تحريم قيادة المرأة للسيارة
عدد مرات القراءة: 820710

البَابُ الثَّالِثُ

زِيُوْفٌ وكُشُوْفٌ

 

- الفَصْلُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، والقَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ الدَّالَةُ على حُرْمَةِ قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ.

- الفَصْلُ الثَّانِي: كَشْفُ الشُّبَهِ الَّتِي أعْتَمَدَ عَلَيْها المُبِيْحُوْنَ لقِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ.

***

الفَصْلُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، والقَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ الدَّالَةُ على حُرْمَةِ قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ.

لقَدْ تَحَدَّثْنا في البَابِ الأوَّلِ عَنْ أرَاءِ وأقْوَالِ النَّاسِ في قَضِيَّةِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، وذَكَرْنا أنَّهُم انْقَسَمُوا فِيْها إلى طَرَفَيْنِ ووَسَطٍ، كَمَا يَلَي:

الطَّرَفُ الأوَّلُ: الطَبَّاخُون.

الطَّرَفُ الثَّانِي: الذَوَّاقُون.

الوَسَطُ: أهْلُ العِلْمِ الرَّبَّانِيُّوْنَ.

وهُنا نُرِيْدُ أنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ، والبَرَاهِينِ الحِسِّيَّةِ المَانِعَةِ مِنْ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، وأنْ نَذْكُرَ أيْضًا بَعْضَ الشُّبَهِ الَّتي يَحُومُ حَولَها كَثِيْرٌ مِنَ الطَبَّاخِيْنَ والذَوَّاقِيْنَ، وَمِنْ ثَمَّ نَقُوْمُ بِرَدِّهَا، وكَشْفِ أخْطَائِهَا إنْ شَاءَ الله.

* * *

فَأقُولُ وبِالله التَّوْفِيقُ: إنَّ قَضِيَّةَ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» قَدْ قَامَ الدَّلِيْلُ الشَّرْعِيُّ، والبُرْهَانُ الحِسِّيُّ على حُرْمَتِها وَمَنْعِهَا، لِهَذا سَأذْكُرُ إنْ شَاءَ الله بَعْضَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ والحِسِّيَّةِ القَاطِعَةِ بِتَحْرِيْمِ ومَنْعِ المَرْأةِ مِنْ قِيَادَةِ السَّيَّارَةِ، مُتَجَنِّبًا الإطَالَةَ؛ لأنَّنِي لَوْ تَتَبَّعْتُ أوِ اسْتَقْصَيْتُ هَذِه الأدِلَّةَ حَصْرًا وَكِتَابَةً لَطَالَ بِنا المُقَامُ، وهِيَ ولله الحَمْدُ عِنْدِي مُتَوَفِّرَةٌ مَوجُوْدَةٌ؛ إلَّا أنَّني آثَرْتُ الاخْتِصَارَ طَلَبًا لِلْفَائِدَةِ، ودَفْعًا لِلْمِلالِ والتَضَجُّرِ، مَعَ أنَّ فِيْمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنَ الأدِلَّةِ فِيْهِ كِفَايَةٌ ووَفَايَةٌ؛ لِمَن ألقَى السَّمْعَ، وهُوَ شَهِيْدٌ!

* * *

- الأدِلَّةُ الشَرْعِيَّةُ، وَالقَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ:

- الدَّلِيْلُ الأوَّلُ: لاشَكَّ أنَّ المَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ والقَوَاعِدَ الكُلِّيَّةَ جَاءَتْ بسَتْرِ المَرْأةِ وصِيَانَتِهَا وحِفْظِهَا ورِعَايَتِهَا وبُعْدِهَا عَنْ مَوَاطِنِ الفِتْنَةِ والافْتِتَانِ، كَمَا دَلَّ على ذَلِكَ الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْمَاعُ.

بَلْ إنَّ حِفْظَ المَرْأةِ وصِيَانَتَهَا مِنَ السُّفُوْرِ والفُجُوْرِ هُوَ مِنْ أحَدِ الضَّرُوْرَاتِ الخَمْسِ، الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْهَا كُلُّ المِلَلِ: وهِيَ الحِفَاظُ على الدِّيْنِ، والعَقْلِ، والنَّفْسِ، والمَالِ، والعِرْضِ.

فَعِنْدَئِذٍ كَانَ العِرْضُ وَاحِدًا مِنْ هَذِه الضَّرُوْرَاتِ الخَمْسِ، والحَالَةُ هَذِهِ فَإنَّ المَرْأةَ: هِيَ مِنْ أعْظَمِ الأعْرَاضِ الَّتِي يَجِبُ المُحَافَظَةُ عَلَيْهَا.

* * *

 يُوَضِّحُهُ أنَّ الشَّرِيْعَةَ جَاءَتْ لتَحْفَظَ المَرْأةَ وتَصُوْنَهَا مِنْ كُلِّ مَا يُفْتِنُهَا ويُؤذِيْهَا ويُفْسِدُهَا، وهَذَا مَاثِلٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأوَامِرِ والنَّواهِي الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بالمَرْأةِ، فَمِنْ ذَلِكَ على وَجْهِ الاخْتِصَارِ، مَا يَلي:

فأمَّا الأوَامِرُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَمِنْهَا: الْتِزَامُهَا بعِبَادَةِ رَبِّهَا، والْتِزَامُهَا بالحَيَاءِ، والحُشْمَةِ، والقَرَارِ، والعَفَافِ، والنِّكَاحِ، وغَضِ البَصَرِ، وسَتْرِ الوَجْهِ، وارْتِدَاءِ الحِجَابِ، وخَفْضِ الصَّوْتِ... إلخ.

وأمَّا النَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةُ؛ فَمِنْهَا: تَحْذِيْرُهَا ومَنْعُهَا مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ الله، ومَنْعُهَا مِنَ السُّفُوْرِ، والتَّبَرُّجِ، وكَشْفِ مَفَاتِنِهَا عِنْدَ النِّسَاءِ بغَيْرِ ضَرُوْرَةٍ، والاخْتِلاطِ، والزِّنَا، ورَفْعِ الصَّوْتِ، والضَّرْبِ بالأرْجُلِ عِنْدَ المَشِي، والتَّمَايُلِ في المَشِي، والخَلْوَةِ بأجْنَبيٍّ، والسَّفَرِ بِلا مَحْرَمٍ، والتَّعَطُّرِ عِنْدَ الخُرُوْجِ، والبُرُوْزِ للرِّجَالِ، والخُرُوْجِ مِنْ بَيْتِهَا بِلا حَاجَةٍ أو ضَرُوْرَةٍ، وخَلْعِ ثِيَابِهَا في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا... إلخ.

وعلى كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا، قَدْ دَلَّتِ الآيَاتُ القُرْآنِيَّةُ، والأحَادِيْثُ الصَّحِيْحَةُ، ولَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِ ذِكْرِهَا.

* * *

ومِنَ الأوَامِرِ العَظِيْمَةِ للمَرْأةِ أيْضًا: قَرَارُهَا في بَيْتِهَا، وطَاعَتُهَا لزَوْجِهَا، فَأمَّا قَرَارُهَا في بَيْتِهَا فَخَيْرٌ لَهَا مِنَ الصَّلاةِ في بُيُوْتِ الله، وخَيْرٌ لَهَا مِنَ الجِهَادِ في سَبِيْلِ الله، وخَيْرٌ لَهَا مِنَ البَيْعِ والشِّرَاءِ، والعَمَلِ خَارَجَ مَنْزِلِهَا، بَلْ لُو قُدِّرَ لَهَا أنَّهَا في خُرُوْجِهَا مِنْ مَنْزِلِهَا سَتَجْمَعُ في اليَوْمِ الوَاحِدِ آلافَ الدَّنَانِيْرِ، فَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا وأصْوَنُ وأكْرَمُ مِمَّا جَمَعَتْ، لِذَا كَانَ قَرَارُهَا في بَيْتِهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ كُلِّ مَا مِنْ شَأنِهِ يُخْرِجُهَا مِنْهُ في غَيْرِ حَاجَةٍ أو ضَرُوْرَةٍ، وهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِمَّا أجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأمَّةُ سَلَفًا وخَلَفًا، ولم يُخَالِفْ فِيْهِ إلَّا أدْعِيَاءُ حُقُوْقِ المَرْأةِ مِنْ عُبَّادِ الشَّهْوَةِ، والمَائِلِيْنَ بنَسَاءِ المُؤمِنِيْنَ إلى السُّفُوْرِ والفُجُوْرِ، ومِنَ المُشِيْعِيْنَ للفَاحِشَةِ في الَّذِيْنَ آمَنُوا، كَمَا قَال تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النور: 19]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾[النساء:27].

ومِنْ مَجْمُوْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنَ الأوَامِرِ والنَّواهِي المُتَعَلِّقَةِ بالمَرْأةِ، والدَّالَّةِ على صَوْنِهَا وحِفْظِهَا وسِتْرِهَا وقَرَارِهَا: فَقَدَ تَبَيَّنَ لَنَا أنَّ الدَّلِيْلَ الشَّرْعِيَّ والعَقْلِيَّ يَدُلُّ دَلالَةً وَاضِحَةً على أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» فِيْهَا مُخَالَفَةٌ لأدِلَّةِ سَتْرِ وحِفْظِ المَرْأةِ، وقَرَارِهَا في بَيْتِهَا، الأمْرُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَثِيْرٌ مِنَ المَفَاسِدِ والفِتَنِ الَّتِي يَعْلَمُهَا الجَمِيْعُ، فَمِنْ ذَلِكَ: خُرُوْجُهَا مِنَ البَيْتِ، واخْتِلاطُهَا بالرِّجَالِ، وتَعَرُّضُهَا للفِتَنِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأتي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ الله.

* * *

وهَاكَ أخِي المُسْلِمُ بَعْضَ الأدِلَّةِ المَانِعَةِ مِنْ خُرُوْجِ المَرْأةِ على وَجْهِ الاخْتِصَارِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةَ الأوْلَى﴾[الأحزاب:33]. فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُوْنَ وعَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ: على أنَّ الآيَةَ دَالَّةٌ على الأمْرِ بِلُزُوْمِ المَرْأةِ بَيْتَهَا، لكَوْنِهِ اسْتَرَ وأصْوَنَ وأسْكَنَ لهَا، ولا تَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لحَاجَةٍ أو ضَرُوْرَةٍ، لِذَا كَانَ لُزُوْمُهَا بَيْتَهَا عَزِيْمَةً عَلَيْهَا، وخُرُوْجُهُا مِنْهُ رُخْصَةً تُقَدَّرُ بقَدَرِهَا!

ومِنْ خِلالِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ على لُزُوْمِ المَرْأةِ بَيْتَهَا، وعَدِمِ خُرُوْجِهَا مِنْهُ إلَّا للحَاجَّةِ: نَجِدُ غَالِبَ قَائِدَاتِ السَّيَّارَاتِ اليَوْمَ لا يَتَقَيَّدْنَ بعُمُوْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذَا مَا يَشْهَدُ بِهِ دَلِيْلُ الوَاقِعِ والحَالِ.

لِذَا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» مِنْ أعْظَمِ أسْبَابِ خُرُوْجِهَا مِنْ البَيْتِ، ولاسِيَّمَا أنَّ غَالِبَ خُرُوْجِهَا للقِيَادَةِ لا يَتَقَيَّدُ بِحَاجَةٍ أو رُخْصَةٍ، الأمْرُ الَّذِي جَعَلَ خُرُوْجَ المَرْأةِ مِنْ بَيْتِهَا حِمَىً مُسْتَبَاحًا لَدَيْهَا في كُلِّ خُرُوْجِ مُبَاحًا كَانَ أو مَكْرُوْهًا، وهَذَا مِمَّا يَقْطَعُ بِهِ الجَمْيِعُ مِنْ أهْلِ العَقْلِ والرَّشَادِ.

وقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «المَرْأةُ عَوْرَةٌ، فَإذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وأقْرَبُ مَا تَكُوْنُ مِنْ رَبِّهَا إذَا هِيَ في قَعْرِ بَيْتِهَا» أخْرَجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

ومَعْنَى اسْتَشْرَفَهَا، أيْ: رَفَعَ الشَّيْطَانُ بَصَرَهُ إلَيْهَا ليَغْوِيَهَا أو يَغْوِيَ بِهَا، وهُوَ أيْضًا حَاصِلٌ مِنْ شَيْطَانِ الإنْسِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الفِسْقِ إذَا رَأوْهَا بَارِزَةً طَمَحُوا بأبْصَارِهِم نَحْوَهَا للفِتْنَةِ والافْتِتَانِ، وبنَحْوِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.

ومِنْ خِلالِ هَذَا الحَدِيْثِ، يَتَّضِحُ لِكُلِّ عَاقِلٍ أيْضًا أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» سَبَبٌ قَوِيٌّ لاسْتِشْرَافِ شَيَاطِيْنَ الإنْسِ والجِنِّ نَحْوَهَا، مِمَّا يَكُوْنَ فِتْنَةً لَهَا ولِغَيْرِهَا!

* * *

 الدَّلِيْلُ الثَّاني: لا شَكَّ أنَّ الأحْكَامَ الشَرْعِيَّةَ (التَّكْلِيْفِيَّةَ) لا تَخْرُجُ في أيِّ مَسْألَةٍ عَنِ الأحْكَامِ الخَمْسَةِ: وهِيَ الوَاجِبُ، والسُّنَّةُ، والحَرَامُ، والمَكْرُوْهُ، والمُبَاحُ.

فَيَعُودُ السُؤَالُ جَذَعًا: وهُوَ أيُّ الأحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ الخَمْسَةِ يُنَاطُ بِقَضِيَّتِنا؟

فَالجَوابُ: إنَّ أصْلَ مَسْألَةِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» الإبَاحَةُ؛ قِيَاسًا على رُكُوْبِ الدَّوَابِ آنَذَاكَ في الجُمْلَةِ؛ وهَذا لا يَعْنِي ضَرُوْرَةً أنَّهَا مُبَاحَةٌ على إطْلاقِهَا دُوْنَ نَظَرٍ أو اعْتِبَارٍ لمقَاصِدِ الشَرِيْعَةِ الَّتِي جَاءَتْ لِتَحْصِيْلِ المَصَالِحِ وَتَكْمِيْلِهَا، وَتَعْطِيْلِ المَفَاسِدِ وَتَقْلِيْلِهَا؛ بَلْ لِلتَّفْصِيْلِ حَقٌّ وَاعْتِبَارٌ، كَمَا سَيَأتي في ردِّنَا على الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ إنْ شَاءَ الله.

عِلْمًا أنَّ المُبَاحَ لَيْسَ مِنَ الأحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ الأصْلِيَّةِ؛ بَلْ دَمْجُهُ وضَمُّهُ للأحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ الخَمْسَةِ مِنْ بَابِ التَوْسِعَةِ، وإتْمَامًا لِلْقِسْمَةِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الأُصُولِيِّيْنَ.

* * *

فعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: إنَّ المُبَاحَ مِنَ الأحْكَامِ الَّتِي قَدْ يَتَأثَّرُ وَيَتَكَيَّفُ بِالأحْكَامِ الأخْرَى؛ خِلافًا لِلأحْكَامِ الأرْبَعَةِ؛ فَهِيَ أصْلِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ، ولا تَتَبَدَّلُ بِتَغَيُّرِ الزَمَانِ أو المَكَانَ؛ بَلْ ثَابِتَةٌ ورَاسِيَةٌ مِثْلَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي؛ لأنَّهَا مِسْتَمَدَّةٌ مِنَ الوَحْيَيْنِ (الكِتَابِ وَالسُنَّةِ).

فَإذَا عُلِمَ هَذا نَجِدُ المُبَاحَ أسْهَلَهَا تَنَاوُلًا حَيْثُ يَتَنَازَعُهُ وَيَطْلُبُهُ كُلٌّ مِنَ الأحْكَامِ الأرْبَعَةِ البَاقِيَةِ، فَحِيْنًا يَنْقَلِبُ مِنَ الإبَاحَةِ إلَى الحُرْمَةِ؛ وهُوَ مَا يُسَمَّى بـِ (الحَرَامِ لِغَيْرِهِ)، ومِثَالُهُ: بَيْعُ السِّلاحِ وَقْتَ الفِتْنَةِ، أو بَيْعَ العِنَبَ لِمَن يُعْلَمُ أنَّهُ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا؛ مَعَ العِلْمِ أنَّ الأصْلَ في البَيْعِ هُوَ الإبَاحَةُ!

وحِيْنًا يَنْقَلِبُ المُبَاحُ إلَى الوُجُوْبِ، ومِثَالُهُ: شِرَاءُ لِبَاسٍ لِسَتْرِ العَوْرَةِ بِثَمَنِ المِثْلِ، وشِرَاءُ المَاءِ لِلْوَضُوءِ بِثَمَنِ المِثْلِ، وعلى هَذا تَجْرِي الأحْكَامُ البَاقِيَةُ كَمَا لا يَخْفَى، والأمْثِلَةُ في هَذا كَثِيْرَةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

ومِنْ خِلالِ هَذا التَقْعِيْدِ والتَأْصِيْلِ الأُصُوْليِّ؛ يَتَّضِحُ لَنَا أنَّ حُكْمَ الإبَاحَةِ مِنْ بَابِ الوَسَائِلِ في الأعَمِّ الأغْلَبِ، والأحْكَامُ الأُخْرَى مِنْ بَابِ المَقَاصِدِ قَطْعًا؛ فإذَا كَانَ فِعْلُ المُبَاحِ وَسِيْلَةً لِلْحَرَامِ فَيَكُونُ حَرَامًا، وإذَا كَانَ وَسِيْلَةً لِلْوَاجِبِ فَيَكُوْنُ واجِبًا، وهَكَذَا في بَقِيَّةِ الأحْكَامِ، ولِهَذَا قَالُوا: للوَسَائِلِ أحْكَامُ المَقَاصِدِ!

* * *

فَالسُؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ: هَلْ «قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» وسِيْلَةٌ لِلْحَرَامِ أمْ لا؟

وقَبْلَ الإجَابَةِ عَنْ هَذَا السُؤَالِ: كَانَ مِنَ الجَدَيْرِ أنْ نُحَكِّمَ الوَاقِعَ الذِي سَيَكُونُ بُرْهَانًا قَاطِعًا في مَسْألَتِنَا؛ لأنَّ النَظَرَ والتَأمُّلَ في البِلادِ ـ الكَافِرَةِ والمُسْلِمَةِ ـ الَّتِي قَادَتْ فِيْهَا المَرْأةُ السَيَّارَةَ، نَجِدُ الوَاقِعَ أكْبَرَ شَاهِدٍ على الحَيَاةِ الهَابِطَةِ والعَرْبَدَةِ المَمْقُوتَةِ، والانْحِلالِ المَشِيْنِ، والعِفَّةِ الضَائِعَةِ، والغَيْرَةِ المَعْدُوْمَةِ، والجَرَائِمِ الفَاضِحَةِ، وقَتْلِ الحَيَاءِ، وكُلَّ هَذا مَعَ مُرُوْرِ الأيَّامِ، أوْ قُلْ تَتَابُعِ السَّاعَاتِ!

ولَولا الفَضِيْحَةُ؛ لَذَكَرْتُ مِنَ الحَوادِثِ والقَصَصِ مَا يَنْدَى لَه الجَبِيْنُ؛ ولا أقُوْلُ هَذَا في بِلادِ الكُفْرِ فَقَطْ؛ بَلْ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ المُجَاوِرَةِ (لِلأسَف!) الَّتِي تَسَاقَطَتْ في أحْضَانِ التَبَعِيَّةِ، حِيْنَ زَجَّتْ بِفَتَيَاتِهَا في غَيَاهِبِ القِيَادَةِ؛ دُوْنَ تَعَقُّلٍ أوْ نَظَرٍ، فَآلَ بِهِمُ الحَالُ إلى التَبَرُّجِ، والسُّفُوْرِ، والاخْتِلاطِ الفَاضِحِ...!

وجَدِيْرٌ بِالعَاقِلِ أنْ يَسْألَ أخَوَاتَنَا اللَّاتِي تَدَافَعْنَ إلى قِيَادَةِ السَيَّارَةِ كَالفَرَاشِ المَبْثُوْثِ في تِلْكُمُ البِلادِ، أو يَسْألَ المَسْئُولِيْنَ هُنَالِكَ عَنْ أنْظِمَةِ المرُوْرِ ومَا يُلاقُوْنَهُ مِنْ فَضَائحَ أخْلاقِيَّةٍ جَرَّاءَ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»؟!

* * *

فَكَمْ عَفِيْفَةٍ ذَهَبَ شَرَفُهَا، وكَمْ حُرَّةٍ خُدِشَ حَيَاؤُهَا بِسَبَبِ المَوَاقِفِ المُحْرِجَةِ الَّتِي تُوَاجِهُهَا أثْنَاءَ الحَوَادِثِ المُرُوْرِيَّةِ؛ فَهَذَا يُسَاوِمُهَا على عِرْضِهَا، وذَاكَ يَنْتَهِزُ ضَعْفَهَا، وآخَرُ يَسْتَرِقُ عَاطِفَتَهَا... لاسِيَّمَا إذا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ المِسْكِيْنَةَ كَارِهَةٌ لِـهَذا المَوْقِفِ المُحْرِجِ؛ الَّذِي لا تُرِيْدُ أنْ يَعْلَمَ بِهِ وَليُّ أمْرِهَا، أو زَوْجُهَا...!

وأشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ إذَا وَقَعَتْ هَذِهِ المَسْكِيْنَةُ في حَادِثٍ مُرُوْرِيٍّ يَسْتَوْجِبُ مِنْهَا غَرامَةً مَالِيَّةً أو تَوْقِيْفًا أمْنِيًّا! فُهَنَا يَكُوْنُ الانْتِهَازُ العَاطِفِيُّ، مِنَ الَّذِيْنَ يَعْرِفُوْنَ كَيْفَ يَسْتَرِقُوْنَ العِفَّةَ، ويَنْهَشُوْنَ الأعْرَاضَ!

نَعَم؛ هَذِهِ حَقَائِقُ مِنَ الصَّعْبِ أنْ نَتَجَاوَزَهَا، أو نَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْهَا، ومَنْ أرَادَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ أو لْيَقْرَأ مَا يَحْدُثُ ويَحْصُلُ في مِثْلِ هَذِهِ الحَالاتِ الانْتِهَازِيَّةِ في البِلادِ الَّتِي قَادَتْ فِيْهِ المَرْأةُ السَّيَّارَةَ، سَوَاءٌ في بِلادِ الكُفْرِ أو في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ!

ومِنْ هُنَا لَنْ أذْكُرَ نِسْبَةَ الجَرَائِمِ الأخْلاقِيَّةِ الَّتِي حَدَثَتْ بسَبَبِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في البِلادِ الَّتِي قَادَتْ فِيْهِ المَرْأةُ السَّيَّارَةَ، لأنَّ الأمْرَ أظْهَرُ مِنْ أنْ يُذْكَرَ، وأشْهَرُ مِنْ أنْ يُنْكَرَ!

بَلْ حَسْبُنَا أنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الإرْهَاصَاتِ الإجْرَامِيَّةِ الَّتِي تَشَرَّفَتْ لقِيَادَةِ المَرْأةِ السَّيَّارَةَ في بِلادِ الحَرَمَيْنِ (لا قَدَّرَ الله!)، وهُوَ مَا ذَكَرَتْهُ جَرِيْدَةُ «الوَطَنِ!» السُّعُوْدِيَّةِ في عَدَدِهَا (2708)، وتَارِيْخِ (21/ 2/ 1429)، وذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ: «نِسْبَةِ التَّحَرُّشِ بالنِّسَاءِ تَتَضَاعَفُ خِلالَ عَامٍ وَاحِدٍ»، ثُمَّ قَالَتْ: «سَجَّلَتْ ظَاهِرَةُ التَّحَرُّشِ بالنِّسَاءِ (المُعَاكَسَاتُ) في المَمْلَكَةِ ارْتِفَاعًا مَلْحُوظًا بَلَغَتْ نِسْبَتُهُ (215%)، وقَالَ تَقْرِيْرٌ حَدِيْثٌ صَادِرٌ عَنِ وَزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ السُّعُوْدِيَّةِ: إنَّ عَدَدَ قَضَايَا التَّحَرُّشِ ارْتَفَعَ مِنْ (1031) قَضِيَّةً، عَامَ (1426)، إلى (3253) قَضِيَّةً عَامَ (1427)، ثُمَّ أظْهَرَ التَّقْرِيْرُ أنَّ قَضَايَا الاعْتِدَاءِ على العِرْضِ بشَكْلٍ عَامٍ ارْتِفَعَتْ بنِسْبَةِ (25%)، فِيْمَا ارْتَفَعَتْ حَالاتُ الاغْتِصَابِ بنِسْبَةِ (75%)، وقَضَايَا اخْتِطَافِ النِّسَاءِ بنِسْبَةِ (10%)» انْتَهَى.

قُلْتُ: إنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ الإجْرَامِيَّةَ، وهَذِهِ النِّسَبَ المُخِيْفَةَ في أعْدَادِ جَرَائِمِ التَّحَرُّشِ، والاغْتِصَابِ، والاخْتِطَافِ في هَذِهِ البِلادِ: مِمَّا يَزِيْدُنَا يَقِينًا بأنْ نَقْطَعَ ونَمْنَعَ كُلَّ مَا مِنْ شَأنِهِ يُذْكِي فَتِيْلَ الفَسَادِ، أو يُعِيْنَ على فِعْلِ الجَرِيْمَةِ، الأمْرُ الَّذِي يَزِيْدُنَا أيْضًا يَقِيْنًا: بأنَّ خُرُوْجَ المَرْأةِ مِنْ بَيْتِهَا بِحُجَّةِ قِيَادَتِهَا للسَّيَّارَةِ سَيَكُوْنُ أحَدَ الأسْبَابِ المُعِيْنَةِ، وأحَدَ الطُّرُقِ التَّسْوِيْقِيَّةِ في نَشْرِ وزِيَادَةِ الفَسَادِ والجَرائِم دَاخِلَ هَذِهِ البِلادِ حَفِظَهَا الله مِنْ كُلِّ سُوْءٍ!

ومِنْ خِلالِ هَذَا وذَاكَ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَجْزِمَ بأنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في هَذَا الزَّمانِ حَرَامٌ حَرَامٌ (دُوْنَ شَكٍّ!) لأنَّهَا وَإنْ كَانَتْ في الأصْلِ مُبَاحَةً إلَّا أنَّهَا مُفْضِيَةٌ وذَرِيْعَةٌ لِلْحَرَامِ والحُرُمَاتِ!

* * *

 الدَّلِيْلُ الثَّالِثُ: ومِنْ خِلالِ هَذَا نَسْتَنْتِجُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً عَظِيْمَةً أحْسَبُهَا مِنْ أهَمِّ مَقَاصِدِ الشَرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ وهِيَ: «سَدُّ الذَرَائِعِ»، ومِنْ هُنَا فَقَدِ أجْمَعْتِ الأُمَّةُ على سَدِّ الذَّرَائِعِ المِفْضِيَةِ إلَى الحَرَامِ، وكَذَلِكَ ما كَانَ مَظِنَّةً لِلْحَرَامِ، ولا نَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، كَالمَنْعِ مِنْ سَبِّ الأصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ أنَّه يَسُبُّ الله تَعَالَى حِيْنَئِذٍ، وكحَفْرِ الآبَارِ في طُرُقِ المُسْلِمِيْنَ إذَا عُلِمَ وُقُوْعُهُم فِيْهَا، أو ظُنَّ ذَلِكَ، ومَنْعِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَدْمِ الكَعْبَةِ وبِنَائِهَا على قَوَاعِدِ إبْرَاهِيْمَ خَشْيَةَ المَفَاسِدِ والشُكُوْكِ مِمَّنْ هُم قَرِيْبُو عَهْدٍ بِإسْلامٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الشَرْعِيَّةِ.

وقَدْ اسْتَدَلَّ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ الله على سَدِّ الذَّرَائِعِ بِـ (أرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ) وَجْهًا، وكَذَا تِلْمِيْذُهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله بِـ (تِسْعَةٍ وَتِسْعِيْنَ) دَلِيْلاً، وكَذَا نَقَلَ الإجْمَاعَ عَلِيْهَا الإمَامُ الشَاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ(1).

ولا نَنْسَ أيْضًا أنَّ المَرْأةَ في الأصْلِ مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ والشَهَوَاتِ؛ هَذَا إذَا خَرَجَتْ عَنِ الأحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ، أوْ تَنَكَّرَتْ لِفِطْرَتِهَا، أوْ خَالَفَتْ طَبِيْعَتَهَا...!

فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ على الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وقَالَ أيْضًا صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُم فِيْها، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ؟ فاتَّقُوا الدُّنْيا، واتَّقُوا النِّسَاءَ، فإنَّ أوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرَائِيْلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ» مُسْلِمٌ، وهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ على أنَّ المَرْأةَ في الأصْلِ هِيَ بَابٌ لِلْفِتْنَةِ والمَعَاصِي... ما لَمْ تَمْتَثِلْ بِشَرِيْعَةِ الرَحْمَنِ، وَتَتَقَيَّدْ بأهْدَابِ الأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ، والآدَابِ المَرْعِيَّةِ، لِهَذَا وَجَبَ مُرَاعَاةُ تَحَرُّكَاتِها، والتَّرَيُّثُ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أحْكَامٍ وأرَاءٍ سَدًّا لِكُلِّ ذَرِيْعَةٍ مُفْضِيَةٍ للحَرَامِ.

* * *

لِهَذَا اشْتُهَرَ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أنَّها كَانَتْ تَرَى مَنْعَ النِّسَاءِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنَ الذَّهَابِ إلى المَسَاجِدِ للصَّلاةِ! وهُوَ ما رَوَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْها: حَيْثُ قَالَتْ: «لَوْ رَأى رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلممَاأحْدَثَالنِّسَاءُلمَنَعَهُنَّالمَسَاجِدَكَمَا مُنِعْهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيْلَ»، قِيْلَ لعَمْرَةَ أوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتَ: نَعَمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ، في حِيْنَ أنَّها رَضِيَ الله عَنْهَا تَعْلَمُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في هَذِه المَسْألَةِ، وهُوَ قَوْلُه: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* * *

ومَهْما يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فلَمْ تَرِدْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا بِقَوْلِها هَذَا مُعَارَضَةَ الرَّسُوْلِ صلى الله عليه وسلم؛ بَلْ عَلِمَتْ مِنْ كَلامِهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّه أرَادَ جَوَازَ وإبَاحَةَ ذَهَابِ النِّسَاءِ للمَسَاجِد، لا مُطْلَقَ الوُجُوْبِ، بِدَلِيْلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «وبيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»، فَلَمَّا عَلِمَتْ رَضِيَ الله عَنْهَا أنَّ هَذِهِ الإبَاحَةَ قَدْ تَوَسَّعَ فِيْها بَعْضُ النِّسَاءِ على غَيْرِ مُرَادِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّها سَتُفْضِي للحَرَامِ، سَارَعَتْ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ؛ مَظِنَّةَ الوُقُوْعِ في المَحْذُوْرِ، والله أعْلَمُ.

ومِنْ هُنَا نَسْتَطِيْعُ أنْ نَقُوْلَ: إنَّ مَنْعَ المَرْأةِ مِنْ قِيَادَةِ السَّيَّارَةِ: هُوَ مَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ؛ لكَوْنِهِ سَدًّا لذَرِيْعَةِ الفَسَادِ والشُّرُوْرِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وحَاصِلٌ في غَيْرِ بِلادٍ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ مِمَّنْ قَادَتْ عِنْدَهُم فِيْهِ المَرْأةُ السَّيَّارَةَ.

* * *

- الدَّلِيْلُ الرَّابِعُ: العَمَلُ بالقَاعِدَةِ المَشْهُوْرَةِ: «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالِحِ»، وهِيَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيْعَةِ، وصُوْرَتُها: أنَّه إذا اجْتَمَعَتِ المَصَالِحُ والمَفَاسِدُ في الشَّيءِ الوَاحِدِ يَجِبُ تَقْدِيْمُ دَرْءِ المَفَاسِدِ، وتَغْلِيْبُ حُكْمِهَا على جَلْبِ المَصَالِحِ، وهَذِه القَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ دُوْنَ خِلافٍ كَسَابِقَتِها.

والأصْلُ فِيْها قَوْلُ الله تَعَالَى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» (البقرة: 219).

فالله تَعَالَى في هَذِه الآيَةِ وغَيْرِها ذَكَرَ لَنا أنَّ الخَمْرَ مَعَ كَوْنِها تَشْتَمِلُ على بَعْضِ الفَوَائِدِ إلَّا أنَّ الحِكْمَةَ الإلهِيَّةَ والمَصَالِحَ الشَّرْعِيَّةَ؛ تُحَرِّمُها لأنَّها تَشْتَمِلُ على المَفَاسِدِ والإثْمِ أضْعَافَ تِلْكُمُ الفَوَائِدِ القَلِيْلَةِ.

لِذَا كَانَ الحُكْمُ للأغْلَبِ لاسِيَّمَا إذَا كَانَ الغَالِبُ مُحَرَّمًا (عِيَاذًا بالله!)، كَمَا هُوَ حَاصِلٌ في «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»!

* * *

ونَحْنُ لَنْ نُشْطِطَ في حُكْمِنا على «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، حَيْثُ أنَّنا نُسَلِّمَ أنَّ هُنَالِكَ بَعْضُ الفَوَائِدِ القَلِيْلَةِ العَائِدَةِ على المَرْأةِ في قِيَادَتِها للسَّيَّارَةِ.

إلَّا أنَّنا بالنَّظَرِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَفَاسِدَ نَجِدُهُ أضْعَافًا مُضَاعَفَةً لِتِلْكُمُ المَصَالِحِ القَلِيْلَةِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي كُنَّا نَرْجُوْهَا‍؛ لأنَّ أخْطَارَهَا ومَفَاسِدَهَا قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الكَثْرَةِ والعُمُوْمِ ما لا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ، مِمَّنْ يَسْتَطِيْعُ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ التَّمْرَةِ والجَمْرَةِ!

* * *

الدَّلِيْلُ الخَامِسُ: لَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لا ضَرَرَ، ولا ضِرَارَ» أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه وغَيْرُه، وممَّا لا شَكَّ فِيْه أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، ضَرَرٌ مُتَحَقِّقٌ، وضِرَارٌ مُتَعَدٍّ لا يُنْكِرُهُ ذُو البَصَرِ والبَصِيْرَةِ، مِمَّنْ يَسْتَطِيْعُ أنْ يَفْهَمَ الخِطَابَ ويَرُدَّ الجَوَابَ!

* * *

الدَّلِيْلُ السَّادِسُ: لَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، والحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُوْرٌ مَشْتَبِهَاتٌ؛ لا يَعْلَمُها كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ فقَدِ اسْتَبْرَأ لدِيْنِهِ وعِرْضِهِ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ» مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ.

فَإذَا سَلَّمْنا (جَدَلًا) أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»؛ مِنَ الأُمُوْرِ الَّتِي تَنَازَعَ النَّاسُ في كَوْنِها مِنَ الحَرَامِ البَيِّنِ أو الحَلالِ البَيِّنِ؛ فَلا نَشُكُّ جَمِيْعًا أنَّها إذَنْ (في أقَلِّ أحْوَالِها) مِنَ الأُمُوْرِ المُشْتَبِهَةِ؛ والحَالَةُ هَذِه فَهِي حِيْنَئِذٍ حَرَامٌ، لاسِيَّمَا أنَّ القَائِلِيْنَ بإباحَتِها بإطْلاقٍ هُمْ مِنْ أجْهَلِ النَّاسِ في حُكْمِها والنَّظَرِ في دَلِيْلِها، هَذَا مَعَ جَهْلِهِم (تَجَاهُلُهُم) بِحَالِ الوَاقِعِ المَرِيْرِ؛ وإلَّا عِنْدَ العَدْلِ والإنْصَافِ فالمَسْألَةُ بَيِّنَةٌ أنَّها حَرَامٌ لا شُبْهَةَ فِيْها، كَما هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ، يُوَضِّحُهُ الدَّلِيْلُ الآتِي!

* * *

الدَّلِيْلُ السَّابِعُ: لَقَدْ صَحَّ عَنْه صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «دَعْ مَا يُرِيْبُكَ إلى مَا لا يُرِيْبُكَ» أخْرَجَهُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهما.

وهَذَا الحَدِيْثُ كَسَابِقِه دَلِيْلٌ على أنَّ الاحْتِيَاطَ هُوَ تَحْرِيْمُ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، ومَعْنَاهُ أنَّه يُرْجَعُ إلى الوُقُوْفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ واتِّقَائِها وتَجَنُّبِها، فإنَّ الحَلالَ المَحْضَ لا يَحْصُلُ للمُؤْمِنِ في قَلْبِه مِنْهُ رَيْبٌ، بَلْ تَسْكُنُ إلَيْه النَّفْسُ ويَطْمَئِنُ بِه القَلْبُ، وأمَّا الشُّبُهَاتُ فَيَحْصُلُ بِها للقُلُوْبِ القَلَقُ والاضْطِرَابُ المُوْجِبُ للشَّكِّ، والحَالَةُ هَذِه لاشَكَّ أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في أقَلِّ أحْوَالِها؛ مِنَ الأُمُوْرِ المُشْتَبِهَاتِ الَّتِي يَتَرَجَّحُ تَجَنُّبُها واتِّقَاؤهَا والوُقُوْفُ عِنْدَها، مَعَ العِلْمِ أنَّها مِنَ القِسْمِ الثَّانِي: وهُوَ الحَرَامُ البَيِّنُ قَطْعًا!

* * *

الدَّلِيْلُ الثَّامِنُ: فَقَدْ صَحَ عَنْه صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْه النَّاسُ» مُسْلِمٌ.

وهُنَا سُؤَالٌ: مَنِ الَّذِي لا يَجِدُ في نَفْسِهِ غَضَاضَةً عِنْدَما تَقُوْمُ إحْدَى مَحَارِمِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أو أُخْتَهُ أو ابْنَتَهُ: بقِيَادَةِ السَّيَّارَةِ؟!

   أفَلا يَجِدُ في نَفْسِه كَرَاهَةً حِيْنَما يَشْعُرُ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُوْنَ أنَّ إحْدَى مَحَارِمِهِ تَقُوْدُ السَّيَّارَةَ؛ لاسِيَّما وهِيَ تَجُوْلُ في الطُّرُقَاتِ، وتَهْبِطُ الأسْوَاقَ، وتُزَاحِمُ الرِّجَالَ؟!

والجَوَابُ على هَذِه الأسْئِلَةِ لَيْسَ حَقًّا مُشَاعًا لِكُلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ؛ بَلْ هُوَ حَقٌ لِمَنْ سَلِمتْ فِطْرَتُهُ، وظَهَرَتْ غَيْرَتُه، وبَانَ حَياؤُه، فَمَنْ هَذِه حَالُه فَلا شَكَّ أنَّ الغَضَاضَةَ والكَرَاهِيَّةَ يَجِدُها ضَرُوْرَةً في نَفْسِهِ، وأنَّ الحَيَاءَ والخَجَلَ يَعْلُوْهُ طَبْعًا وشَرْعًا... فَمِنْ هُنَا تَكُوْنُ «قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» إثْمًا، والإثْمُ حَرَامٌ، فالحَمْدُ لله على نِعْمَةِ الإسْلامِ، ووُجُوْدِ الحَيَاءِ بَيْنَ الأنَامِ!

***

الفَصْلُ الثَّانِي

كَشْفُ الشُّبَهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْها المُبِيْحُوْنَ

لقِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ

أمَّا الشُّبَهُ الَّتِي لَمْ يَبْرَحْ الطَّبَّاخُوْنَ والذَّوَّاقُوْنَ مِنْ ذِكْرَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ مَقَالاتِهِم، فَلا شَكَّ أنَّها كَثِيْرَةٌ جِدًّا يَعْسُرُ حَصْرُهَا؛ لَكِنَّها في الجُمْلَةِ وَاهِيَةٌ، وحَسْبُها أنَّها شُبَهٌ قَدِ اشْتَبَهَتْ على مَنْ لا عِلْمَ لَهُ، ولا تَحْقِيْقَ نَظَرٍ لَدَيْهِ لِذَا كَانَ مِنَ المُنَاسِبِ والسَّلامَةِ عَدَمُ الوُقُوْفِ مَعَ كُلِّ شُبْهَةٍ ذُكِرَتْ أو اخْتُلِقَتْ؛ لأنَّ الشُّبَهَ لا تَزَالُ تَتَوَارَدُ على أصْحَابِها بِحُكْمِ ضَعْفِ الإيْمَانِ، ونَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ (أعَاذَنا الله مِنْها)!

فَنَرَى مِنَ المُنَاسِبِ أنْ نَقِفَ مَعَ أهَمِّ هَذِه الشُّبَهِ لاسِيَّما الَّتِي كَانَتْ مَحَلاًّ لأنْظَارِهِم، ومَرْجِعًا لأوْهَامِهِم، فإلى ذِكْرِهَا وكَشْفِ أخْطَائِهَا!

* * *

- الشُّبْهَةُ الأوْلَى: قَوْلُهُم: إنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» مِنْ ضَرُوْرِيَّاتِ العَصْرِ، ومُتَطَلَّباتِ الحَيَاةِ... إلَخْ.

قُلْتُ: إنَّ العَصْرَ والحَيَاةَ لَيْسَتْ أدِلَّةً قَاطِعَةً تَتَحَكَّمُ في حَيَاتِنَا وشُؤوْنِنَا؛ بِمَعْنى أنَّ مَا أحَلَّهُ العَصْرُ أو ارْتَضَاهُ أهْلُه يَكُوْنُ لَنا حَلالًا، ومَا حَرَّمَتْهُ الحَيَاةُ أو أبْغَضَهُ النَّاسُ يَكُوْنُ لَنَا حَرَامًا؛ بَلْ نَحْنُ مُتَعَبَّدُوْنَ بِدِيْنٍ رَبَّانِيٍّ، ومَنْهَجٍ إيْمَانِيٍّ؛ لا بأذْوَاقِ النَّاسِ، أو بِمُتَطَلَّبَاتِهِم المُخْتَلِفَةِ، أو بِأهْوَائِهِم المُضْطَرِبَةِ.

كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» (الأنعام: 116).

وقَوْلُه تَعَالَى: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة: 50).

* * *

فَهَلْ عَسَيْتُم: إذَا ظُنَّ أنَّ الشَّيءَ مِنْ ضَرُوْرِيَّاتِ العَصْرِ، ومُتَطَلَّباتِ الحَيَاةِ يَكُوْنُ حَلالاً؟!

فَقُوْلُوا لِي برَبِّكِم: إذَا ظُنَّ أنَّ التَّبَرُّجَ والسُّفُوْرَ مِنْ مُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ كَمَا هُوَ الحَالُ في كَافَّةِ بِلادِ العَالَمِيْنَ (حَاشَا بِلادَ التَّوْحِيْدِ) سَيَكُوْنُ إذَنْ حَلالاً؟

أو ظُنَّ أنَّ العُلاقَاتِ المُحَرَّمَةَ (الجِنْسِيَّةَ)، الَّتِي عَمَّتْ وطَمَّتْ باسْمِ الحُرِّيَّةِ (حَاشَا بَعْضِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ) سَتَكُوْنُ إذَنْ حَلالاً؟

أو ظُنَّ أنَّ الرِّبا الَّذِي ضَرَبَ بِجُذُوْرِه في كَافَّةِ بِلادِ العَالَمِيْنَ باسْمِ الفَوَائِدِ؛ سَيَكُوْنُ إذَنْ حَلالاً؟

أو ظُنَّ أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» مِنْ مُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ كَمَا هَوَ الحَالُ في كَافَّةِ بِلادِ العَالَمِينَ (حَاشَا بِلادِ التَّوْحِيْدِ) سَيَكُونُ إذَنْ حَلالاً؟ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النَّحْل:59].

فَلا شَكَّ أنَّ في هَذِهِ الأقْوالِ لَجِنَايَةً على التَشْرِيعِ الإلهِيِّ، وَمَصَادَمَةً لِحُكْمِ الله تعَالَى، وَكُفْرًا بِرَبِّ العَالَمِينَ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة: 44].

* * *

ونَحْنُ أيْضًا إذَا أرَدْنَا أنْ نُحَكِّمَ العَصْرَ والحَيَاةَ (جَدَلًا) في «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، فَهُوَ حُجَّةٌ لنا لا لَهُمْ، لأنَّنَا إذَا مَا نَظَرْنا إلى مَا أفْرَزَتْهُ «قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في هَذا العَصْرِ عَلِمْنا جَمِيْعًا أنَّ الوَاقِعَ مُخْزٍ وَمَشِينٌ؛ بَلْ لَوْلا خَشْيَةُ الإطَالَةِ لَذَكَرْتُ مَا يَطُوْلُ بِنَا مِنَ القَصَصِ، والإحْصَائِيَاتِ المُخِيْفَةِ، سَواءٌ في دُوَلِ الكُفْرِ أو الإسْلامِ، والوَاقِعُ أكبرُ دَلِيْلٍ، وأعْظَمُ بُرْهَانٍ لِمَنْ ألْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيْدٌ!

* * *

ومِنْ نَافِلَةِ الجَوَابِ أيْضًا؛ فإنَّنا نَقُوْلُ لأصْحَابِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أيْنَ هَذِهِ الضَّرُوْرَةُ الَّتِي تَدْفَعُ المَرْأةَ للقِيَادَةِ السَّيَّارَةِ؟

فَإنَّه قَدْ ثَبَتَ شَرْعًا واجْتِمَاعيًّا وطِبِّيًّا أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» يُعْتَبَرُ لَهَا مَصْدَرًا لكَثِيرٍ مِن المَفَاسِدِ والأضْرَارِ الدِّيْنِيَّةِ والاجْتَمَاعِيَّةِ والطِّبِّيَّةِ الشَّيءَ الَّذِي أقْرَّهُ عُقَلاءُ بَنِي آدَمَ في جَمِيْعِ الدُّوَلِ الَّتِي قَادَتْ فِيْهِ المَرْأةُ السَّيَّارَةَ، ولا أرِيْدُ التَّوَسُّعَ في ذِكْرِ هَذِهِ الإحْصَائِيَّاتِ والنِّسَبِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ في كَثِيْرٍ مِنَ الكُتُبِ والمَقَالاتِ والجَرَائِدِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ مُفَكِّرِي عُقَلاءِ الغَرْبِ مُوْلَعُوْنَ في ذِكْرِ هَذِهِ النِّسَبِ الرَّقْمِيَّةِ وَلَعًا كَبِيْرًا، ومَنْ أرَادَهَا فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ: «العُدْوَانِ على المَرْأةِ في المُؤتَمَرَاتِ الدُّوَلِيَّةِ»، و«عَمَلِ المَرْأةِ في المِيزَانِ»، وقَدْ مَرَّا مَعَنَا ذِكْرُهُمَا.

ومِنَ خُلاصَاتِ هَذِهِ الإحْصَائِيَّاتِ والنِّسَبِ: أنَّه قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» فِيْهِ مِنَ الفَسَادِ والأضْرَارِ والأمْرَاضِ النَّاجِمَةِ في حَقِّهَا مَا يَقْطَعُ بِمَنْعِ قِيَادَتِهَا خَوْفًا عَلَيْهَا، وصَوْنًا لَهَا، فَمِنْ ذَلِكَ:

أنَّ نِسْبَةَ (58%) مِنَ النِّسَاءِ السَّائِقَاتِ للسَّيَّارَاتِ في بِرِيْطَانِيَا يُتَوَفَّيْنَ قَبْلَ سِنِّ الأرْبَعِيْنَ، و(60%) مِنْهُنَّ يُصَبْنَ بأمْرَاضٍ نَفْسِيَّةٍ، وقَالَتِ الدِّرَاسَةُ: أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» لا تَلِيْقُ ولا تَتَنَاسَبُ مَعَهَا!

كَمَا أوْضَحَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ: أنَّ نِسْبَةَ مَوْتَى حَوَادِثِ المُرُوْرِ في دُوَلِ الخَلِيْجِ تَفُوْقُ نِسْبَتَهَا في أمْرِيْكَا وبِرِيْطَانِيَا؛ حَيْثُ يَهْلَكُ في كُلِّ سَاعَةٍ سَبْعَةُ أشْخَاصٍ في دُوَلِ الخَلِيْجِ!

أمَّا نِسْبَةُ مَوْتَى حَوَادِثِ المُرُوْرِ في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ وَحْدَهَا، فَهُوَ حَوالي سَبْعَةَ أشْخَاصٍ يَوْمِيًّا، وهَذِهِ النِّسْبَةُ للأسَفِ تُعْتَبرُ أعْلَى مُعَدَّلٍ لحَوَادِثِ السَّيْرِ في العَالم!

وقَدْ أثْبَتَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ الطِّبِّيَّةِ أنَّ المَرْأةَ الَّتِي تَقُوْدُ السَّيَّارَةَ: هِيَ أكْثَرُ وأسْرَعُ ارْتِبَاكًا وخَوْفًا مِنَ الرَّجُلِ؛ لرِقَّةِ وضَعْفِ جِهَازِهَا العَصَبيِّ، نَاهِيْكَ ضَعْفُهَا الخِلْقِيُّ والطَّبِيْعيُّ لاسِيَّمَا مِمَّا يَعْتَرِيْها مِنْ مُضَاعَفَاتِ الحَيْضِ والحَمْلِ والنِّفَاسِ الَّتِي تُصِيْبُها بانْفِعَالاتٍ نَفْسِيَّةٍ وارْتِفَاعٍ في ضَغْطِ الدَّمِّ، وهَذِهِ الانْفِعَالاتُ النَّفْسِيَّةُ والعَصَبِيَّةُ عِنْدَ المَرْأةِ تَفُوْقُ الرَّجُلَ خِلْقَةً وفِطْرَةً!

فَضْلًا أنَّ المَرْأةَ أكْثَرُ نِسْيَانًا وقَلَقًا واضْطِرابًا وتَعَبًا وسَآمَةً، في مُقَابِلِ أنَّها أيْضًا أقَلُّ تَرْكِيْزًا وتَوَازُنًا مِنَ الرَّجُلِ، الأمْرُ الَّذِي يَقْطَعُ بِأنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» يُعْتَبرُ لَهَا مَجْمَعًا مِنَ الأضْرَارِ والأمْرَاضِ العَصَبِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ مِمَّا يَقْطَعُ بِمَنْعِهَا مِنَ القِيَادَةِ للسَّيَّارَةِ، عَلِمَتْ أم جَهِلَتْ، واللهُ أعْلَمُ!

* * *

- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُم إنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَرْكَبْنَ الإبِلَ والخَيْلَ والدَّوَابَ على مَرِّ العُصُوْرِ، وفي هَذَا دَلِيْلٌ على جَوَازِ قِيَادَتِهَا لِلِسَّيَّارَةِ!

قُلْتُ: إنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَمْ تَكُنْ وَارِدَةً في مَحَلِّ النِّزَاعِ، ولَيْسَتْ مِنَ مَسَالِكِ القِيَاسِ بَيْنَ رُكُوْبِ النِّسَاءِ للدَّوَابِ وقِيَادَتِهِنَّ للسَّيَّارَةِ!

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ رُكُوْبَ النِّسَاءِ للدَّوَابِ لم يَكُنْ على إطْلاقِهِ، بِلْ كَانَ رُكُوْبُهُنَّ قَاصِرًا على الإبْلِ دُوْنَ سَائِرِ الدَّوَابِ، لأنَّ الإبِلَ كَانَتْ مَطَايَا النِّسَاءِ آنَذَاكَ، وهَذا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَالُ الوَاقِعِ، وعَمَلُ النِّساءِ جِيْلًا بَعْدَ جِيْلٍ، ومَعَ هَذَا لم يَكُنَّ يَنْفرِدْنَ بالرُّكُوْبِ على الإبِلِ غَالِبًا إلَّا ومَعَهُنَّ بَعْضُ المَحَارِمِ، لاسِيَّمَا في أسْفَارِهِنَّ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَعْلُوْمٌ مِنَ حَالِهِنَّ.

وكُنَّ أيْضًا لا يَرْكَبْنَ الإبِلَ إلَّا دَاخِلَ الهَوَادِجِ المَسْتُوْرَةِ، وهَذَا مِنْهُنَّ زِيَادَةً في السِّتْرِ والصَّوْنِ عَنْ أعْيُنِ النَّاسِ، فَلا يَطْمَعُ بِرُؤيَتِهِنَّ حِيْنَئِذٍ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ الأجَانِبِ، وكُنَّ عِنْدَ رُكُوْبِهِنَّ أيْضًا لا يُخَالِطْنَ ولا يُزَاحِمْنَ الرِّجَالَ في الطُّرُقَاتِ والأسْوَاقِ، بَلْ كُنَّ في غَايَةِ البُعْدِ عَنْ مَوَاطِنِ الرِّجَالِ ومَجَامِعِهِم.

وكُنَّ أيْضًا سَاكِنَاتٍ عِنْدَ رُكُوْبِهِنَّ للإبِلِ هَادِئَاتٍ في نُزُوْلِهِنَّ فَلا تَسْمَعُ لَهُنَّ هَمْسًا؛ حَيَاءً وعِفَّةً!

أمَّا رُكُوْبُ الخُيُوْلِ ونَحْوِهَا فَهُوَ مِنْ شَأنِ الرِّجَالِ، ولأنَّ رُكُوْبَهَا أيْضًا مِنْ شَأنِ أصْحَابِ الفُرُوْسِيَّةِ والنِّزَالِ، والكَرِّ والفَرِّ، والطَّلَبِ والهَرَبِ... مِمَّا لا يَتَنَاسَبُ مع وَضْعِ المَرْأةِ الضَّعِيْفَةِ، وهَذَا مَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ جِيْلًا بَعْدَ جِيْلٍ!

قَالَ الإمَامُ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ «الأمِّ» (8/ 90): «وعَلَيْهِ (أيْ: الجَمَّالَ) أنْ يُرْكِبَ المَرْأةَ البَعِيْرَ بَارِكًا، وتَنْزِلَ عَنْهُ بَارِكًا، لأنَّ ذَلِكَ رُكُوْبُ النِّسَاءِ، أمَّا الرِّجَالُ فَيَرْكَبُوْنَ على الأغْلَبِ مِنَ رُكُوْبِ النَّاسِ» انْتَهَى.

وعَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: كَانُوا (السَّلَفُ) يَكْرَهُوْنَ مَرْكَبَ الرَّجُلِ للمَرْأةِ، ومَرْكَبَ المَرْأةِ للرَّجُلِ» أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ» (25764).

وعَلَيْهِ؛ فَقَدْ صَحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ المُتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ» البُخَارِيُّ.

* * *

ومِنْ هُنَا يَتَّضِحُ الخَطَأ البَيِّنُ عِنْدَ مَنْ أجْرَى القِيَاسَ بَيْنَ رُكُوْبِ النِّسَاءِ للدَّوَابِ آنَذَاكَ، وبَيْنَ قِيَادَتِهِنَّ اليَوْمَ للسَّيَّارَةِ!

فمِنِ المُفَارَقَاتِ والمُبَايَنَاتِ بَيْنَ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» اليَوْمَ، وبَيْنَمَا كَانَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ عِنْدَ رُكُوْبِهِنَّ الإبِلَ آنَذَاكَ، مَا يَلِي:

أوَّلًا: أنَّها شَابَهَتِ الرِّجَالَ، لأنَّ قِيَادَةَ السَّيَّارَاتِ غَالِبًا هُوَ مِنْ شَأنِ الرِّجَالِ، لاسِيَّمَا عِنْدَنَا في بِلادِنَا هَذِهِ، أيْ بِلادَ الحَرَمَيْنِ.

ثَانِيًا: أنَّها تَقُوْدُ السَّيَّارَةَ غَالِبًا مُنْفَرِدَةً دُوْنَ مُحْرَمٍ، لِذَا فَإنَّهَا لا تَتَقَيَّدُ بوُجُوْدِ مَحْرَمِهَا سَوَاءٌ في الحَضَرِ أو السَّفَرِ.

ثَالِثًا: أنَّها عِنْدَ قِيَادَتِهَا للسَّيَّارَةِ تُخَالِطُ الرِّجَالَ وتُزَاحِمُهُم في الطُّرُقَاتِ والأسْوَاقِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الحَالِ والوَاقِعِ.

رَابِعًا: أنَّها عِنْدَ قِيَادَتِهَا للسَّيَّارَةِ لا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنَ المُنْكَرَاتِ والمَفَاسِدِ والمُضَايَقَاتِ والأضْرَارِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُ كَثِيْرٍ مِنْهَا فِيْمَا سَبَقَ، وهَذَا لا تَجِدُهُ عِنْدَ رُكُوْبِ النِّسَاءِ للإبِلِ آنَذَاكَ لحِرْصِهِنَّ على الحِشْمَةِ والعِفَّةِ والانْفِرَادِ والبُعْدِ عَنِ المُضَايَقَاتِ والأضْرَارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَهُنَّ على مَرِّ العُصُوْرِ وتَقَلُّبِ الدُّهُوْرِ.

* * *

ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فَإنَّنا جَمِيْعًا لا نَنْسَ أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»: هِيَ مِنَ المُبَاحَاتِ، الَّتِي لم يَأمُرِ الله بِهَا النِّسَاءَ لا أمْرَ إيْجَابٍ ولا أمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وعَلَيْهِ فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبَاحَ إذَا كَانَ وَسِيْلَةً إلى مُحَرَّمٍ: فَهُوَ مُحَرَّمٌ بالإجْمَاعِ.

والحَالَةُ هَذِهِ؛ فَقَدْ تَقَرَّرَ شَرْعًا ووَضْعًا أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» اليَوْمَ: لَهِيَ مِنْ أعْظَمِ الأسْبَابِ المُفْضِيَةِ إلى كَثِيْرٍ مِنَ المَفَاسِدِ والأضْرَارِ والأخْطَاءِ في الدِّيْنِ والدُّنْيَا، لاسِيَّما الاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْهَا والصِّحِّيَّةُ والنَّفْسِيَّةُ والطِّبِّيَّةُ وغَيْرُهَا مِمَّا مَرَّ ذِكْرُهُ مَعَنَا آنِفًا!

كَمَا أنَّنَا قَدْ رَدَدْنَا على هَذِهِ الشُّبْهَة ضِمْنًا كَمَا جَاءَ في حَدِيْثِنَا عَنِ الدِّلِيْلِ الثَّاني على تَحْرِيْمِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، فانْظُرْهُ للأهمِّيَّةِ، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

* * *

- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ إنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، في هَذِهِ البِلادِ لَنْ تَكُونَ كَغَيْرِهَا مِن بِلادِ العَالَمِيْنَ، بَلْ يَحْكُمُهُ نِظَامٌ وقَانُونٌ يَحْفَظُ لَنَا نَسَاءَنا مِنَ الاخْتِلاطِ والسُّفُورِ... إلَخْ.

قُلْتُ: إنَّ «هَذِهِ شِنْشِنَةٌ نَعْرِفُها مِنْ أخْزَمٍ»، فَإنَّ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي يُرِيْدُ مِنَّا أن نَنْظُرَ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَنَمْشِي على رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، إنَّ هَذَا (وَالله!) هَوَ الفِقْهُ الأعْوَجُ، وَالقَوْلُ الأعْرَجُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ لَهُ نَصِيْبٌ عِنْدَ البُسَطَاءِ؛ فَضْلًا عَنِ العُقَلاءِ!

وصَدَقَ فِيْكُمُ الشَاعِرُ:

ألْقَاهُ في اليَمِّ مَكْتُوْفًا وقَالَ لَه  إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تَبْتَلَّ بالمَاءِ؟

* * *

       وهَلْ يَقُوْلُ عَاقِلٌ: إنَّ هَذَهِ الحُلُولَ المُسْتَوْرَدَةَ؛ والآرَاءَ المُجَّمَدَةَ سَيَكُوْنُ لـهَا رَصِيْدٌ في بِلادِنا المُسْلِمَةِ، وأخْلاقِنَا السَّلِيْمَةِ؟ كَلاَّ إنَّها أحْلامُ اليَقَظَةِ، وأُمْنِيَاتُ الجَهَلَةِ!

وهَلْ إذَا خَرَجَتِ المَرْأةُ السُّعُودِيَّةُ (عِيَاذًا بالله!) لِقِيَادَةِ السَّيَارَةِ، نَسْتَطِيْعُ أنْ نَقُولَ لَهَا حِيْنَذَاكَ: عَلَيْكِ بِالحِجَابِ الشَّرْعِيِّ؛ بِحِيْثُ لا تَكْشِفِيْنَ مِنْهُ إلَّا قَدْرَ العَيْنَيْنِ؟ وعَدَمُ الالْتِفَاتِ يَمْنَةً أوْ يَسْرَةً؟

وإيَّاكِ أنْ تَتَصَادَمِي(2) مَعَ الشَّبَابِ سَوَاءٌ في حَادِثٍ مُرُوْرِيٍّ، أو مَكَالَمَةٍ عَبْرَ المُنَبِّهِ؟

وإيَّاكِ أنْ تَخْرُجِي مِنْ بِيْتِكِ إلَّا لِلضَّرُوْرَةِ وَالحَاجَةِ؟ وإيَّاكِ إيَّاكِ أنْ تَخْرُجِي بِلَيْلٍ، أوْ تَعْبُرِي الطَرِيْقَ الطَوِيْلَ؟

وإيَّاكِ إيَّاكِ أنْ تَقُوْدِي السَّيَّارَةَ دُوْنَ مَحْرَمٍ شَرْعِيٍّ؟

وإيَّاكِ أنْ تُرَاجِعِي المُرُوْرَ عِنْدَ حُدُوْثِ أيِّ مُشْكِلَةٍ، وإيَّاكِ أنْ تَسْتَعِيْنِي بِالرِّجَالِ عِنْدَ حُصُوْلِ أيِّ عُطْلٍ لِلسَّيَّارَةِ؟ وإيَّاكِ أنْ تَدْخُلِي السِّجْنَ، أو غُرفَةَ التَوقِيفِ عِنْدَ أيِّ مُخَالَفَةٍ؟ وبِالجُمْلَةِ لا تَخْضَعِي لأنْظِمَةِ المُرُوْرِ... إلَخْ.

ومَنْ خَالَفَتْ ذَلِكَ مِنْكُنَّ سَيَكُونُ جَزَاؤُهَا عُقْوَبَةً مَالِيَّةً (أيْ: قَسِيْمَةً مُرُوْرِيَّةً)!

* * *

وفي المُقَابِلِ نَقُولُ أيْضًا لِلْشَّبَابِ: إيَّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ يَمْنَةً أوْ يَسْرَةً؛ تُجَاهَ السَّائِقَاتِ؟! وإيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تَتَصَادَمَ مَعَ المرْأةِ سَوَاءٌ في حَادِثٍ مُرُوْرِيٍّ أو مُكَالَمَةٍ عَبْرَ المُنَبِّهِ؟ وإيَّاكَ أنْ تُؤْذِي السَّائِقَاتِ بِالمُطَارَدَاتِ أو المُعَاكَسَاتِ؛ لأنَّهُنَّ أخَوَاتُكَ في اللهِ؟!

وإذَا ثَقُلَتْ عَلَيكَ هَذِهِ القُيُودُ فَيَا حَبَّذَا لَوْ أنَّكَ تَقُودُ السَّيَّارَةَ ومَعَكَ مَحْرَمٌ مِنَ النِّسَاءِ لِلسَّلامَةِ... إلَخْ.

ومَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْكُم سَيَكُوْنُ جَزَاؤُهُ عُقْوَبَةً مَالِيَّةً (أيْ: قَسِيْمَةً مُرُوْرِيَّةً)!

أقُوْلُ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الحُلُوْلُ مِنَ المُسْتَحِيْلاتِ، أوْ مِنَ المُضْحِكَاتِ؛ فَحِيْنَئِذٍ سَتَكَوْنُ «قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في هَذِهِ البِلادِ المَحْرُوسَةِ أيْضًا مِنَ المُسْتَحِيْلاتِ والمُضْحِكَاتِ مَعًا، واللهُ الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ!

* * *

- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُم: مِنَ المُمْكِنِ أنْ تَقُودَ المَرْأةُ السَّيَّارَةَ: وهِيَ مُحَجَّبَةٌ!

أقُوْلُ: هَذَا القَوْلُ فِيْهِ تَكَلُّفٌ ومُكَابَرَةٌ، لأنَّ الوَاقِعَ المَحْسُوسَ شَاهِدٌ لِكُلِّ ذِي عَيْنٍ؛ أنَّ مَنْ قَادَتِ السَّيَّارَةَ مِنَ النِّسَاءِ سَوفَ تَكْشِفُ وَجْهَهَا لِتَحْذَرَ عَقَبَاتِ الطُرُقِ، ومَغَبَّاتِ الحَوَادِثِ.

وعلى فَرْضِ أنَّهُ يُمْكِنُ تَطْبِيْقُهُ في ابْتِدَاءِ الأمْرِ؛ إلَّا أنَّهُ لَنْ يَدُوْمَ طَوِيْلاً، بَلْ سَيَتَحَوَّلُ (في المَدَى القَرِيْبِ) إلى مَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ في البِلادِ الأُخْرَى؛ كَمَا هِيَ سُنَّةُ التَطَوُّرِ المُتَدَهْوِرِ في أُمُوْرٍ بَدَأتْ صَغِيرَةً هَيِّنَةً مَقْبُوْلَةً بَعْضَ الشَّيءِ؛ ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أنْ تَدَهْوَرَتْ مُنْحَدِرَةً إلى هَاوِيَةٍ لا قَعْرَ لَهَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ الكَبِيْرَةِ العِظَامِ!

وقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُم ومُحَقِّراتِ الذُّنُوْبِ؛ فَإنَّما مَثَلُ مُحقِّراتِ الذُّنوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُوْدٍ، وجَاءَ ذَا بِعُوْدٍ حَتَّى حَمَلُوا مَا أنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُم، وإنَّ مُحَقِّرَاتِ الذُّنُوْبِ مَتَى يُؤْخذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

وقَدْ قِيْلَ:

كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ    ومُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ

وهَذَا كُلُّهُ (سُنَّةُ التَطَوِّرِ) إذَا تُرِكَ الأمْرُ لاخْتِيَارِ المَرْأةِ، وهَذا كَافٍ؛ إلَّا أنَنَا نَخْشَى (في المَدَى البَعِيْدِ) أنْ تَكُوْنَ هُنَاكَ ضُغُوطٌ قَوِيَّةٌ تَفْرِضُ على المَرْأةِ أنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا عِنْدَ قِيَادَتِهَا لِلسَّيَّارَةِ!

* * *

ويُوَضِّحُ ذَلِكَ؛ مَا ذَكَرَتْهُ صَحِيْفَةُ الشَّرْقِ الأوْسَطِ الصَّادِرَةِ في يَوْمِ الاثْنَيْنِ (5/ 3/ 1419):

«إنَّ إدَارَةَ المُرُوْرِ في إحْدَى الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ سَنَّتْ قَانُونًا يَمْنَعُ النِّسَاءَ المُنَقَّبَاتِ مِنْ قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ.

وقَالَتِ الصَّحِيْفَةُ: إنَّ الإدَارَةَ العَامَّةَ لِلْمُرُوْرِ التَّابِعَةَ لِوَزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ سَنَّتِ القَانُوْنَ الجَدِيدَ بِقَصْدِ تَجَنُّبِ تَخَفِّي البَعْضِ مِنَ النِّسَاءِ، أو الرِّجَالِ تَحْتَ النِّقَابِ لِلْقِيَامِ بِأعْمَالٍ مُخَالِفَةٍ لِلْقَانُوْنِ، وَمِنْهُمْ فِئَةُ صِغَارِ السِنِّ مِنَ الشَّبَابِ غَيْرَ المَسْمُوحِ لَهُمْ باسْتِصْدَارِ رُخَصِ قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ؛ حَيْثُ يَتَخَفَّوْنَ في زِيِّ المُنَقَبَّاتِ وَيَقُوْمُونَ بِقِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ مِمَّا يُؤَدِّي إلى إضْرَارٍ بالغَيْرِ في الشَّارِعِ!» انْتَهَى.

نَعَم هَذَا الَّذِي تُرِيْدُوْنَ، وَإلَيْهِ تَرْمُوْنَ، لأنَّ دَعْوَتَكُمْ إلى «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» دُوْنَ كَشْفِهَا لِلْوَجْهِ، أو دُوْنَ وُجُوْدِ الاخْتِلاطِ مُنَاقَضَةٌ مَفْضُوْحَةٌ؛ فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ حَيَادِيَّةً (كَمَا تَظُنُّوْنَ)؛ بَلْ مُفَارَقَةٌ؛ فَإمَّا عَفَافٌ وحَيَاءٌ، وإمَّا فَسَادٌ واخْتِلاطٌ؛ فَمَا تُرِيْدُوْنَ؟!

* * *

الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: قَوْلهُمْ: إنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» خَيْرٌ لَهَا مِنَ الخَلْوَةِ بِالسَّائِقِ الأجْنَبِيِّ!

قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ القَوْمَ لمَّا غُصُّوا بِالأدِلَّةِ الشَرْعِيَّةِ، والقَوَاطِعِ البُرْهَانِيَّةِ؛ الَّتي رَشَقَهُمْ بِهَا أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ البِلادِ حَفِظَهُمُ الله خَرَجُوا يَتَسَابَقُونَ كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ؛ يَهِيْمُونَ على وُجُوْهِهِم في الفَيَافي والصَّحَارِي القَافِرَةِ؛ بَاحِثِيْنَ عَنْ جُرْعَةِ مَاءٍ لِيَدْفَعُوا بِهَا غُصَصَهُم، ويَرْوُوْا بِهَا غُلَّتَهُم، ويَشْفُوا بِهَا عِلَّتَهُم؛ حَتَّى إذَا وَجَدُوا مَا ظَنَّوْهُ مَاءً تَسَاقَطُوا عَلَيْهِ كَالذُّبَابِ، ومَا عَلِمُوا أنَّهُ «مُسْتَنْقَعٌ آجِنٌ» لا يُسْمِنُ، ولا يُغْنِي مِنُ جُوْعٍ!

فَلَمَّا تَجَرَّعُوْهُ ولا يَكَادُوْنَ يُسِيغُونَهُ فَاحَتْ رَوَائِحُهُم مِنْ تَحْتِ ألسِنَتِهِم ومِنْ بَيْنِ أسْنَانِهِم؛ فَعِنْدَئِذٍ قَالُوا قَوْلَتَهُم: القِيَادَةُ خَيْرٌ مِنَ الخَلْوَةِ!

قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾[الكهف:5].

* * *

قُلْتُ: إنَّ الرَّدَ على هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: عَامٍ وَخَاصٍ.

- الوَجْهُ العَامُ: العَمَلُ بِالقَاعِدَةِ المَشْهُوْرَةِ «الضَّرَرُ الأشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأخَفِّ».

وصُوْرَتُهَا: أنَّ الأمْرَ إذَا دَارَ بَيْنَ ضَرَرَيْنِ أحَدُهُمَا أشَدُّ مِنَ الآخَرِ؛ يَجِبُ ارْتِكَابُ الضَّرَرِ الأخَفِّ دُوْنَ ارْتِكَابِ الأشَدِّ، وهَذِهِ القَاعِدَةُ مُنْبَثِقَةٌ مِنَ القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ السَّابِقَةِ «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالِحِ»، ومُتَفَرِّعَةٌ أيْضًا عَنِ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارٌ».

ودَلِيْلُ القَاعِدَةِ، قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:108].

فَلا شَكَّ أنَّ مَسَبَّةَ وَمُعَادَاةَ وَتَسْفِيْهَ مَعْبُوْدَاتِ المُشْرِكِيْنَ مَقْصُوْدٌ شَرْعِيٌّ إذَا أمِنَ المُسْلِمُ مِنْ سَبِّهِم لله تَعَالَى؛ أمَّا إذَا قَابَلَ المُشْرِكُونَ سَابَّ آلِهَتِهِم بِسَبِّ الله تَعَالى وَجَبَ حِيْنَئِذٍ على المُسْلِمِ المَسْكُ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِم دَفْعًا لِلشَّرِّ الأكْبَرِ وهُوَ: سَبُّهُم لله تَعَالى!

وكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾[البقرة:217]. فَإذَا كَانَ مِنْ نِقْمَةِ الكُفَّارِ على المُسْلِمِيْنَ مِنْ قِتَالٍ في الشَّهْرِ الحَرَامِ مَفْسَدَةٌ، فَإنَّ مَا هُم عَلَيْهِ مِنَ الصَدِّ عَنْ سَبِيْلِ الله، والكُفْرُ بِهِ، وبِسَبِيْلِ هُدَاهُ، وبِالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وإخْرَاجِ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ الله، وأشَدُّ ذَنْبًا مِنَ القِتَالِ في الشَّهْرِ الحَرَامِ.

وكَذَلَكِ جَمِيْعُ مَا وَقَعَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ هَذَا القَبِيْلِ؛ مِنِ التِزَامِ تِلْكَ الشُّرُوْطِ الصَّعْبَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا ضَرَرٌ وَخِفَّةٌ على المُسْلِمِينَ؛ وَلَكِنْ تَبَيَّنَ في النِّهَايَةِ أنَّهَا كَانَتْ عَيْنَ المَصْلَحَةِ، وَذَرِيْعَةً إلى الفَوْزِ بِالْفَتْحِ المُبِيْنِ(3).

* * *

- الوَجْهُ الخَاصُّ: فَقَدْ رَدَّ على هَذِهِ الشُبْهَةِ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بنُ صَالِحٍ العُثَيْمِيْنُ رَحِمَهُ الله في جَوَابِ سُؤَالٍ عُرِضَ عَلَيْهِ، وهَذَا نَصُّهُ: «فَالَّذِي أرَى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا (القِيَادَةَ والخَلْوَةَ) فِيْهِ ضَرَرٌ، وأحَدَهُمَا أضَرُّ مِنَ الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ، ولَكِنْ لَيْسَ هُنَاكَ ضَرُوْرَةٌ تُوْجِبُ ارْتِكَابَ أحَدِهِمَا». انْتَهَى، وسَيَأتِي كَلامُهُ كَامِلًا في آخِرِ الرِّسَالَةِ؛ إنْ شَاءَ الله!

قُلْتُ: ومِنْ هَذِهِ الرُّدُوْدِ أيْضًا:

أوَّلًا: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ: أنَّ الخَلْوَةَ تَرْتَفِعُ بِوُجُوْدِ مَا يَلِي:

1ـ وُجُوْدُ رَجُلٍ آخَرَ فَأكْثَرَ مِنْ أهْلِ التُّقَى والصَّلاحِ؛ سَوَاءٌ كَانَ مَحْرَمًا لِلْمَرْأةِ أوْ لا.

2 ـ وُجُوْدُ امْرَأةٍ أُخْرَى مَعَهَا، لأنَّ وُجُوْدَ السَّائقِ مَعَ المَرْأةِ عِنْدَ وُجُوْدِ رَجُلٍ آخَرَ، أو وُجُوْدِ امْرَأةٍ أُخْرَى؛ لا يُعَدُّ خَلْوَةً، لِذَا نَجِدُ (وَللهِ الحَمْدُ) أنَّ غَالِبَ نِسَاءِ هَذِهِ البِلادِ لا يَرْكَبْنَ مَعَ السَّائِقِ بِمُفْرَدِهِنَّ إلَّا مَعَ وُجُودِ رَجُلٍ آخَرَ، أو امْرَأةٍ أخْرَى، وهَذَا هُوَ الأصْلُ بِغَضِّ النَظَرِ عَنِ الشَّاذَّاتِ؛ لأنَّ الحُكمَ لِلأعَمِّ الأغْلَبِ!

وهَذَا يُفِيْدُنَا أنَّ لِلمَرْأةِ في الإسْلامِ مُتَّسَعًا وفُسْحَةً عِنْدَ رُكُوْبِهَا مَعَ السَّائِقِ الأجْنَبِيِّ؛ إذَا وُجِدَ رَجُلٌ، أو امْرَأةٌ مَعَهُمَا.

إذَنْ قَوْلُكُمْ: «قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» خَيْرٌ لَهَا مِنْ خُلْوَتِهَا بِالسَّائِقِ الأجْنَبِيِّ، لَيْسَ على إطْلاقِهِ؛ بَلْ هُوَ خِلافُ الأصْلِ المَأْلُوْفِ، لأنَّ الخَلْوَةَ الَّتِي تَقْصِدُوْنَهَا نَادِرَةٌ وشَاذَّةٌ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تَأْخُذَ حُكْمَ الأصْلِ والعُمُومِ؛ بِحَيْثُ تَجْعَلُوْنَهَا في الحُرْمَةِ: تُقَاوِمُ حُرْمَةَ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»!

* * *

ثَانِيًا: لا شَكَّ أنَّ خَلْوَةَ المَرْأةِ مَعَ الرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ حَرَامٌ.

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «... ولا يَخْلُوَنَّ أحَدُكُمْ بِامْرَأةٍ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

فَإذَا عُلِمَ هَذا؛ كَانَ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ (أيْضًا) أنَّ عِلَّةَ تَحْرِيْمِ الخَلْوَةِ: هُوَ خَشْيَةُ الوُقُوْعِ في الحَرَامِ؛ لاسِيَّمَا مَعَ قُوَّةِ المُقْتَضَى، وَضَعْفِ المَانِعِ، فَتَكُوْنُ الخَلْوَةُ إذَنْ وَسِيْلَةً لِلْحَرَامِ لَكِنَّهَا ظَنِّيَّةٌ؛ إلَّا أنَّ الشَّرِيْعَةَ الإسْلامِيَّةَ حَرَّمَتْهَا ومَنَعَتْهَا حَسْمًا لِلْحَرَامِ المَظْنُوْنِ وُقُوْعُهُ!

أمَّا بِالنَّظَرِ إلَى «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» فَهِيَ وَسِيْلَةٌ قَطْعِيَّةٌ لِلْحَرَامِ؛ حَيْثُ لا تَخْلُو المَرْأةُ (غَالِبًا) عِنْدَ قِيَادَتِهَا للسَّيَّارَةِ مِنَ الوُقُوعِ في كَثِيْرٍ مِنَ المُحَرَّمَاتِ، مِثْلُ:

كَشْفِ الوَجْهِ، ومَا تُلاقِيْهِ مِنَ الإيْذَاءِ في الطُرُقَاتِ، والأسْوَاقِ، ونَزْعِ الحَيَاءِ مِنْهَا «والحَيَاءُ مِنَ الإيْمَانِ»!

كَمَا أنَّها سَبَبٌ لِكَثْرَةِ خُرُوْجِهَا مِنَ البَيْتِ «والبَيْتُ خَيْرٌ لَهَا»، وفَتْحُ البَابِ على مِصْرَاعَيْهِ لَهَا بِحَيْثُ تَخْرُجُ مَتَى شَاءَتْ، وإلى مَنْ شَاءَتْ، وحَيْثُ شَاءَتْ، وتَمَرُّدُهَا على زَوْجِهَا وأهْلِهَا؛ فَلأدْنىَ سَبَبٍ يُثِيْرُهَا في البَيْتِ تَخْرُجُ مِنْهُ، وتَذْهَبُ لِسَيَّارَتِهَا إلَى حَيْثُ تَرَى!

وكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عِنْدَ قِيَادَتِهَا للسَّيَّارَةِ مِنْ مُطَالَبَتِهَا بِصُوْرَةٍ لوَجْهِهَا كَي تُوْضَعَ في رُخْصَةِ القِيَادَةِ لِلْتَّحَقُّقِ مِنْ هُوِيَّتِهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُوْمٌ للجَمِيْعِ!

* * *

وكَمَا أنَّ قِيَادَتَهَا للسَّيَّارَةِ سَبَبٌ لِلْفِتْنَةِ في مَوَاقِفَ عَدِيْدَةٍ، مِنْهَا:

ـ في الوُقُوْفِ عِنْدَ إشَارَاتِ الطَّرِيْقِ.

ـ في الوُقُوْفِ عِنْدَ نُقْطَةِ التَّفْتِيْشِ.

ـ في الوُقُوْفِ لِمَلْءِ إطَارَ السَّيَّارَةِ بِالهَوَاءِ «البَنْشَرِ».

ـ في الوُقُوْفِ عِنْدَ مَحَطَّاتِ البَنْزِيْنِ.

ـ في الوُقُوْفِ عِنْدَ رِجَالِ المُرُوْرِ عِنْدَ التَّحْقِيْقِ في مُخَالَفَةٍ لَهَا أوْ حَادِثٍ.

ـ في الوُقُوْفِ عِنْدَ خَلَلٍ يَقَعُ بِالسَّيَّارَةِ أثْنَاءَ الطَّرِيْقِ، الأمْرُ الَّذِي يَدْفَعُ المْرَأةَ إلى الحَاجَةِ إلى مِنْ يُسْعِفُهَا، فَمَاذَا تَكُوْنُ حَالَتُهَا؟ رُبَّمَا تُصَادِفُ رَجُلًا سَافِلًا يَسُوْمُهَا على عِرْضِهَا في تَخْلِيْصِهَا مِنْ مِحْنَتِهَا، لاسِيَّمَا إذَا عَظُمَتْ حَاجَتُهَا حَتَّى بَلَغَتْ حَدَّ الضَّرُوْرَةِ(4)، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.

* * *

فَأقُوْلُ: إذَا كَانَتِ «الخَلْوَةُ» وَسِيْلَةً ظَنِّيَّةً لِلْحَرَامِ، و«قِيَادَةُ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» وَسِيْلَةً قَطْعِيَّةً لِلْحَرَامِ وَجَبَ إذَنْ تَقْدِيْمُ مَا كَانَ قَطْعِيًّا على الظَّنِّي عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا؛ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌعِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الفُقَهَاءِ والأُصُوْلِيِّيْنَ؛ مَعَ العِلْمِ أنَّ كِلاهُمَا حَرَامٌ؛ لَكِنْ عِنْدَ تَزَاحُمِ المَفَاسِدِ يُقَدَّمُ مَا كَانَ أقَلَّهَا فَسَادًا جَرْيًا لِلْقَاعِدَةِ المَشْهُوْرَةِ: «الضَّرَرُ الأشَدُّ يَزَالُ بِالضَّرَرِ الأخَفِ».

عِلْمًا أنَّنَا لَوْ أخَذْنَا (جَدَلًا) بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ المَعْلُوْلَةِ: وهِيَ قِيَادَةُ المَرْأةِ خَيْرٌ لَهَا مِنَ الخَلْوَةِ! إلَّا أنَّ الوَاقِعَ يُكَذِّبُهَا، والشَّاهِدُ يَرُدُّهَا؛ حَيْثُ ذَكَرَتْ «جَرِيْدَةُ الجَزِيْرَةِ» في عَدَدِهَا (11951): أنَّ نِسْبَةَ (80%) مِنَ الأُسَرِ الخَلِيْجِيَّةِ لَدَيْهِم سَائِقُوْنَ مَعَ كَوْنِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» مُتَاحَةٌ لَدَيْهِم! انْتَهَى.

ومِنْ هُنَا؛ نَقُوْلُ لهَؤلاءِ المُغْرِضِيْنَ: لَيْسَتِ القَضِيَّةُ هِيَ خَوْفُكُم مِنْ خَلْوَةِ المَرْأةِ بالأجْنَبيِّ كَمَا تَزْعُمُوْنَ! بَلْ إنَّ القَضِيَّةَ في حَقِيْقَتِهَا هِيَ المُطَالَبَةُ بـ«قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ لاسِيَّما بِلادَ الحَرَمَيْنِ: هِيَ دَعْوَةٌ عَرِيْضَةٌ لا حَقِيْقَةَ لَهَا مِنَ الصِّدْقِ، بَلْ إنَّهَا دَعْوَةٌ لخُرُوْجِ المَرْأةِ المُسْلِمَة مِنْ سِتْرِهَا وحِجَابِهَا إلى قِيَادَةِ الفُجُوْرِ والسُّفُوْرِ، والله مُحِيْطٌ بالظَّالِمِيْنَ!

* * *

وبَعْدَ هَذَا؛ فَإنِّي أُحَذِّرُ المُتَهَاوِنِيْنَ مِنَ الطَبَّاخِيْنَ والذَوَّاقِيْنَ مِنَ الوُلُوْغِ في مَسْألةِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، الَّتِي لَنْ نَجْنِيَ عِنْدَ وُجُوْدِهَا (عِيَاذًا بالله!) إلَّا الفِتَنَ والسُّفُورَ والاخْتِلاطَ؛ ولاتَ حِيْنَ مَنَاصٍ، كَمَا هُوَ الحَالُ في كَافَّةِ البِلادِ الَّتِي دَفَعَتْ نِسَاءَهَا إلى قِيَادَةِ السَّيَّارَةِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتَنَ إنَّمَا يُعْرَفُ مَا فِيْهَا مِنَ الشَرِّ إذَا أدْبَرَتْ، فَأمَّا إذَا أقْبَلَتْ فَإنَّهَا تُزَيَّنُ، وَيُظَنُّ أنَّ فِيْهَا خَيْرًا؛ فَإذَا ذَاقَ النَّاسُ مَا فِيْهَا مِنَ الشَّرِّ والمَرَارَةِ وَالبَلاءِ صَارَ ذَلِكَ مُبَيِّنًا لَهُم مَضَرَّتَهَا، ووَاعِظًا لَهُم أنْ يَعُوْدُوا لِمِثْلِهَا.

كَمَا أنْشَدَ بَعْضُهُم(5):

الحَرْبُ أوَّلُ ما تَكـوْنُ فَتِيَّـةً  تَسْعَى بزِيْنَتِها لِكُلِّ جَهُـوْلِ

حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرَامُها  وَلَّتْ عَجُوْزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيْلِ

شمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهــا وتَغَـَّيرَتْ  مَكْرُوْهَـةً للشَّمِّ والتَّقْبِيْـلِ

* * *

وأُكَرِّرُ قَوْلِي: أنَّ أكْثَرَ الَّذِيْنَ دَخَلُوْا في قَضِيَّةِ «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» مِمَّا لا عِلَمَ لَهُم بِهَا؛ ولَمْ يَعْرِفُوْا مَا فِيْهَا مِنَ الشَرِّ والفَسَادِ، ولا عَرَفُوا مَرَارَةَ الفِتْنَةِ... بَلْ لَنْ يَعْرِفُوا حَقِيْقَةَ الفِتْنَةِ إلَّا إذَا وقَعَتْ (عِيَاذًا بِالله!)، فَإنِّي أقُوْلُ لَهُم: عَلَيْنَا جَمِيْعًا أنْ نَعْتَبِرَ بغَيْرِنَا، قَبْلَ أنْ يُقَالَ لَنَا: وَلاتَ حِيْنَ مَنَاصٍ!

ومَنْ اسْتَقْرَأ حَالَ هَذِهِ الفِتْنَةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَجْرِي في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ (خَاصَّةً!) يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّهُ مَا دَخَلَ فِيْهَا أحَدٌ فَحَمِدَ عَاقِبَةَ دُخُولِهِ فِيْهَا؛ لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الضَّرَرِ في دِيْنِهِ وَدُنْيَاهُ، ولِهَذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ المَنْهِي عَنْهُ شَرْعًا، والإمْسَاكُ عَنْهَا مِنَ المَأْمُوْرِ الَّذِي قَالَ الله تعالى عَنْ مِثْلِهَا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63].

ولَوْلا خَشْيَةُ الإطَالَةِ لذَكَرْتُ مِنَ مَنْظُوْمَةِ الشُّبَهِ الَّتِي يَخْتَلِقُهَا أصْحَابُهَا العَدَدَ الكَثَيْرَ؛ لَكِنَّهَا (وللهِ الحَمْدُ!) شُبَهٌ وَاهِيَةٌ لا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِنْ قَوْلِنَا لَهُم: «رِفْقًا بالقَوَارِيْرِ»!

وكَذَا نُذَكِّرُهُم بِقَوْلِ الله تَعَالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:25].

وقَوْلِ الله تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النور:19].

* * *

وبِهَذَا نَكْتَفي بِمَا أجْرَاهُ القَلَمُ بِصَدَدِ: «قِيَادَةِ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»، فَأسْتَوْدِعُكُمُ الله تَعَالى في السِّرِّ والعَلَنِ، وأسْألُهُ تَعَالى أنْ يَحْفَظَ بِلادَنَا، وبِلادَ المُسْلِمِيْنَ مِنْ كُلِّ سُوْءٍ، وأنْ يَحْفَظَ نِسَاءَ المُسْلِمِيْنَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، ومَا بَطَنَ آمِيْن!

والحَمْدُ لله الحَمِيْدِ الغَفَّارِ

والصَّلاةُ والسَّلامُ على مُحَمَّدٍ المُخْتَارِ، وعلى آلِهِ الأطْهَارِ، وصَحْبِهِ الأبْرَارِ

الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
قيادة المرأة للسيارة
ص 77

 


 

([1]) انْظًرْ «الفَتَاوِي الكُبْرَى» لابْنِ تَيْمِيَّةَ (3/ 256)، و«إعْلامَ المُوَقِّعِيْنَ» لابنِ القَيِّمِ (3/ 147)، و«المُوَافَقَاتِ» للشَّاطِبِيِّ (4/ 194) .

([2]) اصْطِدامٌ، أو تَصَادُمٌ، أو صَدْمٌ : لا صِدَامٌ؛ لأنَّ الصِّدامَ (بضَمِّ الصَّادِ أو كَسْرِها) : دَاءٌ في رُؤوسِ الدَّوَابِ، ويَقُوْلُ بَعْضُهم : الصُّدَامُ : وهُو ثِقلٌ يأخُذُ الإنْسَانَ في رَأسِهِ! «مُعْجَمُ الأخْطَاءِ» للعَدْنَاني (140) .

([3]) انْظُرْ : «فَتْحَ القَدِيْرِ» للشَّوْكانِيِّ (1/ 27)، و«القَوَاعِدَ الفِقْهِيَّةَ» للنَّدْوِيِّ (277) .

([4]) انْظُرْ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ» للشَّيْخِ العُثَيْمِيْنِ (12) بتَصَرُّفٍ .

([5]) ذَكَرَها البُخَارِيُّ في صَحِيْحِه في «كِتَابِ الفِتَنِ» (6/ 2599)، وهِيَ لأمُرُءِ القَيْسِ، وكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّوْنَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بهَذِه الأبْيَاتِ عِنْدَ الفِتَنِ .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 46 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208863)