البَابُ الثَّاني: أحْكَامُ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي
عدد مرات القراءة: 820618

البَابُ الثَّاني

أحْكَامُ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي

وأخِيْرًا؛ هَذَا بَابُ الشُّرُوْعِ في تَطْبِيْقِ بَعْضِ الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ على نَازِلَةِ صَلاةِ الكَرَاسِي، مَعَ تَوْظِيْفِهَا على مُقْتَضَى الأصُوْلِ الشَّرعِيَّةِ، وفِقْهِ الواقِعِ الَّذِي نَعِيْشُ.

إلَّا أنَّنَا عِنْدَ النَّظَرِ في صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي هَذِهِ الأيَّامَ نَجِدُهَا لا تَخْلُو مِنْ صُوَرٍ مُتَغَايِرَةٍ حَالًا وحُكْمًا ممَّا يَصْعُبُ ضَبْطُهَا، إلَّا أنَّنَا أرَدْنَا أنْ نَقِفَ مَعَ أهَمِّهَا وأظْهَرِهَا، وهِيَ في جُملَتِهَا لا تَخْرُجُ عَنْ أرْبَعِ صُوَرٍ، كَمَا يَلي:

- الصُّوْرَةُ الأوْلى: مِنْهُم مَنْ يُصَلِّي الفَرِيْضَةَ على الكَرَاسِي، وهُوَ قَادِرٌ على السُّجُوْدِ، بحُجَّةِ أنَّهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا لَنْ يَسْتَطِيْعَ على القِيَامِ سَوَاءٌ في أوَّلِ صَلاتِهِ أو في أثْنَائِهَا!

قُلتُ: مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، فَصَلاتُهُ بَاطِلَةٌ بالإجْمَاعِ، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا قَادِرًا عَلَيْهِ شَرْعًا وطَبْعًا، وتَكَلَّفَ رُكْنًا هُوَ مَعْذُوْرٌ فِيْهِ شَرْعًا!

يُوَضِّحُهُ أرْبَعَةُ أمُوْرٍ، كَمَا يَلي:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَرَكَ كَثِيرًا مِنْ أرْكَانِ الصَّلاةِ مَعَ قُدْرَتِهِ على الإتْيَانِ بِهَا: وهِيَ السُّجُوْدُ، والجَلسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، والجُلُوْسُ للتَّشَهُّدِ وغَيْرَهَا مِنْ أرْكَانِ الصَّلاةِ الوَاجِبِ فِعْلُهَا على المُسْلِمِ القَادِرِ، في حِيَّنَ أنَّه تَكَلَّفَ رُكْنًا قَدْ عَذَرَهُ الله تَعَالى فِيْهِ: وهُوَ الإتْيَانُ برُكْنِ القِيامِ والرُّكُوْعِ، وقَدْ قَالَ تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، وقَالَ تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾[التغابن:16]، وقَالَ تعالى: ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّيْنِ مَنْ حَرَجٍ﴾[الحج:78]، وقَالَ تعالى: ﴿يُرِيْدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾[البقرة:185].

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيْقُوْنَ؛ فَإنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، فَإنَّ أحَبَّ العَمَلِ إلى الله أدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ» مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّيْنَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وابْشِرُوا، واسْتَعِيْنُوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشَيءٍ مِنَ الدُّلجَةِ» أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ.

وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم في الصَّحِيْحَيْن أنَّهُ صَلَّى جَالِسًا حِيْنَما سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، ولم يَتَكَلَّفْ حِيْنَهَا الصَّلاةَ على الكُرْسِي، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا كَثِيرٌ مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ الدَّالِةِ على رَفْعِ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ عَنِ العَاجِزِ!

الأمْرُ الثَّاني: أنَّهُ بصَلاتِهِ هَذِهِ قَدْ تَرَكَ رُكْنَ السُّجُوْدِ وتَكَلَّفَ رُكْنَ القِيَامِ، وقَدْ عُلِمَ شَرْعًا أنَّ جِنْسَ السُّجُودِ أفْضَلُ مِنْ جِنْسِ القِيَامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ السُّجُودَ بِنَفْسِهِ عِبَادَةٌ لَا يَصْلُحُ أنْ يُفْعَلَ إلَّا على وَجْهِ العِبَادَةِ لله وَحْدَهُ، والقِيَامُ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ فَإنَّ الإنْسَانَ يَقُومُ في أُمُورِ دُنْيَاهُ ولا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ.

الوَجْهُ الثَّانِي: أنَّ الصَّلَاةَ المَفْرُوضَةَ لا بُدَّ فِيهَا مِنَ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا رُكُوعٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ سُجُودٍ لَا يَسْقُطُ السُّجُودُ فِيهَا بِحَالِ مِنْ الأحْوَالِ، فَهُوَ عِمَادُ الصَّلَاةِ، وَأمَّا القِيَامُ فَيَسْقُطُ في التَّطَوُّعِ دَائِمًا، وفي الصَّلَاةِ على الرَّاحِلَةِ في السَّفَرِ... والسُّجُودُ لَا يَسْقُطُ لا عَنْ قَائِمٍ ولا قَاعِدٍ، والمَرِيضُ إذَا عَجَزَ عَنْ إيمَائِهِ أتَى مِنْهُ بِقَدْرِ المُمْكِنِ وهُوَ الإيمَاءُ بِرَأْسِهِ وهُوَ سُجُودُ مِثْلِهِ … ومَا عَلِمْتُ أحَدًا قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِمُجَرَّدِ الأقْوَالِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ السُّجُودِ، وأمَّا القِيَامُ والقِرَاءَةُ فَيَسْقُطَانِ بِالعَجْزِ بِاتِّفَاقِ الأئِمَّةِ، فَعُلِمَ أنَّ السُّجُودَ هُوَ أعْظَمُ أرْكَانِ الصَّلَاةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ.

الوَجْهُ الثَّالِثُ: أنَّ القِيَامَ إنَّمَا صَارَ عِبَادَةً بِالقِرَاءَةِ أو بِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ ودُعَاءٍ، كَالقِيَامِ في الجَنَازَةِ، فَأمَّا القِيَامُ المُجَرَّدُ فَلَمْ يُشْرَعْ قَطُّ عِبَادَةً مَعَ إمْكَانِ الذِّكْرِ فِيهِ، بِخِلَافِ السُّجُودِ فَإنَّهُ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ عِبَادَةً؛ حَتَّى خَارِجَ الصَّلَاةِ فَقَدْ شُرِعَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ والشُّكْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ولِهذَا قَالُوا: مَا كَانَ عِبَادَةً بنَفْسِهِ لم يَحْتَجْ إلَى رُكْنٍ قَوْلِيٍّ كَالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ومَا لم يَكُنْ عِبَادَةً بِنَفْسِهِ احْتَاجَ إلَى رُكْنٍ قَوْلِيٍّ كَالقِيَامِ والقُعُودِ، وإذَا كَانَ السُّجُودُ عِبَادَةً بِنَفْسِهِ عُلِمَ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ القِيَامِ.

الوَجْهُ الرَّابِعُ: أنَّ مَوَاضِعَ السَّاجِدِ تُسَمَّى مَسَاجِدَ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وأنَّ المَسَاجِدَ لله فَلَا تَدْعُوا مَعَ الله أحَدًا﴾[الجن:18]، وقَالَ تعالى: ﴿ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾[البقرة:114]، وقَالَ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله﴾[التوبة:17]، ولَا تُسَمَّى مَقَامَاتٍ إلَّا بَعْدَ فِعْلِ السُّجُودِ فِيهَا، فَعُلِمَ أنَّ أعْظَمَ أفْعَالِ الصَّلَاةِ هُوَ السُّجُودُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ بِأنَّهَا مَوَاضِعُ فِعْلِهِ.

فَهَذِهِ الوُجُوهُ وغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيِّنُ أنَّ جِنْسَ السُّجُودِ أفْضَلُ مِنْ جِنْسِ القِيَامِ، والله أعْلَمُ، انْظُرْ: "مَجْمُوْعَ الفَتَاوَى" (23/ 71) لابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله باخْتِصَارٍ.

الأمْرُ الثَّالِثُ: أنَّ مَنْ صَلَّى على الكَرَاسِي لا يَخْلُو مِنِ ارْتِكَابِ خَلَلٍ شَرعِيٍّ في تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَقَدُّمِهِ أو تَأخُّرِهِ على أهْلِ الصَّفِ، سَوَاءٌ بصَدْرِهِ أو برِجْلِهِ، وكِلاهُمَا فِيْهِ مُخالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ، لقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا رَأى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوْفَكُم؛ أو لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوْهِكِم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيْثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ.

وعَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: «اعْتَدِلُوا في صُفُوْفِكُم، وتَرَاصُّوا فَإنِّي أرَاكُم مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»، وقَالَ أنَسٌ: فلَقَدْ رَأيْتُ أحَدَنَا يُلصِقُ مَنْكِبَهُ بمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وقَدَمَهُ بقَدَمِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنْهُ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفُوْفَكُم فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنْ أبي مَسْعُوْدٍ البَدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاةِ، ويَقُوْلُ: «اسْتَوُوْا، ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوْبُكُم» أخْرَجَهُ مَسْلِمٌ، والأحَادِيْثُ في هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ الأرْبَعُة وجَمْهُوْرُ أهْلِ العِلمِ على سُنِّيَّةِ تَسْوِيَةِ الصَّفِ في الصَّلاةِ، بَل مِنْ أهْلِ العِلمِ مَنْ حَكَى الإجْمَاعَ على اسْتِحْبَابِهَا، وظَاهِرُ كَلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ وغَيرِهِ وُجُوْبُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ، أمَّا ابنُ حَزْمٍ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ فَقَدْ ذَهَبِ إلى فَرْضِيَّتِهَا، والقَوْلُ الثَّاني أظْهَرُ.

لِذَا؛ فَإنَّ العِبْرَةَ الشَّرعِيَّةَ في تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ: هُوَ اصْطِفَافُ الأقْدَامِ، وتَسْوِيَتُهَا بمُحَاذَاةِ الأكْعُبِ، لا بتَسْوِيَةِ أطْرَافِ الأصَابعِ، كَما هُوَ فِعْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُصَلِّيْنَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ تَرْكِيْبَ الجِسْمِ وبِنَاءَهُ لا يَكُوْنُ إلَّا على مُؤخِّرَةِ الأقْدَامِ، أمَّا مَنْ جَازَ لَهُ الصَّلاةُ على الكَرَاسِي فالعِبرَةُ بتَسْوِيَةِ الصَّدْرِ والمَنْكِبَيْنِ مَعَ المُصَلِّيْنَ، كَما هُوَ ظَاهِرُ السُّنَّةِ، وحَالُ جُلُوسِنَا في الصَّلاةِ.

ومِنْ خِلالِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على مَشْرُوْعِيَّةِ التَّسْوِيَةِ في الصَّلاةِ، فَقَدْ وَجَدْنَا بَعْضًا مِنْ أصْحَابِ أهْلِ الكَرَاسِي مَنْ يَتَكَلَّفُ التَّأخُّرَ بكُرْسِيِّهِ عَنِ الصَّفِ قَلِيلًا؛ كَيْ يَسْلَمَ لَهُ تَسْوِيَةُ الصُّفُوْفِ؛ إلَّا أنَّهُ بهَذِا الفِعْلِ قَدْ آذَى مَنْ خَلفَهُ مِنَ المُصَلِّيْنَ؛ لكَوْنِهِ قَدْ تَرَتَّبَ على تَرَاجُعِهِ للخَلفِ مُضَايَقَةٌ لأصْحَابِ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيْهِ، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ» أخْرَجَهُ أحمَدُ وابنُ مَاجَه، مِنْ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، بسَنَدٍ حَسَنٍ، وغَيرُهُ مِنَ الأحَادِيْثِ.

الأمْرُ الرَّابِعُ: أنَّ الانْتِشَارَ الوَاسِعَ لظَاهِرَةِ الصَّلاةِ على الكَرَاسِي هَذِهِ الأيَّامَ، كَانَ سَبَبًا في دَفْعِ بَعْضِ المُحْتَسِبِيْنَ مِنَ القَائِمِيْنَ على خِدْمَةِ وعِمَارَةِ المَسَاجِدِ إلى الاجْتِهَادِ في وَضْعِ كَرَاسٍ ثَابِتَةٍ دَائِمَةٍ في أوَّلِ الصُّفُوْفِ دَاخِلَ مَسَاجِدَ المُسْلِمِيْنَ؛ زِيَادَةً مِنْهُم في انْتِشَارِ الخَطَأ بَيْنِ المُصَلِّيْنَ، والبُعْدِ بِهِم عَنْ سُؤالِ أهْلِ العِلمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ... الأمْرُ الَّذِي لم يَكُنْ مَوْجُوْدًا في الصَّدْرِ الأوَّلِ مِنَ أهْلِ القُرُوْنِ الثَّلاثَةِ المُفَضَّلَةِ، بَل لا أعْلَمُ لهَذِهِ الظَّاهِرَةِ سَلَفًا عِنْدَ أحَدٍ مِنْ أهْلِ العِلمِ المُعْتَبرِيْنَ!

لِذَا؛ فَإنَّ انْتِشَارَ ظَاهِرَةِ صَلاةِ الكَرَاسِي هَذِهِ الأيَّامَ ممَّا يَدْفَعُنَا إلى القَوْلِ بمَنْعِ انْتِشَارِهَا بهَذِهِ الصُّوْرَةِ في مَسَاجِدِ المُسْلِمِيْنَ، بَل لَو أنَّ أحَدًا مِنْ أهْلِ العِلمِ نَصَّ على بِدْعِيَّتِهَا لكَانَ لَهُ وَجْهٌ، ولاسِيَّما إذَا عَلِمْنَا أنَّ وُجُوْدَ الكَرَاسِي في مَسَاجِدِ المُسْلِمِيْنَ بعَامَّةٍ ممَّا يَقْتَضِيْهِ الحَالُ مَعَ قُوَّةِ المُقْتَضَى ووُجُوْدِ السَّبَبِ وعَدَمِ المَانِعِ، وقَدْ نَصَّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ العِلمِ: على أنَّ كُلَّ فِعْلٍ أو قَوْلٍ وُجِدَ سَبَبُهُ وقَوِيَ مُقْتَضَاهُ مَعَ عَدَمِ وُجُوْدِ المَانِعِ، ومَعَ تَوَافُرِ الهِمَمِ على فِعْلِهِ إلَّا أنَّهُ لم يُفْعَل في عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ففِعْلُهُ بِدْعَةٌ! فَتَأمَّل هَدَاني الله وإيَّاكَ لمَا يُحبُّهُ ويَرْضَاهُ.

وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا.

* * *

- وأيْضًا فَإنَّ لهؤلاءِ الَّذِيْنَ يُصَلُّوْنَ الفَرِيْضَةَ على الكَرَاسِي وهُم قَادِرُوْنَ على السُّجُوْدِ، صُوَرًا وحَالاتٍ كَثِيرَةً، مِنْهَا:

مِنْهُم مَنْ يُصَلِّي الفَرِيْضَةَ على الكَرَاسِي وهُوَ يَسْتَطِيْعُ القِيَامَ والسُّجُوْدَ، لكِنَّهُ لا يَسْتَطِيْعُ الرُّكُوْعَ، ومِنْهُم مَنْ يَسْتَطِيْعُ أدَاءَ الصَّلاةَ في الرَّكْعَةِ الأوْلى ورُبَّما الثَّانِيَةَ، لكِنَّهُ لا يَسْتَطِيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ القِيَامَ أو الرُّكُوْعَ، وهَكَذَا في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ لا تَنْضَبِطُ عِنْدَ صِفَةٍ.

إلَّا أنَّنَا نَقُوْلُ لمَنْ تَلَبَّسَ بشَيءٍ مِنْ هَذِهِ الحَالاتِ، وصَلَّى على الكَراسِي وهُوَ قَادِرٌ على الإتْيَانِ ببَعْضِ الأرْكَانِ، لاسِيَّما السُّجُوْدُ والجُلُوْسُ، لكِنَّهُ تَرَكَهَا عَامِدًا عَالمًا مُخْتَارًا بحُجَّةِ المُحَافَظَةِ على رُكْنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ: فَصَلاتُهُ لا شَكَّ أنَّها بَاطِلَةٌ باتِّفَاقِ أهْلِ العِلمِ.

* * *

لِذَا؛ كَان وَاجِبًا على مَنْ هَذِهِ حَالهُم أنْ يُصَلُّوا الصَّلاةَ بحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ والقُدْرَةِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ الصُّوَرِ التَّالِيَةِ:

أنْ يُكَبِّرُوا أوَّلًا للصَّلاةِ قِيَامًا، ثُمَّ يَرْكَعُوا ثُمَّ يَعْتَدِلُوا مِنَ الرُّكُوْعِ، ثُمَّ يَسْجُدُوا، ثُمَّ يَجْلِسُوا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْجُدُوا ثَانِيًا، ثُمَّ إنِ اسْتَطَاعُوا القِيَامَ قَامُوا للرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وإلَّا صَلُّوا جُلُوْسًا بِنِيَّةِ القِيَامِ، وعِنْدَ الرُّكُوْعِ يُومِئُوْنَ برُؤوْسِهِم بِنِيَّةِ الرُّكُوْعِ، وهَكَذَا إلى آخِرِ الصَّلاةِ.

وأمَّا مَنْ لا يَسْتَطِيْعُ إلَّا القِيَامَ فَقَطَ دُوْنَ الرُّكُوْعِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُصَلِّي قَائِمًا، ثُمَّ إذَا أرَادَ الرُّكُوْعَ أوْمَأ بِرَأسِهِ للرُّكُوْعِ وهُوَ قَائِمٌ.

وهُنَاكَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنَ الصُّوَرِ والحَالاتِ الَّتِي لَيْسَ لهَا ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ إلَّا القَوْلُ: بأنَّهُ يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُصَلِّيَ الصَّلاةَ بحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَكُلُّ رُكْنٍ يَسْتَطِيْعُهُ أتَى بِهِ، ومَا لا يَسْتَطِيْعُهُ فَهُوَ مَعْذُوْرٌ فِيْهِ شَرْعًا!

وعَلَيْهِ؛ فَكُلُّ مَنْ أتَى برُكْنٍ هُوَ مَعْذُوْرٌ فِيْهِ شَرْعًا مَعَ تَرْكِهِ لمَا هُوَ مَأمُوْرٌ بِهِ شَرْعًا: فَصَلاتُهُ بَاطِلَةٌ في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلمِ، والله أعْلَمُ.

* * *

- الصُّوْرَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْهُم مَنْ يُصَلِّي الفَرِيْضَةَ على الكَرَاسِي، وهُوَ عَاجِزٌ عَنِ السُّجُوْدِ فَقَطُ، بحُجَّةِ أنَّ في السُّجُوْدِ ضَرَرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ، لعُذْرٍ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ، أو تَأخُّرِ بُرءٍ ونَحْوِهِ، ولاسِيَّما إذَا أفْتَاهُ طَبِيْبٌ ثِقَةٌ أمِيْنٌ.

فمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَصلاتُهُ بِاطِلَةٌ اتِّفَاقًا، لأنَّهُ تَرَكَ أرْكَانًا مِنَ الصَّلاةِ عَمْدًا، كرُكْنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ والجُلُوْسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ والجُلُوْسِ للتَّشَهُّدِ!

لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ أنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا حَالَ قِيَامِهِ ورُكُوْعِهِ؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الأرْضِ، ثُمَّ أوْمَأ للسُّجُوْدِ برَأسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيْعِ صَلاتِهِ.

* * *

- الصُّوْرَةُ الثَّالِثَةُ: مِنْهُم مَنْ يُصَلِّي الفَرِيْضَةَ على الكَرَاسِي، وهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الجُلُوْسِ رَأسًا، بحُجَّةِ أنَّ في جُلُوْسِهِ ضَرَرًا مُتَوقَّعًا، أو فِيْهِ تَأخِيرٌ لبُرْئِهِ؛ ولاسِيَّما إذَا أفْتَاهُ طَبِيْبٌ ثِقَةٌ، كَمَا مَرَّ آنِفًا.

فمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَصلاتُهُ بِاطِلَةٌ اتِّفَاقًا، لأنَّهُ تَرَكَ أرْكَانًا مِنَ الصَّلاةِ عَمْدًا، كَرُكْنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ.

لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ أنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا حَالَ قِيَامِهِ ورُكُوْعِهِ؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ صَلَّى على الكُرْسِي جَالِسًا أخْذًا باسْتِشَارَةِ الطَّبِيْبِ الثِّقَةِ، لقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُوْنَ﴾[الأنبياء:7]، وأوْمَأ للسُّجُوْدِ برَأسِهِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيْعِ صَلاتِهِ.

* * *

- الصُّوْرَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْهُم مَنْ يُصَلِّي الفَرِيْضَةَ مُتَوكِّئًا على العَصَا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ الرُّكُوْعَ أو السُّجُوْدَ صَلَّى على الكُرْسِي، في حِيْنَ أنَّهُ قَدْ تَكَلَّفَ القِيَامَ اعْتِمادًا مِنْهُ على العَصَا!

قُلتُ: لا تَخْلُو هَذِهِ الصُّوْرَةُ مِنْ حَالَتَيْنِ:

الأولى: أنْ يَكُوْنَ قِيَامُهُ ورُكُوْعُهُ مُتَوَقِّفًا على الاتِّكَاءِ على العَصَا، بمَعْنَى أنَهُ يَسْقُطُ بسُقُوْطِهَا.

فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَلا شَكَّ أنَّ صَلاتَهُ غَيرُ صَحِيْحَةٍ، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ السُّجُوْدِ والجُلُوْسِ عَمْدًا.

لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شْرَعًا: أنْ يُصَلِّيَ مُتَوَكِّئً على العَصَا حَالَ قِيَامِهِ ورُكُوْعِهِ وُجُوْبًا، دُوْنَ الجُلُوْسِ على الكُرْسِي، حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ: سَجَدَ على الأرْضِ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ سَجَدَ ثَانِيَةً؛ ثُمَّ إذَا أرَادَ القِيَامَ قَامَ مُتَوَكِّئً على العَصَا، وهَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيْعِ صَلاتِهِ.

الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ قِيَامُهُ ورُكُوْعُهُ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ على الاتِّكَاءِ على العَصَا، بمَعْنَى أنَهُ لا يَسْقُطُ بسُقُوْطِهَا.

فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَصَلاتُهُ أيْضًا غَيرُ صَحِيْحَةٍ، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ السُّجُوْدِ والجُلُوْسِ عَمْدًا.

كَمَا أنَّه أيْضًا بِهَذِهِ الصُّوْرَةِ قَدْ تَكَلَّفَ الإتْيَانَ برُكْنِ القِيَامِ والرُّكُوْعِ تَكَلُّفًا مَنَعَهُ مِنَ الإتْيَانِ بالأرْكَانِ الوَاجِبِ فِعْلُهَا، وهِيَ أرْكَانُ السُّجُوْدِ والجُلُوْسِ الَّتِي يَسْتَطِيْعُهَا شَرْعًا وطَبْعًا.

لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شْرَعًا: أنْ يُصَلِّيَ الفَرِيْضَةَ على وَجْهِهَا الشَّرعِيِّ قِيَامًا ورُكُوْعًا وسُجُوْدًا وجُلُوْسًا دُوْنَ الاتِّكَاءِ على العَصَا، ودُوْنَ الجُلُوْسِ على الكُرْسِي، والله المُوَفِّقُ.

* * *

- وأخِيرًا؛ فَإنَّ القَوْلَ ببُطْلانِ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي الَّذِيْنَ جَاءَ ذِكْرُهُم مِنْ خِلالِ هَذِهِ الصُّوَرِ الأرْبَعِ المَذْكُوْرَةِ آنِفًا؛ مَشْرُوْطٌ بَأنْ يَكُوْنَ المُصَلِّي مِنْهُم: عَالمًا ذَاكِرًا مُخْتَارًا في صَلاتِهِ، وإلَّا فَصَلاتُهُم صَحِيْحَةٌ بعُذْرِ الجَهْلِ أو النِّسْيَانِ أو الإكْرَاهِ.

ولاسِيَّما إذَا عَلِمْنَا أنَّ الجَهْلَ هَذِهِ الأيَّامَ قَدْ أخَذَ بكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ في أوْدِيَةِ التَّقْلِيْدِ والتَّقْصِيْرِ، سَوَاءٌ جَهْلٌ مِنْهُم بأحْكَامِ الدِّيْنِ، أو تَقْلِيْدٌ مِنْهُم بعَوَامِّ المُسْلِمِيْنَ، أو تَقْصِيْرٌ مِنْهُم عَنْ سُؤالِ أهْلِ العِلمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ، والله وَليُّ الصَّالحِيْنَ.

* * *

- أمَّا إذَا سَألتَ أخِي المُسْلِمُ عَنِ الصُّوَرِ الَّتِي تَصِحُّ فِيْهَا الصَّلاةُ على الكَرَاسِي، فَهِي في جُمْلَتِهَا لا تَخْرُجُ عَنْ صُوْرَتَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ كَثِيرٍ مِنَ المُصَلِّيْنَ هَذِهِ الأيَّامِ:

- الصُّوْرَةُ الأوْلى: مَنْ كَانَ نَضْوَ الخِلقَةِ، ممَّنْ ضَعُفَتْ قُوَاهُ عَنْ حَمْلِهِ قَائًما وجَالِسًا على حَدٍّ سَوَاء، وهُوَ أشْبَهُ اليَوْمَ بحَالِ مَرْضَى العِظَامِ وهَشَاشَتِهَا، أو بحَالِ المُصَابِيْنَ بالشَّلَلِ، أو غَيرَهُم ممَّنْ يعَجَزُوْنَ عَنِ القِيَامِ والجُلُوْسِ لضَعْفِ قُوَاهُم.

فمَنْ هَذِهِ حَالهُم؛ فَعَلَيْهِم شَرْعًا أنْ يُصَلُّوا على الكَرَاسِي ابْتِدَاءً، ويُومِئُوْنَ برُؤوْسِهِم عِنْدَ الرُّكُوْعِ والسُّجُوْدِ، ويَكُوْنُ السُّجُوْدُ أخْفَضَ مِنَ الرُّكُوْعِ وُجُوْبًا كَما مَرَّ مَعَنَا.

ومَنْ كَانَ مِنْهُم لا يَسْتَطِيْعُ الإيْماءَ برَأسِهِ، نَوَى بقَلْبِهِ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ.

- الصُّوْرَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ كَانَ يعَجَزُ عَنِ الجُلُوْسِ فَقَطُ، لمَرَضٍ يُعْجِزُهُ، أو لرَجَاءِ بُرْءٍ يَتَوَقَّعُهُ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ طَبِيْبٍ ثِقَةٍ، فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ فَعَلَيْهِ شَرْعًا أنْ يُصَلِّيَ قَائمًا ورَاكِعًا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الكُرْسِي، وأوْمَأ برَأسِهِ بِنِيَّةِ السُّجُوْدِ، ثُمَّ يَنْوي الجُلُوْسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيْعِ صَلاتِهِ، والله تَعَالى أعْلَمُ.

قَالَ في "الشَّرْحِ الكَبِيْرِ" (5/ 13): "فَإنْ عَجَزَ عَنِ السُّجُوْدِ وَحْدَهُ، رَكَعَ وأوْمَأ بالسُّجُوْدِ".

وقَدْ أفْتَى الشَّيْخُ محَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ رَحِمَهُ الله في "الفَتَاوَى" (2/ 315) لمَنْ مَنَعَهُ الطَّبِيْبُ عَنِ السُّجُوْدِ على الأرْضِ، وقَرَّرَ أنَّهُ ممَّا يَزِيْدُ المَرَضَ، ويَكُوْنُ سَبَبًا في طُوْلِ العِلاجِ وبُطءِ البُرْءِ بأنَّهُ إذَا كَانَ الطَّبِيْبُ ثِقَةً غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وكَانَ تَقْدِيْرُهُ عَنْ عِلمٍ ودِرَايَةٍ، فَلا مَانِعٍ مِنَ الأخْذِ بقَوْلِهِ، وتَرْكِ السُّجُوْدِ بقَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي يُقَرِّرُهَا، وحِيْنَئِذٍ فَيُوْمِئُ إيْماءً، لحَدِيْثِ عَليٍّ في صَلاةِ المَرِيْضِ؛ وفِيْهِ: "فَإنْ لم يَسْتَطِعْ أنْ يَسْجُدَ أوْمَأ برَأسِهِ" انْتَهَى.

* * *

ونَحْنُ مَعَ بَيَانِ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي تَصِحُّ فِيْهَا الصَّلاةُ على الكَرَاسِي؛ إلَّا أنَّنَا مَعَ هَذَا نَمْنَعُ مِنْ وُجُوْدِ كَرَاسٍ ثَابِتَةٍ، لاسِيَّما في أوَّلِ الصُّفُوْفِ، فَإنْ كَانَ ولا بُدَّ مِنْ كَرَاسٍ في المَسْجِدِ لمَنْ يَحْتَاجُهَا، فَلتَكُنْ مُتَحَرِّكَةً مُتَنَقِّلَةً، وتَكُوْنُ أيْضًا في مُؤخِّرَةِ الصُّفُوْفِ أو في أطْرَافِهَا، وأمَّا مَنْ يَحْتَاجُهَا، وهُوَ مِنْ أهْلِ العِلمِ والفِقْهِ ومِنْ أوْلي الأحْلامِ والنُّهَى فلْيَكُنْ كُرْسِيُّهُ خَلفَ الإمَامِ مَعَ مُرَاعَاةِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ، وذَلِكَ بمُحَاذَاةِ صَدْرِهِ ومَنْكِبِهِ مَعَ المُصَلِّيْنَ، كَما مَرَّ مَعَنَا، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ..

 

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 33 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208636)