البَابُ الرَّابِعُ: الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ الأمْرَاضِ المُزْمِنَةِ
عدد مرات القراءة: 820714

البَابُ الرَّابِعُ

الرَّدُّ على مَنْ حَذَّرَ مِنَ الأمْرَاضِ المُزْمِنَةِ

إنَّ التَّحْذِيْرَ مِنْ عَوَاقِبِ الأمْرَاضِ الَّتِي لَيْسَ لها عِلاجٌ لمَنْ يَنْظُرُ إلى كُسُوْفِ الشَّمْسِ مُسْتَدْرَكٌ، ومُنْتَقِضٌ شَرْعًا وطَبْعًا.

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ الجَهْلَ جَهْلانِ: جَهْلٌ بَسِيْطٌ، وجَهْلٌ مُرَكَّبٌ.

- فَأمَّا الجَهْلُ البَسِيْطُ مِنْهُما: فَهُوَ عَدَمُ إدْرَاكِ الشَّيءِ بالكُلِّيَّةِ، كَأنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ عَنْ شَيءٍ لا يَعْلَمُهُ: لا أعْلَمُ، وهَذَا في الحَقِيْقَةِ عِلْمٌ؛ لأنَّ مَنِ العِلْمِ فِيْما لا تَعْلَمُهُ أنْ تَقُوْلَ: لا أدْرِي، وقَدْ قِيْلَ: لا أدْرِي نِصْفُ العِلْمِ، وهَذَا الجَهْلُ لا يَسْلَمُ مِنْهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.

- وأمَّا الجَهْلُ المُرَكَّبُ: فَهُوَ إدْرَاكُ الشَّيءِ على خِلافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَأنْ يُسْألَ الرَّجُلُ عَنْ وَقْتِ غَزْوَةِ بَدْرِ، فَيَقُوْلُ: هِيَ في السَّنَةِ العَاشِرَةِ، وهَذَا شَرٌّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لأنَّ فِيْهِ جُرْأةً على الكَذِبِ، وحَمَاقَةً في العِلْمِ.

قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء:36].

* * *

فأمَّا قَوْلُ رِجَالِ الغَرْبِ الكَافِرِ: إنَّ النَّظَرَ إلى الشَّمْسِ حَالَ الكُسُوْفِ قَدْ يُسَبِّبُ مَرَضًا مُزْمِنًا للعَيْنِ لَيْسَ لَهُ عِلاجٌ؛ فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُم بجَهْلِهِم لَيْسَ إلَّا، لا بَيَانًا لحَقِيْقَةِ الأمْرِ، وهَذَا مِنْهُم أيْضًا جَهْلٌ مُرَكَّبٌ؛ لأنَّ عَدَمَ العِلْمِ بالشَّيءِ لَيْسَ عِلْمٌ بالعَدَمِ!

فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إنَّ الله لم يُنْزِلْ دَاءً إلاَّ أنْزَلَ مَعَهُ دَوَاءً؛ جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وعَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه»(1) أخْرَجَهُ أحمَدُ (4/ 278)، وابنُ حِبَّانَ (13/ 427)، وغَيرُهُما، وهُوَ صَحِيْحٌ.

وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَجَلَّ» مُسْلِمٌ.

فالَّذِي نَعْلَمُهُ مِنْ قَوْلِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم: أنَّ كُلَّ مَرَضٍ مَهْما عَظُمَ شَرُّهُ، وكَبُرَ خَطَرُهُ فَلَهُ دَوَاءٌ قَدْ أنْزَلَهُ الله تَعَالى للبَشَرِ... لكِنَّ العِلْمَ بِهِ شَيءٌ، وإنْكَارُهُ شَيءٌ آخَرُ، فَلا يَلْزَمُ مِنْ نُزُوْلِهِ العِلْمُ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِنْ جَهْلِهِ عَدَمُ وُجُوْدِهِ، والله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ!

فغَايَةُ مَا عِنْدَهُم: هُوَ الجَهْلُ بحَقِيْقَةِ الدَّوَاءِ لا نَفْيِهِ مُطْلَقًا؛ وهَذَا كُلُّهُ إذَا سَلَّمْنَا أنَّ النَّظَرَ إلى الكُسُوْفِ مَحْذُوْرٌ طِبِّيًّا لوُجُوْدِ الأمْرَاضِ المُتَوَقَّعَةِ (زَعَمُوا)!

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ.


 

([1]) أحمَدُ (4/ 278 )، وابنُ حِبَّانَ (13/ 427)، وهُوَ صَحِيْحٌ .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 47 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208873)