البَابُ الثَّاني: حَقِيْقَةُ الكُسُوْفِ، وحِكْمَةُ، وأقْسَامُ النَّاسِ فيْهِ، وأثَرُ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ
عدد مرات القراءة: 820560

البَابُ الثَّاني

 

- الفَصْلُ الأوَّلُ: حَقِيْقَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

- الفَصْلُ الثَّاني: الحِكْمَةُ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

- الفَصْلُ الثَّالِثُ: أقْسَامُ النَّاسِ في الظَّوَاهِرِ الفَلَكِيَّةِ.

- الفَصْلُ الرَّابِعُ: أثَرُ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ بالحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ.

- الفَصْلُ الخَامِسُ: آثَارُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ.

- الفَصْلُ السَّادِسُ: حُكْمُ عِلْمِ النُّجُوْمِ.

***

الفَصْلُ الأوَّلُ

حَقِيْقَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ

لا شَكَّ أنَّ الكُسُوْفَ والخُسُوْفَ ظَاهِرَتَانِ فَلَكِيَّتَانِ تَحْدُثَانِ وُفْقًا لسُنَنٍ يُقَدِّرُهَا الله تَعَالى للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ، وبسَبَبِ المَوَاقِعِ النِّسْبِيَّةِ للأجْرَامِ الرَّئِيْسَةِ الثَّلاثَةِ: (الشَّمْسِ، والأرْضِ، والقَمَرِ) بُعْدًا وقُرْبًا، تَوْسُّطًا وانْحِرَافًا، يَكُوْنُ الكُسُوْفُ والخُسُوْفُ.

ثُمَّ الكُسُوْفُ والخُسُوْفُ شَيءٌ وَاحِدٌ، وكَلاهُما قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الأخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ، وكَذَا جَاءَ القُرْآنُ بلَفْظِ الخُسُوْفِ.

إلَّا أنَّ الاصْطِلاحَ الجَارِي عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الفِقْهِ واللُّغَةِ والفَلَكِيِّيْنَ: أنَّ الكُسُوْفَ يُقَالُ عِنْدَ زَوَالِ ضَوْءِ الشَّمْسِ كُلًّا، أو جُزْءًا، والخُسُوْفَ عِنْدَ ذَهَابِ ضَوْءِ القَمَرِ خَاصَّةً، كُلًّا، أو جُزْءًا.

* * *

- فأمَّا خُسُوْفُ القَمَرِ:

فالقَمَرُ يَخْسِفُ عِنْدَمَا يَحْتَجِبُ كُلُّهُ أو جُزْءٌ مِنْهُ بوُقُوْعِ ظِلِّ الأرْضِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ عِنْدَمَا تَكُوْنُ الأرْضُ بَيْنَ القَمَرِ والشَّمْسِ على اسْتِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فعِنْدَئِذٍ تَحْجِبُ الأرْضُ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنِ القَمَرِ، ويُسَمَّى الاحْتِجَابُ الكُلِّيُّ: خُسُوْفًا كُلِّيًّا، وذَلِكَ عِنْدَمَا يَقَعُ القَمَرُ في مَنْطَقَةِ الظِّلِّ التَّامِ.

أمَّا إذَا وَقَعَ القَمَرُ في مَنْطَقَةِ شِبْهِ الظِّلِّ فَإنَّ الاحْتِجَابَ يَكُوْنُ جُزْئِيًّا، ويُسَمَّى: خُسُوفًا جُزْئِيًّا.

* * *

- أمَّا كُسُوْفُ الشَّمْسِ:

فالشَّمْسُ تَكْسِفُ عِنْدَمَا يَقَعُ ظِلُّ القَمَرِ على الأرْضِ، وذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُوْنُ القَمَرُ بَيْنَ الأرْضِ والشَّمْسِ، وتَكُوْنُ مَرَاكِزُ هَذِهِ الأجْرَامِ الثَّلاثَةِ على خَطٍّ مُسْتَقِيْمٍ.

ويُمْكِنُ أنْ تَحْتَجِبَ الشَّمْسُ خَلْفَ القَمَرِ كُلِّيًّا حِيْنَما تَكُوْنُ المَسَافَةُ بَيْنَ الأرْضِ والقَمَرِ مُنَاسِبَةً لكَي يُغَطِّي قُرْصُ القَمَرِ قُرْصَ الشَّمْسِ كُلِّهِ، ويُسَمَّى هَذَا: كُسُوفًا كُلِّيًّا.

أمَّا إذَا احْتَجَبَ جُزْءٌ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ خَلْفَ القَمَرِ، فَعِنْدَئِذٍ يَكُوْنُ الكُسُوْفُ كُسُوفًا جُزْئِيًّا.

* * *

وكُسُوْفُ الشَّمْسِ الجُزئِيُّ نَوْعَانِ، لا ثَالِثَ لهُما: حَلْقِيٌّ، وجُزْئِيٌّ.

- النَّوْعُ الأوَّلُ: الكُسُوْفُ الحَلْقِيُّ:

وهُوَ احْتِجَابُ وَسَطِ قُرْصِ الشَّمْسِ بجُزْئِهِ الأعْظَمِ خَلْفَ قُرْصِ القَمَرِ؛ حَتَّى لا يَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ إلَّا حَلَقَةٌ مُضِيْئَةٌ تَتَوَسَّطُهَا بُقْعَةٌ سَوْدَاءُ.

- النَّوْعُ الثَّاني: الكُسُوْفُ الجُزْئِيُّ:

وهُوَ احْتِجَابُ جُزْءٍ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ قَلِيْلًا أو كَثِيْرًا، خَلْفَ قُرْصِ القَمَرِ؛ دُوْنَ تَقْيِيْدٍ لمَسَاحَةِ الاحْتِجَابِ.

* * *

- أسباب الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ:

فَأمَّا أسْبَابُ خُسُوْفِ القَمَرِ، فيَقُوْلُوْنَ: إنَّ مَدَارَ القَمَرِ حَوْلَ الأرْضِ يَمِيْلُ بزَاوِيَةٍ مِقْدَارُهَا خَمْسُ دَرَجَاتٍ تَقْرِيْبًا، على مُسْتَوَى الدَّائِرَةِ الكُسُوْفِيَّةِ (أيْ مَدَارِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ)، ممَّا يَعْنِي أنَّ مَدَارَ القَمَرِ يَقْطَعُ مُسْتَوَى الدَّائِرَةِ الكُسُوْفِيَّةِ كُلَّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ مَرَّتَيْنِ في مَوْضِعَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ على المَدَارِ يُسَمَّيَانِ: العُقْدَتَانِ.

ويُسَمَّى المَوْضِعُ الَّذِي يَتَقَاطَعُ عِنْدَهُ مَدَارُ القَمَرِ وهُوَ صَاعِدٌ: العُقْدَةُ الصَّاعِدَةُ، والمَوْضِعُ الَّذِي يَتَقَاطَعُ عِنْدَهُ مَدَارُ القَمَرِ، وهُوَ نَازِلُ: العُقْدَةُ النَّازِلَةُ.

* * *

ولَوْ كَانَ مَدَارُ القَمَرِ وَاقِعًا عِنْدَ مُسْتَوَى الدَّائِرَةِ الكُسُوْفِيَّةِ نَفْسِهِ، لحَصَلَ خُسُوْفٌ مُنْتَصَفَ كُلِّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ حِيْنَ يَكُوْنُ القَمَرُ بَدْرًا، ولحَصَلَ كُسُوْفٌ نِهَايَةَ كُلِّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ بالضَّرُوْرَةِ، إلَّا أنَّ مَيَلانَ مَدَارِ القَمَرِ بخَمْسِ دَرَجَاتٍ يَجْعَلُ ظِلَّهُ لا يَسْقُطُ على سَطْحِ الأرْضِ إلَّا حِيْنَ يَكُوْنُ في العُقْدَةِ الصَّاعِدَةِ أو العُقْدَةِ النَّازِلَةِ أو قَرِيْبًا مِنْهُما، وكَذَلِكَ القَوْلُ بشَأنِ ظِلِّ الأرْضِ فَلا يَسْقُطُ على القَمَرِ إلَّا حِيْنَ يَكُوْنُ في هَذِه المَوَاضِعِ.

يُوَضِّحُهُ: أنَّ ظِلَّ القَمَرِ الوَاقِعِ على الأرْضِ يُشَكِّلُ مَخْرُوْطًا قَاعِدَتَهُ: هِيَ قُرْصُ القَمَرِ، ورَأسُهُ عِنْدَ سَطْحِ الأرْضِ، فَإذا كَانَتِ المَسَافَةُ بَيْنَ القَمَرِ والأرْضِ على أصْغَرِهَا تَقَاطَعَ مَخْرُوْطُ الظِّلِّ مَعَ سَطْحِ الأرْضِ الكُرَويِّ مُشَكِّلًا بُقْعَةً مُظْلِمَةً بَيْضَوِيَّةَ الشَّكْلِ يَتَنَاسَبُ قُطْرُهَا عَكْسِيًّا مَعَ بُعْدِ القَمَرِ عَنِ الأرْضِ.

والرَّاصِدُ الوَاقِفُ ضِمْنَ هَذِهِ المَسَاحَةِ البَيْضَوِيَّةِ يَرَى الشَّمْسَ مُنْكَسِفَةً كُسُوفًا كُلِّيًّا، وتَتَحَرَّكُ هَذِهِ المَسَاحَةُ البَيْضَوِيَّةُ المُظْلِمَةُ مِنَ الغَرْبِ إلى الشَّرْقِ على مَسَارٍ يُسَمَّى: مَسَارُ الكُسُوْفِ الكُلِّي، وبسُرْعَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ مُحَصَّلَةِ سُرْعَةِ دَوَرَانِ الأرْضِ حَوْلَ نَفْسِهَا، وسُرْعَةِ دَوَرَانِ القَمَرِ حَوْلَ الأرْضِ، وهَذِهِ المُحَصَّلَةُ هِيَ بحُدُوْدِ (ألْفَيْنِ كِيْلُو في السَّاعَةِ) تَقْرِيْبًا.

لِذَلِكَ تَتَغَيَّرُ مَسَاحَةُ الظِّلِّ بحَسَبِ أوْقَاتِ الكُسُوْفِ، فَهِيَ عَادَةً تَبْدَأُ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكْبُرُ حَتَّى تَصِلَ حَدًّا أعْظَمَ تَتَقَلَّصُ بَعْدَهُ بالتَّدَرُّجِ حَتَّى تَتَلاشَى، إنَّ هَذَا الوَصْفَ يَنْطَبِقُ على "الكُسُوْفِ الكُلِّي".

* * *

- أمَّا بالنِّسْبَةِ للكُسُوْفِ الحَلْقِي: فإنَّه يَحْصُلُ عِنْدَمَا تَكُوْنُ مَرَاكِزُ الأجْرَامِ الثَّلاثَةِ (الشَّمْسِ، والأرْضِ، والقَمَرِ) وَاقِعَةً عِنْدَ خَطٍّ مُسْتَقِيْمٍ لكِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ الأرْضِ والقَمَرِ هِيَ بمِقْدَارٍ يَجْعَلُ رَأسَ مَخْرُوْطِ ظِلِّ القَمَرِ لا يَصِلُ سَطْحَ الأرْضِ، لِذَلِكَ يَظْهَرُ احْتِجَابُ الشَّمْسِ حَلْقِيًّا، ويُسَمَّى ذَلِكَ: "كُسُوْفًا حَلْقِيًّا".

أمَّا المَنَاطِقُ الَّتِي تَقَعُ في شِبْهِ الظِّلِّ، فإنَّها تُرَى الشَّمْسُ فِيْهَا مُنْكَسِفَةً كُسُوْفًا جُزْئِيًّا، وتَمْتَدُّ مَنْطَقَةُ شِبْهِ الظِّلِّ لمَسَافَاتٍ كَبِيْرةٍ تَتَقَلَّصُ مَعَهَا نِسْبَةُ الكُسُوْفِ.

وهَذِهِ التَّحْقِيْقَاتُ العِلْمِيَّةُ لَيْسَتْ رَجْمًا بالغَيْبِ، بَلْ هِيَ مَتْرُوْكَةٌ للدِّرَاسَاتِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي أثْبَتَتْهَا التَّجْرُبَةُ، والحِسَابَاتُ الرِّيَاضِيَّةُ عِنْدَ أهْلِ الفَلَكِ والهَيْئَةِ، والله أعْلَمُ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِينَ

***

الفَصْلُ الثَّاني

الحِكْمَةُ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ

لا شَكَّ أنَّ قَضِيَّةَ كُسُوْفِ ظُهْرِ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ، المُوَافِقِ (29/ 4/ 1420)، ومَا سَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ أضْرَارٍ خَطِيرةٍ قَدْ أخَذَتْ عِنْدَ النَّاسِ مَجالًا وَاسِعًا، حَيْثُ أخَذَ الإعْلامُ الغَرْبيُّ والشَّرقيُّ على عَاتِقِهِ النَّفْخَ في هَذِهِ القَضَايَا والتَّهْوِيْلَ مِنْ شَأنِها.

حَتَّى طَغَتْ هَذِهِ الإرْجَافَاتُ على حَقِيْقَة الكُسُوْفِ الشَّرعِيِّ الَّتِي يُخَوِّفُ الله بِهَا عِبَادَهُ؛ ومِنْهُ تَنَاسَى أو تَجَاهَلَ كَثِيْرٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ الحَقِيْقَةَ الشَّرْعِيَّةَ على حِسَابِ هَذِهِ الزَّوْبَعَةِ الجَوْفَاءِ الَّتِي أحْسِبُهَا واللهُ أعْلَمُ مُخْتَلَقَةً، أو في أقْلِّ أحْوَالِها ظَنِّيَّاتٍ قَدْ عَارَضَتْ قَطْعِيَّاتٍ مِنَ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِذَا أرَدْتُ أنْ أقِفَ مَعَ هَذِهِ القَضَايَا بِشَيءٍ مِنَ الإيْجَازِ.

* * *

وقَبْلَ الشُّرُوْعِ في تَفْنِيْدِ هَذِهِ الادَّعَاءَاتِ والقَالاتِ كَانَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ نَقِفَ بالقَارِئ الكَرِيْمِ على حَقِيْقَةِ الحِكْمَةِ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ باخْتِصَارٍ:

- الحِكْمَةُ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ:

لا شَكَّ أنَّ الخُسُوْفَ والكُسُوْفَ مِنَ الظَّوَاهِرِ الفَلَكِيَّةِ في العَالمِ العُلْوِيِّ، حَيْثُ يُقَدِّرُهُما الله تَعَالى لحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وعِلَّةٍ بَاهِرَةٍ، مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُوْمٌ لَنَا، ومِنْهَا مَا هُوَ مَجْهُوْلٌ عَنَّا:

- فالَّذِي نَعْلَمُهُ مِنْهُما: هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوْصُ الشَّرْعِيَّةُ: وهو تَخْوِيْفُ الله لعِبَادِهِ، وهَذَا الخَوْفُ لَيْسَ مَقْصُودًا لذَاتِهِ، بَلْ كُلُّ خَوْفٍ لَيْسَ مَقْصُوْدًا لذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، خِلافًا للمَحَبَّةِ فَهِيَ مَقْصُوْدَةٌ لذَاتِها، لأنَّ الخَوْفَ يَنْتَهِي بدُخُوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، خِلافًا للمَحَبَّةِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ مَعَ المَؤمِنِيْنَ في الجَنَّةِ، بَلْ هِيَ في ازْدِيَادٍ.

لَذَا كَانَ الخَوْفُ عِنْدَ العِبَادِ مِنَ الله تَعَالى قَائِدًا وسَائِقًا لهُم إلى حِكَمٍ وغَايَاتٍ شَرَعَهَا الله تَعَالى: مِنَ التَّوْبَةِ، والإنَابَةِ، والطَّاعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وهَذَا الشَّيءُ الَّذِي نَصَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عِنْدَ رُؤيَةِ وظُهُوْرِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، حَيْثُ أمَرَنَا الله تَعَالى إذَا رَأيْنَاهُما: أنْ نَفْزَعَ إلى الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والعِتْقِ والاسْتِغْفَارِ والتَّوْبَةِ وغَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ المَشْرُوْعَةِ.

كَما قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لا يَنْكَسِفَانِ لمَوْتِ أحَدٍ ولا لحَيَاتِهِ، ولكِنَّهُما آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ»، وفي رِوَايَةٍ: «فَإذا رَأيْتُمُوْهُما؛ فَادْعُوا الله وصَلُّوا؛ حَتَّى تَنْكَشِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وفي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِ: «حَتَّى تَنْجَلي»، وفي رِوَايَةٍ لهُما: «إنَّ الله يُخَوِّفُ بِهِما عِبَادَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* * *

- أمَّا مَا نَجْهَلُهُ: مِنَ الحِكَمِ والعِلَلِ في حُدُوْثِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ فَشَيءٌ أضْعَافَ أضْعَافَ مَا نَعْلَمُهُ، فُهَنَاكَ أمُوْرٌ وحِكَمٌ وعِلَلٌ لا يَعْلَمُهَا إلَّا الله تَعَالى.

كَما قَالَ تَعَالى: ﴿ومَا أوْتِيْتُم مِنَ العِلْمِ إلَّا قَلِيْلًا﴾ [الإسراء:85]، وقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ولا يُحِيْطُوْنِ بشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:255]، وقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ﴾ [يوسف:76]، وغَيْرُهَا مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الكَثِيرَةِ.

* * *

ونَقَل المُنَاوِيُّ (2/ 692) عَنِ الطَّبرِيِّ قَوْلَهُ: "وللكُسُوْفِ فَوَائِدُ:

مِنْهَا: ظُهُوْرُ التَّصَرُّفِ في هَذَيْنِ الخَلْقَيْنِ العَظِيْمَيْنِ، وإزْعَاجُ القُلُوْبِ الغَافِلَةِ، وإيْقَاظُها، وليَرَ النَّاسُ أنْمُوْذَجَ القِيَامَةِ، وكَوْنُهُما يَفْعَلُ بِهِما ذَلِكَ، ثُمَّ يُعَادَانِ فَيَكُوْنُ تَنْبِيْهًا على خَوْفِ المَكْرِ، ورَجَاءِ العَفْوِ، والإعْلامِ بَأنَّه قَدْ يُؤْخَذُ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ؛ فَكَيْفَ بمَنْ لَهُ ذَنْبٌ؟

وقَالَ الزَّمخشَريُّ فَقَالُوا: حِكْمَةُ الكُسُوْفِ أنَّه تَعَالى مَا خَلَقَ خَلْقًا إلَّا قَيَّضَ لَهُ تَغْيِيْرَهُ، أو تْبْدِيْلَهُ ليَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ على أنَّ لَهُ مُسَيِّرًا، ومُبَدِّلًا؛ ولأنَّ النَّيِّرَيْنِ يُعْبَدَانِ مِنْ دُوْنِ الله تَعَالى فَقَضَى عَلَيْهِما بسَلْبِ النَّوْرِ عَنْهُما لأنَّهما لَوْ كَانَا مَعْبُوْدَيْنِ لدَفَعَا عَنْ نَفْسَيْهِما مَا يُغَيِّرُهُما ويَدْخُلُ عَلَيْهِما. انْتَهَى.

* * *

وكَذَا لَيْسَ في حَدِيْثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لا يَنْكَسِفَانِ لمَوْتِ أحَدٍ ولا لحَيَاتِهِ، ولكِنَّهُما آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ»، مَا يَدُلُّ على نَفْي الأسْبَابِ عَنْهُما بالكُلِّيَّةِ، أو أنَّهُما لَيْسَ لهُما حِكَمٌ وعِلَلُ وفَوَائِدُ أخْرَى.

فَغَايَةُ الحَدِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أرَادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُما آيَتَانِ لا مُؤثِّرَانِ خَلْقًا ولا سَبَبًا عِنْدَ مَوْتِ أو حَيَاةِ عَظِيْمٍ، كَما كَانَ يَقُوْلُهُ كَثِيْرٌ مِنْ جُهَّالِ العَرَبِ عِنْدَ الانْكِسَافِ!

فَنَفْيُ هَذَا السَّبَبِ وهَذِهِ العِلَّةِ والحِكْمَةِ، لا يَعْنِي أنَّهما لَيْسَ لهُما سَبَبٌ أو حِكْمَةٌ أو عِلَّةٌ مُطْلَقًا، فنَفَيُ بَعْضِ الأسْبَابِ والحِكَمِ والعِلَلِ لَيْسَ نَفْيًا لجَمِيْعِها، وسَيَأتي لهَذَا بَعْضُ التَّفْصِيْلِ إنْ شَاءَ الله.

* * *

وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الله تَعَالى قَدْ جَعَلَ في الشَّمْسِ والقَمَرِ مَنَافِعَ لعِبَادِهِ، وسَخَّرَهَا لهُم، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم:٣٣]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِه﴾ [الأعراف:٥٤]، ومِنْ مَنَافِعِهَا الظَّاهِرَةِ مَا يَجْعَلُهُ سُبْحَانَهُ بالشَّمْسِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، واللَّيْلِ والنَّهَارِ، ونَضَاجِ الثِّمارِ، وخَلْقِ الحَيْوانِ والنَّبَاتِ والمَعَادِنِ؛ وكَذَلِكَ مَا يَجْعَلُهُ بِها لهُم مِنَ التَّرْطِيْبِ والتَّيْبِيْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمُوْرِ المَشْهُوْدَةِ.

كَمَا جَعَلَ في النَّارِ الإشْرَاقَ والإحْرَاقَ، وفي المَاءِ التَّطْهِيْرَ والسَّقْيَ، وأمْثَالَ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا في كِتَابِهِ، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾[الفرقان: ٤٨-٤٩]، وقَدْ أخْبَرَ الله في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّه يَجْعَلُ حَيَاةَ بَعْضِ مَخْلُوْقَاتِهِ ببَعْضٍ، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:٥٧]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، والله أعْلَمُ.

* * *

ومِنَ المَيْلِ بحَقِيْقَةِ الحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ عِنْدَ بَعْضِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ الأيَّامِ؛ أنَّ طَائِفَةً مِنْهُم (للأسَفِ) جَعَلَتْ مِنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الإلهِيَّةِ مَنَازِهَ للنَّظَرِ والمُرَاقَبَةِ عَنْ طَرِيْقِ أجْهِزَةِ المَنَاظِيْرِ الآلِيَّةِ، بحَيْثُ يَخْرُجُوْنَ خَارِجَ المُدُنِ كَي يُتَابِعُوا هَذِهِ الظَّاهِرَةِ بشَيءٍ مِنَ التَّسْلِيَةِ والسُرُوْرِ؛ مُسَارَقَةً مِنْهُم لمَاسِخَاتِ أهْلِ الغَرْبِ الكَافِرِ في تَعَامُلِهِم مَعَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الله تَعَالى سَبَبًا في اسْتِجْلابِ خَوْفِ عِبَادِهِ، فَيَا أسَفِي!

***

الفَصْلُ الثَّالِثُ

أقْسَامُ النَّاسِ في الظَّوَاهِرِ الفَلَكِيَّةِ

أمَّا ظَاهِرَةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْف وغَيْرِهَا مِنَ المَسَائِلِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيْعِيَّةِ فَقَدِ انْقَسَمَ النَّاسُ عِنْدَهَا واخْتَلَفُوا اخْتِلافًا كَبِيرًا، وعِنْدَ النَّظَرِ والتَّدْقِيْقِ نَجِدُ النَّاسَ لا يَخْرُجُوْنَ في جُمْلَتِهِم عَنْ خَمْسِ طَوَائِفَ، ونَحْنُ نَذْكُرُهَا باخْتِصَارٍ:

- الطَّائِفَةُ الأوْلى: أهْلُ الفَلَكِ والهَيْئَةِ، ممَّنْ اشْتَغَلُوا واعْتَنُوا بالظَّوَاهِرِ الفَلَكِيَّةِ؛ حَيْثُ وَقَفُوا مَعَ مَا شَاهَدُوْهُ مِنَ الحِسَابَاتِ والتَّجَارُبِ، واقْتَصَرُوا على مَا عَلِمُوْهُ مِنْ أُمُوْرِ هَذِهِ الأسْبَابِ والمُسَبِّبَاتِ، وإحَالَةِ الأمُوْرِ عَلَيْهَا.

بمَعْنَى: أنَّها فَاعِلَةٌ بنَفْسِهَا، مُؤثِّرَةٌ في غَيْرِهَا، قَادِرَةٌ في تَغْيِيْرِهَا... ولَيْسَ للخَالِقِ سُبْحَانَهُ وتَعَالى مَعَهَا تَأثِيْرٌ في الخَلْقِ أو القُدْرَةِ!

ومِنْهُ اعْتَقَدُوا فِيْهَا، وعَوَّلُوا عَلَيْها، حَتَّى كَفَرُوا بِما جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجَحَدُوا المَبْدَأ والمَعَادَ، والتَّوْحِيْدَ والنُّبُوَّاتِ وغَيْرَهَا ممَّا دَفَعَتْهُم إلَيْهِ عُلُوْمُهُم بظَاهِرٍ مِنَ المَخْلُوْقَاتِ وأحْوَالِها.

كَما قَالَ الله تَعَالى فِيْهِم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:7].

وقَالَ تَعَالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم:30]، وهَذِهِ الطَّائِفَةُ لاشَّكَّ أنَّ لها وُجُوْدًا كَبِيْرًا في أكْثَرِ بِلادِ الغَرْبِ، لاسِيَّما المُعْتَنِيْنَ بعِلْمِ الفَلَكِ والنُّجْوِم، وهَذَا ظَاهِرٌ في كِتَابَاتِهِم وأبحْاَثِهِم، وتَجارُبِهِم.

وهَذهِ ثَانِيَةً؛ أنَّ أكْثَرَ عُلُوْمِ (الفَلَكِ) اليَوْمَ دَاعِيَةٌ في مَطَالِبِهَا إلى إنْكَارِ وُجُوْدِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ وتَعَالى، والكُفْرِ بِما جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والتَّكْذِيْبِ بالمَعَادِ والنُّبُوَّاتِ!

فإنْ أبَيْتَ هَذَا؛ فَأنْظُرْهُم فِيْما يَقُوْلُوْنَ ويَكْتُبُوْنَ، كَي تَرَى حَقِيْقَةَ مَا عِنْدَهُم مِنْ إفْرَازَاتٍ كُفْرِيَّةٍ، ومِنْ عَرِيْضِ نَظَرِيَّاتِهِم: أنَّ الشَّمْسَ هِيَ مَرْكَزُ المَجْمُوْعَةِ الشَّمْسِيَّةِ، أيْ أنَّ الأرْضَ ومَا سِوَاهَا مِنَ الكَوَاكِبِ تَابِعٌ لهَا، وسَائِرٌ خَلْفَهَا، وأنْكَرُوا الأرْضَ الَّتِي خَلَقَ الله العِبَادَ على ظَهْرِهَا ليَعْبُدُوْهُ، وأرْسَلَ فِيْهَا خَيْرَ رُسُلِهِ، وأجْرَى فِيْهَا البِحَارَ والأنْهَارَ، وبَثَّ فِيْهَا مِنْ كُلِّ دابةٍ، وأنْبَتَ فِيْهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ... والَّتِي ارْتَضَاهَا سَكَنًا لآدَمَ بَعْدَ الجَّنَّةِ، والَّتِي أشْرَقَهَا بضَوْءِ الشَّمْسِ، وأنَارَهَا بضَوْءِ القَمَرِ، ومِنْهَا المَبْدَأ وإلَيْهَا المَعَادُ!

ثم عَادُوا فَقَالُوا: إنَّ المَجْمُوْعَةَ الشَّمْسِيَّةَ المُكَوَّنَةَ: مِنَ عُطَارِدَ، والزُّهْرَةِ، والأرْضِ، والمِرِّيْخِ، والمُشْتَرِي، وزُحَلَ، و(أوْرَانُوْسْ)، و(نِبْتُوْنْ)، و(بُلُوْتُو)، هِيَ في مَجْمُوْعِها عِبَارَةٌ عَنْ مَجَرَّةٍ، وهَذِهِ المَجَرَّةُ عِنْدَهُم مِنَ المَجَرَّاتِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا، والمَجَرَّةُ أيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوْعَاتٍ مِنَ الكَوَاكِبِ والنُّجُوْمِ العَظِيْمَةِ الكَثِيْرةِ ممَّا يَعْجَزُ عُلَماءُ الفَلَكِ مِنْ عَدِّهَا أو ضَبْطِهَا.

وهَذِهِ والمَجَرَّةُ أيْضًا تَسْبَحُ في مَدَارٍ لهَا دَاخِلَ مَا يُسَمَّى بالتَّبَّانَةِ، والتَّبَّانَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوْعَاتٍ هَائِلَةٍ كَبِيْرةٍ مِنَ المَجَرَّاتِ العَظِيْمَةِ في عَدَدِهَا وحَجْمِهَا، ممَّا يَحَارُ عِنْدَهَا عُلَماءُ الهَيْئَةِ والفَلَكِ؛ لأنَّها تُقَدَّرُ عِنْدَهُم بمَلايِيْنَ المَلايِيْنِ مِنَ المَجَرَّاتِ.

وهَذِهِ التَّبَّانَةُ أيْضًا هِيَ ومَجْمُوْعَاتٌ أخْرَى كَثِيْرَةٌ عَظِيْمَةٌ مِنَ التَّبَّانَاتِ تُقَدَّرُ بمَلايِيْنَ المَلايِيْنِ المَلايِيْنِ ممَّا لا نِهَايَةَ لهَا... وكُلُّهَا عِنْدَهُم تَسْبَحُ في الفَضَاءِ الخَارِجِيِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ عِنْدَ أكْثَرِ عُلَماءِ الفَلَكِ اليَوْمَ؟!

وهَلْ هَذَا إلَّا إنْكَارٌ لوُجُوْدِ السَّمَوَاتِ العُلَى؟ وإنْكَارٌ لوُجُوْدِ خَالقٍ فَوْقَ السَّماءِ؟ وهَكَذَا في ضَلالاتٍ كُفْرِيَّةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرَهَا... ومَا هَذا إلَّا نَزْرٌ يَسِيْرٌ ممَّا يَتَفَوَّهُ بِهِ هَؤلاءِ الفَلَكِيُّوْنِ!

* * *

- الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: المُقَلِّدَةُ مِنْ جُهَّاُل النَّاسِ ممَّنِ انْبَهَرُوا بِما رَأوْهُ عِنْدَ أهْلِ الطَّائِفَةِ الأوْلى مِنْ إصَابَةٍ في بَعْضِ مَا قَالُوْهُ، أو أكْثَرِهِ.

فَظَنُّوا أنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ هَؤلاءِ هُوَ صَوَابٌ لما ظَهَرَ لهُم مِنْ صَوَابِهِم في بَعْضِ الحِسَابَاتِ، والرِّيَاضِيَّاتِ، والطَّبِيْعِيَّاتِ؛ فعِنْدَهَا وَثِقُوا بعُقُوْلهِم، وفَرِحُوا بِما عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ، وظَنُّوا أنَّ سَائِرَ مَا يَقُوْلُوْنَهُ يَجْرِي صَوَابُهُ أيْضًا في العِلْمِ بِالله، وأسْمائِهِ وصِفَاتِهِ... فَقَاسُوْهُ (عِيَاذًا بالله) بِما شَهِدَ بِهِ الحِسُّ مِنَ الطَّبِيْعِيَّاتِ، والرِّيَاضِيَّاتِ؛ فَعِنْدَهَا تَفَاقَمَ الشَّرُّ، وعَظُمَتِ المُصِيْبَةُ، وكُفِرَ بِالله وبرُسُلِهِ!

* * *

وصَارَ أهْلُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ تُفَكِّرُ بعُقُوْلِ أهْلِ الطَّائِفَةِ الأوْلى، وتَسِيْرُ في طُرُقِهِم المُظْلِمَةِ، حَيْثُ قَلَّدُوْهُم في أفْكَارِهِم؛ حَتَّى أصْبَحُوا بَيْنَ أيْدِيْهِم كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ غَاسِلِهِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَما شَاءَ.

بَلْ إنَّ أحَدَهُم إذَا خَطَرَ ببَالِهِ إشْكَالٌ فِيْما يَقُوْلُهُ هَؤلاءِ، أو دَهَمَه مَا لا حِيْلَةَ لَهُ في دَفْعِهِ مِنْ تَنَاقُضِهِم، وفَسَادِ أصُوْلهِم: تَجِدُهُ يُحسِّنُ الظَّنَّ بِهم، ويَقُوْلُ: لا شَكَّ أنَّ هَؤلاءِ عُلَماءُ فَلَكِ، ورُوَّادُ فَضَاءٍ... ولهُم مِنَ الخِبْرَاتِ والتَّجَارُبِ والعِلْمِ مَا يَعْسُرُ على مِثْلي إدْرَاكُهُ، وهَكَذَا حَتَّى يُصْبِحَ بُوْقًا لهُم، وغَرَضًا دُوْنَهُم، بحَيْثُ لا يَقْبَلُ فِيْهِم نَقْدًا ولا تَبْدِيْلًا، ولو كَانَ النَّاقِدُ لهُم بَصِيْرًا، بَلْ تَرَاهُ يَطْعَنُ بِكُلِّ مَا أوْتيَ مِنْ غَبَاءٍ في كُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ في نَقْدِهِم ظَنًّا مِنْهُ أنَّهم عَبَاقِرَةُ العَصْرِ ونَوَادِرُ البَشَرِ ممَّنْ لم يَلْحَقْهُم في عَلْمِهِم أحَدٌ مِنَ الأوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ!

ومَا عَلِمَ هَؤلاءِ أنَّهُم جَعَاسِيْسُ إبْلِيْسَ وأشْطَانُ شَيْطَانٍ، حَيْثُ تَوَهَّمُوا فِيْهِم الحَقَّ وهُمْ مِنَ المُبْطِلِيْنَ، وأنَّهُم عُلَماءٌ وهُم مِنَ الجَاهِلِيْنَ؛ فرُكِّبَ مِنْ ضَلالِ هَؤلاءِ، وجَهْلِ أتْبَاعِهِم مَا اشْتَدَّتْ بِهِ البَلِيَّةُ، وعَظُمَتْ لأجْلِهِ الرَّزِيَّةُ، والله الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ!

* * *

ولم يَعْلَمْ هَؤلاءِ المُقَلِّدُوْنَ أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم قَدْ يَكُوْنُ في عِلْمِ الفَلَكِ والهَيْئَةِ إمَامًا، وهُوَ أجْهَلُ خَلْقِ الله بالطِّبِّ والهَنْدَسَةِ وعِلْمِ الأرْضِ وغَيْرِهَا مِنَ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ، وقَدْ يَكُوْنُ رَأسًا في الطِّبِّ، وهُوَ أجْهَلُ الخَلْقِ بعِلْمِ الفَلَكِ والحِسَابِ و(الكِيْمِيَاءِ)، و(الفِيْزِيَاءِ) وغَيْرِهَا، وهَكَذَا في سِلْسِلَةٍ مِنَ المُنَاكَدَاتِ الجَهْلاءِ، والمُعَارَضَاتِ الحَمْقَاءِ!

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ هَذِهِ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ الطَّبِيْعِيَّةِ مُتَقَارِبَةٌ في كَثِيْرٍ مِنْ أجْنَاسِهَا ودِرَاسَاتِهَا واكْتِشَافَاتِهَا، إلَّا أنَّ البُعْدَ بَيْنَهَا وبَيْنَ عُلُوْمِ الرُّسُلِ أعْظَمُ مِنْ البُعْدِ بَيْنَ بَعْضِهَا البَعْضِ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ إمَامًا في هَذِهِ العُلُوْمِ ولم يَعْلَمْ بَأيِّ شَيءٍ جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ولم يَتَفَقَّهْ في عُلُوْمِ الإسْلامِ فَهُوَ كالعَامِي بالنِّسْبَةِ إلى عُلُوْمِهِم، بَلْ أبْعَدُ مِنْهُ، كَما أنَّها عَلَيْهِ في الدُّنْيَا ضَلالٌ، وفي الآخِرَةِ وَبَالٌ، ومَا أكْثَرَ مَنْ هَذِهِ حَالهُم في زَمَانِنَا، فَإلى الله المُشْتَكَى!

وهَذَا لا يُصَدِّقُ بِهِ إلَّا مَنْ عَرَفَ مَا عِنْدَ هَؤلاءِ، وعَرَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ووَازَنَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ فَحِيْنَئِذٍ يَظْهَرُ لَهُ التَّفَاوَتُ الكَبِيْرُ والْبَوْنُ الشَّاسِعُ بَيْنَهُم.

وأمَّا فُرُوْخُ الغَرْبِ ومُقَلِّدُو الفَلَكِيِّيْنَ مِنَ الجُهَّالِ والمُتَعَالِميْنَ والعِلْمانِيِّيْنَ ممَّنْ لم يَعْرِفُوا حَقِيْقَةَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَيْسَ هَذَا عُشُّهُم؟!

* * *

- الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: رَأتْ مُقَابَلَةَ هَؤلاءِ بَرَدِّ كُلِّ مَا قَالُوْهُ مِنْ حَقٍّ وبَاطِلٍ، وظَنُّوا أنَّ ضَرُوْرةَ تَصْدِيْقِ الأنْبِيَاءِ والرُّسُلِ: هُوَ رَدُّ ما عَلِمَهُ هَؤلاء بالعَقْلِ الضَّرُوْرِي، وما عَلِمُوا مُقَدِّمَاتِهِ بالحَسِّ والتَّجْرُبَةِ فَنَازَعُوْهُم فِيْهِ، وتَعَرَّضُوا لإبْطَالِهِ بمُقَدِّمَاتٍ جَدَلِيَّةٍ لا تُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، بَلْ جَاءوا بمُقَدِّمَاتٍ وأقُوَالٍ تَدُلُّ في حَقِيْقَتِهَا (للأسَفِ) على جَهْلِهِم بِما عِنْدَ أهْلِ الطَّائِفَةِ الأوْلى.

بَلْ قَدْ دَلَّ الكِتَابُ والسُّنَّةُ وإجْمَاعُ عُلُماءِ الأمَّةِ على بَعْضِ مَا عَلَيْهِ أهْلُ المَعْرِفَةِ مِنْ أهْلِ الحِسَابِ ممَّا ردَّهُ هَؤلاءِ بجَهْلِهِم، لاسِيَّما مِنْ أنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيْرَةٌ (كُرَوِيَّةٌ) لا مُسَطَّحَةٌ، ودَوَرَانِ الأرْضِ والشَّمْسِ، بَلْ جَمِيْعُ الكُوَاكِبَ، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].

* * *

وأشَدُّ ذَلِكَ وأعْظَمُهُ: أنَّهم أضَافُوا مَا عِنْدَهُم مِنْ مُقَدِّمَاتٍ وأقُوَالٍ إلى الرُّسُلِ ومَا جَاءَتْ بِهِ، وزَعَمُوا أنَّ الرُّسُلَ جَاءوا بِما يَقُوْلُوْنَهُ مِنْ فَسَادِ وإنْكَارِ مَذْهَبِهِم ممَّا عُلِمَ عِنْدَهُم بالحِسَابِ والحِسِّ والتَّجْرُبَةِ!

فعِنْدَهَا تَسَلَّطَ أهْلُ الطَّائِفَةِ الأوْلى لاسِيَّما المَلاحِدَةُ مِنْهُم على القَوْلِ بالظَّنِّ، والطَّعْنِ في مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وعَلَيْهِ ظَنُّوا بأنْفُسِهِم أنَّهُم أعْلَمُ وأعْرَفُ مِنَ الرُّسُلِ!

وضَرَرُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ بالدِّيْنِ كَضَرَرِ أوْلَئِكَ المَلاحِدَةِ، فَهُما ضَرَرَانِ على الدِّيْنِ: ضَرَرُ مَنْ يَطْعَنُ فِيْهِ، وضَرَرُ مَنْ يَنْصُرُهُ بغَيْرِ طَرِيْقٍ صَحِيْحٍ، والله المُسْتَعَانُ على مَا يَصِفُوْنَ(1).

ومِنْ خِلالِ هَذَا النَّفَقِ الَّذِي حَفَرَهُ أهْلُ الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ بجَهْلِهِم ومُعَارَضَتِهِم للمَعْلُوْمِ حِسًّا وتَجْرُبَةً، تَسَلَّلَتْ عِنْدَهَا العِلْمانِيَّةُ في جُنُحِ الظَّلامِ إلى خَفَافِيْشِ فُرُوْخ الغَرْبِ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ (للأسَفِ)، فَعِنْدَهَا خَرَجَ أخَافِشُ الشَّرْقِ مِنْ بَيْنِ فَرْثِ جَهْلِ هَؤلاءِ ودَمِ مَلاحِدَةِ أوْلَئِكَ في أثْوَابِ العِلْمانِيِّيْنَ والمُشَكِّكِيْنَ بدِيْنِهِم!

* * *

فعِنْدَهَا قَامَتْ بَنَاتُ طَبَقٍ تَكْشِفُ عَنْ سَاقِهَا لتُذْكِيْهَا نَارًا ضَارِمَةً بَيْنَ العُلُوْم الدِّنْيَوِيَّةِ التَّجْرِيْبِيَّةِ وبَيْنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَعِنْدَهَا تَنَاحَرَ الجَهَلَةُ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَهَا طَرَائِقَ قِدَدًا، وصُوَرًا شَتَّى، مَا بَيْنَ مُؤيِّدٍ غَالٍ، ومُخَالِفٍ جَافٍ!

* * *

ومِنْ هُنَا شَالَتِ العَلْمانِيَّةُ بَأذْنَابِهَا، وانْجَابَتْ بأعْنَاقِهَا، وتَنَفَّسَتْ خَبَائِثَ أفْكَارِهَا، فَما كَانَ مِنْهَا إلَّا أنْ أعْلَنَتْهَا مُدَوِّيَةً بَعْدَ تَوَاقُحٍ سَافِرٍ: أنَّ الغَرْبَ قِبْلَةُ العَالمِيْنَ، وشَمْسُ ضُحَى العَارِفِيْنَ، ومَنَارَةُ الحَضَارَاتِ؛ فَعِنْدَهَا عَظَّمُوا وقَدَّسُوا مَا عِنْدَ الغَرْب مِنْ عُلُوْمٍ، وتَجَارُبَ ومَا تَوَصَّلُوا إلَيْهِ مِنْ تَقَدُّمٍ وصِنَاعَاتٍ... كَما أنَّهُم لم يَقِفُوا عِنْدَ هَذَا الحَدِّ المَشِيْنِ، بَلْ تَجَاوَزُوْهُ إلى الطَّعْنِ والنَّيْلِ والتَّشْكِيْكِ بِما جَاءَ بِهِ الإسْلامُ، وأخَذَوا يَبْسِطُوْنَ ألْسِنَتَهُم وأقْلامَهُم في الاسْتِهْزَاءِ بعُلَماءِ المُسْلِمِيْنَ، وبِما عِنْدَهُم مِنْ عِلْمٍ وفِقْهٍ شِرْعيٍّ، حَيْثُ تَفَوَّهُوا بِما تَنْهَدُّ لَهُ السَّمَوَاتُ والأرْضُ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلهِم: إنَّ دِيْنَ الإسْلامِ هُوَ عِنْوَانُ التَّخَلَّفِ والرَّجْعِيَّةِ، ومَا وَصَلَ إلَيْهِ المُسْلِمُوْنَ مِنْ تَخَلَّفٍ وتَأخُّرٍ في التَّقْدُّمِ الدِّنْيَوِيِّ الطِّبِيْعِيِّ (التَّكْنَالُوجِيِّ) إلَّا بسَبَبِ تمَسُّكِهِم بدِيْنِهِم.

وهَكَذَا مَا زَالُوا في مُدَافَعَةِ الحَقِّ (عِيَاذًا بِالله) حَتَّى خَاضُوا بألْسِنَتِهِم النَّجِسَةِ غَمْزًا ولمزًا حِمَى المُسْلِمِيْنَ في عَقَائِدِهِم وأخْلاقِهِم، فَمَرَّةً يَغْمِزُوْنَ في حِجَابِ المَرْأةِ، وتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ، ومَرَّةً يَلْمِزُوْنَ في اللِّحَى وتَقْصِيْرِ الثِّيَابِ، وأخْرَى يتَطَاوَلُوْنَ على الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ رَدًّا ورَفْضًا واعْتِرَاضًا وتَأوِيْلًا، باسْمِ: العَصْرِيَّةِ والعَقْلانِيَّةِ، وحُرِّيَّةِ الفِكْرِ!

ولهُم أيْضًا مُطَالَبَاتٌ كَأدَاءُ، ونَفَاثَاتٌ مَسْمُوْمَةٌ تَحْتَ دَعَاوِي عَرِيْضَةٍ: كالمُطَالَبَةِ بحُقُوْقِ المَرْأةِ، وتَنْحِيَةِ القَضَاءِ الشَّرْعِيِّ، وإلْغَاءِ هَيْئَاتِ الأمْرِ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وإلْغَاءِ هَيْئَةِ كِبَارِ أهْلِ العِلْمِ، وتَغْيِيْرِ المَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ، وتَغْيِيْرِ لُغَةِ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ، وتَغْيِيْرِ نِظَامِ الحُكْمِ، ودَعْوَى حُرِّيَةِ الفِكْرِ... إلخ.

وهَكَذَا مَا زَالُوا في غَيِّهِم يَعْمَهُوْنَ: فَلا للإسْلامِ نَصَرُوا، ولا للكُفْرِ كَسَرُوا، بَلْ لا للقَمَرِ وَصَلُوا ولا للإسْلامِ عَمِلُوا، واللهُ المُسْتَعَانُ على مَا يَصِفُوْنَ!

* * *

- الطَّائِفَةُ الرَّابِعَةُ: بَقَايَا مِنْ أهْلِ الغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ الإسْلامِيَّة، مِنَ الَّذِيْنَ أخَذَتْهُم العِزَّةُ بلَمَمٍ مِنَ الجَهْلِ، وقِلَّةٍ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ!

فَهَؤلاءِ مَعَ حُسْنِ ظَنِّهِم وصِدْقِ مُنَاصَرَتِهِم للإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ؛ إلَّا أنَّهُم

(للأسَفِ) لم يَأخُذُوا حَظًّا وَافِرًا مِنَ العِلْمِ الشَّرعِيِّ والتَّأصِيْلِ العِلْمِيِّ، اللَّهُمَّ قَامُوا بدَافِعِ النَّصْرِ والمُنَاصَرَةِ، والتَّوْفِيْقِ والتَّلْفِيْقِ، والتَّجْمِيْعِ والتَّلْمِيْعِ بَيْنَ العُلُوْم الدِّنْيَوِيَّةِ التَّجْرِيْبِيَّةِ وبَيْنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَنُّوا والحَالَةُ هَذِهِ أنَّهم بِهَذَا قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ شُمَيْطَاءِ الغَرْبِ وعَذْرَاءِ الشَّرْقِ، فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، وقَدْ قِيْلَ: مَنْ أكَلَ على مَائِدَتَيْنِ اخْتَنَقَ!

* * *

أمَّا إنْ سَألْتَ أخِي المُسْلِمُ عَنْ أصْحَابِ هَذِه الطَّائِفَةِ: فَهُم أصْحَابُ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ)، الَّذِيْنَ ظَهَرُوا مُؤخَّرًا بِدَافِعِ الانْهِزَامِ والانْبِهَارِ بالعُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ الَّتِي أنْتَجَهَا الغَرْبُ اليَوْمَ!

إنَّ أصْحَابَ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ) لا شَكَّ أنَّهم اليومَ في شُغُلٍ قَائِمِيْنَ، وفي تِجْوَابِ الأرْضِ سَائِحِيْنَ مَا بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ للبَحْثِ والتَّنْقِيْبِ عَمَّا يَقْذِفُهُ أهْلُ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ التَّجْرِيْبِيَّةِ في مُخْتَبَراتِهِم واكْتِشَافَاتِهِم ومَعَامِلِهِم وتَجارُبِهم مِنْ حَقَائِقَ عِلْمِيَّةٍ ونَتَائِجَ اسْتِكْشَافِيَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ كَي يُبَرْهِنُوا للعَالمِ أجْمَعَ، وللغَرْبِ على وَجْهِ الخُصُوْصِ: أنَّ مَا جَادَتْ بِهِ أفْكَارُهُم وفَاضَتْ بِهِ مُخْتَبرَاتُهم لَيْسَتْ عَنَّا ببَعِيْدٍ؛ بَلْ هِيَ في كِتَابِ الله وسُنَّةِ رَسُوْلِه صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أمَدٍ بَعِيْدٍ ووَقْتٍ قَدِيْمٍ، أي قَبْلَ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةِ سَنَةٍ، وذَلِكَ ونَحْنُ (المُسْلِمِيْنَ) لا مَعَامِلَ عِنْدَنَا ولا مُخْتَبَراتٍ تُسَاعِدُنَا... ممَّا سَيَكُوْنُ لَنَا هَذَا دَلِيْلٌ قَاطِعٌ على الكَافِرِيْنَ بأنَّنا على دِيْنِ الحَقِّ، وأنَّنا سَبَّاقُوْنَ إلى العِلْمِ التَّجْرِيْبِي الَّذِي أثْبَتَهُ الغَرْبُ، كَما هُوَ ثَابِتٌ في كِتَابِ رَبِّنَا وسُنَّةِ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم؟!

* * *

نَعَمْ هَذِه مَسَالِكُ دَعَوِيَّةٌ، وحُجَجٌ قَوِيَّةٌ، يَتَعَزَّى بِها المُسْلِمُ يَوْمَ ضَعُفَ في الحَقِّ جَانِبُهُ، وكَثُرَ في النَّاسِ مُخَالِفُهُ، نَعْمْ يَوْمَ عَلا الغَرْبُ في عُلُوْمِهِ الدِّنْيَوِيَّةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَنَا إلَّا أنَّ نَتَمَسَّحَ بمِثْلِ هَذِه الطَّرَائِقِ الهَشَّةِ في دَعَوَاتِنَا... ومَا ذَاكَ مِنَّا (للأسَفِ) إلَّا يَوْمَ ظَنَنَّا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الطَّرَائِقِ قَوَاطِعَ دَعَوِيَّةً وبَرَاهِيْنَ نَبَوِيَّةً، ثُمَّ طِرْنَا بِها في الشَّرْقِ والغَرْبِ ضَارِبِيْنَ مَنْهَجَ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ عُرْضَ الحَائِطِ، إلَّا مَا رَحِمَ الله.

* * *

كَمَا أنَّنا مَعَ تَنْبِيْتِ هَذِه التَّمْتَماتِ الدَّعَوِيَّةِ باسْمِ: (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ) الَّذِي أشْغَلَنَا بِهِ أنْفُسَنَا والمُسْلِمِيْنَ إلَّا كَانَ (للأسَفِ) بدَافِعِ ضَعْفِنَا وتَأخُّرِنَا في مِضْمَارِ التَّجْرُبَةِ والاكْتِشَافِ، فَإنْ كَانَ مِنْ شَيءٍ لَنَا في الإعْجَازِ العِلْمِي اليَوْمَ: فَهُوَ أنَّنا رُوَّادُ صَبْرٍ ورُبْصَةُ انْتِظَارٍ في مُرَاقَبَةِ ومُتَابَعَةِ مَا تَقْذِفُهُ مَعَامِلُ ومُخْتَبرَاتُ الغَرْبِ مِنْ نَتَاجٍ عِلْمِيٍّ؛ حَتَّى إذَا خَرَجَتْ مِنْ رَحِمِ هَذِهِ المُخْتَبرَاتِ فإنَّنَا لا نَدَعُهَا في أيْدِيْهِم طَرْفَ عَيْنٍ حَتَّى نَفْتِلَ لهَا الحَبَائِلَ كَي نَرْبِطَهَا بِما عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ وسُنَّةٍ، ولَوْ على تَكَلُّفٍ سَاذَجٍ، وحَيْدَةٍ مَكْشُوْفَةٍ!

وكَذَا لَيْسَ لَنَا والحَالَةُ هَذِهِ مِنْ مَلْجَأ ولا مَخْرَجٍ مَعَ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ) الَّذِي ارْتضَيْنَاهُ كدَعْوَةٍ عَصْرِيَّةٍ إلَّا أنْ نُقِرَّ للعَالمِ أجْمَعَ لاسِيَّما الغَرْبِ الكَافِرِ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم والصَّحَابَةَ والتَّابِعِيْنَ لهُم بإحْسَانٍ، لم يَكُوْنُوا على عِلْمٍ وفَهْمٍ كَافٍ بالكِتَابِ والسَّنَّةِ؛ لأنَّ هَذِهِ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ التَّجْرِيْبِيَّةَ الَّتِي بَهَرَتِ القُلُوْبَ، وسَحَرَتِ العُيُوْنَ، كَانَتْ عَنْهُم مَحْجُوْبَةً مَسْتُوْرَةً مَكْنًوْنَةً بَيْنَ آيَاتِ القُرْآنِ والأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيْفَةِ، ولِعَدَمِ امْتِلاكِهِم لهَذِهِ المُخْتَبرَاتِ والمَعَامِلِ الحَدِيْثَةِ؛ حَتَّى جَاءَ عُبَّادُ الصَّلِيْبِ وإخْوُانُ القِرَدَةِ والخَنَازِيْرِ، وعُبَّادُ البَقَرِ والنِّيْرانِ والأصْنَامِ والأحْجَارِ: فَكَشَفُوْهَا وبَيِّنُوْهَا بَعْدَمَا كَانَتْ خَلْفَ حِجَابِ المَعَامِلِ والمَخْتَبرَاتِ؟!

* * *

نَعَمْ هَذَا لازِمٌ ومَلْزُوْمٌ، قَدْ قُلتُمُوْهُ وقَرَّرتُمُوْهُ سَوَاءٌ في كُتُبِكُم عَنِ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ)، أو مُحَاضَرَاتِكِم عَنْهُ.

بَلْ إنَّ كَثِيرًا مِنْ أنْصَارِ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ)، قَدْ أفَصَحُوا بتَجْهِيْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والصَّحَابَةِ، وسَائِرِ الأمَّةِ بهَذِهِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ!

يَقُوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:79].

وقَالَ تَعَالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُم ويُسْئلُوْنَ﴾ [الزخرف:19].

إنَّها حَقَائِقُ مُرَّةٍ، كَانَ مِنَ الصَّعْبِ أن نُنْكِرَهَا، أو نُكَذِّبَها! إلاَّ أنَّني لَسْتُ هُنَا بصَدَدِ بَيَانِ أخْطَاءِ دُعَاةِ (الإعْجَازِ العِلْمِيِّ) مِنَ المُسْلِمِيْنَ، لكِنْ هَذِهِ شَذَرَاتٌ تُنْبِئُكَ بِما وَرَائِها، ذَكَرْتُها هُنَا تَبْصِرَةً للمُسْلِمِيْنَ، وتَذْكِرَةً للغَافِلِيْنَ، فَتَأمَّلْ.

عِلمًا أنَّني ولله الحَمْدُ قَدْ أدَرْتُ قَلَمِي في ذِكْرِ أخْطَاءِ الإعْجَازِ العِلْمِيِّ مِنْ خِلالِ كِتَابٍ مُخْتَصَرٍ، واللهَ أسْألُ أنْ يَخْرُجَ قَرِيْبًا!

* * *

- الطَّائِفَةُ الخَامِسَةُ: أهْلُ العِلْمِ والنَّظَرِ، الَّذِيْنَ جَمَعُوا بَيْنَ العِلْمِ الشَّرعِيِّ، والعِلْمِ المَادِيِّ، فَلَمْ تَتَعَارَضْ عِنْدَهُم العُلُوْمُ الشَّرْعِيَّةُ، والعُلُوْمُ الدِّنْيَوِيَّةُ: كالفَلَكِ، والهَيْئَةِ، والحِسَابِ، والهَنْدَسَةِ، والطَّبِ، و(الكِيْمِيَاءِ)، و(الفِيْزِيَاءِ) وغَيْرِهَا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ويُؤيِّدُ بَعْضُهَا الآخَرَ، فالعِلْمُ الشَّرعِيُّ أمْرُ الله، والعِلْمُ الدِّنْيَوِيُّ خَلْقُ الله، فَلا تَعَارُضَ بِيْنَ خَلْقِ الله وأمْرِهِ.

كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54].

فجَعَلُوا التَّجْرُبَةَ الصَّحِيْحَةَ الثَّابِتَةَ طَرِيْقًا إلى الإيْمانِ بالله، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:20-21].

وقَالَ تَعَالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:17-26].

وقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:190-191].

وقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:164]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّالَّةِ على التَّفَكُّرِ، والدَّاعِيَةِ إلى النَّظَرِ إلى مَلَكُوْتِ الله تَعَالى في خَلْقِهِ.

* * *

إنَّهُم أهْلُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ، الَّذِيْنَ جَعَلُوا دِيْنَ الإسْلامِ دَاعِيًا إلى البَحْثِ عَنِ الحَقِيْقَةِ المَادِيَّةِ، وداعيًا إلى العِلْمِ التَّجْرِيْبِي؛ إذْ لا تَعَارُضَ بَيْنَهُما، فَكَانَ مَنْهَجُهُم نَحْوَ هَذِه العُلُوْمِ الطَّبِيْعِيَّةِ يَرْتَكِزُ على ثَلاثِ حَالاتٍ:

- الحَالَةُ الأوْلى: مَا عَارَضَ مِنْهَا الشَّرِيْعَةَ الإسْلامِيَّةَ، فَهُوَ مَرْدُوْدٌ جُمْلَةً وتَفْصِيْلًا، وهَذَا وُجُوْدُهُ مُحَالٌ ومُمْتَنِعٌ، لأنَّ مَا يَظُنُّه كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ هُنَاكَ ثَمَّةَ تَعَارُضًا قَدْ يَحْصُلُ بَيْنَ التَّجَارُبِ والنَّظَرِيَّاتِ المَادِيَّةِ، وبَيْنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا غَيْرُ صَحِيْحٍ، وذَلِكَ لأمُوْرٍ ثَلاثَةٍ:

الأمْرُ الأوَّلُ: إمَّا أنْ تَكُوْنَ التَّجْرُبَةُ ظَنِّيَّةً لم تَثْبُتْ حَقِيْقَتُهَا؛ وعِنْدَ هَذَا لا تُقَاوِمُ ظَنِّيَّاتُ التَّجَارُبِ قَطْعِيَّاتِ الشَّرْيْعَةِ.

الأمْرُ الثَّاني: وإمَّا أنْ تَكُوْنَ دَلالَةُ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ ظَنِّيَّةً تَحْتَمِلُ صِدْقَ التَّجْرُبَةِ وتَكْذِيْبَهَا، فهَذَا لَيْسَ فِيْهِ تَعَارُضٌ أصْلًا، لأنَّ القَطْعِيَّاتِ لا تَتَعَارَضُ بحَالٍ.

الأمْرُ الثَّالِثُ: وإمَّا أنْ يُحمَّلَ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ مَا لا يَحْتَمِلُ، فَهَذَا خَطَأٌ، لَيْسَ مَحلًا للقَوْلِ بالتَّعَارُضِ.

* * *

- الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مَا وَافَقَ مِنْهَا الشَّرِيْعَةَ الإسْلامِيَّةَ، فَهَذَا حَقُّهُ التَّسْلِيْمُ والتَّصْدِيْقُ؛ لأنَّ في تَكْذِيْبِهَا تَكْذِيْبًا للشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ.

- الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ، بِحَيْثُ لم تَتَكَلَّمْ عَنِ التَّجْرُبَةِ رَأسًا: لا إثْبَاتًا ولا نَفْيًا، فَهُنَا لا يَجُوْزُ لأحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ أنْ يُثْبِتَ أو يَنْفِيَ التَّجْرُبَةَ بدَلالَةِ النَّصِّ الشَّرعِيِّ؛ والحَالَةُ هَذِهِ تَكُوْنُ التَّجَارَبُ الطَّبِيْعِيَّةُ مِثْلَ أخْبَارِ بَنِي إسْرَائِيَلَ لا تُصَدَّقُ ولا تَكُذَّبُ؛ فَما أثْبَتَتْهُ التَّجْرُبَةُ العِلْمِيَّةُ أثْبَتْنَاهُ، ومَا نَفَتْهُ نَفَيْنَاهُ، والله أعْلَمُ.

***

الفَصْلُ الرَّابِعُ

أثَرُ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ

إنَّ مَسْألَةَ تَأثِيْرِ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ بالحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ: مِنْ مَوْتٍ وحَيَاةٍ، وسُعُوْدٍ ونُحُوْسٍ، وخَيْرٍ وشَرٍّ، وكَذَا مِنْ إشْرَاقٍ وغُرُوْبٍ وزَوَالٍ، وصَيْفِ وشِتَاءٍ، وحَرَارَةٍ وبُرُوْدَةٍ ورُطُوْبَةٍ ويُبُوْسَةٍ، وتَخْوِيْفٍ وعَذَابٍ كَالرِّيَاحِ العَاصِفَةِ والزَّلازِلِ والبَرَاكِيْنِ، والجَدْبِ والأمْطَارِ... لهِيَ مِنَ المَسَائِلِ الكِبَارِ الَّتِي حَارَتْ عِنْدَهَا أكْثَرُ عُقُوْلِ بنَي آدَمَ لاسِيَّما المُنْتَسِبِيْنَ إلى الإسْلامِ؛ حَيْثُ أخَذَتْ مَجَالًا وَاسِعًا في الخِلافِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا، وعَلَيْهِ تَمَهَّدَ الخِلافُ في اعْتِقَادِهَا وفي تَصَوُّرِهَا وفي حُكْمِهَا، وذَلِكَ بالنَّظَرِ إلى تَجْرِيْدِ التَّوْحِيْدِ والأخْذِ بالأسْبَابِ، وعِنْدَ الأُلْقِيَّةِ نَجِدُ النَّاسَ حَوْلها طَرَفَيْنِ ووَسَطًا.

* * *

فَإمَّا قَادِحٌ في التَّوْحِيْدِ بالأسْبَابِ، وإمَّا مُنْكِرٌ للأسْبَابِ بالتَّوْحِيْدِ، وذَانِ طَرَفَانِ مَذْمُوْمَانِ شَرْعًا وعَقْلًا، فَهُما طَرَفَا نَقِيْضٍ لا يَجْتَمِعَانِ ولا يَتَّفِقَانِ!

وأمَّا الوَسَطُ فَهُم أهْلُ الحَقِّ الَّذِيْنَ جَرَّدُوا التَّوْحِيْدَ لله تَعَالى وأخَذُوا بالأسْبَابِ، ورَبَطُوا بَيْنَهُما بمُقْتَضَى الشَّرْعِ والعَقْلِ.

لأنَّ التَّعَلُّقَ بالأسْبَابِ وَحْدَهَا شِرْكٌ في التَّوْحِيْدِ، وإنْكَارُهَا طَعْنٌ في الحِكْمَةِ والعَقْلِ، فكَانَ الحَقُّ تَجْرِيْدَ التَّوْحِيْدِ لله تَعَالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، مَعَ الأخْذِ بالأسْبَابِ وإثْبَاتِها، والله المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.

وباخْتِصَارٍ؛ فَقَدْ جَرَى خِلافُ النَّاسِ بَيْنَ تَجْرِيْدِ التَّوْحِيْدِ والأخْذِ بالأسْبَابِ، على ثَلاثَةِ أقْسَامٍ، كَمَا يَلي:

القِسْمُ الأوَّلُ: تَجْرِيْدُ التَّوْحِيْدِ، وإثْبَاتُ الأسْبَابِ، وهَذَا الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ، كَمَا هُوَ حَالُ المُوَحِّدِيْنَ.

القِسْمُ الثَّاني: تَجْرِيْدُ التَّوْحِيْدِ، وإنْكَارُ الأسْبَابِ بالكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ حَالُ الضَّالِيْنَ.

القِسْمُ الثَّالِثُ: تَجْرِيْدُ الأسْبَابِ، والاعْتِمَادُ عَلَيْهَا بالكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ حَالُ المُشْرِكِيْنَ على اخْتِلافِ أصْنَافِهِم ومِلَلِهِم.

* * *

لِذَا كَانَتْ مَسْألَةُ: هَلْ للحَرَكاَتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ سَبَبٌ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ؟ مِدْعَاةً وتَنْبِيْتًا للغُلُوِّ والإفْرَاطِ، ممَّا كَانَ أيضًا سَبَبًا في الانْحِرَافِ عَنْ جَادَةِ أهْلِ السُّنَّةِ في تَحْقِيْقِ النَّظَرِ إلى تَجْرِيْدِ التَّوْحِيْدِ وإثْبَاتِ الأسْبَابِ، فَكَانُوا والحَالَةُ هَذِهِ طَوَائِفَ ثَلاثٍ:

- الطَّائِفَةُ الأوْلى: مَنْ غَلَتْ في الاعْتِمادِ على الأسْبَابِ بالكُلِّيَّةِ؛ حَيْثُ اعْتَقَدَتْ أنَّ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ أسْبَابًا قَاضِيَةً بنَفْسِهَا فَاعِلَةً بذَاتِهَا... في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ السُفْلِيَّةِ: مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ، ومَوْتٍ وحَيَاةٍ، وسَعَادَةٍ وشَقَاوَةٍ، وحَرَارَةٍ وبُرُوْدَةٍ، ورُطُوْبَةٍ ويُبُوْسَةٍ... إلخ.

وهَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ جِنْسِ عُبَّادِ الكَوَاكِبِ، الَّذِيْنَ أشْرَكُوا بِرَبِّ العَالمِيْنَ، وكَفَرُوا بِما جَاءتْ بِهِ الشَّرَائِعُ، وكَذَّبُوا بالرُّسُلِ.

* * *

- الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ فَرَّطَتْ في الأسْبَابِ فأنْكَرَتْها بالكُلِّيَّةِ، ظَنًّا مِنْهُم أنَّ تَجْرِيْدَ التَّوْحِيْدِ لله تَعَالى لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بإنْكَارِ الأسْبَابِ وعَدَمِ إثْبَاتِها أو الأخْذِ بِها؛ حَيْثُ إنَّها أنْكَرَتْ أنْ يَكُوْنَ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ أسْبَابٌ مُؤثِّرَةٌ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ بالكُلِّيَّةِ، وهَذِهِ الطَّائِفَةُ قَدْ ضَلَّتْ في تَحْقِيْقِ التَّوْحِيْدِ لمَّا عَطَّلَتِ الأسْبَابَ بالكُلِّيَّةِ، وخَالَفَتِ الحِكْمَةَ الشَّرعِيَّةَ الَّتِي جَاءَتْ بِها الشَّرَائِعُ، ونَاقَضَتْ بَدَائِهَ العُقُوْلِ، فعِنْدَئِذٍ قَابَلَتِ الطَّائِفَةَ الأوْلى في الانْحِرَافِ في حَقِيْقَةِ التَّوْحِيْدِ.

فَالأوْلى كَانَ انْحِرَافُهَا في الشِّرْكِ في التَّوْحِيْدِ، والثَّانِيَةُ كَانَ انْحِرَافُهَا في تَصَوُّرِ التَّوْحِيْدِ، والله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.

* * *

- الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِيْنَ هَدَاهُمُ الله تَعَالى لمَا اخْتَلَفَتْ فِيْهِ الطَّائِفَتَانِ؛ حَيْثُ قَامَتْ بحَقِّ الشَّرْعِ والعَقْلِ، فجَمَعَتْ بَيْنَ القَدَرِ والحِكْمَةِ، فَلَمْ تُنَاقِضِ الشَّرْعَ بالقَدَرِ، ولم تُكَذِّبْ بالقَدَرِ، وذَلِكَ بتَحْقِيْقِ التَّوْحِيْدِ مَعَ الأخْذِ بالأسْبَابِ، فَعِنْدَهَا أثْبَتَتْ أنَّ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ أسْبَابًا مُؤثِّرَةً في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ المَعْلُوْمَةِ بالتَّجْرُبَةِ والحِسِّ على مَا يَأتي تَفْصِيْلُه إنْ شَاءَ الله.

وهِيَ مَعَ هَذَا تَعْلَمُ وتَعْتَقِدُ أنَّ الله تَعَالى هُوَ الخَالِقُ المَالِكُ المُدَبِّرُ، القَادِرُ النَّافِعُ الضَّارُ، مُسَبِّبُ الأسْبَابِ ومُقَدِّرُهَا لحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وعِلَّةٍ بَاهِرِةٍ، كَما أنَّها تَعْلَمُ أنَّ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةَ العُلْوِيَّةَ لَيْسَتْ أسْبَابًا كُلِّيَّةً مُسْتَقِلَّةً في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الأجْزَاءِ وسَبَبٌ مِنَ الأسْبَابِ الَّتِي لا يَعْلَمُهَا إلَّا فَاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضَ، خَالِقُ كُلَّ شَيءٍ، عَالمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ!

ثُمَّ إنْ فُرِضَ أنَّ الأفْلاكَ بنُجُوْمِهَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ لحَوَادِثِ الأرْضِ، إلَّا أنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وغَيْرُ مُنْضَبِطٍ!

كَمَا أنَّ هَذِهِ الأسْبَابَ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الله إذَا اجْتَمَعَتْ فَإنَّها لَيْسَت بالضَّرُوْرِيِّ تَكُوْنُ مُؤثِّرَةً في حَوَادِثِ الأرْضِ، بَلْ هُنَاكَ مَوَانِعُ تَمْنَعُهَا مِنَ التَّأثِيْرِ والتَّغْيِيْرِ، فَتَأثِيْرُهَا مُتَوَقِّفٌ على اسْتِيْفَاءِ الشُّرُوْطِ وانْتِفَاءِ المَوَانِعِ، والكُلُّ مِنَ الشَّرْطِ والمَانِعِ هُوَ أيْضًا بتَقْدِيْرِ الله تَعَالى، مَتَى شَاءَ قَدَّرَهَا، ومَتَى شَاءَ صَرَفَهَا، فَهُوَ الخَالِقُ القَادِرُ، فَهُوَ وَاقِعٌ بقُدْرَةِ الله ومَشِيْئَتِهِ فَما شَاءَ الله مِنْ ذَلِكَ كَانَ، ومَا لم يَشَأ لم يَكُنْ ولا تتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلا بمَشِيْئَتِهِ وإرَادَتِهِ، والكَوَاكِبُ والنُّجُوْمُ، بَلْ جَمِيْعُ الخَلْقِ هُوَ أضْعَفُ وأعْجَزُ أنْ يَفْعَلُوا مَا لم يَشْأهُ الله تَعَالى، كَما قَالَ تَعَالى: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارِ﴾ [الرعد:16]، وقَالَ تَعَالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وهُوَ على كُلِّ شَيءٍ وَكِيْلٌ﴾ [الزمر:62]، وقَالَ تَعَالى: ﴿ألم تَعْلَمْ أنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٍ﴾ [البقرة:106]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وما تَشَاؤون إلَّا أنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالمِيْنَ﴾ [التكوير:29].

* * *

ثُمَّ هُمْ أيْضًا يُفَرِّقُوْنَ بَيْنَ مَا هُوَ مَعْلُوْمٌ بالتَّجْرُبَةِ والحِسِّ، وبَيْنَ مَا هُوَ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ الِّذِي اسْتَأثَرَ الله بِهِ.

- فَأمَّا القِسْمُ الأوَّلُ مِنْهُما: مَا كَانَ مَعْلُوْمًا بالتَّجْرُبَةِ والحِسِّ: مِنْ صَيْفِ وشِتَاءٍ، وحَرَارَةٍ وبُرُوْدَةٍ ورُطُوْبَةٍ ويُبُوْسَةٍ، وتَخْوِيْفٍ وعَذَابٍ كَالرِّيَاحِ والزَّلازِلِ والجَدْبِ والأمْطَارِ... فَهَذَا لا شَكَّ أنَّ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ سَبَبًا وتَأثِيْرًا فِيْهَا، وهَذَا بأمْرِ الله وخَلْقِهِ وتَقْدِيرِهِ، وهَذَا لا يُنْكِرُهُ إلَّا جَاهِلٌ أو مُكَابِرٌ.

* * *

- وأمَّا القِسْمُ الثَّاني مِنْهُما: مَا كَانَ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ الِّذِي اسْتَأثَرَ الله بِهِ: كَالحَيَاةِ والمَوْتِ، والسَّعَادَةِ والشَّقَاوَةِ، والنَّصْرِ والغَلَبَةِ، والغِنَى والفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ عِلْمُهَا عِنْدِ الله تَعَالى، فَمَنِ ادَّعَاهَا، أو اسْتَدَلَّ بِشَيءٍ مِنَ النُّجُوْمِ أو الشَّيَاطِيْنِ أو غَيْرِهِما على عِلْمِ الغَيْبِ: فَهُوَ كَافِرٌ كَاذِبٌ، يُسْتَتَابُ وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ رِدَّةً وكُفْرًا عِيَاذًا بالله.

كَما قَالَ تَعَالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:65]، وقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:34].

* * *

فإذا ثَبَتَ أنَّ للحَرَكَاتِ العُلْوِيَّةِ أسْبَابًا في الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ (أي: في مَا عُلِمَ مِنْهَا بالتَّجْرُبَةِ والحِسِّ)، فَإنَّ هَذَا القَدْرَ لا يَجُوْزُ للمُسْلِمِ أنْ يَجْزِمَ بِنَفْيِهِ إذِ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَعْضَ المَخْلُوقَاتِ أعْيَانَهَا وصِفَاتِهَا وحَرَكَاتِهَا سَبَبًا لِبَعْضٍ، ولَيْسَ في هَذَا مَا يُحِيلُهُ شَرْعٌ ولا عَقْلٌ.

لَكِنْ المُسْلِمُونَ قِسْمَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذَا لا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ، فَلا يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ فَإنَّهُ قَوْلٌ بِلا عِلْمٍ.

وآخَرُ يَقُولُ: بَلْ هُو ثَابِتٌ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ بَعْضُهُ بِالتَّجْرِبَةِ ولأنَّ الشَّرِيعَةَ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ لَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والتَّخْوِيفُ إنَّمَا يَكُونُ بِوُجُودِ سَبَبِ الخَوْفِ فَعُلِمَ أنَّ كُسُوفَهُمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِأمْرٍ مَخُوفٍ، وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ»، رَدٌّ لِمَا تَوهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ.

فَإنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ يَوْمَ مَوْتِ إبْرَاهِيمَ فَاعْتَقَدَ بَعْضُ النَّاسِ أنَّهَا خَسَفَتْ مِنْ أجْلِ مَوْتِهِ تَعْظِيمًا لِمَوْتِهِ، وأنَّ مَوْتَهُ سَبَبُ خُسُوفِهَا فَأخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ لا يَنْخَسِفُ لِأجْلِ أنَّهُ مَاتَ أحَدٌ ولا لِأجْلِ أنَّهُ حَيِيَ أحَدٌ.

* * *

فَذَكَرَ أنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ تَخْوِيفُ العِبَادِ؛ كَمَا يَكُونُ تَخْوِيفُهُمْ في سَائِرِ الآيَاتِ: كَالرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ والزَّلازِلِ والأمْطَارِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبَابِ الَّتي قَدْ تَكُونُ عَذَابًا كَمَا عَذَّبَ الله أُممًا بِالرِّيحِ والصَّيْحَةِ والطُّوفَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59]، إخْبَارَهُ بأنَّهُ يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِذَلِكَ يُبَيِّنُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابٍ يَنْزِلُ كَالرِّيَاحِ العَاصِفَةِ، وإنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الله قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَا يَنْزِلُ في الأرْضِ.

* * *

فَمَنْ أرَادَ بِقَوْلِهِ: إنَّ لَهَا تَأْثِيرًا مَا قَدْ عُلِمَ بِالحِسِّ وغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ فَهَذَا حَقٌّ؛ ولَكِنَّ الله قَدْ أمَرَ بِالعِبَادَاتِ الَّتي تَدْفَعُ عَنَّا مَا يُرْسَلُ بِهِ مِنِ الشَّرِّ كَمَا أمَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الخُسُوفِ بِالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والدُّعَاءِ والِاسْتِغْفَارِ والعِتْقِ، وكَمَا كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ أقْبَلَ وأدْبَرَ وتَغَيَّرَ وأمَرَ أنْ يُقَالَ عِنْدَ هُبُوبِهَا: «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُك خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ونَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» أخْرَجَهُ أحمَدُ (5 /123)، بإسْنَادٍ صَحِيْحٍ.

 وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرِّيحَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وإنَّهَا تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وتَأْتِي بِالعَذَابِ فَلا تَسُبُّوهَا؛ ولَكِنْ سَلُوا اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا وتَعَوذُوا باللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» أخْرَجَهُ أحمَدُ (7413)، بإسْنَادٍ حَسَنٍ، فَأخْبَرَ أنَّهَا تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وتَأْتِي بِالعَذَابِ، وأمَرَ أنْ نَسْألَ الله مِنْ خَيْرِهَا ونَعُوذَ بالله مِنْ شَرِّهَا.

فَهَذِهِ السُّنَّةُ في أسْبَابِ الخَيْرِ والشَّرِّ: أنْ يَفْعَلَ العَبْدُ عِنْدَ أسْبَابِ الخَيْرِ الظَّاهِرَةِ والأعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يَجْلِبُ الله بِهِ الخَيْرَ، وعِنْدَ أسْبَابِ الشَّرِّ الظَّاهِرَةِ مِنَ العِبَادَاتِ مَا يَدْفَعُ الله بِهِ عَنْهُ الشَّرِّ.

فَأمَّا مَا يَخْفَى مِنَ الأسْبَابِ فَلَيْسَ العَبْدُ مَأْمُورًا بِأنْ يَتَكَلَّفَ مَعْرِفَتَهُ؛ بَلْ إذَا فَعَلَ مَا أمَرَ بِهِ وتَرَكَ مَا حَظَرَ: كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ الشَّرِّ ويَسَّرَ لَهُ أسْبَابَ الخَيْرِ، كَمَا قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2-3]، فَتَأمَّلْ هَذَا الوَجْهَ فَإنَّهُ دَقِيْقٌ(2).

* * *

وكَذَا لَيْسَ في حَدِيْثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَا يَدُلُّ على نَفْي الأسْبَابِ بالكُلِّيَّةِ، أو أنَّها لَيْسَ لهَا تَأثِيْرٌ وارْتِبَاطٌ في غَيْرِهَا، والدَّلِيْلُ على ذَلِكَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيْمَ: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيْتُم ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهَذَا الحَدِيْثُ مِنْ أعْظَمِ الحُجَجِ على بُطْلانِ القَوْلِ بنَفِي الأسْبَابِ، فَإنَّه صلى الله عليه وسلم أخْبرَ أنَّهُما آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَيْسَ إلَّا، عِلْمًا أنَّ آيَاتِ الله لا يُحْصِيْهَا إلَّا الله تَعَالى: فَالمَطَرُ والنَّبَاتُ والحَيَوَانُ وسَائِرُ المَخْلُوْقَاتِ آيَاتُهُ تَعَالى الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْصِدْ صلى الله عليه وسلم أنَّ يُثْبِتَ أو يُدَلِّلَ على أنَّ كُسُوْفَ وخُسُوْفَ الشَّمْسِ والقَمَرِ آيَتَانِ، لأنَّ هَذَا مَعْلُوْمٌ لَدَى بَنِي آدَمَ ضَرُوْرَةً!

فَغَايَةُ الحَدِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أرَادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُما آيَتَانِ لا رَبَّانِ ولا إلهَانِ، ولا يَنْفَعَانِ ولا يَضُرَّانِ، فَنَفَى صلى الله عليه وسلم أنْ يَكُوْنَ لهُما سَبَبٌ في مَوْتِ أو حَيَاةِ أحَدٍ، كَما كَانَ يَقُوْلُهُ كَثِيْرٌ مِنْ جُهَّالِ العَرَبِ عِنْدَ الانْكِسَافِ، وهَذَا لا يَعْنِي أنَّهما لَيْسَ لهُما سَبَبٌ وأثَرٌ مُطْلَقًا، فنَفَيُ بَعْضِ السَّبَبِ لَيْسَ نَفْيًا لجَمِيْعِ الأسْبَابِ!

* * *

وفي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ» قَوْلانِ لأهْلِ العِلْمِ:

أحَدُهُمَا: أنَّ مَوْتَ المَيِّتِ وحَيَاتَهُ لا يَكُوْنُ سَبَبًا في انْكِسَافِهِما، كَما كَانَ يَقُوْلُهُ كَثِيْرٌ مِنْ جُهَّالِ العَرَبِ وغَيْرِهِم عِنْدَ الانْكِسَافِ: إنَّ ذَلِكَ لمَوْتِ عَظِيْمٍ أو لوِلادَةِ عَظِيْمٍ، فأبْطَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ، وأخْبرَ أنَّ مَوْتَ المَيِّتِ وحَيَاتَهُ لا يُؤثِّرُ في كُسُوْفِهِما ألْبَتَّةَ.

والثَّاني: أنَّه لا يَحْصُلُ عَنِ انْكِسَافِهِما مَوْتٌ ولا حَيَاةٌ، فَلا يَكُوْنُ انْكِسَافُهُما سَبَبًا لمَوْتِ مَيِّتٍ ولا لحَيَاةِ حَيٍّ، وإنَّما ذَلِكَ تَخْوِيْفٌ مِنَ الله لعِبَادِهِ أجْرَى العَادَةَ بحُصُوْلِهِ في أوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ بالحِسَابِ: كطُلُوْعِ الهِلالِ وإبْدَارِهِ وسَرَارِه.

* * *

ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ الله سُبْحَانَه يُحْدِثُ عِنْدَ الكُسُوْفَيْنِ مِنْ أقْضِيَتِهِ وأقْدَارِهِ مَا يَكُوْنُ بَلاءً لقَوْمٍ ومُصِيْبَةً لهُم، ويَجْعَلُ الكُسُوْفَ سَبَبًا لِذَلِكَ، ولهَذَا أمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الكُسُوْفِ بالفَزَعِ: إلى ذِكْرِ الله، والصَّلاةِ، والعِتَاقَةِ، والصَّدَقَةِ، والصِّيَامِ لأنَّ هَذِهِ الأشْيَاءَ تَدْفَعُ مُوْجِبَ الكَسْفِ الَّذِي جَعَلَهُ الله سَبَبًا لمَا جَعَلَهُ فَلَوْلا انْعِقَادُ سَبَبِ التَّخْوِيْفِ لمَا أمَرَ بدَفْعِ مُوْجِبِهِ بِهَذِهِ العِبَادَاتِ.

ولله تَعَالى في أيَّامِ دَهْرِهِ أوْقَاتٌ يُحْدِثُ فِيْهَا مَا يَشَاءَ مِنَ البَلاءِ والنَّعْماءِ، ويَقْضِي مِنَ الأسْبَابِ بِما يَدْفَعُ مُوْجِبَ تِلَكَ الأسْبَابِ لمَنْ قَامَ بِهِ أو يُقَلِّلُهُ أو يُخَفِّفُهُ فَمَنْ فَزِعَ إلى تِلْكَ الأسْبَابِ أو بَعْضِهَا انْدَفَعَ عَنْهُ الشَّرُّ الَّذِي جَعَلَ الله الكُسُوْفَ سَبَبًا لَهُ أو بَعْضَهُ.

ولهَذَا قَلَّ مَا يَسْلَمُ أطْرَافُ الأرْضِ حَيْثُ يَخْفَى الإيْمانُ ومَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِيْهَا مِنْ شَرٍّ عَظِيْمٍ يَحْصُلُ بسَبَبِ الكُسُوْفِ، وتَسْلَمُ مِنْهُ الأمَاكِنُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيْهَا نُوْرُ النُّبُوَّةِ والقِيَامُ بِما جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ أو يَقِلُّ فِيْهَا جِدًّا(3).

ولَيْسَ عَنَّا ببَعِيْدٍ: زِلْزَالُ "تُسُونَامِي"، وإعْصَارُ "كَاتْرِيْنَا" و"رِيْتَا"، وغَيْرُهَا كَثِيْرٌ، والله أعْلَمُ. وكَما قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59].

* * *

وأمَّا إنْكَارُ بَعْضِ النَّاسِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ حَرَكَاتِ الكَواكِبِ وغَيْرِهَا مِنَ الأسْبَابِ فَهُو أيْضًا قَوْلٌ بِلا عِلْمٍ؛ ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ولا غَيْرِهَا؛ فَإنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ كَمَا في الحَدِيثِ الَّذِي في السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ تَعَوذِي بالله مِنْ شَرِّ هَذَا فَهَذَا الغَاسِقُ إذَا وقَبَ» أخْرَجَهُ أحمَدُ (6 /61)، والتَّرْمِذِيُّ (3366)، وهُوَ صَحِيْحٌ.

وكَمَا تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الكُسُوفِ حَيْثُ أخْبَرَ صلى الله عليه وسلم: «أنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ»، أيْ لا يَكُونُ الكُسُوفُ مُعَلَّلًا بِالمَوْتِ فَهُو نَفْيُ العِلَّةِ الفَاعِلَةِ كَمَا في الحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الأنْصَارِ «أنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا في الجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، أوْ مَاتَ عَظِيمٌ فَقَالَ: إنَّهُ لا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى بِالأمْرِ سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرْشِ»، وذَكَرَ الحَدِيثَ في مُسْتَرِقِ السَّمْعِ.

فَنَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِهَا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَظِيمٌ أوْ مَاتَ عَظِيمٌ؛ بَلْ لِأجْلِ الشَّيَاطِينِ المُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ.

فَفي كِلا الحَدِيثَيْنِ مِنْ أنَّ مَوْتَ النَّاسِ وحَيَاتَهُمْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ولا الرَّمْيَ بِالنَّجْمِ؛ وإنْ كَانَ مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ يَقْتَضِي حُدُوثَ أمْرٍ في السَّمَواتِ كَمَا ثَبَتَ: «أنَّ عَرْشَ الرَّحْمَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأمَّا كَوْنُ الكُسُوفِ أوْ غَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحَادِثٍ في الأرْضِ مِنْ عَذَابٍ يَقْتَضِي مَوْتًا أوْ غَيْرِهِ: فَهَذَا قَدْ أثْبَتَهُ الحَدِيثُ نَفْسُهُ(4).

* * *

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (25/ 192): "فَإنْ قُلْتَ: مِنْ عَوامِّ النَّاسِ -وإنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إلَى عِلْمِ- مَنْ يَجْزِمُ بِأنَّ الحَرَكَاتِ العُلْوِيَّةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِحُدُوثِ أمْرٍ ألبَتَّةَ ورُبَّمَا اعْتَقَدَ أنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ وإثْبَاتَهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّنْجِيمِ المُحَرَّمِ الَّذِي قَالَ فيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» رَواهُ أبُو دَاوُدَ وغَيْرُهُ، ورُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ: «لا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ»، واعْتَقَدَ أنَّ العِلَّةَ هُنَا هِيَ العِلَّةُ الغَائِيَّةُ: أيْ لا يَكْسِفَانِ لِيَحْدُثَ عَنْ ذَلِكَ مَوْتٌ أوْ حَيَاةٌ؟

قُلْت: قَوْلُ هَذَا جَهْلٌ؛ لأنَّهُ قَوْلٌ بِلا عِلْمٍ وقَدْ حَرَّمَ الله على الرَّجُلِ أنْ يَنْفي مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وحَرَّمَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لا يَعْلَمُ. وأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَأْمُرُ بِالقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ هُو الشَّيْطَانُ فَقَالَ: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36]، وقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:169]، وقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]، فَإنَّهُ لَيْسَ في كِتَابِ الله، ولا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، ولا قَالَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ ذَلِكَ، ولا في العَقْلِ، ومَا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ مَا يُعْلَمُ بِهِ نَفْيُ ذَلِكَ!

فَالقَوْلُ بِالأحْكَامِ النُّجُومِيَّةِ بَاطِلٌ عَقْلًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وذَلِكَ أنَّ حَرَكَةَ الفَلَكِ وإنْ كَانَ لهَا أثَرٌ ليْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بَلْ تَأْثِيرُ الأرْوَاحِ وغَيْرِهَا مِنَ المَلائِكَةِ أشَدُّ مِنْ تَأْثِيرِهِ، وكَذَلِكَ تَأْثِيرُ الأجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ التِي في الأرْضِ، وكَذَلِكَ تَأْثِيرُ قُلُوبِ الآدَمِيِّينَ بِالدُّعَاءِ وغَيْرِهِ مِنْ أعْظَمِ المُؤَثِّرَاتِ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، وكَالصَّابِئَةِ المُشْتَغِلِينَ بِأحْكَامِ النُّجُومِ وغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِر الأُمَمِ: فَهُو في الأمْرِ العَامِّ جُزْءُ السَّبَبِ، وإنْ فَرَضْنَا أنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ أوْ أنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَمَامِ السَّبَبِ فَالعِلْمُ بِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ، وإنْ فُرِضَ العِلْمُ بِهِ فَمَحَلُّ تَأْثِيرِهِ لا يَنْضَبِطُ؛ إذْ لَيْسَ تَأْثِيرُ خُسُوفِ الشَّمْسِ في الإقْلِيمِ الفُلانِيِّ بِأوْلَى مِنَ الإقْلِيمِ الآخَرِ، وإنْ فُرِضَ أنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ قَدْ حُصِّلَ بِشُرُوطِهِ وعُلِمَ بِهِ فَلا رَيْبَ أنَّ مَا يَصْغُرُ مِنَ الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ والصِّيَامِ والحَجِّ وصِلَةِ الأرْحَامِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أمَرَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ يُعَارِضُ مُقْتَضَى ذَلِكَ السَّبَبِ؛ ولِهَذَا أمَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلاةِ والدُّعَاءِ والِاسْتِغْفَارِ والعِتْقِ والصَّدَقَةِ عِنْدَ الخُسُوفِ وأخْبَرَ أنَّ الدُّعَاءَ والبَلاءَ يَلْتَقِيَانِ فَيَعْتَلِجَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، والمُنَجِّمُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ".

* * *

وقَالَ أيضًا (35/ 172): "وهَكَذَا المُنَجِّمُونَ؛ حَتَّى إنِّي خَاطَبْتُهُمْ بِدِمَشْقَ وحَضَرَ عِنْدِي رُؤَسَاؤُهُمْ، وبَيَّنْت فَسَادَ صِنَاعَتِهِمْ بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّتِهَا قَالَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ: والله إنَّا نَكْذِبُ مِائَةَ كِذْبَةٍ حَتَّى نَصْدُقَ في كَلِمَةٍ!

وذَلِكَ أنَّ مَبْنَى عِلْمِهِمْ عَلَى أنَّ الحَرَكَاتِ العُلْوِيَّةَ هِيَ السَّبَبُ في الحَوادِثِ، والعِلْمُ بِالسَّبَبِ يُوجِبُ العِلْمَ بِالمُسَبَّبِ وهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا عُلِمَ السَّبَبُ التَّامُّ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ حُكْمُهُ وهَؤُلاءِ أكْثَرُ مَا يَعْلَمُونَ ـ إنْ عَلِمُوا ـ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ جُمْلَةِ الأسْبَابِ الكَثِيرَةِ ولا يَعْلَمُونَ بَقِيَّةَ الأسْبَابِ ولا الشُّرُوطَ ولا المَوانِعَ" انْتَهى.

وقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ (3/43-52) رَدًّا على الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أنَّهُم يَعْلَمُوْنَ جَمِيْعَ الأسْبَابِ والمُؤثِّرَاتِ: "في الكَلامِ على بُطْلانِ عِلْمِ الأحْكَامِ أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيْعِ المُؤثِّرَاتِ الفَلَكِيَّةِ مُمْتَنِعَةٌ، وإذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الاسْتِدْلالُ بالأحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ على حُدُوْثِ الحَوَادِثِ السُّفْلِيَّةِ، وإنَّما قُلْنَا أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيْعِ المُؤثِّرَاتِ الفَلَكِيَّةِ مُمتَنِعَةٌ لوُجُوْهٍ، (ثُمَّ ذَكَرَهَا):

مِنْهَا: أنَّ تَأثِيْرَ الكَوَاكِبِ فِيْما ذَكَرْتُم مِنَ السَّعْدِ والنَّحْسِ، إمَّا بالنَّظَرِ في مُفْرَدِهِ وإمَّا بالنَّظَرِ إلى انْضِمَامِهِ إلى غَيْرِهِ فَمَتَى لم يُحِطْ المُنَجِّمُ بهَاتَيْنِ الحَالَتَيْنِ لم يَصِحْ مِنْهُ أنْ يَحْكُمَ لَهُ بتَأثِيرٍ، ولم يَحْصُلْ إلَّا على تَعَارُضِ التَّقْدِيْرِ!

ومِنْهَا: أنَّ المَعْقُوْلَ مِنْ تَأثِيرِ هَذِهِ الكَوَاكِبِ في العَالم السُّفْلي: هُوَ أنَّها بحَسَبِ مَسَاقِطِ شُعَاعَاتِها تُسَخِّنُ هَذَا العَالمَ أنْوَاعًا مِنَ السُّخُوْنَةِ.

فأمَّا تَأثِيرَاتُها في حُصُوْلِ الأحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ مِنَ الذَّكَاءِ والبَلادَةِ والسَّعَادَةِ والشَّقَاوَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ وقُبْحِهِ والغِنَى والفَقْرِ والهَمِّ والسُّرُوْرِ واللَّذَّةِ والألمِ، فَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا لكَانَ طَرِيْقُ عِلْمِهِ إمَّا بالخَبرِ الَّذِي لا يَجُوْزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ أو الحِسِّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيْهِ النَّاسُ، أو ضَرُوْرَةِ العَقْلِ أو نَظَرِهِ، وشَيءٌ مِنْ هَذَا كُلِّه غَيْرُ مَوْجُوْدٍ الْبَتَّةَ، فالقَوْلُ بِهِ بِاطِلٌ" انْتَهَى.

* * *

- وقَبْلَ الخُرُوْجِ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الفَصْلِ، أحْبَبْتُ أنْ آخُذَ بمَجَامِعِ فَوَائِدِهِ وشَوَارِدِهِ في خُلاصَةٍ تُقَرِّبُ البَعِيْدَ، وتُسَهِّلُ الطَّرِيْقَ لفَهْمِهِ وتَحْصِيْلِ أحْكَامِهِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ ضَبْطِ شُرُوْطِهِ، فَكَانَ مَا يَلي:

وبَعْدَ أنَّ تَقَرَّرَ للجَمِيْعِ أنَّ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ تَأثِيْرًا في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ، إلَّا أنَّ هَذَا التَّأثِيْرَ والتَّحْقِيْقَ لابُدَّ لَهُ مِنْ شُرُوْطٍ أرْبَعَةٍ:

الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنَّ تَأثِيْرَ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ: هُوَ في الأمُوْرِ المَعْلُوْمَةِ بالحِسِّ والتَّجْرُبَةِ، أمَّا مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ في الأمُوْرِ الغَيْبِيَّةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ.

الشَّرْطُ الثَّاني: أنَّ هَذِهِ التَّأثِيْرَاتِ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بنَفْسِهَا، بَلْ بتَقْدِيْرِ الله ومَشِيْئَتِهِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: وأنَّها أيْضًا بَعْدَ تَقْدِيْرِ الله تَعَالى لهَا، لا يَلْزَمُ أنْ تَكُوْنَ مُنْفَرِدَةً مُسْتَقِلَّةً بالسَّبَبِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الأجْزَاءِ، وسَبَبٌ مِنَ الأسْبَابِ الَّتِي لا يَعْلَمُهَا إلَّا الله تَعَالى.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: وأنَّ هَذِهِ الأسْبَابَ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الله تَعَالى إذَا اجْتَمَعَتْ، لَيْسَ بالضَّرُوْرِي أنْ يَقَعَ الحَدَثُ الأرْضِيُّ، بَلْ قَدْ يَكُوْنُ هُنَالِكَ مَوَانِعَ تَمْنَعُهَا، وتُعَطِّلُ تَأثِيْرَهَا، مَع عِلْمِنَا أنَّ السَّبَبَ والمَانِعَ هُوَ أيْضًا بقَضَاءِ الله وقَدَرهِ.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ

***

الفَصْلُ الخَامِسُ

آثَارُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ

فَإذَا تَقَرَّرَ فِيْما سَبَقَ أنَّ للحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ أسْبَابًا في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ فِيْما هُوَ مَعْلُوْمٌ بالحِسِّ والتَّجْرُبَةِ؛ فإنَّنا والحَالَةُ هَذِهِ لا نُنَازِعُ في تَأثِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في هَذَا العَالمِ بالرُّطُوْبَةِ والبُرُوْدَةِ واليُبُوْسَةِ وتَوَابِعِهَا وتَأثِيرِهَا في أبْدَانِ الحَيْوَانِ والنَّبَاتِ، ولَكِنْ هُمَا جُزْءٌ مِنَ السَّبَبِ المُؤثِّرِ، ولَيْسَا بمُؤثِّرٍ تَامٍّ فَإنَّ تَأثِيرَ الشَّمْسِ مَثَلًا إنَّما كَانَ بوَاسِطَةِ الهَوَاءِ وقُبُوْلِهِ للسُّخُوْنَةِ والحَرَارَةِ بانْعِكَاسِ شُعَاعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ عِنْدَ مُقَابَلَتِهَا لجِرْمِ الأرْضِ، ويَخْتَلِفُ هَذَا القَبُوْلُ عِنْدَ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنَ الأرْضِ وبُعْدِهَا.

فَيَخْتَلِفُ حَالُ الهَوَاءِ وأحْوَالُ الأبْخِرَةِ في تَكَاثُفِهَا وبُرُوْدَتِها وتَلَطُّفِهَا وحَرَارَتِها باخْتِلافِ هَذِهِ الأسْبَابِ، والسَّبَبُ جُزْءُ الشَّمْسِ في ذَلِكَ، والأرْضُ جُزْءٌ، والهَوَاءُ جُزْءٌ، والمُقَابَلَةُ المُوْجِبَةُ لانْعِكَاسِ الأشِعَّةِ جُزْءٌ، والمَحَلُّ القَابِلُ للتَّأثِيرِ والانْفِعَالِ جُزْءٌ.

* * *

- آثَارُ الشَّمْسِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ:

ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ قُوَّةَ البَرْدِ بسَبَبِ بُعْدِ الشَّمْسِ عَنْ سَمْتِ رُؤوْسِنَا، وقُوَّةَ الحَرِّ بسَبَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْ سَمْتِ رؤوْسِنَا.

ولا نُنْكِرُ أيْضًا ارْتِبَاطُ فُصُوْلِ العَالمِ الأرْبَعَةِ بحَرَكَاتِ الشَّمْسِ وحُلُوْلها

في أبْرَاجِهَا.

* * *

ولا نُنْكِرُ أنَّ السُّوْدَانَ لمَّا كَانَ مَسْكَنُهُم خَطَّ الاسْتِوَاءِ إلى مُحَاذَاةِ مَمَرِّ رَأسِ السَّرَطَانِ، وكَانَتِ الشَّمْسُ تَمُرُّ على رُؤوْسِهِم في السَّنَةِ إمَّا مَرَّةً وإمَّا مَرَّتَيْنَ تَسَوَّدَتْ أبْدَانُهم، وجُعِدَتْ شُعُوْرُهُم، وقَلَّتْ رُطُوْبَتُهُم.

وأمَّا الَّذِيْنَ مَسَاكِنُهُم أقْرَبُ إلى مُحَاذَاةِ ممَرِّ السَّرَطَانِ فالسَّوَادُ فِيْهِم أقَلُّ، وطَبَائِعُهُم أعْدَلُ، وأخْلاقُهُم أحْسَنُ، وأجْسَامُهُم ألْطَفُ، كأهْلِ الهِنْدِ واليَمَنِ وبَعْضِ أهْلِ الغَرْبِ.

وعَكْسُ هَؤلاءِ الَّذِيْنَ مَسَاكِنُهُم على مَمرِّ رَأسِ السَّرَطَانِ إلى مُحَاذَاةِ بَنَاتِ نَعْشٍ الكُبْرَى، فَهَؤلاءِ لأجْلِ أنَّ الشَّمْسَ لا تُسَامِتُ رُؤوْسَهُم، ولا تَبْعُدُ عَنْهُم أيْضًا بُعْدًا كَثِيرًا، ولم يَعْرِضْ لهُم حَرٌّ شَدِيْدٌ ولا بَرْدٌ شَدِيْدٌ، فَألْوَانُهُم مُتَوَسِّطَةٌ، وأجْسَامُهُم مُعْتَدِلَةٌ، وأخْلاقُهُم فَاضِلَةٌ، كَأهْلِ الشَّامِ والعِرَاقِ وخُرَاسَانَ وفَارِسَ والصِّيْنِ.

ثُمَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَؤلاءِ أمْيَلُ إلى نَاحِيَةِ الجَنُوْبِ كَانَ أتَمَّ في الذَّكَاءِ والفَهْمِ، ومَنْ كَانَ مِنْهُم يَمِيْلُ إلى نَاحِيَةِ الشَّرْقِ فَهُم أقْوَى نُفُوْسًا وأشَدُّ ذُكُوْرَةً، ومَنْ كَانَ يَمِيْلُ إلى نَاحِيَةِ الغَرْبِ غَلَبَ عَلَيْهِ اللِّيْنُ والرَّزَانَةُ.

وأمَّا مَنْ كَانَتْ مَسَاكِنُهُم مُحَاذِيَةً لبَنَاتِ نَعْشٍ: وهُم الصَّقَالِبَةُ (مُسْلِمُو السُّلافِ الآنَ) والرُّوْمُ فَإنَّهم لكَثْرَةِ بُعْدِهِم عَنْ مُسَامَتَةِ الشَّمْسِ صَارَ البَرْدُ غَالِبًا عَلَيْهِم والرُّطُوْبَةُ الزَّائِدَةُ فِيْهِم؛ لأنَّه لَيْسَ مِنَ الحَرَارَةِ هُنَاكَ مَا يُنَشِّفُهَا ويُنْضِجُهَا فلِذَلِكَ صَارَتْ ألْوَانُهُم بَيْضَاءَ، وشُعُوْرُهُم سَبِطَةً شَقْرَاءَ، وأبْدَانُهُم بَلِيْدَةً، وطَبَائِعُهُم مَائِلَةً إلى البُرُوْدَةِ، وأذْهَانُهُم جَامِدَةً، وهَذَا في أكْثَرِهِم.

وهَذَا كُلُّه يَدُلُّ على أنَّ الشَّمْسَ جُزْءُ السَّبَبِ، وأنَّ الهَوَاءَ جُزْءُ السَّبَبِ، والأرْضَ جُزْءٌ، وانْعِكَاسَ الشُّعَاعِ جُزْءٌ، وقُبُوْلَ المُنْفَعِلاتِ جَزْءٌ، فَكَانَ مَجْمُوْعُ ذَلِكَ سَبَبًا واحِدًا قَدَّرَهُ العَلِيْمُ القَدِيْرُ، وأجْرَى عَلَيْهِ نِظَامَ العَالمِ.

* * *

وقَدَّرَ سُبْحَانَهُ أشْيَاءَ أُخَرَ لا يَعْرِفُهَا هَؤلاءِ الجُهَّالِ ولا عِنْدَهُم مِنْهَا خَبَرٌ مِنْ تَدْبِيْرِ المَلائِكَةِ وحَرَكَاتِهِم، ثُمَّ قَدَّرَ تَعَالى أشْيَاءَ أُخَرَ تُمانِعُ هَذِهِ الأسْبَابَ عِنْدَ التَّصَادُمِ وتُدَافِعُهَا وتَقْهَرُ مُوْجِبَهَا ومُقْتَضَاهَا ليَظْهَرَ عَلَيْهَا أثَرُ القَهْرِ والتَّسْخِيْرِ والعُبُوْدِيَّةِ. وأنَّها مُصَرَّفَةٌ مُدَبَّرَةٌ بتَصْرِيْفِ قَاهِرٍ قَادِرٍ كَيْفَ يَشَاءَ ليَدُلَّ عِبَادَهُ على أنَّهُ: هُوَ وَحْدَهُ الفَعَّالُ لمَا يُرِيْدُ لخَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وأنَّ كُلَّ مَا في المَمْلَكَةِ الإلهِيَّةِ طَوْعُ قُدْرَتِهِ وتَحْتَ مَشِيْئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ يَسْتَقِلُّ وَحْدَهُ بالفِعْلِ إلَّا الله، وكُلُّ مَا سِوَاهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلا بمُشَارِكٍ ومُعَاوِنٍ، ولَهُ مَا يُعَاوِقُهُ ويُمانِعُهُ ويُسْلِبُهُ تَأثِيرَهُ؛ فَتَارَةً يَسْلِبُ سُبْحَانَهُ النَّارَ إحْرَاقَهَا ويَجْعَلُهَا بَرْدًا، كَما جَعَلَهَا على خَلِيْلِهِ بَرْدًا وسَلامًا.

وتَارَةً يُمْسِكُ بَيْنَ أجْزَاءِ المَاءِ فَلا يَتَلاقَى كَما فَعَلَ بالبَحْرِ لمُوْسَى وقَوْمِهِ، وتَارَةً يَشُقُّ الأجْرَامَ السَّماوِيَّةَ كَما شَقَّ القَمَرَ لخَاتَمِ أنْبِيَائِهِ ورُسُلِهِ، وفَتَحَ السَّماءَ لمَصْعَدِهِ وعُرُوْجِهِ.

وتَارَةً يَقْلِبُ الجَمادَ حَيْوَانًا كَما قَلَبَ عَصَا مُوْسَى ثُعْبَانًا، وتَارَةً يُغَيِّرُ هَذَا النِّظَامَ ويُطْلِعُ الشَّمْسَ مِنْ مَغْرِبِها كَما أخْبَرَ بِهِ أصْدَقُ خَلْقِهِ عَنْهُ، فَإذَا أتَى الوَقْتُ المَعْلُوْمُ فَشَقَّ السَّمَوَاتِ وفَطَرَهَا، ونَثَرَ الكَوَاكِبَ على وَجْهِ الأرْضِ، ونَسَفَ الجِبَالَ ودَكَّهَا، وكَوَّرَ الشَّمْسَ... ورَأى ذَلِكَ الخَلائِقُ عَيَانًا ظَهَرَ لهُم كُلِّهِم صِدْقُهُ، وصِدْقُ رُسُلِهِ، وعُمُوْمُ قُدْرَتِه وكَمالهَا، وأنَّ العَالمَ بَأسْرِهِ مُنْقَادٌ لمَشِيْئَتِهِ طَوْعُ قُدْرَتِهِ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ!

ونَحْنُ أيْضًا لا نُنْكِرُ أنَّ الزَّرْعَ والنَّبَاتَ لا يَنْمُو ولا يَنْشَأ إلَّا في المَوَاضِعِ الَّتِي تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أيْضًا أنَّ وُجُوْدَ بَعْضِ النَّباتِ في بَعْضِ البِلادِ لا سَبَبَ لَهُ إلَّا اخْتِلافُ البُلْدَانِ في الحَرِّ والبَرْدِ الَّذِي سَبَبُهُ حَرَكَةُ الشَّمْسِ وتَقَارُبُها في قُرْبِها وبُعْدِهَا مِنْ ذَلِكَ البَلَدِ.

وأيْضًا فإنَّ النَّخْلَ يَنْبُتُ في البِلادِ الحَارَّةِ، ولا يَنْبُتُ في البِلادِ البَارِدَةِ، وكَذَلِكَ يَنْبُتُ في البِلادِ الجَنُوْبِيَّةِ أشْجَارٌ وفَوَاكِهُ وحَشَائِشُ لا يُعْرَفُ شَيءٌ مِنْهَا في جَانِبِ الشَّمالِ، وبالعَكْسِ.

* * *

- آثَارُ القَمَرِ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ:

وكَذَلِكَ لا نَدْفَعُ تَأثِيْرَ القَمَرِ في وَقْتِ امْتِلائِهِ في الرُّطُوْبَاتِ؛ حَتَّى في جَزْرِ البِحَارِ ومَدِّهَا، فَإنَّ مِنْهَا مَا يَأخُذُ في الازْدِيَادِ مِنْ حِيْنِ يُفَارِقُ القَمَرُ الشَّمْسَ إلى وَقْتِ الامْتِلاءِ، ثُمَّ إنَّه يَأخُذُ في الانْتِقَاصِ، ولا يَزَالُ نُقْصَانُه يَسْتَمِرُّ بحَسَبِ نُقْصَانِ القَمَرِ حَتَّى يَنْتَهِي إلى غَايَةِ نُقْصَانِهِ عِنْدَ حُصُوْلِ المَحَاقِ.

ومِنَ البِحَارِ مَا يَحْصُلُ فِيْهِ المَدُّ والجَزْرُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَعَ طُلُوْعِ القَمَرِ وغُرُوْبِهِ، وذَلِكَ مَوْجُوْدٌ في بَحْرِ فَارِسَ وبَحْرِ الهِنْدِ وكَذَلِكَ بَحْرِ الصِّيْنَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوْهِ الَّتِي تُؤثِّرُ فِيْهَا الشَّمْسُ والقَمَرُ في هَذَا العَالمِ بقُدْرَةِ الله ومَشِيْئَتِهِ.

* * *

فَنَحْنُ لا نُنْكِرُ هَذِهِ التَّأثِيرَاتِ وأضْعَافَهَا، إنَّما الَّذِي نُنْكِرُهُ نَحْنُ وغَيْرُنَا مِنْ عُقَلاءِ أهْلِ المِلَلِ وغَيْرِهِم: مَنِ اعْتَقَدَ وظَنَّ أنَّ جُمْلَةَ الحَوَادِثِ في هَذَا العَالمِ: خَيْرَهَا وشَرَّهَا، وصَلاحَهَا وفَسَادَهَا، وحَيَاتَها ومَماتَها، وأعْمارَهَا وأرْزَاقَهَا، وشَقَاوَتَها وسَعَادَتَهَا، وعِزَّهَا وذُلَّها، وغَنَاءَها وفَقْرَهَا، ونَفْعَهَا وضُرَّهَا، وهِدَايَتَهَا وضَلالَها.

بَلْ وجَمِيْعَ مَا في العَالمِ بأنَّها (عِيَاذًا بالله!): هِيَ المُعْطِيَةُ لهَذَا كُلِّهِ، المُدَبِّرَةُ الفَاعِلَةُ، وهِيَ الآلهَةُ والأرْبَابُ على الحَقِيْقَةِ، ومَا تَحْتَهَا عَبْيْدٌ خَاضِعُوْنَ لهَا، نَاظِرُوْنَ إلَيْهَا، فَهَذَا كَما أنَّهُ الكُفْرُ الَّذِي خَرَجُوا بِهِ عَنْ جَمِيْعِ المِلَلِ، وعَنْ جُمْلَةِ شَرَائِعِ الأنْبِيَاءِ؛ كَانَ قَتْلُ هَؤلاءِ وَاجِبًا في كُلِّ مِلَّةٍ؛ لأنَّ في قَوْلِهم مِنَ الهَذَيَانِ الَّذِي أضْحَكُوا بِهِ العُقَلاءَ على عُقُوْلهِم!

ولَوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِم مِنْ عُقَلاءِ الفَلاسِفَةِ والطَّبَائِعِيِّينَ والرِّيَاضِيِّيْنَ لطَالَ ذَلِكَ جِدًّا، وأخْرَجْنَا عَنْ مَقْصَدِ الكِتَابِ في الاخْتِصَارِ، والله المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ(5).

* * *

ونَحْنُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لا نُنْكِرُ ارْتِبَاطَ المْسَبِّبَاتِ بأسْبَابِها كَما ارْتَكَبَهُ كَثِيْرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِيْنَ وكَابَرُوا العِيَانَ، وجَحَدُوا الحَقَائِقَ، كَما أنَّا لا نَرْضَى بهَذَيَانَاتِ المُنَجِّمِيْنَ ومَحَالاتِهِم، بَلْ نُثْبِتُ الأسْبَابَ والمُسَبِّبَاتَ والعِلَلَ والمَعْلُوْلاتِ، ونُبَيِّنُ مَعَ ذَلِكَ بُطْلانَ مَا يَدَّعُوْنَهُ مِنْ عِلْمِ أحْكَامِ النُّجُوْمِ، وأنَّها هِيَ المُدَبِّرَةُ لهَذَا العَالمِ.

فَغَايَةُ الحَرَكَاتِ النُّجُومِيَّةِ والاتِّصَالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ أنْ تَكُوْنَ كالعِلَلِ والأسْبَابِ المُشَاهَدَةِ الَّتِي تَأثِيْراتُها مَوْقُوْفَةٌ على انْضِمامِ أمُوْرٍ أخْرَى إلَيْهَا وارْتِفَاعِ مَوَانِعَ تَمْنَعُهَا تَأثِيرَها، فَهِي أجْزَاءُ أسْبَابٍ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ ولا مُوْجِبَةٍ، هَذَا لَوْ قَامَ على تَأثِيرِهَا دَلِيْلٌ؛ فَكَيْفَ ولَيْسَ هُنَا إلَّا الدَّعَاوَى الكَاذِبَةُ؟!

وقد اعْتَرَفَ حُذَّاقُ الفَلَكِيِّيْنَ والمُنَجِّمِيْنَ: بأنَّ الَّذِي يُجْهَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الأسْبَابِ المُؤَثِرَّةِ ومِنَ المَوَانِعِ الصَّارِفَةِ أعْظَمُ مِنَ المَعْلُوْمِ مِنْهَا بأضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيْمُ لعَاقِلٍ الحُكْمُ بَعْدَ هَذَا؟ وهَلْ يَكُوْنُ في العَالمِ أكْذَبُ مِنْهُ؟!

***

الفَصْلُ السَّادِسُ

حُكْمُ عِلْمِ النُّجُوْمِ

لا شَكَّ أنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالنَّظَرِ إلى النُّجُوْمِ والأفْلاكِ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمَيْنِ لا ثَالِثَ لهُما: عِلْمُ تَأثِيْرٍ، وعِلْمُ تَسْيِيْرٍ.

- فأمَّا أوَّلاً: عِلْمُ التَّأثِيْرِ:

وهُوَ اعْتِقَادُ أنَّ هَذِهِ النُّجُوْمَ والأفْلاكَ لهَا تَأثِيْرٌ بحَوَادِثِ الأرْضِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ أو المَاضِيَةِ أو الحَاضِرَةِ.

فشِرْكُ هَؤلاءِ (عِيَاذًا بِالله) هُوَ مِنْ جِنْسِ عِبَادَةِ أهْلِ الكَوَاكِبِ والنُّجُوْمِ، ولهُم فِيْما يَعْتَقِدُوْنَهُ فِيْهَا ثَلاثُ حَالاتٍ:

الحَالَةُ الأوْلى: فَمِنْهُم مَنْ يَعْتَقِدُ في هَذِهِ الأفْلاكِ والنُّجُوْمِ، بِأنَّها مُؤثِّرَةٌ فَاعِلَةٌ بنَفْسِهَا.

وعَلَيْهَا يَتَعَاطَوْنَ ادِّعَاءَ الاسْتِدْلالِ بِها على مَعْرِفَةِ حَوَادِثِ الأرْضِ المُسْتَقْبَلِيَّة مِنْهَا والمَاضِيَةِ، كادِّعَاءِ الغَيْبِ والتَّكَهُّنَاتِ والتَّنَبُّؤاتِ، ومَعْرِفَةِ الأعْمارِ والحَيَاةِ والمَمَاتِ، والسَّعَادَةِ والشَّقَاءِ، والكَوَارِث، ونُزُوْلِ الأمْطَارِ وغَيْرِهَا مِنْ عُلُوْمِ الغَيْبِ.

* * *

فَأصْحَابُ هَذَا الاعْتِقَادِ لا شَكَّ أنَّهُم مُشْرِكُوْنَ بِالله تَعَالى، كَافِرُوْنَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، سَوَاءٌ تَقَرَّبُوا إلى هَذِهِ الكَوَاكِبِ بِشَيءٍ مِنَ العِبَادَةِ أم لا!

قَالَ الإمَامُ الخَطَّابيُّ رَحِمَهُ الله في "مَعَالمِ السُّنَنِ" (4/ 230):

"عِلْمُ النُّجُوْمِ المَنْهِيُّ عَنْهُ: مَا يَدَّعِيْهِ أهْلُ التَّنْجِيْمِ، مِنْ عِلْمِ الكَوَائِنِ والحَوَادِثِ الَّتِي سَتَقَعُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، كَأوْقَاتِ هُبُوْبِ الرِّيَاحِ، ومَجيءِ المَطَرِ، وتَغِيُّرِ الأسْعَارِ، ومَا في مَعْنَاهُ مِنَ الأمُوْرِ الَّتِي يَزْعُمُوْنَ أنَّها تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهَا بمَسِيْرِ الكَوَاكِبِ في مَجَارِيْهَا، واجْتِماعِهَا وافْتِرَاقِهَا، يَدَّعُوْنَ أنَّ لهَا تَأثِيْرًا في السُّفْلِيَّاتِ، وهَذَا مِنْهُم تَحكُّمٌّ على الغَيْبِ، وتَعَاطٍ لعِلْمٍ قَدِ اسْتَأثَرَ الله بِهِ، لا يَعْلَمُ الغَيْبَ سِوَاهُ" انْتَهَى.

* * *

قَالَ تَعَالى: ﴿وتَجْعَلُوْنَ رِزْقَكُم أنَّكُم تُكَذِّبُوْنَ﴾ [الواقعة:82].

وأخْرَجَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ على إثْرِ سَماءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَّما انْصَرَفَ أقْبَلَ على النَّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُوْنَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ قَالُوا: الله ورَسُوْلُهُ أعْلَمُ، قَالَ: قَالَ أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي كَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ أبي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أرْبَعٌ في أمَّتِي مِنْ أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُوْنَهُنَّ: الفَخْرُ بالأحْسَابِ، والطَّعْنُ في الأنْسَابِ، والاسْتِسْقَاءُ بالنُّجُوْمِ، والنِّيَاحَةُ وقَالَ: النَّائِحَةُ إذَا لم تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ وعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ».

ثُمَّ ليَعْلَمَنَّ كُلُّ مُسْلِمٍ أنَّ هَذهِ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لم تَكُنْ مُقْتَصِرَةً على تَحْرِيْمِ الاسْتِسْقَاءِ بالنُّجُوْمِ وكُفْرِ فَاعِلِهَا قَطُّ، لا، بَلُ هِيَ في تَحْذِيْرِهَا وتَحْرِيْمِهَا لكُلِّ مُتَعَاطٍّ ومُعْتَقِدٍ لجِنْسِ الكَوَاكِبِ والنُّجُوْمِ وجَمِيْعِ الأجْرَامِ العُلْوِيَّةِ... فَمَنْ ظَنَّ شَيْئًا مِنْهَا أو اعْتَقَدَ أنَّ لَهُ تَأثِيْرًا مُسْتَقِلًّا، أو جَعَلَهَا سَبَبًا للحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ، أو اسْتَدَلَّ بِها على مَعْرِفَةِ الغَيْبِ، فَهُوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍّ، ولَهُ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ بحَسَبِ حَالَتِهِ واعْتِقَادِهِ بِها، والله تَعَالى أعْلَمُ.

* * *

الحَالَةُ الثَّانِيةُ: مِنْهُم مَنْ يَعْتَقِدُ فِيْهَا: بِأنَّها سَبَبٌ قَدَّرَهُ الله تَعَالى في مَعْرِفَةِ حَوَادِثِ الأرْضِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ الغَيْبِيَّةِ، مَعَ اعْتِقَادِهِم بِأنَّ الله تَعَالى هُوَ النَّافِعُ الضَّارُ، وأنَّه الخَالِقُ المَالِكُ المُدَبِّرُ، فَهَؤلاءِ أيْضًا مُشْرِكُوْنَ بِالله تَعَالى، لأنَّهُم ادَّعُوا عِلْمَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأثَرَ الله بِهِ.

قَالَ تَعَالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:65].

* * *

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: مِنْهُم مَنْ يَعْتَقِدُ فِيْهَا: بِأنَّها سَبَبٌ قَدَّرَهُ الله تَعَالى في مَعْرِفَةِ حَوَادِثِ الأرْضِ بَعْدَ وُجُوْدِهَا لا المُسْتَقْبَلِيَّةَ مِنْهَا، مَعَ اعْتِقَادِهِم بِأنَّ الله تَعَالى هُوَ الخَالِقُ المَالِكُ المُدَبِّرُ، فَهَؤلاءِ أيْضًا مُشْرِكُوْنَ بِالله تَعَالى شِرْكًا أصْغَرَ، لأنَّهم اتَّخَذُوْهَا أسْبَابًا لم يَجْعَلْهَا الله تَعَالى سَبَبًا شَرْعِيًّا أو قَدَرِيًّا!

* * *

- وأمَّا ثَانِيًا: فَعِلْمُ التَّسْيِيْرِ.

وهُوَ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ حَرَكَاتِ النُّجُوْمِ في اجْتِماعِهَا وافْتِراقِهَا وغَيْرِ ذَلِكَ، والاسْتِدْلالُ بِها على الأمُوْرِ الدِّيْنِيَّةِ أو الدِّنْيَوِيَّةِ، بِشَرْطِ أنْ تَكُوْنَ هَذِهِ الأدِلَّةُ: حِسِّيَّةً تَشْهَدُ لها التَّجْرُبَةُ، أو حِسَابِيَّةً.

* * *

- فأمَّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو الاسْتِدْلالُ بِها على الأمُوْرِ الدِّيْنِيَّةِ: فَذَلِكَ في مَعْرِفَةِ أوْقَاتِ الغُرُوْبِ والشُّرُوْقِ والزَّوَالِ، وتَحْدِيْدِ الشَّمالِ مِنَ الجَنُوْبِ، ورُؤيَةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ممَّا يُسْتَعَانُ بِهِ على مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ وأوْقَاتِ الصَّلاةِ، ودُخُوْلِ الأشْهُرِ القَمَرِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مَعْرُوْفٌ عَنْ طَرِيْقِ الحِسِّ أو التَّجْرُبَةِ، فَهَذَا الاسْتِدْلالُ مَطْلُوْبٌ شَرْعًا إمَّا على وَجْهِ الإيْجَابِ أو الاسْتِحْبَابِ، فَما تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الوَاجِبُ الشَّرعِيُّ فَهُوَ وَاجِبٌ، كمَعْرِفَةِ اتِّجَاهِ القِبْلَةِ ودُخُوْلِ وَقْتِ الصَّلاةِ ممَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ومَا تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَهُوَ سُنَّةٌ، كمَعْرِفَةِ اتِّجَاهِ القِبْلَةِ ودُخُوْلِ وَقْتِ الصَّلاةِ ممَّنْ لم يَجَبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والله أعْلَمُ.

* * *

- وأمَّا النَّوْعُ الثَّاني: الاسْتِدْلالُ بِها على الأمُوْرِ الدِّنْيَوِيَّةِ: فَذَلِكَ في مَعْرِفَةِ الحَرَكَاتِ الفَلَكِيَّةِ في حَرَكَاتِها واجْتِماعِهَا وافْتِراقِهَا وغَيْرِ ذَلِكَ ممَّا يُسْتَعَانُ بِهِ على مَعْرِفَةِ الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، ومَعْرِفَةِ أوْقَاتِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، ودُخُوْلِ الأشْهُرِ القَمَرِيَّةِ والشَّمْسِيَّةِ، وأوْقَاتِ الفُصُوْلِ الأرْبَعَةِ.

وأزْمَانِ صَلاحِ الزِّرَاعَةِ والبَذْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مَعْرُوْفٌ لَدَى جَماهِيْرِ بَنِي آدَمَ، عَنْ طَرِيْقِ الحِسَّ أو التَّجْرُبَة.

فهَذَا الاسْتِدْلالُ الحِسِّي والمُشَاهَدِ الَّذِي يُعْرَفُ بتَعَلُّمِ مَنَازِلِ القَمَرِ، فهذا مُبَاحٌ وجَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيْرِ السَّلَفِ والخَلَفِ.

وكَرِهَهُ جَماعَةٌ خَوْفًا مِنَ تَطَرُّقِ بَعْضِ النَّاسِ إلى أنَّ هَذِهِ النُّجُوْمَ لها سَبَبٌ في نُزُوْلِ الأمْطَارِ ومَجِيءِ الصَّيْفِ والشِّتَاءِ ونَحْوِهِ، والصَّحِيْحُ إبَاحَتُهَا دُوْنَ كَرَاهَةٍ، والله تَعَالى أعْلَمُ.

* * *

وبِهَذَا نَعْلَمُ: أنَّ عِلْمَ النُّجُوْمِ نَوْعَانِ: حِسَابٌ، وأحْكَامٌ.

- فأمَّا عِلْمُ الحِسَابِ: فَهُو مَعْرِفَةُ أقْدَارِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وصِفَاتِها ومَقَادِيْرِهَا وحَرَكاتِها، ومَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ حِسَابَاتٍ فَلَكِيَّةٍ صَحِيْحَةٍ، فَذَا لا شَكَّ أنَّه عِلْمٌ صَحِيْحٌ لا رَيْبَ فيهِ، كمَعْرِفَةِ الأرْضِ وصِفَاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُلُوْمِ القَائِمَةِ على الحِسَابَاتِ الصَّحِيْحَةِ.

ومَا وقَعَ فيهَا مِنْ خَطأ أو غَلَطٍ فَهُو رَاجِعٌ إلى غَلَطِ الحَاسِبِ لا إلى الحِسَابِ نَفْسِهِ!

- أمَّا عِلْمُ الأحْكَامِ: فَهُو مِنْ جِنْسِ عِلْمِ السِّحْرِ، وهَذَا مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ، بَلْ قَدْ حَرَّمَتْهُ الشَّرَائِعُ كُلُّهَا(6).


 

([1]) انْظُرْ : «مِفْتَاحَ دَارِ السَّعَادَةِ» لابنِ القَيِّمِ (3/221) باخْتِصَارٍ وتَصَرُّفٍ .

([2]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (35/ 169)، (25/ 190) باخْتِصَارٍ وتَصَرُّفٍ.

([3]) انْظُرْ : «مِفْتَاحَ دَارِ السَّعَادَةِ» لابنِ القَيِّمِ (3/ 212، 220) باخْتِصَارٍ .

([4]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (35/ 174) بتَصَرُّفٍ .

([5]) انْظُرْ : «مِفْتَاحَ دَارِ السَّعَادَةِ» لابنِ القَيِّمِ (3/ 114) ومَا بعَدْهَا باخْتِصَارٍ .

([6]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (35/ 181) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 9 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208506)