البَابُ الثَّالِثُ: حُكْمُ رُؤيَةِ الهِلالِ، و النَّظَرُ إلى الشَّمْسِ، والرَّدُّ على مَنْ أنْكَرَ النَّظَرَ إلَيْهَا
عدد مرات القراءة: 820555

البَابُ الثَّالِثُ

- الفَصْلُ الأوَّلُ: حُكْمُ رُؤيَةِ الهِلالِ.

- الفَصْلُ الثَّاني: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ.

- الفَصْلُ الثَّالِثُ: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ التَّحْدِيْقِ في الشَّمْسِ.

- الفَصْلُ الرَّابِعُ: المَحْظُوْرَاتُ السَّيِّئَةُ مِنْ تَحْذِيْرِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ.

***

الفَصْلُ الأوَّلُ

حُكْمُ رُؤيَةِ الهِلالِ

لقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا في رُؤيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ بالحِسَابِ على ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

- القَوْلُ الأولُ: أنَّ الرُّؤيَةَ مُتَوقِّفَةٌ على الرُّؤيَةِ بالإبْصَارِ، أي العَيْنِ المُجَرَّدَةِ، وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ كَافَّةً، لم يُخَالِفْ فيهِ إلا ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ.

قَالَ تَعَالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185].

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إذَا رَأيْتُمُوْهُ (الِهلالَ) فَصُوْمُوا، وإذَا رَأيْتُمُوْهُ فَأفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَاقْدِرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والأحَادِيْثُ في هَذَا المَعْنَى مُسْتَفيضَةٌ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم في الصَّحِيْحَيْنِ: «فلا تُصُوْمُوا حتَّى تَرَوْهُ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ»، لَيْسَ المُرَادُ بِهِ أنَّه لا يَصُوْمُهُ أحَدٌ حَتَّى يَرَاهُ بنَفْسِهِ! بَلْ لا يَصُوْمُهُ أحَدٌ حَتَّى يَرَاهُ أو يَرَاهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ(1)، وقَدْ ذَكَرَ الإجْمَاعَ على هَذَا غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، كَمَا سَيَأتي إنْ شَاءَ الله.

* * *

- القَوْلُ الثَّاني: أنَّ الهِلالَ مُتَوقِّفَةٌ على الرُّؤيَةِ سَواءٌ كَانَتْ عَنْ طَرِيْقِ العَيْنِ المُجَرَّدَةِ، أو الحِسَابِ، بجَامِعِ أنَّهُما رُؤيَةٌ! وهَذَا القَوْلُ جَرَى فيهِ خِلافٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِ ذِكْرِهِ.

وأيًّا كَانَ هَذَا القَوْلُ، فَإنَّه لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِي، فَإنَّ صَلاةَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُسْلِمُوْنَ لا تُصَلَّى إلَّا إذَا شَاهَدْنَا الهِلالَ، وإذَا جَوزَ الإنْسَانُ صِدْقَ الخَبَرِ بذَلِكَ الحِسَابِ، أو غَلَبَ على ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَنَوى أنْ يُصَلِّي الكُسُوْفَ والخُسُوْفَ عِنْدَ ذَلِكَ، واسْتَعَدَّ ذَلِكَ الوقْتَ لرُؤيَةِ ذَلِكَ، كَانَ هَذَا حَثًّا مِنْ بَابِ المُسَارَعَةِ إلى طَاعَةِ الله تَعَالى وعِبَادَتِهِ، فَإنَّ الصَّلاةَ عِنْدَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ مُتَفَّقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ.

* * *

- القَوْلُ الثَّالِثُ: أنَّ الرَّؤيَةَ بالعِيْنِ المُجَرَّدَةِ لَيْسَتْ شَرْطًا، بَلْ يَجُوْزُ الأخْذُ بالحِسَابِ والاعْتِمادِ عَلَيْهِ فَقَطَ، ولَوْ لم يُرَ الهِلالُ، ولَوْ كَانَ الجَوُّ صَحْوًا مَعَ تَعْلِيْقِ عُمُوْمِ الحُكْمِ العَامِ بِهِ، وهَذَا القَوْلُ مُخُالِفٌ لمَا عَلَيْهُ المُسْلِمُوْنَ، وفيهِ مُخَالَفَةٌ للنُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَبْدِيْلٌ للشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ، ومُضَاهَاةٌ لأهْلِ المِلَلِ الأخُرَى في تَبْدِيْلِ دِيْنِهَا عِيَاذًا بالله!

ومِنْ مَخَازِي هَذَا العَصْرِ ظُهُوْرُ نَوابِتُ تُطَالِبُ المُسْلِمِيْنَ بالاكْتِفَاءِ بالحَسَابِ، وإلغَاءِ الرُّؤيَةِ بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، ظَنَّا مِنْهُم أنَّ الاعْتِمادَ على الرُّؤيَةِ ممَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خِلافٌ ونِزَاعٌ، ومَا عَلِمُوا أنَّ الخِلافَ المُبْتَدَعَ والنِّزَاعَ المَقِيْتَ مَا ذَاعَ ولا شَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ السَّنَواتِ إلَّا مِنْ دَاخِلِ جِرَابِهم، ومِنْ قُصُوْرِ أفْكَارِهِم، وذَلِكَ حِيْنَما خَاضُوا وتَكَلَّمُوا بغَيْرِ عِلْمٍ، مَعَ مَا يَبُثَّونَهُ ويُشِيْعُونَهُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ لاسِيَّما مِنْ خِلالِ سَفْعَاءِ الصُّحُفِ وأبْواقِ الإعْلامِ، فالله طَلِيْبُهُم!

* * *

يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوى" (25/ 132): "فَإنَّا نَعْلَمُ بالاضْطِرَارِ مِنْ دِيْنِ الإسْلامِ أنَّ العَمَلَ في رُؤيَةِ هِلالِ الصَّوْمِ أو الحَجِّ أو العِدَّةِ، أو الإيْلاءِ، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بالهِلالِ بخَبَرِ الحِسَابِ أنَّه يُرَى أو لا يُرَى لا يَجُوْزُ، والنَّصُوْصُ المُسْتَفيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بذَلِكَ كَثِيْرَةٌ، وقَدْ أجْمَعَ المُسُلِمُوْنَ عَلَيْهِ، ولا يُعْرَفُ فيهِ خِلافٌ قَدِيْمُ أصْلًا، ولا خِلافٌ حَدِيْثٌ؛ إلَّا بَعْضُ المُتَأخِّرِيْنَ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ الحَادِثِيْنَ بَعْدَ المَائَةِ الثَّالِثَةِ، زَعَمَ أنَّه إذَا غَمَّ الهِلالُ جَازَ للحَاسِبِ أنْ يَعْمَلَ في حَقِّ نَفْسِهِ بالحِسَابِ، فإنْ كَانَ الحِسَابُ دَلَّ على الرُّؤيَةِ صَامَ وإلَّا فَلا، وهَذَا القَوْلُ وإنْ كَانَ مُقَيَّدًا بالإغْمامِ ومُخَتَصًّا بالحِسَابِ فَهُو شَاذٌّ، مَسْبُوْقٌ بالإجْمَاعِ على خِلافِهِ، فأمَّا إتَّبَاعُ ذَلِكَ في الصَّحْوِ، أو تَعْلِيْقُ عُمُوْمِ الحُكْمِ العَامِ بِهِ فَما قَالَهُ مُسْلِمٌ".

وقَالَ أيْضًا (25/ 136): "فَالمَقْصُوْدُ أنَّ المَواقِيْتَ حُدِّدَتْ بِأمْرٍ ظَاهِرٍ يَشْتَرِكُ فيهِ النَّاسُ، ولا يَشْرَكُ الهِلالَ في ذَلِكَ شِيءٌ، فَإنَّ اجْتِماعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ الَّذِي هُو تَحاذِيْهِما الكَائِنُ قَبْلَ الهِلالِ: أمْرٌ خَفي لا يُعْرَفُ إلا بحِسَابٍ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ" انْتَهَى.

ومِنَ الإبْلاسِ أنَّ هَذَا التَّأفُفَ والتَّضَجُّرَ مِنْ عَدِمِ ضَبْطِ هِلالِ رَمَضَانَ والحَجِّ عِنْدَ ذَلِكُمُ النَّفْرِ الجَاهِلِ، لم نَرَهُ مِنْهُم في الوَقْتِ نَفْسِه عِنْدَ ضَبْطِ وَقَتِ الصَّلاةِ؟ عِلمًا أنَّ الصَّلاةَ هِيَ آكَدُ أرْكَانِ الإسْلامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ!

فَإذَا كَانُوا يَعْلَمُوْنَ أنَّ ضَبْطَ وَقْتِ الصَّلاةِ في جَمِيْعِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ لا يُمْكِنُ تَحقُّقُهُ شَرْعًا ولا عَقْلًا، كَانَ عَلَيْهِم والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَكُفُّوا ألْسِنَتَهُم، وأنْ يَحْبِسُوا أقْلامَهُم عَنْ مَثَارَاتِ الفِتَنِ، وهِيَاجِ الإرْجَافَاتِ، والله الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ!

***

الفَصْلُ الثَّاني

الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ

لا شَكَّ أنَّ النَّاظِرَ والسَّامِعَ لِما يُبَثُّ ويُقَالُ في وَسَائِلِ الإعْلامِ حَوْلَ قَضِيَّةِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ ليَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ جِدُّ خَطِيرٌ؛ حَيْثُ أخَذَتْ أكْبرَ مِنْ حَجْمِهَا؛ حَتَّى أضْحَتْ عِنْدَهُم مِنَ المُسَلَّماتِ الَّتِي لا تَقْبَلُ النَّظَرَ أو الشَّكَّ، ومِنْهَا تَعَالَتِ الأصْوَاتُ والنِّدَاءَاتُ، وتَنَافَسَتْ وَسَائِلُ الإعْلامِ في التَّحْذِيْرِ مِنْهَا؛ حَتَّى عُدَّ الرَّجُلُ الَّذِي يُحَذِّرُ مِنْهَا طَبِيْبًا مُحَنَّكًا، وفَلَكِيًّا حَاذِقًا، وتَدَاعَتْ عَلَيْهَا الإرْشَادَاتُ والتَّحْذِيْرَاتُ، وأُجْلِبَتْ حَولهَا أسْبَابُ الوِقايَاتِ، ووَسَائِلُ العِلاجَاتِ... وهَكَذَا لم يَبْرَحُوا يَنْفُخُوْنَ في أبْوَاقِهَا، ويُحَذِّرُوْنَ مِنْ أضْرَارِهَا!

ومِنْ بَعْدُ؛ كَانَ مِنْ بَابَةِ النَّصِيْحَةِ أنْ نَمُدَّ حَبْلًا مِنْ أبْوَابِ العِلْمِ والبَيَانِ في الرَّدِّ على هَذِهِ الكِذْبَةِ الصَّلْعَاءِ، والنَّظَرِيَّةِ الجَوْفَاءِ مِنْ خِلالِ عَشَرَةِ وُجُوْهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: مِنَ المَعْلُوْمِ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُورَةِ أنْ أكْثَرَ أرْكَانِ الإسْلامِ الخَمْسَةِ مُتَوَقِّفَةٌ على الرُّؤيَا بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ.

- فَهَذِهِ الصَّلاةُ: عِبَادَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ على رُؤيَةِ الشَّمْسِ.

كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ على المؤمِنِيْنَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:103].

وقَالَ تَعَالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:78].

وقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسِ، وكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كطُوْلِهِ، مَا لم يَحْضُرِ العَصْرُ، ووَقْتُ العَصْرِ مَا لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، ووَقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ مَا لم يَغِبِ الشَّفَقُ، ووَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ إلى نَصْفِ اللَّيْلِ الأوْسَطِ، ووَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوْعِ الفَجْرِ، مَا لم تَطْلُعِ الشَّمْسُ» مُسْلِمٌ.

* * *

- وهَذَا الصِّيَامُ: عِبَادَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ على رُؤيَةِ الهِلالِ والشَّمْسِ.

كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187].

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إذَا رَأيْتُمُوْهُ (الِهلالَ) فَصُوْمُوا، وإذَا رَأيْتُمُوْهُ فَأفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَاقْدِرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وأدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وغَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* * *

- وهَذَا الحَجُّ: عِبَادَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ على رُؤيَةِ القَمَرِ (الهِلالَ).

كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]، وقَالَ تَعَالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الحَجُّ عَرَفَاتُ» أخْرَجَهُ أحمَدُ (4/ 335)، وأبُو دَاوُدَ (1949)، وهُوَ صَحِيْحٌ، ولا يُمْكِنُ التَّحَقُّقُ مِنَ اليَوْمِ التَّاسِعِ، ويَوْمِ النَّحْرِ، وأيَّامِ التَّشْرِيْقِ إلَّا برُؤيَةِ هِلالِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ.

- وهُنَاكَ كَثِيْرٌ مِنَ العِبَادَاتِ، والأحْكَامِ، والعُقُوْدِ الشَّرْعِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ على رُؤَيَةِ القَمَرِ أو الشَّمْسِ: مِثْلُ صِيَامِ عَاشُوْرَاءَ، وكُلِّ عِبَادَةٍ قَامَتْ على شَرْطٍ مُعَلَّقٍ بزَمَنٍ: كالكَفَّارَاتِ، والأيْمانِ، والنُّذُوْرِ، والطَّلاقِ، والعِتَاقِ، والعُدَدِ وغَيْرِهَا، كَما هُوَ مَبْسُوْطٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَيْسَ هَذَا مَحَلَّ تَفْصِيْلِهَا.

* * *

أمَّا صَلاةُ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ فَلا شَكَّ أنَّها عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلى سُنِّيَّتِهَا(2)، وهِيَ أيْضًا مُتَوَقِّفَةٌ على رُؤيَةِ الشَّمْسِ أو القَمَرِ؛ لأنَّه لا يَجُوْزُ شَرْعًا أنْ يُصَلَّى لهُما إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا مِنْ رُؤْيَـِة كُسُوْفِ الشَّمْسِ، أو خُسُوْفِ القَمَرِ... لأنَّهما عِبَادَتَانِ لا يَجُوْزُ الاعْتِمادُ فِيْهِما على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ سَوَاءٌ صَدَقَتْ أو كَذَبَتْ؛ لأنَّنا مُطَالَبُوْنَ شَرْعًا أنْ نَنْظُرَ إلى حَقِيْقَةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، لِذَا لَوْ حَجَبَتِ السُّحُبُ أو غَيْرُهَا عَنَّا رُؤْيَةَ الكُسُوْفِ أو الخُسُوْفِ؛ فَلا يَجُوْزُ لَنَا والحَالَةُ هَذِهِ أنْ نُصَلِّي لهُما اعْتِمَادًا على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، وهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ وغَيْرُهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، فالحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ.

الوَجْهُ الثَّاني: فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا...» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وهَذَا الحَدِيْثُ دَلِيْلٌ قَطْعِيٌّ على أنَّ صَلاةَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ عِبَادَتَانِ شَرْعِيَّتانِ لا تَتَوَقَّفَانِ على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، والأرْصَادِ الجَوِّيَّةِ؛ بَلْ على الأشْيَاءِ المَحْسُوْسَةِ والمَسْمُوْعَةِ والمَرْئِيَّةِ؛ لِذَا لا تَحْتَاجُ إلى تَكَلُّفٍ، أو تَعَمُّقٍ، أو مَشَقَّةٍ؛ بِحَيْثُ يَسْتَطِيْعُ الأعْرَابيُّ في بَادِيَتِهِ، والبَعِيْدُ في قَرْيَتِهِ أنْ يَعْبُدَ الله تَعَالى على بَصِيْرَةٍ دُوْنَ النَّظَرِ إلى الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ ونَحْوِهَا!

* * *

فَدَلالَةُ هَذَا الحَدِيْثِ وَاضِحَةٌ على أنَّ الدِّيْنَ الإسْلامِيَّ مَبْنِيٌّ على التَّيْسِيْرِ، ورَفْعِ الحَرَجِ حَيْثُ أُنِيْطَتْ أحْكَامُهُ على الرُّؤيَةِ لرَفْعِ الحَرَجِ عَنِ المُسْلِمِيْنَ في مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيْرِ، بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بنَفِي تَعْلِيْقِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ على الحِسَابِ أصْلًا.

ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم في الحَدِيْثِ: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فَأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولم يَقُلْ فَسْألُوا أهْلَ الحِسَابِ؟!

والحِكْمَةُ فِيْهِ أيْضًا: كَوْنُ العَدَدِ عِنْدَ الإغْماءِ يَسْتَوِي فِيْهِ المُكَلَّفُوْنَ، فَيَرْتَفِعُ الاخْتِلافُ والنِّزَاعُ عَنْهُم.

فالعَمَلُ إذًا بعَمَلِ المُنَجِّمِيْنَ لَيْسَ مِنْ هَدْيِنَا، بَلْ إنَّما رُبِطَتْ عِبَادَتُنَا بأمْرٍ وَاضِحٍ، وهُوَ رُؤيَةُ الهِلالِ، فَإنَّا نَرَاهُ مَرَّةً لتِسْعٍ وعِشْرِيْنَ، وأخْرَى لثَلاثِيْنَ.

فالَّذِي جَاءَتْ بِهِ شَرِيْعَتُنا أكْمَلُ الأمُوْرِ؛ لأنَّه وقَّتَ الشَّهْرَ بَأمْرٍ طَبِيْعِيٍّ ظَاهِرٍ عَامٍّ يُدْرَكُ بالأبْصَارِ، فَلا يَضِلُّ أحَدٌ عَنْ دِيْنِهِ، ولا يُشْغِلُهُ مُرُاعَاتُهُ عَنْ شَيءٍ مِنْ مَصَالحِهِ، ولا يَدْخُلُ بسَبَبِهِ فيما لا يَعْنِيْهِ، ولا يَكُوْنُ طَرِيْقًا إلى التَّلْبِيْسِ في دِيْنِ الله، كَما يَفْعَلُ بَعْضُ عُلَماءِ أهْلِ المِلَلِ بمِلَلِهِم(3).

* * *

وظَهَرَ بذَلِكَ أنَّ الأمَّةَ المَذْكُوْرَةَ في هذا الحَدِيْثِ: هِيَ صِفَةُ مَدْحٍ وكَمالٍ، مِنْ وُجُوْهٍ:

مِنْ جَهَةِ الاسْتِغْنَاءِ عَنِ الكِتَابِ والحِسَابِ، بِما هُو أبْيَنُ مِنْهُ وأظْهَرُ، وهُو الهِلالُ.

ومِنْ جَهَةِ أنَّ الكِتَابَ والحِسَابَ هُنَا يَدْخُلُهُما غَلَطٌ.

ومِنْ جِهَةِ أنَّ فيهِما تَعَبًا كَثِيْرًا بِلا فَائِدَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ شُغُلٌ عَنِ المَصَالِحِ، إذْ هَذَا مَقْصُوْدٌ لغَيْرِهِ لا لنَفْسِهِ، وإذَا كَانَ نَفْيُ الكِتَابِ والحِسَابِ عَنْهُم للاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بخَيْرٍ مِنْهُ، وللمَفْسَدِةِ الَّتِي كَانَ فيهِ الكِتَابُ والحِسَابُ في ذَلِكَ نَقْصًا وعَيْبًا، بَلْ سَيِّئَةً وذَنْبًا، فَمَنْ دَخَلَ فيهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الأمَّةِ الأمِّيَّةِ فيما هُو مِنَ الكَمالِ والفَضْلِ السَّالمِ عَنِ المَفْسَدَةِ، ودَخَلَ في أمْرٍ نَاقِصٍ يُؤدِّيْهِ إلى الفَسَادِ والاضْطِرَابِ.

ولهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ كَلامَ هَؤلاءِ بَيْنَ عُلُوْمٍ صَادِقَةٍ لا مَنْفَعَةَ فيهَا، ونَعُوْذُ بالله مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وبَيْنَ ظُنُوْنٍ كَاذِبَةٍ لا ثِقَةَ بِها، وأنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ، ولَقَدْ صَدَقَ!

فإنَّ الإنْسَانَ الحَاسِبَ إذَا ضَيَّعَ نَفْسَهُ في حِسَابِ الدَّقَائِقِ والثَّواني كَانَ غَايَتُهُ مَا لا يُفيدُ، وإنَّما تَعِبُوا عَلَيْهِ لأجْلِ الأحْكَامِ، وهِيَ ظُنُوْنٌ كَاذِبَةٌ.

مَعَ تَعْبٍ وتَضْيِيْعِ زَمَانٍ كَثِيْرٍ، واشْتِغَالٍ عَمَّا يَعْنِي النَّاسَ، ومَا لابَدَّ لَهُ مِنْهُ، ورُبَّما وقَعَ فيهِ الغَلَطُ والاخْتِلافُ.

أمَّا الكَلامُ في الشَّرْعِيَّاتِ فإنْ كَانَ عِلمًا كَانَ فيهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وإنْ كَانَ ظَنًّا مِثْلَ الحُكْمِ بشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، أو العَمَلِ بالدَّلِيْلِ الظَّنِّي الرَّاجِحِ فَهُو عَمَلٌ بعِلْمٍ، وهُو ظَنٌّ يُثَابُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ(4).

* * *

يَقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (3/ 226): وأمَّا أسْبَابُ الكُسُوْفِ وحِسَابُه والنَّظَرُ في ذَلِكَ، فَإنَّه مِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِهِ، ولا يَنْفَعُ نَفْعَ العِلْمِ بِما جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَفَرْقٌ بَيْنَ هُذَا العِلْمِ وبَيْنَ عُلُوْمِ هَؤلاءِ.

وقَدْ بيَّنَّا أنَّ غَايَةَ هَذَا ـ لَوْ صَحَّ وسَلِمَ مِنَ الخَلَلِ جَمِيْعِهِ ولا سَبِيْلِ إلَيْهِ ـ لَكَانَ جُزْءَ السَّبَبِ والعِلَّةِ، والحُكْمُ لا يُضَافُ إلى جُزْءِ سَبَبِهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ سَبَبًا تَامًّا فَصَوارِفُهُ ومَوانِعُهُ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ ألْبتَّةَ، والحُكْمُ إنَّما يُضَافُ إلى وُجُوْدِ سَبَبِهِ التَّامِ وانْتِفَاءِ مَانِعِهِ.

وهَذِهِ الأسْبَابُ والمَوانِعُ، ممَّا لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ ولا ضَبْطٍ إلا لمَنْ أحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وأحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، لا إلَهَ إلا هُو عَلامُ الغُيُوْبِ! انْتَهَى.

* * *

وقَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في "مَجْمُوَع الفَتَاوَى" (25/ 183): وقَدْ عُلِمَ بالعَقْلِ والنَّقْلِ: أنَّ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ أهْلِ الحِسَابِ كُلَّهِم مُتَّفِقُوْنَ على أنَّه لا يُمْكِنُ ضَبْطُ الرُّؤيَةِ بحِسَابٍ؛ بحَيْثُ يُحْكَمُ بأنَّه يُرَى لا مَحَالَةً، أو لا يُرَى ألبَتَّةَ على وجْهٍ مُطَّرِدٍ، وإنَّما قَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ، أو لا يُمْكِنُ بَعْضُ الأوْقَاتِ، ولهَذَا كَانَ المُعْتَنُوْنَ بِهَذَا الفَنِّ مِنَ الأمَمِ: كَأهْلِ الرُّوْمِ، والهِنْدِ، والفُرْسِ، والعَرَبِ، وغَيْرِهِم مِثْلُ بَطْلِيْمُوْسَ الَّذِي هُو مُقَدِّمُ هَؤلاءِ ومَنْ بَعْدَهُم قَبْلَ الإسْلامِ وبَعْدَهَ: لم يَنْسُبُوا إلَيْهِ في الرُّؤيَةِ حَرْفًا واحِدًا، ولا حَدُّوْهُ، كَما حَدُّوا اجْتِماعَ القُرْصَيْنِ، وإنَّما تَكَلَّمَ بِهِ قَوْمٌ مِنْهُم مِنْ أبْنَاءِ الإسْلامِ.

وقَالَ أيْضًا (207): ولا رَيْبَ أنَّه ثَبَتَ بالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ واتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ أنَّه لا يَجُوْزُ الاعْتِمادُ على حِسَابِ النُّجُوْمِ، كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيْحَيْنَ انَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ، ولا نَحْسِبُ، صُوْمُوا لرُؤيَتِهِ، وافْطِرُوا لرُؤيَتِهِ».

والمُعْتَمِدُ على الحِسَابِ في الهِلالِ، كَما أنَّه ضَالٌّ في الشَّرِيْعَةِ، مُبْتَدِعٌ في الدِّيْنِ: فَهُو مُخْطِئ في العَقْلِ، وعِلْمِ الحِسَابِ!

فَإنَّ العُلَماءَ بالهَيْئَةِ يَعْرِفُوْنَ أنَّ الرُّؤيَةَ لا تَنْضَبِطُ بأمْرٍ حِسَابي، وإنَّما غَايَةُ الحِسَابِ مِنْهُم إذَا عَدَلَ أنْ يَعْرِفَ كَمْ بَيْنَ الهِلالِ والشَّمْسِ مِنْ دَرَجَةٍ وقْتَ الغُرُوْبِ مَثَلًا، لكِنَّ الرُّؤيَةَ لَيْسَتْ مُنْضَبِطَةً بدَرَجَاتٍ مَحْدُوْدَةٍ، فَإنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ حِدَّةِ النَّظَرِ وكَلالِهِ، وارْتِفَاعِ المَكَانِ الَّذِي يَتَرَاءى فيهِ الهِلالُ، وانْخِفَاضِهِ، وباخْتِلافِ صَفَاءِ الجَوِّ وكَدَرِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَالَ أيْضًا (141): فلِهَذَا ذَكَرْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ حِفْظًا لهَذَا الدِّيْنِ عَنْ إدْخَالِ المُفْسِدِيْنَ؛ فَإنَّ هَذَا ممَّا يُخَافُ تَغْيِيْرُهُ، فَإنَّه قَدْ كَانَتِ العَرَبُ في جَاهِلِيَّتِهَا قَدْ غَيَّرَتْ مِلَّةَ إبْرَاهِيْمَ بالنَّسِيءِ الَّذِي ابْتَدَعَتْهُ، فَزَادَتْ بِه في السَّنَةِ شَهْرًا جَعَلَتْهُ كَبِيْسًا؛ لأغْرَاضٍ لهُم، والله أعْلَمُ. انْتَهَى.

فَإذَا تَبَيِّنَ ذَلِكَ؛ عَلِمْنَا أنَّ صَلاةَ الكُسُوْفِ لا تُقامُ شَرْعًا إلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنَ النَّظَرِ إلى الكُسُوْفِ بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ؛ فأيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلهم لا تَنْظُرُوا إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا؟!

* * *

الوَجْهُ الثَّالِثُ: فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيْثِ المُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيْمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لمَوْتِ إبْرَاهِيْمَ، فَقَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لا يَنْكَسِفَانِ لمَوْتِ أحَدٍ ولا لحَيَاتِهِ، ولكِنَّهُما آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ»، وفي رِوَايَةٍ: «فَإذا رَأيْتُمُوْهُما؛ فَادْعُوا الله وصَلُّوا؛ حَتَّى تَنْكَشِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِ: «حَتَّى تَنْجَلي»، وفي رِوَايَةٍ لهُما: «إنَّ الله يُخَوِّفُ بِهِما عِبَادَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَفي هَذِهِ الأحَادِيْثِ دَلالاتٌ وَاضِحَاتٌ على أنَّ النَّظَرَ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَجِبُ تَحقُّقُهُ؛ نَذْكُرُ منْهَا مَا يَلي:

أوَّلاً: فَفِي قَوْلِهِ: «فَإذَا رَأيْتُمُوْهُمَا»، دَلالةٌ جَلِيَّةٌ على وُجُوْبِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أنَاطَ صَلاةَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ عِنْدَ التَّحَقُّقِ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهَا، لِذَا لا يَجُوْزُ لَنَا شَرْعًا أنْ نُقِيْمَ هَذِهِ العِبَادَةَ إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ إلَيْهَا بالعَيْنِ المُجَرَّدَِةِ وقَدْ دَلَّ على هَذَا أحَادِيْثُ مُسْتَفِيْضَةٌ بألْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ؛ تَقْطَعُ بمَجْمُوْعِهَا: بوُجُوْبِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ تَحْقِيْقًا لصَلاةِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ.

فبِهَذَا نَعْلَمُ أنَّ النَّظَرَ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ شَرْطٌ لصِحَّةِ صَلاةِ الكُسُوْفِ.

* * *

ثَانِيًا: وفي قَوْلِهِ: «فَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ»، وقَوْلِهِ: «حَتَّى تَنْجَلي»، دَلِيْلٌ على أنَّ صَلاةَ الكُسُوْفِ مَوْقُوْتَةٌ ابْتِدَاءً وانْتِهَاءً؛ فالصَّلاةُ لا تُصَلَّى ابْتِدَاءً إلَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الكُسُوْفِ، ونِهايَتِهَا عِنْدَ انْجِلائِهَا؛ وكِلا الأمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ على رُؤيَةِ الشَّمْسِ بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، وهَذَا لا يَعْنِي أنَّ الصَّلاةَ تَسْتَمِرُ مِنْ أوَّلِ الكُسُوْفِ حَتَّى نِهايَتِهِ؛ بَلِ الصَّلاةُ مَا بَيْنَ الرُّؤيَةِ للكُسُوْفِ والانْجِلاءِ سَوَاءٌ طَالَتِ الصَّلاةُ أم قَصُرَتْ.

* * *

ثَالِثًا: وفي قَوْلِهِ: «إن الشَّمْسَ والقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آيَاتِ الله... يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»؛ دَلِيْلٌ على وَحْدَانِيَّةِ الله، وعَظِيْمِ قُدْرَتِهِ، وتَخْوِيْفِ العِبَادِ مِنْ بَأسِ الله وسَطْوَتِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59].

ومَعْنَى الآيَةِ في الحَدِيْثِ، هُوَ مَا ذَكَرَهُ المُنَاوِيُّ رَحِمَهُ الله في "فَيْضِ القَدِيْرِ" (2/ 692): "الشَّيءُ الغَرِيْبُ الَّذِي خَالَفَ المَعْهُوْدَ ممَّا يَسْتَجْلِبُ انْتِبَاهَ النَّاسِ، ولَوْ كَانَ الكُسُوْفُ بالحِسَابِ لم يَكُنْ للأمْرِ بالعِتْقِ، والصَّدَقَةِ، والصَّلاةِ، والذِّكْرِ مَعْنًى؛ فَإنَّ ظَاهِرَ الأحَادِيْثِ أنَّ ذَلِكَ يُفِيْدُ التَّخْوِيْفَ، وإنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أنْوَاعِ الطَّاعَةِ يُرْجَى أنْ يُدْفَعَ بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أثَرِ ذَلِكَ الكُسُوْفِ" انْتَهَى.

ونَقَل المُنَاوِيُّ أيْضًا (2/ 692) عَنِ الطَّبرِيِّ قَوْلَهُ: "وللكُسُوْفِ فَوَائِدُ:

مِنْهَا: ظُهُوْرُ التَّصَرُّفِ في هَذَيْنِ الخَلْقَيْنِ العَظِيْمَيْنِ، وإزْعَاجُ القُلُوْبِ الغَافِلَةِ، وإيْقَاظُها، وليَرَ النَّاسُ أنْمُوْذَجَ القِيَامَةِ، وكَوْنُهُما يَفْعَلُ بِهِما ذَلِكَ، ثُمَّ يُعَادَانِ فَيَكُوْنُ تَنْبِيْهًا على خَوْفِ المَكْرِ، ورَجَاءِ العَفْوِ، والإعْلامِ بَأنَّه قَدْ يُؤْخَذُ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ؛ فَكَيْفَ بمَنْ لَهُ ذَنْبٌ؟ وقَالَ الزَّمخشَريُّ فَقَالُوا: حِكْمَةُ الكُسُوْفِ أنَّه تَعَالى مَا خَلَقَ خَلْقًا إلَّا قَيَّضَ لَهُ تَغْيِيْرَهُ، أو تْبْدِيْلَهُ ليَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ على أنَّ لَهُ مُسَيِّرًا، ومُبَدِّلًا؛ ولأنَّ النَّيِّرَيْنِ يُعْبَدَانِ مِنْ دُوْنِ الله تَعَالى فَقَضَى عَلَيْهِما بسَلْبِ النَّوْرِ عَنْهُما لأنَّهما لَوْ كَانَا مَعْبُوْدَيْنِ لدَفَعَا عَنْ نَفْسَيْهِما مَا يُغَيِّرُهُما ويَدْخُلُ عَلَيْهِما. انْتَهَى.

وكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّخْوِيْفِ الجَالِبِ لعَظَمَةِ الله تَعَالى لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بالنَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ.

ومَنِ ادَّعَى أنَّ التَّخْوِيْفَ يَصْدُقُ أيْضًا لمَنْ لم يَنْظُرْ إلَيْهَا اعْتِمادًا على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، قُلْنَا لَهُ: لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ مُكَابَرَةٌ، ومُخَالَفَةٌ للفِطَرِ السَّلِيْمَةِ، لأنَّ الخَوْفَ مِنَ الله تَعَالى عِبَادَةٌ مُلازِمَةٌ لله في جَمِيْعِ الأحْوَالِ السَّرَّاءِ مِنْهَا والضَّرَاءِ، ولَوْ كَانَ كَذَلِكَ لم يَكُنْ للكُسُوْفِ مَعْنىً للتَّخْوِيْفِ إلَّا إذَا قُلْنَا أنَّ هُنَاكَ تَخْوِيْفًا خَاصًّا زَائِدًا على التَّخْوِيْفِ العَام؛ وهُوَ مَا يَظْهَرُ ويَتَحَقَّقُ عِنْدَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا، والله أعْلَمُ.

* * *

الوَجْهُ الرَّابِعُ: القَوْلُ بعَدَمِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ فِيْهِ مُصَادَمَةٌ للفِطْرَةِ والحِسِّ؛ لأنَّ الفِطَرَ والنُّفُوْسَ جُبِلَتْ على مُشَاهَدَةِ التَّغَيُّرَاتِ الكَوْنِيَّةِ، والآيَاتِ الإلهِيَّةِ، وهَذِهِ ضَرُوْرَةٌ نَجِدُهَا عِنْدَ سَائِرِ بَنِي آدَمَ.

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ الإنْسَانَ بفِطْرَتِهِ إذَا سَمِعَ مَثَلًا عَنْ: دَجَاجَةٍ لهَا ثَلاثَةُ أرْجُلٍ؛ لا يَسَعُهُ إلَّا رُؤيَتُهَا إذَا أمْكَنَ، ولَوْ تَكَلَّفَ الصِّعَابَ؛ فَكَيْفَ والحَالَةُ هَذِهِ إذَا كَانَ الأمْرُ أعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ؟ وهُوَ كُسُوْفُ الشَّمْسِ الَّذِي جَعَلَهُ الله تَعَالى آيَةً مِنْ آيَاتِهِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ التَّخْوِيْفَ مِنْهُ، والإقْلاعَ عَنِ المَعَاصِي، والتَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوْبِ، وطَلَبَ العِبَادَةِ كالصَّلاةِ، والصَّدَقَةِ، والدُّعَاءِ، والاسْتِغْفَارِ، والعِتْقِ؟!

* * *

الوَجْهُ الخَامِسُ: ولَوْ كَانَ الأمْرُ كَمَا قَالُوا: وهُوَ عَدَمُ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ لمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ المُحَقَّقِ!

لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَظَنَّ النَّاسُ بالشَّرَيْعَةِ ظَنَّ السَّوْءِ (عِيَاذًا بالله!)، وذَلِكَ بأنَّها تَأمُرُ بِما فِيْهِ ضَرَرٌ، وشَرٌ مَحْضٌ، وذَلِكَ بالنَّظَرِ إلى كُسُوْفِ الشَّمْسِ!

فَإذَا تَحَقَّقَ لَنَا أنَّ هَذَا مُحَالٌ في حَقِّ الشَّرِيْعَةِ كَمَا أوْضَحْنَاهُ في الفَصْلِ الأوَّلِ مِنَ البَابِ الأوَّلِ، تَبَيِّنَ فَسَادُ قَوْلهِم، والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمَيْنَ.

* * *

الوَجْهُ السَّادِسُ: أنَّ الوَاقِعَ والمُشَاهَدَ قَدْ خَالَفَ نَظَرِيَّتَهُم الجَوْفَاءَ؛ لأنَّنَا وَجَدْنَا وشَاهَدْنَا وسَمِعْنَا أنَّ جُمُوعًا مِنَ البَشَرِيَّةِ لا يُحْصِيْهِم إلَّا الله تَعَالى قَدْ نَظَرُوا إلى الكُسُوْفِ سَوَاءٌ مِنْ أهْلِ البَادِيَةِ والقُرَى ممَّنْ لم تَصِلْهُمُ الأخْبَارُ الفَاجِعَةُ المُحَذِّرَةُ، أو ممَّنْ لُقِّنَ التَّحْذِيْرَاتِ الطِّبِّيَّةَ؛ والإرْشَادَاتِ الأمْنِيَّةَ؛ ومَعَ هَذَا لم نَسْمَعْ بِشَيءٍ مِنْ تِلْكُمُ الأمْرَاضِ والإصَابَاتِ الَّتِي ظَنَّ الجَمِيْعُ أنَّها سَوْفَ تَكُوْنُ بقَدْرِ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ التَّحْذِيْرَاتِ، أو قَرِيْبًا مِنْهُ؛ لكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، فدُوْنَ مَا يُحَذِّرُوْنَ خَرْطُ القَتَادِ!

كَمَا أنَّني قُمْتُ بنَفْسِي مَعَ بَعْضِ الإخْوَةِ الصَّالحِيْنَ بتَحْقِيْقِ النَّظَرِ في الكُسُوْفِ وَقْتَئِذٍ، تَحْقِيْقًا للمَطْلَبِ الشَّرعِيِّ، وإبْطَالًا للظُّنُوْنِ الفَلَكِيَّةِ، فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْ تَخَاوِيْفِ مَا حَذَّرُوا مِنْهُ، والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ!

* * *

- ولَعَلَّ قَائِلًا يَقُوْلُ: لَقَدْ وُجِدَتْ بَعْضُ الإصَابَاتِ، كَمَا نَشَرَتْهُ بَعْضُ الصُّحُفِ، وغَيْرُهَا!

قُلْتُ: والجَوَابُ على هَذَا مِنِ اعْتِبَارَاتٍ ثَلاثَةٍ، كَمَا يَلي:

الاعْتِبَارُ الأوَّلُ: أنَّ هَذَا الخَبرَ يَحْتَاجُ إلى دَلِيْلٍ قَطْعِيٍّ، عَنْ طَرِيْقٍ صَحِيْحٍ، كَما قَاَل تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6].

الاعْتِبَارُ الثَّاني: إذَا سَلَّمْنَا بصِحَّةِ هَذَهِ الأخْبَارِ؛ فَهِيَ لا تَعْدُ في الحَقِيْقَةِ إلَّا حَالاتٍ نَادِرَةً لا تَتَنَاسَبُ مَعَ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ التَّحْذِيْرَاتِ؛ وفِيْهِ أيْضًا دَلِيْلٌ على أنَّ هَذِهِ الحَالاتِ لم تَكُنْ مِنْ عَوَاقِبِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ؛ هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ عَدَدَ العَالم البَشَرِي اليَوْمَ يَتَجَاوَزُ (السِّتَّةَ مِلْيَارَ) نَسَمَةٍ تَقْرِيْبًا، فَمِنَ المَعْلُوْمِ قَطْعًا أنَّ جُمُوعًا كَبِيرَةً مِنَ النَّاسِ سَوْفَ تُرَاجِعُ مُسْتَشْفَيَاتِ وعِيَادَاتِ العُيُوْنِ سَوَاءٌ للمُرَاجَعَاتِ الكَشْفِيَّةِ أو لإصْابَاتٍ بأمْرَاضٍ لَيْسَتْ مِنْ جَرَّاءِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ؛ وهَذَا يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ دُوْنَ اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الكُسُوْفِ أو غَيْرِهِ!

وهَذَا لَيْسَ بالضَّرُوْرِي أنَّ هَذِهِ المُرَاجَعَاتِ لمُسْتَشْفَيَاتِ وعِيَادَاتِ العُيُوْنِ في نَفْسِ اليَوْمِ كَانَتْ بسَبَبِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ، وهَذَا مِنَ المَعْلُوْمِ بضَرُوْرَةِ الوَاقِعِ والشَّاهِدِ.

عِلْمًا أنَّ أكْثَرَ الحَالاتِ الَّتِي ذَكَرَتْها الصُّحُفُ كَانَتْ حَالاتٍ وَهمِيَّةً لا حَقِيْقَةَ لهَا مِنَ الصِّحَّةِ؛ وذَلِكَ بحُكْمِ الأوْهَامِ، والوَسَاوِسِ الَّتِي عَشَّشَتْ في قُلُوْبِ أكْثَرِ النَّاسِ جَرَّاءَ السَّيْلِ الهَائِلِ مِنَ التَّحْذِيْرَاتِ، والإرْشَادَاتِ المُوْهِمَةِ.

وكَذَا مَا صَرَّحَتْ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَرَاكِزِ الصِّحِّيَّةِ ـ المَحَلِّيَّةِ والعَالمِيَّةِ ــ للعُيُوْنِ: أنَّه لم يَصِلْهَا أيَّةُ حَالَةٍ؛ بسَبَبِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ!

الاعْتِبَارُ الثَّالِثُ: وإذَا سَلَّمْنَا بوُجُوْدِ هَذِهِ الحَالاتِ المَرَضِيَّةِ فَهِي لا تَتَعَارَضُ مَعَ أحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ؛ بَلْ وُجُوْدُهَا في هَذَا اليَوْمِ ـ الأرْبِعَاءِ ـ شَيءٌ قَدَّرَهُ الله كَوْنًا لا شَرْعًا؛ للابْتِلاءِ والفِتْنَةِ لبَعْضِ العِبَادِ، ليَحْيَ مَنْ يَحْيَا عَنْ بَيِّنَةِ، ويَهْلِكَ مِنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةِ، كَمَا هُوَ الحَالَ فِيْما يُجْرِيْهِ الله تَعَالى مِنَ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ على أيْدِي بَعْضِ السَّحَرَةِ، والكُهَّانِ، وكَذَا مَا سَيَجْرِيْهِ سُبْحَانَهُ على يَدِ المَسِيْحِ الدَّجَّالِ آخِرَ الزَّمَانِ، والله أعْلَمُ.

* * *

- ولَعَلَّ قَائِلًا يَقُوْلُ: لَقَدْ ثَبَتَ عَنِ المُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّه نَظَرَ إلى الشَّمْسِ وهِيَ كَاسِفَةً فعُمِيَ!

فقَدْ أخْرَجَ هذا الأثَرَ ابنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ الله في "تَارِيخِ دِمِشْقَ" (60/ 22) قَالَ: أخْبَرَتْنَا أمُّ البَهَاءِ بِنْتُ البَغْدَادِيِّ قَالَتْ أنَا أبو طَاهِرٍ بنُ مَحْمُوْدٍ أنا أبو بَكْرٍ بنُ المُقْرئ أنا أبو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ نا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدٍ قَالَ قَالَ يَعْقُوْبُ عَنْ أبَيْهِ عَنِ المُغِيْرَةِ بنِ الرَّيَّانِ عَنِ الزُّهْريِّ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ يَنْظُرُ إلَيْهَا فذَهَبَتْ عَيْنُهُ».

وكَذَا فَقَدْ أوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ الله مُعَلَّقًا في كِتَابِهِ "سِيَرِ أعْلامِ النُّبَلاءِ" (3/ 21)؛ حَيْثُ قَالَ: «رَوَى مُغِيْرَةُ بنُ الرَّيَّانِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ المُغَيرَةُ بنُ شُعْبَةَ يَنْظُرُ إلَيْهَا، فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ».

قُلْتُ: إنَّ هَذَا الأثَرَ عَنِ المُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ لا يَصِحُّ مَتْنًا، ولا سَنَدًا؛ كَمَا يَلي:

- أمَّا سَنَدًا: فَهُوَ مُعَلَّلٌ مِنْ وُجُوْهٍ:

أوَّلاً: أنَّ إسْنَادَ هَذَا الأثَرِ مُنْكَرٌ؛ لتَفَرُّدِ المُغِيْرَةِ بنِ الرَّيَّانِ بِهِ عَنِ الزُّهْريِّ، فمُغِيْرَةُ هَذَا مَجْهُوْلُ العَيْنِ؛ حَيْثُ لم أجِدْ لَهُ تَرْجَمَةً في كُتُبِ التَّراجِمِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ.

ثَانِيًا: فِيْهَ أيْضًا انْقِطَاعٌ بَيْنَ مُغِيْرَةَ بنِ الرَّيَّانِ والزُّهْرِيِّ، فمُغِيْرَةُ هَذَا لَيْسَ ممَّنْ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ.

ثَالِثًا: فِيْهِ أيْضًا انْقِطَاعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ وعَائِشَةَ، فالزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ الله لم يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَهُ أهْلُ العِلْمِ.

رَابِعًا: نَجِدُ أيْضًا الذَّهِبيَّ رَحِمَهُ الله نَفْسَهُ لم يَجْزِمْ بهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه أوْرَدَ رِوَايَاتٍ مُتَعَارِضَةً لهَذِهِ القِصَّةِ، ولم يُصَرِّحْ بضَعْفِهَا!

فَقَالَ (3/ 23): "عَنْ أبي مُوْسَى الثَّقَفِيِّ قَالَ: كَانَ المُغِيْرَةُ رَجُلًا طُوَالًا، أعْوَرَ، أُصِيْبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ اليَرْمُوْكَ.

وعَنْ غَيْرِهِ: ذَهَبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ القَادِسِيَّةِ، وقِيْلَ: بالطَّائِفِ، ومَرَّ مَعَنَا أنَّها ذَهَبَتْ مِنْ كُسُوْفِ الشَّمْسِ" انْتَهَى.

وهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ الله دَلِيْلٌ على اضْطِرَابِ الرِّوَايَةِ!

خَامِسًا: وهَذَا الحَافِظُ المِزِّيُّ رَحِمَهُ الله يُفصِحُ لَنَا عَنْ ضَعْفِ الرِّوَايَةِ؛ حَيْثُ أوْرَدَهَا بصِيْغَةِ التَّمْرِيْضِ.

حَيْثُ قَالَ في كِتَابِهِ "تَهْذِيْبِ الكَمَالِ" (28/ 372): «ورُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ فَنَظَرَ إلَيْهَا فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ»، وهَذَا دَلِيْلٌ مِنْهُ على ضَعْفِ الرِّوَايَةِ كَما هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ حُذَّاقِ الحَدِيْثِ؛ لاسِيَّما أنَّ المِزِّيَّ مِنْ أئِمَّةِ هَذَا الشَّأنِ، وهُوَ يُدْرِكُ مَا يَقُوْلُ!

* * *

- أمَّا مَتْنًا: فَضَعْفُهُ مِنْ وُجُوْهٍ:

أوَّلاً: أنَّ المَتْنَ فِيْهِ اضْطِرَابٌ بَيِّنٌ؛ فالحَادِثَةُ وَاحِدَةٌ والأسْبَابُ كَثِيرَةٌ!

فَمَرَّةً يَكُوْنُ سَبَبُ العَمَى النَّظَرَ إلى الشَّمْسِ، ومَرَّةً يَوْمَ اليَرْمُوْكِ، وأُخْرَى يَوْمَ القَادِسِيَّةِ، وأخْرَى يَوْمَ الطَّائِفِ!

فَهَذَا التَّردُّدُ والاضْطِرَابُ يَقْطَعُ بضَعْفِ الرِّوَايَةِ.

ثَانِيًا: إذَا سَلَّمْنَا بصِحَّةِ هَذَا الأثَرِ –جَدَلًا- فَهُوَ لا يُقَاوِمُ مُعَارَضَةَ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، والقَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ، والإجمْاَعِ القَاطِعِ بمَشْرُوْعِيَّةِ صَلاةِ الكُسُوْفِ عِنْدَ تَحَقُّقِ رُؤْيَةِ الكُسُوْفِ، أو الخُسُوْفِ بالعِيْنِ المُجَرَّدَةِ.

ثَالِثًا: وكَذَا لَوْ صَحَّ الأثَرُ فَهُوَ لا يَعْدُ أنْ يَكُوْنَ مِنَ الأقْدَارِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي قُدِّرِتْ حَالَ النَّظَرِ إلى الكُسُوْفِ، والله أعْلَمُ.

* * *

الوَجَهُ السَّابِعُ: لَقَدْ قَرَّرَ عُلَماءُ الإسْلامِ مِنَ الفُقَهَاءِ والأصُولِيِّيْنَ أنَّه لا يَجُوْزُ في حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم تَأخِيْرُ البَيَانِ وَقْتَ الحَاجَةِ؛ بمَعْنَى أنَّه لا يَجُوْزُ لَهُ أنْ يُؤَخِّرَ بَيَانَ الضَّرَرِ والشَّرِّ النَّاجِمِ للأبْصَارِ مِنَ النَّظَرِ حَالَ الكُسُوْفِ عَنْ أمَّتِهِ؛ لاسِيَّما أنَّه في مَقَامِ البَيَان والتَّوْجِيْهِ والتَّعْلِيْمِ؛ حَيْثُ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَيَّنَ للأمَّةِ الخَيْرَ والشَّرَّ في خُطْبَتِهِ الَّتِي ألْقَاهَا عَلَيْهِم وَقْتَ صَلاةِ الكُسُوْفِ.

فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ ضَرَرٌ سَيُصِيْبُ المُسْلِمِيْنَ في عُيُوْنِهم عِنْدَ أمْرِهِم بالنَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ الكُسُوْفِ، لبَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم بأوْضَحِ عِبَارَةٍ، وأوْجَزِ إشَارٍَة، وحِيْثُما أنَّ الضَّرَرَ لَيْسَ في شَيءٍ مِن النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِها، مَعَ أنَّنا مَأمُوْرُوْنَ بالنَّظَرِ إلَيْهَا، عُلِمَ يَقِيْنًا مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُوْرَةِ أنَّ مَا يَقُوْلُهُ كُفَّارُ الغَرْبِ مِنْ خِلالِ نظَرِيَّاتِهِم الفَلَكِيَّةِ بَاطِلٌ لا يَجُوْزُ الالْتِفَاتُ إلَيْهِ فَضْلًا أنْ نُعَارِضَ بِهِ النُّصُوْصَ الشَّرْعِيَّةَ الدَّالَّةَ على خِلافِهِ!

* * *

الوَجْهُ الثَّامِنُ: أنَّنَا لم نَسْمَعْ على مَرِّ العُصُوْرِ والدُّهُوْرِ أنَّ النَّظَرَ إلى الكُسُوْفِ فِيْهِ أمْرَاضٌ مُسْتَعْصِيَةٌ تُصِيْبُ العَيْنَ؛ فَدُوْنَكَ هَذِهِ الكُسُوْفَاتِ والخُسُوْفَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ مُنْذُ أنْ خُلِقَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ لا يُحْصِيْهَا عَادٌّ، إلَّا الله تَعَالى، لم نَسْمَعْ بشَيءٍ مِنَ هَذَا الهَذَيَانِ!

ولَوْ قَالَ قَائِلُهُم: إنَّ هَذَا الكُسُوْفَ شَاذٌّ عَنْ غَيْرِهِ، قُلْنَا لهُم: لَوْ كَانَ كَما قُلْتُم لبَيَّنَهُ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأنَّ بِهِ تَحْصُلُ أنْوَاعٌ مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كالصَّلاةِ والذِّكْرِ والصَّدَقَةِ والعِتْقِ... وقَدْ تَقَرَّرَ لَدَى كَافَّةِ المُسْلِمِيْنَ أنَّ العِبَادَةَ لا تَتَضَمَّنُ ضَرَرًا بحَالٍ مِنَ الأحْوَالِ.

وهَلْ يُعْقَلُ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَأمُرُنَا بالنَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ الكُسُوْفِ تَحْقِيْقًا للعِبَادَةِ، ورِجَالُ الغَرْبِ يُحَذِّرُوْنَا مِنْ مَغَبَّةِ النَّظَرِ إلَيْهَا؟ هَيْهَاتَ إنَّ هَذَا لشَيءٌ عُجَابٌ!

ولَوْ قَالَ قَائِلُنا أنَّ هَذِهِ المَقُوْلَةَ مِنَ الغَرْبِ: دَسِيْسَةٌ، وتَشْكِيْكٌ في دِيْنِنَا لمَا أبْعَدَ النُّجْعَةَ؛ وقَدْ قِيْلَ!

* * *

الوَجْهُ التَّاسِعُ: إنَّ الحِكْمَةَ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ لم تَكُنْ خَفِيَّةً مَتْرُوكَةً لأنْظَارِ النَّاسِ، واجْتِهَادَاتِهِم، وتَجَارُبِهِم، ونَظَرِيَّاتِهِم، كَلَّا؛ بَلْ أفْصَحَ عَنْهَا سَيَّدُ الخَلْقِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إنَّ الله يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، فالحِكْمَةُ إذًا مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ مَنْصُوْصٌ عَلَيْهَا لا تَحْتَاجُ إلى تَكَلُّفٍ وتَنَطُّعٍ؛ كَمَا ظَنَّهُ جُهَّالُ الغَرْبِ بأنَّ كُسُوْفَ الشَّمْسِ سَيَكُوْنُ مَحَلًّا للأمْرَاضِ المُزْمِنَةِ الَّتِي إذَا أصَابَتِ العَيْنَ فلَنْ يَكُوْنَ لهَا عِلاجٌ!

* * *

الوَجْهُ العَاشِرُ: إذَا سَلَّمْنَا بقَوْلهِم: إنَّ النَّظَرَ إلى الشَّمْسِ سَبَبٌ للأمْرَاضِ المُزْمِنَةِ الَّتِي تُصِيْبُ العَيْنَ، كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا أنْ نَلْتَزِمَ بوَاحِدٍ مِنْ ثَلاثَةٍ:

أوَّلاً: إمَّا أنْ نَمْتَنِعَ عَنْ رُؤيَةِ الشَّمْسِ مُطْلَقًا خَشْيَةَ إصَابَةَ العَيْنِ بالمَرَضِ أو العَمَى المُزْمِنَيْنِ، ومِنْ ثَمَّ نَعْتَمِدُ على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، ونُخَالِفُ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الآمِرَةَ بالنَّظَرِ إلى الشَّمْسِ عِنْدَ كُسُوْفِهَا... وهَذَا غَيِرُ جَائِزٍ بالإجْماعِ؛ فَإذَا كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا شَرْعًا، فَعَلَيْنَا الآتي.

ثَانِيًا: وإذَا تَقَرَّرَ عَدَمُ جَوَازِ الاعْتِمادِ على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ؛ وَجَبَ عَلَيْنَا والحَالَةُ هَذِهِ أنْ نَمْتَنِعَ عَنْ صَلاةِ الكُسُوْفِ بالكُلِّيَّةِ لعَدَمِ قُدْرَتِنَا على النَّظَرِ الشَّرعِيِّ؛ وهُوَ النَّظَرُ إلى الشَّمْسِ بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، وهَذَا أيْضًا لا يَجُوْزُ بالإجْمَاعِ؛ فَإذَا كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا شَرْعًا؛ فَعَلَيْنَا الآتي.

ثَالِثًا: نَقُوْلُ للمُسْلِمِيْنَ لا بُدَّ لوَاحِدٍ مِنَّا أنْ يَفْتَدِيَ بعَيْنَيْهِ، ويُعَرِّضَهَا للخَطَرِ المُتَوَقَّعِ حُدُوْثُهُ مِنْ عَمًى أو أمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ؛ حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِنْ إقَامَةِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ ـ صَلاةِ الكُسُوْفِ ـ وهَذَا الاحْتِمالُ مُطَّرِدٌ في كُلِّ بَلَدٍ أو مَدِيْنَةٍ؛ بمَعْنَى: أنَّهُ يَجِبُ على أهْلِهَا أنْ يَفْتَدُوا بَعَيْنَيْ وَاحِدٍ مِنْهُم.

* * *

وهَذَا كُلُّهُ مُحَالٌ شَرْعًا؛ لأنَّ الشَّرِيْعَةَ لا تَأمُرُ بِما فِيْهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ كَما بَيَنَّاهُ آنِفًا، وبِهَذَا نَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُم: عَدَمُ النَّظَرِ إلى كُسُوْفِ الشَّمْسِ مُمتَنِعٌ شَرْعًا، وبَاطِلٌ وَاقِعًا.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ

***

الفَصْلُ الثَّالِثُ

الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ التَّحْدِيْقِ في الشَّمْسِ

ومِنْ أسَفٍ بَعْدَ تَوَجُّعٍ أنَّ طَائِفَةً مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ ممَّنْ فُتِنُوا بالعُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ؛ لم يَفْتَئُوا يَنْفُخُوْنَ في رَوْعِ إخْوَانِهِم المُسْلِمِيْنَ الشَّكَائِكَ والشُّبُهَاتِ، حَيْثُ نَجِدُهُم لا يَسْأمُوْنَ يَعْتَذِرُوْنَ للغَرْبِ في كُلِّ مَا يُبْدِي ويُعِيْدُ، ولَوْ كَانَ عَلى طَرَفٍ مِنَ الطَّعْنِ وجَانِبٍ مِنَ الغَمْزِ بعُلُوْمِ المُسْلِمِيْنَ!

فَكَانَ مِنْ تَمْتَماتِ بَعْضِهِم، وتَسْرِيْبَاتِ أعْذَارِهِم مَا قَالُوْهُ في تَنَاتِفِ الصُّحُفِ وبَعْضِ اللِّقَاءَاتِ آنَذَاكَ: أنَّ التَّحْذِيْرَ مِنَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ لَيْسَ على إطْلاقِهِ؛ بَلِ التَّحْذِيْرُ مِنَ التَّحْدِيْقِ والتَّركِيْزِ في عَيْنِ الشَّمْسِ قَطُّ!

قُلْتُ: هَذِهِ مُصَادَرَةٌ عَنِ الحَقِيْقَةِ والوَاقِعِ؛ بَلْ في هَذَا الكَلامِ حَشْوٌ وإسْرَافٌ لَيْسَ تَحْتَهُ طَائِلٌ إلَّا اجْتِرَارٌ للكَلامِ.

لأنَّ قَولَهُم هَذَا كَقَوْلِ الرَّجُلِ: السَّماءُ فَوْقَنَا، والأرْضُ تَحْتَنَا، والنَّارُ حَارَّةٌ، والثَّلْجُ بَارِدٌ، وكَقَوْلِ الآخَرِ: إيَّاكَ أنْ تَضَعَ يَدَكَ في النَّارِ، وإيَّاكَ أنْ تَشْرَبَ السُّمَّ الزُّعَافَ!

فَأيُّ فَائِدَةٍ تَحْتَ هَذَا الكَلامِ المَعْلُوْمِ مِنَ الوَاقِعِ والحِسِّ والمُشَاهَدِ بالضَّرُوْرَةِ؛ فَهُوَ لا يَحْتَاجُ إلى عِلْمٍ أو إخْبَارٍ أو تَحْذِيْرٍ؛ فَضْلًا عَنْ هَذَا التَّدَافُقِ الكَبِيْرِ، والحَشْدِ الهَائِلِ مِنَ الأخْبَارِ والتَّحْذِيْرِ والإرْجَافِ المُسْتَطِيْرِ؛ لأنَّ التَّحْدِيْقَ والتَّرْكِيْزَ في عَيْنِ الشَّمْسِ كَافٍ في فَسَادِ وضَرَرِ العَينِ، سَوَاءٌ حَالَ الكُسُوْفِ، أو حَالَ الصَّحْوِ!

في حِيْنَ أنَّ أحَدًا لَوْ قَلَبَ هَذَا التَّعْلِيْلَ عَلَيْهِم؛ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِم ولا بُدَّ، وهُوَ: أنَّنَا إذَا سَلَّمْنَا بضَرَرِ العَيْنِ عِنْدَ تَحْدِيْقِهَا في الشَّمْسِ؛ إلَّا أنَّهُ في حَالِ كُسُوْفِهَا يَكُوْنُ الضَّرَرُ مُنْتَفٍ أو أهْوَنَ مِنْهُ في غَيْرِهِ، لِذَا لا يَجُوْزُ النَّظَرُ إلَيْهَا حَالَ كُسُوْفِهَا!

* * *

هَذَا إذَا عَلِمْنَا: أنَّ عُلَماءَ الفَلَكِ الغَرْبِيِّيْنَ (للأسَفِ) لم يَقُوْلُوا بِهَذَا الإيْرَادِ (المَرْدُوْدِ)؛ بَلْ طَارَ بِهِ، وتَعَلَّقَ بِهِ ضِعَافُ العِلْمِ والنَّظَرِ ممَّنْ أرَادُوا أنْ يَعْتَذِرُوا لرِجَالِ الغَرْبِ، أو يُحَسِّنُوا الظَّنَّ بِهْمِ!

فَرِجَالُ الغَرْبِ في الحَقِيْقَةِ أعْقَلُ مِنْ أنْ يَقُوْلُوا بِهَذِهِ السَّفْسَطَةِ البَارِدَةِ، فَهُم لم يَقْصِدُوا بتَحْذِيْرِهِم سِوَى عَدَمِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ مُطْلَقًا؛ كَما صَرَّحُوا بِه في أخْبَارِهِم؛ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُم: لا يَجُوْزُ النَّظَرُ ولَوْ بقَدْرِ ثَانِيَتَيْنِ! وهَذَا لا يَحْتَاجُ إلى دَلِيْلٍ، أو بُرْهَانٍ؛ لِذَا نَجِدُهُم في بِلادِهِم قَامُوا حَثِيْثًا يَصْرِفُوْنَ، ويَبُثُّوْنَ، ويُنْفِقُوْنَ بَيْنَ شُعُوْبِهِم: "النَّظَّارَاتِ الطِّبِّيَّةَ"، وكذا "الشَّرَائِطَ العَازِلَةَ"، وغَيْرَهَا وِقَايَةً للعَيْنِ مِنَ الأضْرَارِ الخَطِيْرَةِ المُتَوَقَّعَةِ لدَيْهِم (زَعَمُوا)؛ حَتَّى حَذَّرُوا مِنَ الخُرُوْجِ إلى الشَّوَارِعِ حَذَرًا مِنْ أشِعَّةِ الشَّمْسِ؛ فَضْلًا عَنْ رُؤيَتِهَا لمَنْ لا يَمْلِكُ سُبُلَ الوِقَايَةِ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ ممَّا يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّ القَوْمَ يُحَذِّرُوْنَ مِنَ مُطْلَقِ النَّظَرِ! أمَّا التَّرْكِيْزُ والتَّحْدِيْقُ إلى الشَّمْسِ فَلَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ فَضْلًا أن يُحَذِّرَ مِنْهُ!

وكَذَا لَوْ كَانَ الأمْرُ كَمَا قِيْلَ؛ فَأيْنَ هُمْ عَنْ هَذِهِ التَّحْذِيْرَاتِ، والإرْشَادَاتِ مِنْ قَبْلُ؟ أم إنَّها خَفِيَتْ عَلَيْهِم؟ كَلاَّ؛ بَلْ القَوْمُ يَعْلَمُوْنَ مَا يَقُوْلُوْنَ، ويَفْهَمُوْنَ عَمَّا يُحَذِّرُوْنَ: وهُوَ أنَّ كُسُوْفَ هَذَا اليَوْمِ ـ الأرْبِعَاءِ ـ لَيْسَ كَغَيْرِهِ؛ لِذَا أكَّدُوا غَيْرَ مَرَّةٍ بَعَدَمِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ مُطْلَقًا.

***

الفَصْلُ الرَّابِعُ

المَحْظُوْرَاتُ السَّيِّئَةُ مِنْ تَحْذِيْرِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ

أمَّا المَحْظُوْرَاتُ والآثَارُ السَّيِّئَةُ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ تَحْذِيْرِهِم: بَعَدَمِ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا، أذْكُرُ مِنْهَا على سَبِيْلِ الإيْجَازِ مَا يَلي:

- المَحْظُوْرُ الأوَّلُ: بِما أنَّ صَلاةَ كُسُوْفِ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ كَانَ تَقْرِيْبًا: عِنْدَ السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ والنِّصْفِ ظُهْرًا، فَقَدِ اعْتَزَلَ بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ مَسَاجِدَ المُسْلِمِيْنَ، ولم يَشْهَدِ الصَّلاةَ مَعَهُم؛ خَوْفًا مِنْ أضْرَارِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ، وقَدْ سَمِعْنَا هَذَا القَوْلَ، وشَاهَدْنَا مَنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ.

* * *

- المَحْظُوْرُ الثَّاني: انْشِغَالُ أكْثَرِ المُسْلِمِيْنَ بالأخْبَارِ، ومَا تَبُثُّهُ مِنْ تَحْذِيْرَاتٍ، وإرْشَادَاتٍ، وأخْذِ سُبُلِ الوِقَايَةِ؛ في حِيْنِ غَفْلَتِهِم عَنِ الحِكْمَةِ مِنَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ! وذَلِكَ بالتَّوْبَةِ إلى الله تَعَالى، وكَثْرَةِ الطَّاعَةِ، والبُعْدِ عَنِ الذُّنُوْبِ، والإقْلاعِ عَنِ المَعَاصِي، والتَّخْوِيْفِ والحَذَرِ مِنْ عِقَابِ الله... إلَخْ.

وهَذَا لَيْسَ بالغَرِيْبِ إذَا مَا عَلِمْنَا أنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ هَذِهِ الإشَاعَاتِ والتَّمْتَماتِ: هِيَ الصُّحُفُ والإذَاعَاتُ، حَيْثُ نَرَاهَا تَقْذِفُ بأخْبَارِهَا صَبَاحًا ومَسَاءً؛ مُرْجِفَةً في قُلُوْبِ المُؤمِنِيْنَ أخْبَارَ الخَوْفِ والتَّحْذِيْرِ مِنْ أضْرَارِ الكُسُوْفِ آنَذَاكَ!

- المَحْظُوْرُ الثَّالِثُ: أنَّ بَعْضَ مَسَاجِدِ المُسْلِمِيْنَ (للأسَفِ) أقِيْمَتْ فِيْهَا صَلاةُ كُسُوْفِ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ عِنْدَ السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ والنِّصْفِ ظُهْرًا تَقْرِيْبًا؛ دُوْنَ النَّظَرِ إلى كُسُوْفِ الشَّمْسِ؛ اعْتِمَادًا مِنْهُم على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ!

حَتَّى إنَّكَ لتَجِدُ بَعْضَ المُصَلِّيْنَ لم يَخْرُجُوا مِنَ المَسَاجِدِ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ انْتِظَارًا مِنْهُم لصَلاةِ الكُسُوْفِ، وهَذَا العَمَلُ مِنْهُم لا يَجُوْزُ شَرْعًا؛ بَلِ انْتِظَامُهُ بعِقْدِ البِدَعِ لَيْسِ ببَعِيْدٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لَنَا زَمَنَ الدُّخُوْلِ إلى المَسَاجِدِ لصَلاةِ الكُسُوْفِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَإذَا رَأيْتُمُوْهُمَا فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ»، وفي رِوَايَةٍ: «فَافْزَعُوا إلى المَسَاجِدِ» أخْرَجَهُ أحمَدُ (4/ 122)، و(6/ 87) وغَيْرُهُ، وهُوَ صَحِيْحٌ.

 وهَذَا بالنِّسْبَة لمَنْ رَآهَا، أمَّا مَنْ لم يَرَهَا فَهُوَ مَعْذُوْرٌ شَرْعًا حَتَّى يَسْمَعَ النِّدَاءَ للصَّلاةِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ أمَرَ بالنِّدَاءِ لهَا: «الصَّلاةَ جَامِعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أمَّا دُخُوْلُ المَسَاجِدِ انْتِظَارًا للصَّلاةِ اعْتِمادًا على الرُّؤيَةِ مَعَ الاسْتِئْنَاسِ بالحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ فَهَذَا أمْرُهُ وَاسِعٌ، أمَّا الاعْتِمادُ على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ قَطُّ، فَهَذَا لا يَجُوْزُ شَرْعًا، والله أعْلَمُ.

* * *

- المَحْظُوْرُ الرَّابِعُ: أنَّ الصُّحُفَ والإذَاعَاتِ لم تَفْتَأ (للأسَفِ) تُحَذِّرُ النَّاسَ بعَامَّةٍ، والرِّجَالَ بخَاصَّةٍ مِنَ الخُرُوْجِ مِنَ البُيُوْتِ حِفَاظًا على أطْفَالِهم! وأنْ يَتَحَصَّنُوا جَمِيْعًا في بُيُوتِهِم خَشْيَةَ الإصَابَةِ بشَيءٍ مِنْ أشِعَّةِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ فَوْقَ البَنَفْسَجِيَّةِ أو تَحْتَ الحَمْرَاءِ... وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإرْجَافَاتِ!

والدَّلِيْلُ على ذَلِكَ مَا شَاهَدْهُ الجَمِيْعُ مِنِ اخْتِلاءِ أكْثَرِ شَوَارِعِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ مِنَ المَارِّيْنِ والسَّائِقِيْنَ أثْنَاءَ لحَظَاتِ الكُسُوْفِ، فَإلى الله المُشْتَكَى، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ!

* * *

- المَحْظُوْرُ الخَامِسُ: أنَّنَا إذَا سَلَّمْنَا لهُم بِهَذِهِ السَّفْسَطَةِ: وهِيَ عَدَمُ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا؛ فَلَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَتَجَرَّءوا على بَعْضِ عِبَادَاتِنَا الأخْرَى الَّتِي مِنْ شَرْطِهَا النَّظَرُ إلى الشَّمْسِ أو القَمَرِ!

وذَلِكَ بقَوْلهِم: لا يَجُوْزُ النَّظَرُ إلى هِلالِ شَعْبَانَ، أو رَمَضَانَ، أو ذِي الحِجَّةِ، أو مُحَرَّمٍ أو غَيْرِهِ لوُجُوْدِ أشِعَّةٍ فَوْقَ البَنَفْسَجِيَّةِ، أو تَحْتَ الحَمْرَاءِ، أو غَيْرِ ذَلِكَ ممَّا سَيَكُوْنُ لَهُ إصَابَاتٌ مُزْمِنَةٌ تُصِيْبُ العَيْنَ بالضَّرَرِ أو الإتْلافِ أو العَمَى!

فَإذَا سَلَّمْنَا لهُم في الأوْلى وَجَبَ والحَالَةُ هَذِهِ التَّسْلِيْمُ لهُم في الثَّانِيَةِ؛ وإلَّا ظَهَرَ مِنَّا التَّنَاقُضُ والاضْطِرَابُ، والعَكْسُ بالعَكْسِ!

وهُنَاكَ بَعْضُ الآثَارِ السَّيِّئَةِ تَجَاوَزْنَا ذِكْرَهَا خَشْيَةَ الإطَالَةِ إلَّا أنَّ فِيْما ذَكَرْنَاهُ هُنَا قَاطِعٌ بأنَّ قَوْلهُم: عَدَمُ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ الكُسُوْفِ؛ جِنَايَةٌ في حَقِّ الشَّرِيْعَةِ، وجَرِيْمَةٌ في حَقِّ البَشَرِيَّةِ، والله أعْلَمُ!


 

([1]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (25/ 176) .

([2]) هُنَاكَ خِلافٌ في سُنيَّةِ صَلاةِ الخُسُوْفِ فَقَطُ، لكِنَّهُ مَرْجُوْحٌ .

([3]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (25/ 139)، و«فَتْحَ البَارِيِ» لابنِ حَجَرٍ (4/ 163)، و«فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِي (2/ 696) .

([4]) انْظُرْ : «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (25/ 136، 174، 201) باخْتِصَارٍ .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 1 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208493)