البَابُ الأوَّلُ: قَوَاعِدُ، وتَحْقِيْقُ مَعْرِفَةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ
عدد مرات القراءة: 820640

البَابُ الأوَّلُ

 - الفَصْلُ الأوَّلُ: قَاعِدَتَانِ مُهِمَّتَانِ.

- الفَصْلُ الثَّاني: تَحْقِيْقُ مَعْرِفَةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

***

الفَصْلُ الأوَّلُ

قَاعِدَتَانِ مُهِمَّتَانِ:

إنَّ تَحْرِيْرَ وضَبْطَ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ لاسِيَّما المُتَعَلِّقَةِ بأصُوْلِ الدِّيْنِ مِنْ جَادَّةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، لِذَا كَانَتْ عِنَايَتُهُم بِها وبغَيْرِهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيْعَةِ مَنْهَجًا عَامًّا في مَجَالِسِهِم العِلْمِيَّةِ، ومُحَرَّرَاتِ كُتُبِهِم... كَما هُوَ ظَاهِرٌ في مَسَالِكِ مُصَنَّفَاتِهم عِنْدَ التَّألِيْفِ والتَّحْرِيْرِ والتَّقْرِيْرِ.

لِذَا ارْتَأيْتُ لِزَامًا أنْ أذْكُرَ بَعْضَ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ العَامَّةِ هُنَا، كَي يَطْمَئِنَّ قَلْبُ كُلِّ حَارِثٍ وهمَّامٍ إلى كَمَالِ الشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ في أمْرِهَا ونَهْيِهَا، ويَسْتَيْقِنَ كُلُّ بَاصِرٍ وبَصِيْرٍ إلى أصَالَةِ هَذَا الدِّيْنِ الحَنِيْفِ في يُسْرِهِ وبِشْرِهِ، كَما أنَّ في ذِكْرِهَا هُنَا عَوْنًا لَهُ على فَهْمِ مَضَامِيْنِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ في بَابَاتِها، والله وَليُّ المُؤمِنِيْنَ.

* * *

فَهَاتَانِ قَاعِدَتَانِ مُهِمَّتَانِ قَدْ أحَطْتُهَا بشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ طَلَبًا للفَائِدَةِ، ورَجَاءً للعَائِدَةِ، وهِيَ عَلى مَا يَأتي:

- القَاعِدَةُ الأوْلى:

إنَّ الشَّرِيْعَةَ الإسْلامِيَّةَ لا تَأمُرُ إلَّا بِما مَصْلَحَتُهُ خَالِصَةً أو رَاجِحَةً، ولا تَنْهَى إلَّا عمَّا مَفْسَدَتُهُ خَالِصَةً أو رَاجِحَةً.

وهَذِهِ القَاعِدَةُ شَامِلَةٌ لجَمِيْعِ أحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ لا يَشُذُّ عَنْهَا شَيءٌ مِنْ أحْكَامِهَا سَوَاءُ في الأصُوْلِ أو الفُرُوْعِ، وفي الغَايَاتِ أو الوَسَائِلِ، وفي مَا يَتَعَلَّقُ بحُقُوْقِ الله تَعَالى، أو حُقُوْقِ العِبَادِ.

كَما قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90].

* * *

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَه الله في "القَوَاعِدِ والأصُوْلِ" (5):

فَلَمْ يَبْقَ عَدْلٌ ولا إحْسَانٌ ولا صِلَةٌ إلَّا أُمِرَ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيْمَةِ، ولا فَحْشَاءُ ومُنْكَرٌ مُتَعَلِّقٌ بحُقُوْقِ الله، ولا بَغْيٌّ على الخَلْقِ في دِمَائِهِم وأمْوَالِهِم وأعْرَاضِهِم إلَّا نُهِيَ عَنْهُ، ووَعَظَ عِبَادَهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا مَا في هَذِه الأوَامِرِ مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ فيَمْتَثِلُوْهَا، ويتَذَكَّرُوا مَا في النَّواهِي مِنَ الشَّرِّ والضَّرَرِ فيَتَجَنَّبُوْهَا. انْتَهَى بتَصَرُّفٍ.

* * *

- القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ:

إنَّ الشَّرِيْعَةَ الإسْلامِيَّةَ حَنَفِيَّةٌ سَمْحَةٌ؛ مَبْنِيَّةٌ على التَّيْسِيْرِ، ورَفْعِ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ عَنِ العِبَادِ؛ كَما قَالَ تَعَالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، وقَالَ تَعَالى: ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]. وقَالَ تَعَالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» البُخَارِيٌّ.

وهَذِهِ القَاعِدَةُ مِنَ الدَّعَائِمِ والأسُسِ الَّتِي يَقُوْمُ عَلَيْهَا تَحْقِيْقُ التَّوْحِيْدِ وأصُوْلِهِ، وتَيْسِيْرُ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ وفُصُوْلِهِ.

قَالَ الشَّاطِبيُّ رَحِمَهُ الله في "المُوَافَقَاتِ" (1/ 231): إنَّ الأدِلَّةَ على رَفْعِ الحَرَجِ في هَذِهِ الأمَّةِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ!

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ.

***

الفَصْلُ الثَّاني

مَعْرِفَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ

لا شَكَّ أنَّ العِلْمَ بالكُسُوْفِ والخُسُوْفِ عِلْمٌ عَامٌّ يَشْتَرِكُ فِيْهِ جَمِيْعُ النَّاسِ مُؤمِنُهُم وكَافِرُهُم، فَهُو عِلْمٌ مُتَوقِّفٌ على مَعْرِفَةِ حِسَابِ جَرَيَانِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ ممَّا أجْرَى الله قَدَرَهُ وخَلْقَهُ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ، والشِّتَاءِ والصَّيْفِ، وسَائِرِ مَا يَتْبَعُ جَرَيَانِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الله تَعَالى، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، وقَالَ تَعَالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥]، وقَالَ تَعَالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بحُسْبَان﴾[الرحمن:٥]، وقَالَ تَعَالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام:٩٦]، وقَالَ تَعَالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾[البقرة:١٨٩]، وقَالَ الله تَعَالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة:٣٦]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧-٤٠].

* * *

وكَذَلِكَ أيْضًا نَجِدُ أنَّ الله تَعَالى قَدْ أجْرَى القَدَرَ: بأنَّ الهِلالَ لا يَسْتَهِلُّ إلَّا لَيْلَةَ ثَلاثِيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، أو لَيْلَةَ إحْدَى وثَلاثِيْنَ.

وأنَّ الشَّهْرَ لا يَكُوْنُ إلَّا ثَلاثِيْنَ أو تِسْعَةً وعِشْرِيْنَ، فمَنْ ظَنَّ أنَّ الشَّهْرَ يَكُوْنُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أو أقَلَّ فَهُو غَالِطٌ!

فَكَذَلِكَ أيْضًا نَجِدُ أنَّ الله تَعَالى قَدْ أجْرَى العَادَةَ: بأنَّ الشَّمْسَ لا تَنْكَسِفُ إلَّا وقْتُ الاسْتِسْرَارِ (آخِرَ الشَّهْرِ)، إذَا وقَعَ القَمَرُ بَيْنَهَا وبَيْنَ أبْصَارِ النَّاسِ على مُحَاذَاةٍ مَضْبُوْطَةٍ.

وأنَّ القَمَرَ لا يَخْسِفُ إلَّا وقْتَ الإبْدَارِ (اللَّيَالي البِيْضَ)، على مُحَاذَاةٍ مَضْبُوْطَةٍ لتَحَوُّلِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، فالقَمَرُ لا يَخْسِفُ إلَّا في هَذِهِ اللَّيَالي، والهِلالُ يَسْتَسِرُّ آخِرَ الشَّهْرِ: إمَّا لَيْلَةً وإمَّا لَيْلَتِيْنَ، كَما يَسْتَسِرُّ لَيْلَةَ تِسْعٍ وعِشْرِيْنَ، أو لَيْلَةَ ثَلاثِيْنَ، والشَّمْسُ لا تَكْسِفُ إلَّا وقَتْ اسْتِسْرَارِهِ، فمَنْ ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُو غَالِطٌ!

فَحِيْنَئِذٍ لَيْسَ مَعْرِفَةُ حِسَابِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ بِدْعًا مِنَ العِلْمِ، لأنَّهُ عِلْمٌ مُتَوقِّفٌ على الحِسَابِ كغَيْرِهِ، مِثْلُ العِلْمِ بأوْقَاتِ الفُصُوْلِ: كأوَّلِ الرَّبِيْعِ، والصَّيْفِ، والخَرِيْفِ، والشِّتَاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الشَّمْسِ أوائِلَ البُرُوْجِ، الَّتِي يَقُوْلُوْنَ فيهَا: إنَّ الشَّمْسَ نَزَلَتْ في بُرْجِ كَذَا؟ أي: حَاذَتْهُ!

لِذَا فَقَدْ كَانَ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيْحِ أنَّ للشَّمْسِ والقَمَرِ لَيَالٍ مُعْتَادَةً، مَنْ عَرَفَهَا عَرَفَ وقْتَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، كَما أنَّ مَنْ عَلِمَ كَمْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ يَعْلَمُ أنَّ الهِلالَ يَطْلَعُ في اللَّيْلَةِ الفُلانِيَّةِ أو الَّتِي قَبْلَهَا، ولَيْسَ خَبَرُ الحَاسِبِ بذَلِكَ مِنْ بِابِ عِلْمِ الغَيْبِ، ولا مِنْ بَابِ مَا يُخْبِرُ بِهِ أهْلُ التَّنْجِيْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ: قَوْلٌ بِلا عِلْمٍ، وادِّعَاءٌ بَاطِلٌ(1).

* * *

ثُمَّ اعْلَمْ أخِي المُسْلِمُ؛ أنَّ مَا أخْبَرَ بِهِ النِّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا يُنَافي كُوْنَ الكُسُوْفِ لَهُ وقْتٌ مَحْدُوْدٌ يَكُوْنُ فيهِ، حَيْثُ لا يَكُوْنُ كُسُوْفُ الشَّمْسِ إلَّا في آخِرِ الشَّهْرِ لَيْلَةِ السَّرَارِ، ولا يَكُوْنُ خُسُوْفُ القَمَرِ إلَّا وسْطِ الشَّهْرِ ولَيَالي الإبْدَارِ، ومَنِ ادَّعَى خِلافَ ذَلِكَ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ أو العَامَّةِ فلِعَدَمِ عِلْمِهِ بالحِسَابِ، ولهَذَا يُمْكِنُ المَعْرِفَةُ بِما مَضَى مِنَ الكُسُوْفِ ومَا يُسْتَقْبَلُ، كَما يُمْكِنُ المَعْرِفَةُ بِما مَضَى مِنَ الأهِلَّةِ ومَا يُسْتَقْبَلُ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ بحِسَابٍ صَحِيْحٍ، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام:٩٦]، وقَالَ تَعَالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بحُسْبَان﴾ [الرحمن:٥]، وقَالَ تَعَالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥].

* * *

ومِنْ هُنَا صَارَ بَعْضُ العَامَّةِ إذَا رَأى المُنَجِّمَ قَدْ أصَابَ في خَبَرهِ عَنِ الكُسُوْفِ المُسْتَقْبَلِ يَظُنُّ أنَّ خَبَرَهُ عَنِ الحَوادِثِ مِنَ هَذَا النَّوْعِ؛ فإنَّ هَذَا جَهْلٌ، إذِ الخَبَرُ الأوَّلُ بمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ بَأنَّ الهِلالَ يَطْلَعُ: إمَّا لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ، وإمَّا لَيْلَةَ إحْدَى وثَلاثِيْنَ، فَإنَّ هَذَا أمْرٌ أجْرَى الله بِهِ العَادَةَ لا يُخْرَمُ أبَدًا.

وبمَنْزِلَةِ خَبَرِهِ أنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ آخِرَ النَّهَارِ، وأمْثَالِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَرَفَ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ومَجَارِيْهِما عَلِمَ ذَلِكَ، وإنْ كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا قَلِيْلَ المَنْفَعَةِ.

بَلْ؛ مُعْظَمُ التَّدْقِيْقِ والتَّوسُّعِ فيهِ كَثِيْرُ التَّعَبِ، قَلِيْلُ الفَائِدَةِ: كالعِلْمِ مَثَلًا بمَقَادِيْرِ الدَّقَائِقِ والثَّواني والثَّوالِثِ في حَرَكَاتِ السَّبْعَةِ المُتَحَيِّرَةِ: ﴿فَلا أقْسِمُ بالخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥-١٦].

* * *

وأخِيْرًا؛ فَإنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ مَعْرِفَةِ حِسَابِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ لا يَصْدُقُ في مَعْرِفَةِ حِسَابِ الإهْلالِ على وجْهِ الضَّبْطِ؛ لأنَّه لا يُضْبَطُ بحِسَابٍ يُعْرَفُ كَما يُعْرَفُ وقْتُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، فَإنَّ الشَّمْسَ لا تُكْسَفُ في سُنَّةِ الله الَّتِي جُعِلَ لهَا إلَّا عِنْدَ الاسْتِسْرَارِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ لا يُخْسَفُ إلَّا في لَيَالي الإبْدَارِ، فمَعْرِفَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ لمَنْ صَحَّ حِسَابُه، مِثْلُ مَعْرِفَةُ كُلِّ أحَدٍ: أنَّ لَيْلَةَ الحَادِي والثَّلاثِيْنَ مِنَ الشَّهْرِ لا بُدَّ أنْ يَطْلُعَ الهِلالُ، وإنَّما يَقَعُ الشَّكُّ لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ.

فَنَقُوْلُ: الحَاسِبُ غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ إذَا صَحَّ حِسَابُه أنْ يَعْرِفَ مَثَلًا أنَّ القُرْصَيْنِ اجْتَمَعَا في السَّاعَةِ الفُلانِيَّةِ، وأنَّه عِنْدَ غُرُوْبِ الشَّمْسِ يَكُوْنُ قَدْ فَارَقَهَا القَمَرُ، إمَّا بعَشْرِ دَرَجَاٍت مَثَلًا، أو أقَلَّ أو أكْثَرَ، والدَّرَجَةُ: هِيَ جُزْءٌ مِنْ ثَلاثْمائَةِ جُزْءٍ مِنَ الفَلَكِ(2).


 

([1]) انْظُرْ : «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (4/424 ،426) .

([2]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (35/175، 181) (25/185).

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 37 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208698)