تَوْطِئَـةٌ
عدد مرات القراءة: 680992

تَوْطِئَـةٌ

لاشَكَّ أنَّ فَنَّ التَّراجِمِ والسِّيَرِ والطِّبَاقِ؛ فَنٌّ طَرِيْفٌ، يَشْتَاقُهُ كُلُّ ذِي طَبْعٍ لَطِيْفٍ، لمَا فِيْهِ مِنْ فَوَائِدَ عَظِيْمَةٍ، ومَنَافِعَ جَسِيْمَةٍ، أجَلُّهَا الاعْتِبَارُ بمَنْ مَضَى، والاقْتِدَاءُ بمَنْ سَارَ وانْقَضَى، لاسِيَّما أهْلُ السُّنَّةِ والرِّضَى.

مَعَ مَا فِيْهِ للطَّالِبِ مِنْ تَنْشِيْطِ هِمَّةٍ، وتَزْوِيْدِ طَلَبٍ ونِهْمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لتُحْفَظَ مَآثِرُ العُلَماءِ وفَوَائِدُهُم، وتُدَوَّنَ مَنَاقِبُهُم وعَوَائِدُهُم.

- وقَدْ قِيْلَ:

جَمَالُ ذِي الأرْضِ كَانُوا في الحَيَاةِ، وهُمْ    بَعْدَ المَمَاتِ جَمَالُ الكُتُبِ والسِّيَرِ

* * *

وقَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله (204): «مَنْ حَفِظَ التَّارِيْخَ زَادَ عَقْلُهُ»!، وقَدْ قِيْلَ أيْضًا: مَنْ أحْيَاهَا فَقَدْ أحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا!

كَمَا نَقَلَهُ السَّخَاوِيُّ رَحِمَهُ الله (902) عَنْ غَيْرِهِ في «الإعْلانِ بالتَّوْبِيْخِ» (41): «فِيْهِ إحْيَاءُ ذِكْرِالأوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ... فإنَّ ذِكْرَهَا حَيَاةٌ جَدِيْدَةٌ، ومَنْ أحْيَاهَا فَكَأنَّما أحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا» انْتَهَى.

ومَا أحْسَنَ مَا قَالَهُ نَاصِرُ الدِّيْنِ الأرِجَّانيُّ:

إذَا عَرَفَ الإنْسَانُ أخْبَارَ مَنْ مَضَى    تَوَهَّمتُهُ قَدْ عَاشَ في أوَّلِ الدَّهْرِ

وتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ دَهْرِهِ    إلى الحَشْرِ إنْ أبْقَى الجَمِيْلَ مِنَ الذِّكْرِ

فَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ عَاشَ بَعْضَهُ    كَرِيمًا حَلِيمًا فاغْتَنِمْ أطْوَلَ العُمْرِ

* * *

لِذَا نَجِدُ فَنَّ التَّارِيْخِ قَدْ أخَذَ مَكَانَةً عَظِيْمَةً عِنْدَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ حَيْثُ اعْتَنَوْا بِه عِنَايَةً فَائِقَةً؛ إلاَّ أنَّ الَّذِيْنَ ذَهَبُوْا مِنْهُم بِفَضْلِ الشُّهْرَةِ والأمَانَةِ المُعْتَبَرَةِ قَلِيْلُوْنَ لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزَوْنَ عَدَدَ الأنَامِلِ.

ومَهْمَا يَكُنْ؛ فإنَّ الشُّرُوْعَ في فَنِّ التَّارِيْخِ والتَّراجِمِ والسِّيَرِ، أو الخَوْضَ فِيْهِ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ بِمَكَانٍ، ومَا كَانَ (يَوْمًا) مَرْتعًا خَصْبًا لكُلِّ أحَدٍ؛ كَلاَّ!

فَهَذا العَلاَّمَةُ ابنُ خُلْدُوْنٍ رَحِمَهُ اللهُ (808)، يُشِيْرُ إلى نَحْوِ هَذَا الكَلامِ في «مُقَدِّمَتِهِ» (9)، قَائِلاً: «فَهُوَ (التَّارِيْخُ) مُحْتَاجٌ إلى مَآخِذَ مُتَعَدِّدَةٍ ومَعَارِفَ مُتَنَوِّعَةٍ، وحُسْنِ نَظَرٍ وتَثَبُّتٍ... لأنَّ الأخْبَارَ إذا اعتُمِدَ فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ، ولَمْ تُحْكَمْ أُصُولُ العَادَّةِ... لَمْ يُؤمَنْ فِيْهَا مِنَ العُثُوْرِ، ومَزَلَّةِ القَدَمِ، والحَيْدِ عَنْ جَادَّةِ الصِّدْقِ.

وكَثِيْرٌ مَا وَقَعَ للمُؤرِّخِيْنَ والمُفَسِّرِيْنَ وأئِمَّةِ النَّقْلِ المَغَالِطُ في الحِكَايَاتِ والوَقَائِعِ، لاعْتِمَادِهِم فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ غَثًا أو سَمِيْنًا، لَمْ يَعْرِضُوْها على أُصُوْلِها» انْتَهَى.

* * *

- فإذا عُلِمَ هَذَا؛ كان مِنَ الخطأ أنْ نَجْعَلَ مِنَ كِتَابَةِ التَّراجِمِ والطَّبَقَاتِ مَادَّةً سَهْلةً، ومَرْتعًا خَصْباً لِكُلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ!

وعَلَيْهِ؛ كَانَ يُؤسِفُنَا أنْ هُنَاكَ طَائِفَةً مِنْ بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ للعِلْمِ نَجِدُهُم والحَالَةُ هَذِهِ لا يَسْتَأخِرُوْنَ لحْظَةً في إخْرَاجِ سِيَرِ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ، لاسِيَّما الشَّيْخَيْنِ: ابنِ بَازٍ والعُثَيْمِيْنِ رَحِمَهُمَا اللهُ وغَيْرِهِمَا.

تَحْتَ عَنَاوِيْنَ جَذَّابَةٍ، وطَبَاعَاتٍ خَلَّابَةٍ زِيَادَةً في التَّدْلِيْسِ، ومَنْ أجَالَ النَّظَرَ في ما كَتَبَه هَؤلاءِ عَلِمَ أنَّ القَوْمَ لَمْ يُدْرِكُوا أبْجَدِيَّاتِ فَنِّ التَّرَاجِمِ والسِّيَرِ فَضْلًا عَنْ سُمُوِّ العِلْمِ ورُسُوْخِه.

* * *

- وأدَلُّ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ مَا سَمِعْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِم (هَدَاهُ الله) أنَّه لَمَّا سُئِلَ عَنِ الحَشْوِ الَّذِي حَشَرَ بِهِ كُتُبِهِ (التَّرجَمَاوِيَّةِ) الَّذِي لَيْسَ فِيْهَا غَالِبًا إلَّا قَصَاصَاتُ الجَرَائِدِ، وغَرَايِبُ النَّاسِ، وبَعْضُ أقْوَالِ الشَّاذِّيْنَ فِكْرِيًّا، والمُنْحَرِفِيْنَ عَقَدِيًّا؟!

- قَالَ مُعْتَذِرًا: أنَّه لَمْ يُتَرْجِمْ لهَؤلاءِ الأعْلامِ تَرْجَمَةً عِلْمِيَّةً بِقَدْرِ مَا أرَادَ أنْ يَرْصُدَ مَا قِيْلَ في هَؤلاءِ الشُّيُوْخِ المُتَوَفَّيْنَ!

فإذَا أصْبَحَ «حَاطِبُ اللَّيْلِ» مُتَرْجِمًا لأهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ؛ فَعَلى كُتُبِ التَّراجِمِ العَفَاءُ والسَّلامُ!

* * *

- هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ بَعْضَ أصْحَابِ هَذِه الكُتُبِ لا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَةً في غَزْوِ المَكَاتِبِ الإسْلامِيَّةِ بكُتُبِهِم (التَّرْجَمَاوِيَّةِ) والشَّيْخُ بَعْدُ لَمْ يَمْضِ على وَفَاتِهِ شَهْرٌ أو شَهْرَانِ!

فَهْلَ يَدُلُّ هَذَا على عِلْمٍ كَبِيْرٍ عِنْدَ القَوْمِ (المُتَرْجِمِيْنَ)؟ أو أنَّهُم تَرْجَمُوا للشَّيْخِ قَبْلَ أنْ يَمُوْتَ؟ فإنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (وهُوَ كَذَلِكَ!) فَلَعَلَّهُم (واللهُ أعْلَمُ) يُتَاجِرُوْنَ لا يُتَرْجِمُوْنَ، أو لَعَلَّهُم صَرْعَى شُهْرَةٍ لا مُحَقِّقُو سِيْرَةٍ (عَيَاذًا بالله)!

والله الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

 

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 13 )
 الزيارات الفريدة: ( 1812154)