مُقَدِّمَةٌ
عدد مرات القراءة: 820653

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ، وعلى آلِهِ، وصَحْبِهِ، والتَّابِعِيْنَ لَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أمَّا بَعْدُ: فَلَيْسَ خَافٍ على الجَمِيْعِ مَا حَدَثَ ظُهْرَ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ المُوَافِقِ التَّاسِعِ والعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيْعِ الثَّاني مِنْ عَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةٍ وعِشْرِيْنَ (29/ 4/ 1420): مِنْ كُسُوْفِ الشَّمْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ والنِّصْفِ ظُهْرًا تَقْرِيْبًا؛ حَيْثُ شَمِلَ مُعْظَمَ بِلادِ الأرْضِ مَعَ تَفَاوُتٍ في حَقِيْقَتِه هُنَا أو هُنَاكَ!

إلَّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الإلَهِيَّةَ، والظَّاهِرَةَ الكَوْنِيَّةَ لم تَكُنْ لتَمُرَّ أو تَحْدُثَ بمَنْأى عَنْ أنْظَارِ وأسْمَاعِ النَّاسِ دُوْنَ قِيْلَ وقَالَ، ونَظَرٍ ونِقَاشٍ؛ حَيْثُ كَثُرَ عِنْدَهَا الكَلامُ، واخْتَلَفَتْ حَوْلهَا الآرَاءُ، وتَبَايَنَتْ عِنْدَهَا المَقَالاتُ والتَّصَوُّرَاتُ؛ وكُلٌّ بحَسَبِ مَشَارِبِه ونِحَلِهِ، وقَدْ قِيْلَ: كُلُّ إنَاءٍ يَنْضَحُ بِما فِيْهِ.

وهَذَا الأمْرُ لَيْسَ بغَريْبٍ أو عَجِيْبٍ إذَا مَا عَلِمْنَا أنَّ هَذِهِ الأُحْدُوْثَةَ لم تَكُنْ مَألُوْفَةً لأنَّها تَغْيِيْرٌ في السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ تَطَلُّعٍ وتَشَوُّفٍ مِنْ قِبَلِ البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

فَكَانَ مِنْ أظْهَرِهَا وأشْهَرِهَا مَا يُسَمَى بـ"الكُسُوْفِ" الَّذِي تَغَيَّرَتْ فِيْهِ الشَّمْسُ، وانْحَجَبَ ضَوْؤهَا أو بَعْضُهُ عَنِ الأرْضِ ممَّا كَانَ لَهُ تَأثِيْرٌ في النِّظَامِ العُلْوِيِّ والسُّفْليِّ؛ فلِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ!

* * *

وهَذِهِ أُخْرَى؛ أنَّ العِلْمَ بأسْبَابِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، والنَّظَرَ في حِسَابَاتِهما، والتَّوَسُّعَ في مَاجْرَياتِهما لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِهِ، ولم يَأمُرْنَا بِهِ الله ولا رَسُوْلُهُ صلى الله عليه وسلم، بَلْ هُوَ عِلْمٌ مَفْضُوْلٌ لا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ.

فَغَايَةُ مَا هُنَا: هُوَ أنَّ الله تَعَالى يُخَوِّفُ بِهِما عِبَادَهُ ليَتُوْبُوا، ويَفْزَعُوا إلى الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والعِتْقِ والذِّكْرِ والتَّسْبِيْحِ والاسْتِغْفَارِ!

ورِسَالَتِي هَذِهِ لم تَكُنْ حَدِيْثًا أو تَفْصِيْلًا عَنْ صَلاةِ الكُسُوْفِ في صِفَتِهَا أو حُكْمِهَا أو أحْكَامِها(1)، بقَدْرِ مَا أُرِيْدُ أنْ أتَكَلَّمَ عَنْ بَعْضِ القَضَايَا الَّتِي أحْسِبُهَا قَدْ أخَذَتْ أكْبَرَ مِنْ حَجْمِهَا، واتَّسَعَ فِيْهَا الكَلامُ والحِوَارُ، وضَرَبَتْ بأطْنَابِها وأوْتَادِهَا في قُلُوْبِ وأسْماعِ كَثْيرٍ مِنَ النَّاسِ، كَما نَعَقَ في بُوْقِهَا المُرْجِفُوْنَ، وتَسَاقَطَ عِنْدَهَا الجَاهِلُوْنَ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ (للأسَفِ!)، حَتَّى غَدَتْ حَدِيْثًا للمَجَالِسِ، وعُنْوَانًا لسَعْفَاءِ الصَّحَافَةِ، وزَادًا للإذَاعَةِ بجَمِيْعِ أنْوَاعِهَا في الدَّاخِلِ مِنْهَا والخَارِجِ، ومِنْ هَذِهِ القَضَايَا ـ لا كُلِّهَا ـ مَسْألَتَانِ:

الأوْلى: النَّظَرُ إلى الشَّمْسِ وَقْتَ الكُسُوْفِ.

الثَّانِيَةُ: الأمْرَاضُ الَّتِي لَيْسَ لهَا دَوَاءٌ؛ نَتِيْجَةَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ.

* * *

لأجْلِ هَذَا؛ قُمْتُ ولله الحَمْدُ ببَيَانِ النِّصَابِ الشَّرْعِيِّ في تَيْنِ المَسْألَتَيْنِ وغَيْرِهِمَا، مَعَ كَشْفِ مَا هُنَالِكَ مِنْ مُغَالَطَاتٍ شَرْعِيَّةٍ، وحَوَادِثَ طَبِيْعِيَّةٍ، مِنْ خِلالِ كِتَابٍ صَغِيْرٍ أحْسِبُهُ كَافِيًا إنْ شَاءَ اللهُ، كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ: "كُسُوْفِ الشَّمْسِ بَيْنَ التَّخْوِيْفِ والتَّزْيِيْفِ"، كَما أنَّنِي ألْبَسْتُ هَذَا العِنْوَانَ أرْبَعَةَ أبْوَابٍ، وتَحْتَ كُلِّ بَابٍ فُصُوْلٌ، كَما يَلي:

- البَابُ الأوَّلُ: وفِيْهِ فَصْلانِ.

الفَصْلُ الأوَّلُ: وفِيْهِ قَاعِدَتَانِ مُهِمَّتَانِ.

الفَصْلُ الثَّاني: تَحْقِيْقُ مَعْرِفَةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

- البَابُ الثَّاني: وفِيْهِ سِتَّةُ فُصُولٍ.

الفَصْلُ الأوَّلُ: حَقِيْقَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

الفَصْلُ الثَّاني: الحِكْمَةُ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ: أقْسَامُ النَّاسِ في الظَّوَاهِرِ الفَلَكِيَّةِ.

الفَصْلُ الرَّابِعُ: أثَرُ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ.

الفَصْلُ الخَامِسُ: آثَارُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ.

الفَصْلُ السَّادِسُ: حُكْمُ عِلْمِ النُّجُوْمِ.

- البَابُ الثَّالِثُ: وفِيْهِ أرْبَعَةُ فُصُوْلٍ.

الفَصْلُ الأوَّلُ: حُكْمُ رُؤيَةِ الهِلالِ.

الفَصْلُ الثَّاني: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ، وفِيْهِ عَشَرَةُ وُجُوْهٍ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ التَّحْدِيْقِ في الشَّمْسِ.

الفَصْلُ الرَّابِعُ: المَحْظُوْرَاتُ السَّيِّئَةُ مِنَ تَحْذِيْرِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ.

- البَابُ الرَّابِعُ: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ الأمْرَاضِ المُزْمِنَةِ.

* * *

ومِنْ بَابِ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:11] فَهَذا كِتَابٌ جَامِعٌ نَافِعٌ، قَدْ حَرَّرْتُهُ بَعْدَ تَدْقِيْقٍ، ونَقَّحْتُهُ بَعْدَ تَحْقِيْقٍ؛ حَيْثُ ألْقَيْتُ بنَفْسِي في شِعَابِ الفَلَكِيِّيْنَ كَي أُقَصِّيْهِ وأفُصِّيْهِ مِنْ تَغَابِيْرِ النَّظَرِيَّاتِ، عَسَاهُ يَكُوْنُ تَقْدِمَةً انْتَفِعُ بِهِ لنَفْسِي ولإخْوَاني في بَحْثِ بَعْضِ المَسَائِلِ الفَلَكِيَّةِ، ورَبْطِهَا بأدِلَّةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ومَا كَانَ بَعْدَ كَوْنِه إلَّا بفَضْلٍ مِنَ الله تَعَالى وتَوْفِيْقٍ، والله وَليُّ الصَّالحِيْنَ.

* * *

وأخِيْرًا؛ فلَيْسَ مِنْ خَطَأ الذِّهْنِ أمَانٌ، ولا مِنْ وَخَزِ القَلَمِ اطْمِئْنَانٌ، فَرَحِمَ الله مَنِ اسْتَفَادَ وأفَادَ، ونَصَحَ وانْتَصَحَ، فَالدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ، والله المُوفِّقُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ!

حُرِّرَ في الأوَّلِ مِنْ جُمَادَى الأوْلى لعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ على صَاحِبِهَا أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيْمِ

(1/5/1420)

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ الأمِيْنِ

وكَتبَهُ

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي


 

([1]) أمَّا كَلامُنَا عَنْ صَلاةِ الكُسُوْفِ، وعَنْ أحْكَامِهَا الفِقْهِيَّةِ، فسَيَأتي مَبْسُوْطًا في كِتَابِنا : «المَرْجِعِ شَرْحِ الرَّوْضِ المُرْبِع» إنْ شَاءَ اللهُ .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 40 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208733)