلِسُ مُتربِّعًا، لقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: «رَأيْتُ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مُترَبِّعًا» أخْرَجَهُ النَّسَائيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ، والحَاكِمُ، وابنُ حِبَّانَ، ورِجَالُهُ ثِقاتٌ.

فَأمَّا كَوْنُهُ يُومِئُ بالرُّكُوْعِ قَائِمًا، فَلأنَّ الرَّاكِعَ كالقَائِمِ في نَصْبِ رِجْلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يُوْمِئَ في قِيَامِهِ، وكَذَا يُوْمِئُ بالسُّجُوْدِ جَالِسًا لأنَّ السَّاجِدَ كَالجَالِسِ في جَمْعِ رِجْلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يُوْمِئَ جَالِسًا، ولِيَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ الإيْماءَيْنِ، والله أعْلَمُ.

ومَنْ عَجَزَ أيْضًا عَنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ والسُّجُوْدِ: صَلَّى على جَنْبِهِ، وقِيْلَ: مُسْتَلقِيًا على ظَهْرِهِ، ووَجْهُهُ ورِجْلاهُ إلى القِبْلَةِ ليَكُوْنَ إيْماؤهُ إلَيْهَا، والأوَّلُ أصَحُّ لظَاهِر حَدِيْثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ كَمَا جَاءَ عَنْهُ في الصَّحِيْحِ.

وأمَّا إنْ عَجَزَ المُسْلِمُ أنْ يُصلِّيَ على جَنْبِهِ: صَلَّى على أيِّ حَالٍ، سَوَاءٌ على ظَهْرِهِ أو على الكُرْسِي، كَما سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ الله.

لقَوْلِهِ تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، وقَوْلِهِ تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾[التغابن:16]، وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* * *

ومَهْمَا يَكُنْ؛ فَإنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ عَاجِزٍ عَنِ الإتْيَانِ برُكْنٍ مِنْ أرْكَانِ الصَّلاةِ أو غَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرعِيَّةِ فَإنَّه مَعْذُوْرٌ شَرْعًا، كَما أنَّهُ مَأجُوْرٌ أجْرَ الصَّحِيْحِ القَادِرِ، وعَلى هَذَا دَلَّتِ الأدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ.

لِذَا؛ فَإنَّ مَنْ صَلَّى جَالِسًا لعُذْرٍ فَإنَّ أجْرَهُ لا يَنْقُصُ عَنْ أجْرِ مَنْ صَلَّى قَائِمًا، لقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا مَرِضَ العَبْدُ أو سَافَر كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيْحًا مُقِيمًا» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ أبي مُوْسَى رَضِيَ الله عَنْهُ.

وعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَألَ الله الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ».

وقَالَ البَعليُّ الحَنْبليُّ رَحِمَهُ الله في "الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ" (102) عَنْ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله قَوْلَهُ: "ومَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلاةَ في جَمَاعَةٍ أو الصَّلاةَ قَائِمًا، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لمَرَضٍ أو سَفَرٍ؛ فَإنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وهُوَ صَحِيْحٌ مُقِيْمٌ".

وقَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (23/ 236): "وأمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُنَازِعُهُم مِنْ قَوْلِهِ: «إذَا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ العَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ»، فَجَوَابُهُم عَنْهُ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ دَلِيلٌ على أنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ يُكْتَبُ لَهُ في حَالِ الصِّحَّةِ والإقَامَةِ؛ لأجْلِ نِيَّتِهِ لَهُ وعَجْزِهِ عَنْهُ بِالعُذْرِ.

وهَذِهِ "قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ": أنَّ مَنْ كَانَ عَازِمًا على الفِعْلِ عَزْمًا جَازِمًا وفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الفَاعِلِ، فَهَذَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَمَلٌ في صِحَّتِهِ وإقَامَتِهِ عَزْمُهُ أنَّهُ يَفْعَلُهُ وقَدْ فَعَلَ في المَرَضِ والسَّفَرِ مَا أمْكَنَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الفَاعِلِ... فَأمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةِ ولا الصَّلَاةَ قَائِمًا إذَا مَرِضَ فَصَلَّى وَحْدَهُ أوْ صَلَّى قَاعِدًا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ المُقِيْمِ الصَّحِيحِ" انْتَهَى باخْتِصَارٍ.

- ثَالِثًا: أنَّ الفَضْلَ المُتَعَلِّقَ بذَاتِ العِبَادَةِ أوْلى بالمُرَاعَاةِ مِنَ الفَضْلِ المُتَعَلِّقِ بمَكَانِ العِبَادَةِ أو زَمَانِهَا، لِذَا كَانَ الوَاجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَأتي بالصَّلاةِ على الوَجْهِ الشَّرعِيِّ المَقْدُوْرِ عَلَيْهِ، دُوْنَ التَّكَلُّفِ بالإتْيَانِ بأرْكَانٍ هُوَ مَعْذُوْرٌ بتَرْكِهَا شَرْعًا.

لِذَا فَإنَّ تَرْكَ المُصَلِّي لبَعْضِ الأرْكَانِ المَعُذْوُرِ فِيْهَا شَرْعًا هُوَ أفْضَلُ وأوْلى مِنَ الإتْيَانِ بِهَا على وَجْهٍ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ عِبَادَتَهُ، ولاسِيَّما إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَرْكُ رُكْنٍ مَقْدُوْرٍ عَلَيْهِ شَرْعًا وطَبْعًا!

لِذَا كَانَتِ المُحَافَظَةُ على الأرْكَانِ المَقْدُوْرِ عَلَيْهَا أوْلى مِنَ المُحَافَظَةِ على الأرْكَانِ المَعْذُوْرِ في تَرْكِهَا شَرْعًا، والله أعْلَمُ.

ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى مَنْ بَيَانِ هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ وتِلكَ المُهَمِّاتِ المُتَعَلِّقَةِ بالصَّلاة وغَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرعِيَّةِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ للجَمِيْعِ عَظِيْمُ الخَطَرِ وكَبِيرُ الخَطَأ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُصَلِّيْنَ الَّذِيْنَ لا يَسْتَأخِرُوْنَ عَنِ الإتْيَانِ بصَلاتِهم على الكَرَاسِي دُوْنَ تَبْصِرَةٍ بمَوَاقِعِ العُذْرِ والعَجْزِ، ودُوْنَ سُؤالٍ لأهْلِ العِلمِ فِيْمَا يَأتُوْنَ ويَذَرُوْنَ، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ.

 

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 34 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208661)