شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدُ ابنُ عُثَيْمِيْنُ
عدد مرات القراءة: 680988

شَيْخُ الإسْلامِ

مُحَمَّدُ ابنُ عُثَيْمِيْنُ

المولود (27/ 9/ 1347)، المتوفى (15/ 10/ 1421)

أرْبَعَةٌ وسَبْعُوْنَ عَامًا وثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا

  

تَألِيْفُ

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي

****

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، الَّذِي كَتَبَ المَوْتَ على الخَلْقِ أجْمَعِيْنَ، فَقَدَّرَهُ بحِكْمَةٍ وقَضَاهُ، وأجْرَاهُ بأمْرِهِ وأمْضَاهُ، فمَنْ رَضِيَ بِهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ وأرْضَاهُ، ومَنْ سَخِطَ مِنْهُ أبْعَدَهُ وأقْصَاهُ، فنَحْمَدُهُ تَعَالى على حُلْوِ القَضَاءِ ومُرِّهِ، ونَشْكُرُهُ على خَلْقِهِ وأمْرِهِ.

والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِه ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ المَأمُوْنِ، الَّذِي جَعَلَ ممَاتَهُ تَسْلِيَةً لكُلِّ مُؤمِنٍ مَحْزُوْنٍ، وعلى آلِهِ الطَّيِّبِيْنَ الطَّاهِرِيْنَ، وأصْحَابِهِ الغُرِّ الميَامِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ.

- أمَّا بَعْدُ: فَمَعَ غُرُوْبِ شَمْسِ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ لِعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمَائَةٍ ووَاحِدٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ (15/ 10/ 1421)؛ جَاءنِي مَا كُنْتُ أُحَاذِرُهُ، والحَذَرُ مِنَ القَدَرِ سَفَاهَةٌ وعَمَايَةٌ: بأنَّ شَيْخَنَا مُحَمَّدًا العُثَيْمِيْنَ مَاتَ اليَوْمَ!

- فَحِيْنَئِذٍ مَا كَانَ لي أنْ أحْبِسَ دَمْعًا ظَنَنْتُهُ عَصِيًّا! فَعِنْدَهَا فَاضَتِ العَيْنَانِ، وبَرَدَ اللِّسَانُ، ولَمْ أَمْلِكْ عِنْدَها إلَّا تَرْجِيْعَاتٍ ورَحَمَاتٍ أُرَدِّدُها... نَرْبِطُ بِهَا خَفَقَانَ قُلُوْبِنَا، ونَتَسَلَّى بِهَا في مُصَابِنَا، فإنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُوْنَ!

- وقَدْ قِيْلَ:

تَنَكَّرَ لي دَهْرِي ولَمْ يَدْرِ أنَّنِي أعِزُّ وأحْدَاثُ الزَّمَانِ تَهُوْنُ

وبَاتَ يُرِيْنِي الخَطْبَ كَيْفَ اعْتِدَاؤُهُ  وبِتُّ أُرِيْهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُوْنُ

* * *

- ومَا عَليَّ أنْ أُرِيْقَ دَمْعًا مَا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا ولا لَقْلَقَةً، وهَلْ يَمْلِكُ مِثْلي سِوَى دَمَعَاتٍ طَالَمَا جَنَّدَهَا وجَيَّشَهَا لِيَوْمِ الكَرِيْهَةٍ؟ والمَوْتُ حَقٌّ لاشَكَّ فِيْهِ!

- وقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:

لَعَلَّ انْحِدَارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ رَاحَةً     مِنَ الوَجْدِ أو يَشْفي شَجِيَّ البَلابِلِ

- وهَذَا الفَرَزْدَقُ أيْضًا في نَفْسِ المَعْنَى:

ألَمْ تَرَ يَوْمَ جَوِّ سُوَيْقةٍ    بَكَيْتُ فَنَادَتْني هُنيْدَةُ مَا لِيَا

فَقُلْتُ لَهَا إنَّ البُكَاءَ لَرَاحَةٌ    بِه يَشْتَفي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيَا

* * *

- نَعَمْ؛ مَاتَ حَسَنَةُ الوَقْتِ، وكَهْفُ العِلْمِ... يَوْمَ نَحْنُ أحْوَجُ مَا نَكُوْنُ إلَيْهِم مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ؛ في زَمَنٍ تَكَاثَرَتْ رُوَيْبِضَاتُهُ، وطُفِّفَتْ مَوَازِيْنُهُ، وأقْبَلَتْ فِتَنُهُ كأمْوَاجِ لَيْلِ الدَّالِجِيْنَ!

وهَلْ كَانَ البَقَاءُ يَوْمًا لأحَدٍ مِنَ العَالَمِيْنَ؟! لا؛ فَهَذِه تَعْزِيَةٌ فَخُذْهَا يَوْمَ تَقِلُّ التَّعَازِي!

فَرَحِمَكَ الله: أبَا عَبْدِ الله! فإنْ عَزَّتْ حَيَاتُكَ فَلَقَدْ هَدَّتْ وَفَاتُكَ، ولَنِعمَ الرُّوْحُ رُوْحٌ ضَمَّهُ بَدَنُكَ، ولَنِعْمَ البَدَنُ بَدَنٌ ضَمَّهُ كَفَنُكَ؛ فَطِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، وإنْ كَانَتْ أنْفُسُنا غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِفِرَاقِكَ، ولا شَاكَّةٍ فِيْما اخْتَارَهُ الله لَكَ!

فَقَدْ شَهَرَكَ ربُّكَ عِنْدَ مَوْتِكَ بِفَضْلِكَ، وألْبَسَكَ رِدَاءَ عَمَلِكَ، فَلَوْ رَأيْتَ مَنْ حَضَرَكَ عَلِمتَ: أنَّ رَبَّكَ قَدْ أكْرَمَكَ وشَرَّفَكَ، والله حَسِيْبُكَ!

- وعِنْدَهُ يَقُوْلُ غَيْرِي:

ومَا الدَّهْرُ والأيَّامُ إلاَّ كَمَا تَرَى    رَزِيَّةُ مَالٍ أو فِرَاقُ حَبِيْبِ

* * *

- أمَا والله! لَئِنْ فَاتَنِي أنْ أُصَلِّيَ عَلَيْكَ صَلاةَ الحَاضِرِيْنَ، لا فَاتَنِي حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ قُرْبَةً لِرَبِّ العَالَمِيْنَ، و﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ﴾[الرحمن:60]؟!

وحَسْبِي قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا يَشْكُرُ الله مَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ» التِّرْمِذِيُّ، وهُوَ تَصْدِيْقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُوْرُ﴾[سبأ:13]!

* * *

- نَعَمْ؛ قَدْ يَكْتُمُ بَعْضُ الشَّاكِرِيْنَ شُكْرَهُم حَالَ حِرَاكِ المَشْكُوْرِيْنَ، رَجَاءَ حَاجَةٍ في نُفُوْسِهِم، أو لأحَاجِي في رُؤوْسِهِم؛ أمَا وَقَدْ أُسْلِمَ المُتَفَضِّلُ في قَبْرِهِ، أو سُجِّيَ فَوْقَ سَرِيْرِهِ؛ فَحِيْنَئِذٍ لا!

يَوْمَ لا خَوْفَ ولا رَجَاءَ عِنْدَ مَنْ لا حِرَاكَ لَهُ؛ إلَّا مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوْتُ (سُبْحَانَهُ)!

* * *

- وبَعْدَ هَذَا؛ لا يَخْفَى أهْلَ الذِّكْرِ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ كَتَبُوا الكَثِيْرَ عَنْ سِيْرَةِ وتَرْجَمَةِ شَيْخِنَا العُثَيْمِيْنِ رَحِمَهُ الله، لاسِيَّما طُلابُهُ وعَارِفُوْهُ، إلَّا أنَّ مَا كُتِبَ عَنْه لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ حَقِّهِ فَضْلًا عَنْ مُسْتَحَقِّهِ، وعُذْرُهُم (وَفَّقَ الله الجَمِيْعَ) أنَّهُم تَرْجَمُوا لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ.

ومِنَ المَعْلُوْمِ: أنَّ مَا يُكْتَبُ للشَّخْصِ بَعْدَ مَمَاتِه أوْسَعُ آفَاقًا، وأسْلَمُ وِفَاقًا مِمَّا لَوْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ (لأمْرٍ أو لآخَرَ)، فَحِيْنَئِذٍ لا عُذْرَ لِمُتَرْجِمٍ بَعْدَ الآنَ، أنْ يُلْجِمَ عَنَانَ قَلَمِهِ، أو يُرْخِي خَفَقَانَ عَلَمِهِ، أو يُحْجِمَ يَوْمَ الكَرِّ والنِّزَالِ، يَوْمَ زُفَّتْ أبْكَارُ الأقْوَالِ، لِذَا فَعَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَمْتَطُوا جَوَادَ أقْلامِهِم في السِّبَاقِ بتَحْبِيْرِ سِيْرَةِ هَذَا الإمَامِ الجَلِيْلِ، واللِّحَاقِ بتَرْتِيْبِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ الجَلِيْلِ، والله في عَوْنِ الجَمِيْعِ، والعَمَلُ الصَّالِحُ عِنْدَهُ لا يَضِيْعُ!

* * *

فَقَمِنٌ لِشَادِي العِلْمِ إذَا مَا أجْمَعَ أمْرَهُ، وشَدَّ مِأزَرَهُ في جَمْعِ تَرْجَمَةِ شَيْخِنَا العُثَيْمِيْنِ رَحِمَهُ الله؛ أنَّهُ سَيَجِدُ مَنْهَلًا ومَعِيْنًا فَيَّاضًا يَرْوِي غُلَّةَ الطَّالِبِ، ويَشْفي عِلَّةَ السَّائِلِ، فَدُوْنَكُم سِيْرَتَهُ الزَّاخِرَةَ في أعْطَافِ المُقَدِّمَاتِ والمُؤلَّفَاتِ، ومَثَانِي الفَتَاوِى والمُصَنَّفَاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَظَانِّ المَعَارِفِ والتَّرَاجِمِ؟

* * *

- و«مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللهَ» تَعَالى؛ فَكَانَ مِنْ شُكْرِ الله تَعَالى هُنَا؛ أنْ نَشْكُرَ طُلَّابَ الشَّيْخِ رَحِمَهُ الله لمَا قَامُوا بِهِ مُؤخَّرًا مِنْ جُهْدٍ مَشْكُوْرٍ وعَمَلٍ مَبْرُوْرٍ: بِرًّا بشَيْخِهِم، وحَقًّا لإخْوَانِهِم، ونَفْعًا لأمَّتِهِم؛ وذَلِكَ في إخْرَاجِ ذَخَائِرِ الشَّيْخِ المُخَزَّوْنَةِ، ونَفَائِسِ دُرَرِهِ المَدْفُوْنَةِ في الأشْرِطَةِ العِلْمِيَّةِ، والرَّسَائِلِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتي ألْقَاهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ خِلالِ فَتَاوِيْهِ ودُرُوْسِهِ، ولِقَاءاتِهِ ومَجَالِسِهِ؛ حَيْثُ خَرَجَتْ مُؤخَّرًا مُنَقَّحَةً مَسْمُوْعَةً، ومُفَرَّغَةً مَطْبُوْعَةً، تَحْتَ إشْرِافِ «مُؤسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ صَالِحٍ العُثَيْمِيْنَ الخَيْرِيَّةِ»، فَجَزَاهُمُ اللهُ عَنِ العِلْمِ وأهْلِهِ خَيْرًا.

* * *

- ومِنْ قَبْلُ؛ فَعَوْذًا بالله ولَوْذًا بِه! أنْ يَتَرَامَى أقْزَامٌ في غَيْرِ مَيَادِيْنِهِم، أوْ تَتَنَافَسُ أقْلامٌ في غَيْرِ فُنُوْنِهَا يَوْمَ يَتَسَارَعُ مَنْ لَيْسَ أهْلًا (في عِلْمِه وقَدْرِه)، في تَرَاجِمِ سِيْرَةِ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ دُوْنَ رَوِيَّةٍ أو بَصِيْرَةٍ، ظَنًّا مِنْهُم أنَّهُم يُحْسِنُوْنَ صُنْعًا، أو يَعْرِفُوْنَ وَضْعًا، لا وَالله، مَا هَذا إحْسَانٌ ولا عِرْفَانٌ، بَلْ سُوْءٌ وبُهْتَانٌ!

وهَلْ يَقْبَلُ أحَدٌ مِنَ العَاقِلِيْنَ سِيْرَةَ الأئِمَّةِ الكِبَارِ إلَّا مِنْ أقْلامِ أسَاطِيْنِ العِلْمِ، أو مُقَارِبِيْهِم؟ فإنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ طُلاَّبِه النَّابِغِيْنَ، وخَوَاصِهِ المُلازِمِيْنَ، ممَّنْ أدْرَكُوا الشَّيْخَ في دِثَارِهِ وشِعَارِهِ؟!

* * *

ولأجْلِ هَذا وذَاكَ؛ جَهَدْتُ نَفْسِي، وأشْهَرْتُ قَلَمِي عَسَانِي أكْتُبُ مَا أحْسِبُهُ مِنْ بِرِّ الطَّالِبِ لشَيْخِه، أو إبْرَاءِ ذِمَّةٍ نَذَرَهَا في حَقِّ أشْيَاخِهِ، عِلْمًا أنَّنِي كَمَا ذَكَرْتُ آنِفًا لَنْ أُحِيْطَ بشَيْخِنَا تَرْجَمَةً حَافِلَةً، أو أدْرِكَ لَهُ سَيْرَةً كَامِلَةً، كَي تَسُرَّ النَّاظِرِيْنَ، أو تُطْرِبَ السَّامِعِيْنَ، ومَا ذَاكَ إلَّا لضِيْقِ الوَقْتِ، وذَهَابِ الفَوْتِ، مَعَ قِلَّةِ البُضَاعَةِ وقُصُوْرِ الصِّنَاعَةِ، لاسِيَّما بمَدَاخِلِ الشَّيْخِ ومَخَارِجِهِ، ومَفَاتِيْحِ حَيَاتِهِ ورَتَائِجِهِ؛ في حِيْنَ أنَّ هُنَالِكَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ وطُلَّابِهِ مَنْ هُوَ أجْدَرُ بهَذَا وأقْدَرُ، وأخَصُّ بِهِ وأشْهَرُ، ونَحْنُ وغَيْرُنَا على انْتِظَارٍ مِنْهُم، والعُهُوْدُ وُعُوْدٌ(1)!

- فعِنْدَئِذٍ؛ سَأُبْدِي لَكَ أخِي الكَرِيْمِ مَا جَادَ بِه قَلَمِي، وأفَادَ بِهِ كَلِمِي، ونَظَرَتْهُ عَيْنَاي، وسَمِعَتْهُ أُذُنَاي عَنْ شَيْخِنَا وشَيْخِ عَصْرِه بِلا مَيْنٍ، وفَقِيْهُ دَهْرِهِ والحِيْنِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ وَمَضَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ، ونُتَفٍ مُعْتَصَرَةٍ، تَبْصِرَةً للسَّائِلِيْنَ، وعَوْنًا للمُتَرْجِمِيْنَ.

أمَّا التَّوَسُّعُ في سِيْرَةِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ الله؛ ابْتِدَءًا مِنْ مَرَاحِلِ تِعْلِيْمِهِ، وانْتِهَاءً بِسَرْدِ كُتُبِهِ، وشُيُوْخِهِ، وتَلامِيْذِهِ... إلَخْ؛ فَلَيْسَ شَرْطِي هُنَا.

* * *

- أقُوْلُ؛ وبالله التَّوْفِيْقُ:

هُوَ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ الفَهَّامَةُ الفَقِيْهُ الأصُوليُّ شَيْخُ الإسْلامِ: أبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ صَالِحِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيْمانَ بنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ عُثْمَانَ الوَهَيْبِيُّ التَّمِيْمِيُّ؛ مِنْ آلِ مُقْبِلٍ مِنْ آلِ الرَّيِّسِ مِنْ الوَهَبَةِ مِنْ قَبِيْلَةِ بنِي تَميْمٍ، جَدُّهُ عُثْمانُ اشْتُهِرَ بعُثَيْمِيْنَ.

وُلِدَ في (27/ 9/ 1347)، أيْ: في السَّابِعِ والعِشْرِيْنَ مِنْ رَمَضَانَ لعامِ ألْفٍ وثَلاثَمَائَةٍ وسَبْعَةٍ وأرْبَعِيْنَ للهِجْرَةِ على صَاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيْمِ.

* * *

- أمَّا شُيُوْخُهُ:

فقد أخَذَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله العِلْمَ على أيْدِي أئِمَّةٍ أجِلَّاءَ، وأكَابِرَ فُضَلاءَ، فَكَانَ على رَأسِهِم:

- الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُفَسِّرُ الفَقِيْهُ الحُجَّةُ السَّلَفِيُّ: عَبْدُ الرَّحمَنِ بنُ نَاصِرٍ السَّعْدِي رَحِمَهُ الله (1376)؛ حَيْثُ أخَذَ عَنْهُ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله أكْثَرَ العُلُوْمِ الشَّرعِيَّةِ، بَلْ يُعَدُّ الشَّيْخُ السَّعْدِي رَحِمَهُ الله مِنْ أكَابِرِ شُيُوْخِ شَيْخِنَا العُثَيْمِيْنِ، وقَدْ تَأثَّرَ بِهِ تَأثُّرًا وَاضِحًا، سَوَاءٌ في سَبْكِ التَّألِيْفِ والتَّدْوِيْنِ، أو طَرِيْقَةِ الشَّرْحِ والتَّلْقِيْنِ، لاسِيَّما إذَا عَلِمْنَا أنَّ الشَّيْخَ العُثَيْمِيْنَ رَحِمَهُ الله قَدْ لازَمَ شَيْخَهُ السَّعْدِي قَرَابَةَ أحَدَ عَشَرَ عَامًا!

- وكَذَا أخَذَ عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ الحُجَّةِ الرَّبَّانيِّ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ بَازٍ رَحِمَهُ الله (1421)، حَيْثُ قَرَأ عَلَيْهِ بَعْضَ صَحِيْحِ البُخَارِي، وبَعْضَ رَسَائِلِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله (728)، وكَانَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله يَعْتَبِرُ الشَّيْخَ ابنَ بَازٍ رَحِمَهُ الله شَيْخَهُ الثَّاني في التَّعْلِيْمِ والتَّلَقِي.

- وكَذَا أخَذَ عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُفَسِّرِ الأصُوليِّ العَالمِ الرَّبَّانيِّ فَقِيْهِ المَذَاهِبِ مُحمَّدِ الأمِيْنِ بنِ مُحَمَّدِ المُخْتَارِ الشِّنْقِيْطِيِّ رَحِمَهُ الله، (1393).

- وكَذَا أخَذَ العِلْمَ عَنْ جِلَّةٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ لاسِيَّما في أيَّامِ الطَّلَبِ، مِثْلُ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُحَقِّقِ الأصُوليِّ السَّلَفِيِّ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بنِ عَفِيْفِي رَحِمَهُ الله (1415)، والشَّيْخِ محَمَّدِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ المُطَوِّعِ رَحِمَهُ الله (1383)، والشَّيْخُ عَليِّ بن حمَدٍ الصَّالحِيِّ رَحِمَهُ الله (1414)، والشَّيْخِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الرَّحمَنِ الإفْرِيْقِيِّ رَحِمَهُ الله (1377)، وغَيْرِهِم مِنَ الشُّيُوْخِ الأفَاضِلِ، والعُلَماءِ الأمَاثِلِ.

* * *

- فَشَيْخُنَا رَحِمَهُ الله: هُوَ شَيْخُ الإسْلامِ، وأحَدُ الأئِمَّةِ الأعْلامِ، نَاصِرُ السُّنَّةِ وقَامِعُ البِدْعَةِ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ، وقُدْوَةُ الخَلَفِ، الفَقِيْهُ، الأُصُوْلِيُّ، المُفَسِّرُ، النَّحْوِيُّ!

لَهُ مُشَارَكَاتٌ في فُنُوْنٍ كَثِيْرَةٍ، ولَهُ تَخْرِيْجَاتٌ في المَذْهَبِ شَهِيْرَةٌ، حَتَّى إنَّك إذَا سَمِعْتَهُ يَتَكَلَّمُ في فَنٍّ مِنْ فُنُوْنِ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ، قُلْتَ (بَدَاهَةً): مَا أظُنُّ الشَّيْخَ يُحْسِنُ أمْثَلَ مِنْ هَذَا!

وهُوَ أيْضًا رَحِمَهُ الله مَعَ هَذا التَّفَنُّنِ في عُلُوْمِ الشَّرِيْعَةِ، والنُّبُوْغِ في الفُنُوْنِ البَدِيْعَةِ، ممَّا حَصَّلَهُ مِنْ بَيْنَ أقْرَانِه، وحَازَهُ مِنْ بَيْنَ إخْوَانِهِ، كَانَ (أيْضًا) رَحِمَهُ الله: آيَةً في أُصُوْلِ الدِّيْنِ، وحجةً في الفِقْهِ المُبِيْنِ، وضَابِطًا في اللُّغَةِ والتَّبْيِيْنِ؛ حَيْثُ تَرَكَ خَلْفَهُ مِنَ العِلْمِ جِبَالًاجُدُدًا، وزَوَامِلَ مِنَ الكُتُبِ مَدَدًا، مِمَّا تَنُوْءُ بِهِ أوْلُو العُصْبَةِ مِنَ أهْلِ العِلْمِ الأشِدَّاءِ، أو أوْلُو الرُّجُوْلَةِ الأقْوِياءِ، سَوَاءٌ عَبْرَ الأشْرِطَةِ المُنَقَّحَةِ المَسْمُوْعَةِ، أو المُؤلَّفَاتِ المُخَرَّجَةِ المَطْبُوْعَةِ، ولاسِيَّما الَّتِي حَرَّرَهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ، أو بَيَّضَهَا قَبْلَ فَوَاتِهِ، وكَذَا الفَتَاوَى الَّتِي قَرَّرَهَا وأمْلاهَا، والرَّسَائِلِ الَّتِي حَرَّرَهَا وأهْدَاهَا، أو مَا حَفِظَهُ لَهُ طُلَّابُهُ مِنْ بَدِيْعِ العِلْمِ والفَوَائِدِ، وعَوِيْصِ المَسَائِلِ والشَّوَارِدِ، مَا تَسْتَحِقُّ أنْ تُنْظَمَ في عِقْدٍ مِنَ الزَّبَرْجَدِ، أو مَوْسُوْعَةٍ مِنَ العِلْمِ المُسَدَّدِ، وذَلِكَ ضِمْنَ مُؤلَّفٍ بَدِيْعٍ، جَامِعٍ للجَمِيْعِ، وهُوَ كَذَلِكَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا شَغَلَ النَّاسَ بَعْدَهُ مِنَ المَعَارِفِ والعُلُوْمِ!

* * *

- كَانَ رَحِمَهُ الله عَالي القَدْرِ، سَامِي الذِّكْرِ، ثِقَةً أمِيْنًا، حُجَّةً مَتِيْنًا، صَادِقًا فِيْمَا يَقُوْلُهُ، شَاهِدًا لمَا يَحْكِيْهِ ويُحَصِّلُهُ، صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيْرَةً، وجَمَعَ عُلُوْمًا وَفِيْرَةً، وانْتَفَعَ بِه خَلْقٌ عَظِيْمٌ؛ ولازَمَهُ جَمْعٌ كَرِيْمٌ، لا يُحْصَوْنَ ولا يُعَدَّوْنَ!

وطَارَتْ فَتَاوَاهُ بِلا جَنَاحَيْنِ، وسَارَ بِها الرُّكْبَانُ بين المَشْرِقَيْنِ، صَاحِبُ الفُتْيا الوَاسِعَةِ، والتَّصَانِيْفِ النَّافِعَةِ، فَتَصَانِيْفُه في العَالَمِيْنَ دَائِرَةٌ، وكُتُبُه في الخَافِقِيْنَ سَائِرَةٌ مَا بَيْنَ تَألِيْفٍ مُفِيْدٍ، أو شَرْحٍ سَدِيْدٍ، أو تَعْلِيْقٍ مَجِيْدٍ...!

- وكَانَ رَحِمَهُ الله عَالِمًا بَارِعًا في عُلُوْمٍ كَثِيْرَةٍ، ورَاسِخًا في فُنُوْنٍ شَهِيْرَةٍ، لاسِيَّما في مَذْهَبِ أبِي عَبْدِ الله الإمَامِ أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ الله (241)، فَهُوَ إمَامُ الحَنَابِلَةِ في عَصْرِهِ، بَلْهَ عَالِمُهُم ومُدَرِّسُهُم في مِصْرِهِ، ونَاشِرُ المَذْهَبِ بِلا شِقَاقٍ، ومُحْي السُّنَّةِ في الأفَاقِ، وكَانَ حَسَنَ الكَلامِ في مَسَائِلِ الخِلافِ، وضَابِطًا لمَوَاقِعِ الائْتِلافِ، كَمَا لَهُ بِخَطِّ يَدِه كِتَابَاتٌ جِيَادٌ، ومُرَاسَلاتٌ وتَقْرِيْظَاتٌ فِرَادٌ؛ وفي لَفْظِهِ بَرَاءَةٌ صَرِيْحَةٌ، وفي خَطِّهِ رَدَاءةٌ مَلِيْحَةٌ!

- وقَدْ قِيْلَ في مِثْلِهِ ومِثَالِهِ:

اعْذُرْ أخَاكَ على رَدَاءَةِ خَطَّهِ      واغْفِرْ رَدَاءَتَهُ لجَوْدَةِ ضَبْطِهِ

فالخَطُّ لَيْسَ يُرَادُ مِنْ تَعْظِيْمِهِ       ونِظَامِـهِ إلاَّ إقَامَةُ سِمْطِهِ

وإذَا أبَانَ عَنِ المَعَاني خَطُّـهُ  كَانَتْ مَلاحَتُهُ زِيَادَةَ شَرْطِهِ

* * *

- ولَهُ في المذْهَبِ تَخَارِيْجُ حَسَنةٌ، ولَهُ مَعَ المَذَاهِبِ تَرَاجِيْحُ بَسَنَةٌ، كَمَا جَمُلَ بِه المَذْهَبُ وَزَانَ، وبشُرُوْحِهِ ظَهَرَ وبَانَ، ولَهُ في المذْهَبِ تَحْقِيْقَاتٌ عَدِيْدَةٌ، وتَرْجِيْحَاتٌ سَدِيْدَةٌ.

فَدُوْنَكَ كِتَابَهُ العُجَابَ المُسْتَطَابَ «الشَّرْحَ المُمْتِعَ»، كُلُّ ذَلِكَ أخْذًا بنَاصِيَةِ الدَّلِيْلِ، وأزِمَّةِ التَّعْلِيْلِ، لا بالتَّعَصُّبِ والتَّقْلِيْدِ، ولا بالغُلُوِّ والتَّشْدِيْدِ، كَمَا لَهُ مُشَارَكَاتٌ أدَبِيَّةٌ شِعْرِيَّةٌ، لاسِيَّمَا إنْشَادُ المَنْظُوْمَاتِ الفِقْهِيَّةِ والأُصُوْلِيَّةِ، وغَيْرِهَا.

* * *

- وقَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْه الكَلِمَةُ، مِنَ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، وقَصَدَهُ الطَّلَبَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، ولازَمُوْهُ في كُلِّ زَمَانٍ، فقَامَتْ سُوْقُ العِلْمِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وعِنْدَ الخِلافِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، فَمَرَّةً يَأخُذُ بأيْدِي الشُّدَاةِ إلى وَاحَاتِ اللُّغَةِ ابْتِدَاءً بـ«الآجُرُّوْمِيَّةِ»، وانْتِهَاءً بشَرْحِ «ألْفِيَّةِ ابنِ مَالِكٍ»، ما يَقْطَعُ بتَمَكُّنِهِ في اللُّغَةِ والنَّحْوِ، واقْتِيَادِهِ لنَاصِيَتِهَا خَطًّا ولَفْظًا.

* * *

- ومَرَّةً يَبْسُطُ لهُم «الكَافِي» في الفِقْهِ شَرْحًا وتَعْلِيْقًا، تَرْجِيْحًا وتَحْقِيْقًا، تَصْحِيْحًا وتَقْرِيْرًا، تَوْضِيْحًا وتَحْرِيْرًا، ممَّا يَدُلُّ على عُلُوِّ كَعْبِهِ في الفِقْهِ الحَنْبَليِّ، والخِلافِ الجَليِّ، وقُوَّتِهِ في الاسْتِدْلِ، وسُرْعَةِ اسْتِحْضَارِهِ للأقْوَالِ.

* * *

- ومِنْ قَبْلِهِ حِفْظُهُ لكِتَابِ «زَادِ المُسْتَنْقِعِ» في الفِقْهِ الحَنْبَليِّ؛ والتَّرجِيْحِ العَلي؛ بحَيْثُ اعْتَنَى بِهِ عِنَايَةً كَبِيرَةً، فَأخَذَ مِنْهُ في الشَّرْحِ حُظْوَةً شَهِيْرَةً، فأعَادَ شَرْحَهُ مَرَّتَيْنِ، وأطَالَ بَيْنَهُما بِلا بَيْنٍ.

فَكَانَ لشَيْخِنَا رَحِمَهُ الله مَعَ هَذَا الكِتَابِ وَقَفَاتٌ وتَرْجِيْحَاتٌ، نَظَرَاتٌ وتَوْضِيْحَاتٌ، لِذَا أخْرَجَهُ في شَرْحٍ ممْتِعٍ، وثَوْبٍ مُبْدِعٍ، تَحْتَ عُنْوَانِ: «الشَّرْحِ المُمْتِعِ»، في خَمْسةَ عَشَرَ مُجلَّدًا!

وهَذَا الكِتَابُ يُعَدُّ مَعْلَمَةً فِقْهِيَّةً، ومَأدَبَةً عِلْمِيَّةً، بَحْرٌ جَامِعٌ، ومَنْهَلٌ نَافِعٌ، مُرَادُ الطُّلَّابِ، ومَفَادٌ للجُلَّابِ، سَهْلُ العِبَارَةِ، وَاضِحُ الإشَارَةِ، مَنْ طَالَعَهُ لا يَشْبَعُ، ومَنْ تَابَعَهُ لا يُقْطَعُ، فِيْهِ صُنُوْفُ الفُنُوْنِ، وعِنْدَهُ تُرْفَعُ الظُّنُوْنُ، الدَّلِيْلُ قَائِدُهُ، والتَّعْلِيْلُ رَائِدُهُ، حُلْوُ المُرَاسَلَةِ، جَيِّدُ المُسَاجَلَةِ، فِيْهُ اسْتِطْرَادَاتٌ نَفِيْسَةٌ، وتَفَارِيْعُ لُغُوِيَّةٌ أنِيْسَةٌ، بَلْهَ كِتَابُ فِقْهٍ مُسْتَطَابٌ، وشَرْحُ فِقِيْهٍ عُجَابٌ، وَضَعَ الله لَهُ القَبُوْلَ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ المَمَاتِ، وبِيْعَ بأرْخَصِ الأثْمانِ وأجْوَدِ الطَّبَعَاتِ، تَلَقَّفَهُ سَائِرُ الطُّلَّابِ، على اخْتِلافِ المَذَاهِبِ والأسْبَابِ، واسْتَحْسَنَهُ أهْلُ العِلْمِ دُوْنَ ارْتِيَابٍ، والله يُؤتي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ!

ومَعَ هَذَا ففِيْهِ مَلْحُوْظَاتٌ وأحْرُفٌ يَسِيْرَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ، ذَكَرْتُها في جُزْءٍ صَغِيْرٍ تَحْتَ عُنْوَانِ: «الاسْتِدْرَاكِ المُقْنِعِ على الشَّرْحِ المُمْتِعِ»، لم يُطْبَعْ بَعْدُ!

* * *

- ومَرَّةً يَشْرَحُ «صَحِيْحَ البُخَارِي»، شَرْحًا يُطْرِبُ سَمْعَ القَارِئ، ويُضِيءُ بِهِ كالكَوَاكِبِ الدَّرَارِي، ومَرَّةً يُرَوِّضُ النُّفُوْسَ للتَّهْذِيْبِ، على كُتُبِ الآدَابِ والتَّأدِيْبِ: تَنْكِيْتًا وشَرْحًا، تَوْجِيْهًا وتَوْضِيْحًا، كـ«رِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ» وغَيْرُهَا الكَثِيْرُ الكَثِيْرُ!

* * *

- وقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُرَسِّخُ التَّوْحِيْدَ في قُلُوْبِ الطَّالِبِيْنَ مُبْتَدِءًا بِكُتُبِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ الله؛ حَتَّى يَرْتَقِي بِهِم إلى مَدَارِجِ كُتُبِ شَيْخَي الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَةَ، وتَلْمِيْذِهِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا الله، وهَكَذَا دَوَالِيْكَ في غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ وَاحَاتِ العِلْمِ ورِيَاضِ التَّعْلِيْمِ!

- ومِنْ مُسْتَطَابَاتِ كُتُبِهِ رَحِمَهُ الله: شَرْحُهُ على كِتَابِ «العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله (728)، وكَذَا شَرْحُهُ على كِتَابِ «التَّوْحِيْدِ» لابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ الله (1206)، تَحْتَ عُنْوَانِ: «القَوْلِ المُفِيْدِ على كِتَابِ التَّوْحِيْدِ».

وشَرْحُهُ رَحِمَهُ الله في ذَيْنِ الكِتَابَيْنِ، كَانَ غَايَةً في التَّحْقِيْقِ والتَّحْرِيْرِ، نِهايَةً في التَّدْقِيْقِ والتَّحْبِيْرِ، ففِيْهِ تَقْسِيْماتٌ بَدِيْعَةٌ، وتَرْتِيْبَاتٌ مَتِيْعَةٌ، سَلَفِيُّ المَذْهَبِ، صَافي المَشْرَبِ، يَصُوْلُ فِيْهِما ويَجُوْلُ، ويُدَلِّلُ فِيْما يَكْتُبُ ويَقُوْلُ، جَرِئٌ بعِلْمٍ، وثَبْتُ بحِلْمٍ، شَبِيْهٌ بابنِ تَيْمِيَّةَ في المُنَازَعَةِ، ومَثِيْلٌ لابنِ القَيِّمِ في المُقَارَعَةِ، طَوِيْلُ الشَّرْحِ والنَّفَسِ، رَاسِخُ التَّقْعِيْدِ والأسُسِ، سُبِقَ في الشَّرْحِ لكِنَّهُ لحِقَ، عَارِفٌ بمَقَالاتِ أهْلِ الفِرَقِ، والله حَسَيْبُهُ، ولا نُزَكِّي على الله أحَدًا!

- ويَصْدُقُ فِيْهِ قَوْلُ القَائِلِ:

مَنْ لي بِمِثْلِ مَشْيِكَ المُدَلَّلِ   تَمْشِي رُوَيْدًا وتَجِيءُ في الأوَّلِ

* * *

- وهَكَذَا؛ تَرَاهُ رَحِمَهُ الله يَصُوْلُ ويَجُوْلُ كَاللَّيْثِ في مَيَادِيْنِ العِلْمِ: مُعَلِّمًا ومُتَعلِّمًا، دَارِسًا ومُدَرِّسًا؛ فَلا تَفْتَرُ لَهُ عَزِيْمَةٌ، ولا تَضْعَفُ لَهُ إرَادَةٌ، ولا تَكِلُّ لَهُ هِمَّةٌ... وهَلْ دَرْسُهُ وإفْتَاؤُهُ في الحَرَمِ المَكِّيِّ في شَهْرِ رَمَضَانَ في سَنَةِ وَفَاتِهِ (1421) وهُوَ طَرِيْحُ الفِّرَاشِ عَنَّا ببَعِيْدٍ؟!

فَهُوَ بَحْرٌ لا سَاحِلَ لَهُ، وجَهْبَذٌ لا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، فأنَّى جِئْتَهُ وَجَدْتَّهُ؛ يَوْمَ فَازَ بقَصَبِ السَّبْقِ، وحَازَ القِدْحَ المُعلى في حَلَبَةِ العِلْمِ والتَّعْلِيْمِ!

إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوْهَا      فإنَّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ

* * *

- وقَدْ تَخَرَّجَ بِهِ أئِمَّةٌ أعْلامٌ، ومَشَاهِيْرُ في الإسْلامِ، مِنْ أهْلِ العِلْمِ الفُضَلاءِ، والوُجَهَاءِ الأكْفَاءِ، وكَذَا أسَاتِذَةُ الجَامِعَاتِ والكُلِّيَاتِ، وأعْيَانُ البِلادِ والوَزَارَاتِ؛ ومَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَسْتَطِيْعُ أنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدِيْه، أو يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: هَيْبَةً ووَقَارًا، إجْلالًا وتَقْدِيْرًا، لِغَزَارَةِ بُحُوْرِ عِلْمِهِ، وقُوَّةِ حُجَّتِهِ وفَهْمِهِ، وحِدَّةِ فِعْلِهِ وقَوْلِهِ، ووُفُوْرِ ذَكَائِهِ وعَقْلِهِ، والله حَسِيْبُهُ!

وفَوْقَ هَذَا رَأى النَّاسُ مِنْ تَلامِيْذِهِ مَنْ نَاظَرَ وتَمَرَّسَ، وأفْتَى في حَيَاتِهِ ودَرَّسَ، فَأَكْرِمْ بِثِمَارٍ جَنَتْهَا يَدَاكَ بَعْدَ أنْ رَعَتْهَا عَيْنَاكَ!

* * *

- وكَانَ رَحِمَهُ الله عَظِيْمَ الحُرْمَةِ، وَافِرَ الجَلالَةِ، ذَا حُشْمَةٍ ووَجَاهَةٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ والأعْيَانِ، ومَعَ هَذَا أيْضًا لَمْ يَفْتَأ رَحِمَهُ الله يَتَألَّفُ الغُرَبَاءَ ويُقَرِّبُهُم، ويتَلَطَّفُ بِهِم، حَتَّى صَارَ مِنْ أخِصَّاءِ تَلامِيْذِهِ بَعْضُ العَجَمِ، وكَانَ يَتَفَقَّدُهُم، ويَسْألُ عَنْ حَالِهِم.

ولَقَدْ صَحِبَهُ ثُلَّةٌ مِنْ أهْلِ المَذَاهِبِ فَرَجَعُوا عَنْ مَذَاهِبِهِم لِمَا شَاهَدُوْهُ فِيْهِ مِنْ فَقَاهَةِ النَّفْسِ، وفِقْهِ الشَّخْصِ عِنْدَ تَقْرِيْرِ الدَّلِيْلِ، وتَحْرِيْرِ التَّعْلِيْلِ، ومَا ذَاكَ إلَّا أنَّ الدَّلِيْلَ الصَّحِيْحَ جَلِيْسُهُ، والتَّعْلِيْلَ الصَّرِيْحَ أنِيْسُهُ!

كَمَا كَانَ رَحِمَهُ الله مُتَوَاضِعًا في مَلْبَسِه ومَأكَلِهِ لا تَرَى عَلَيْهِ أثَرَ الفَارِهِيْنَ، أو لُبْسَةَ المُتَنَعِّمِيْنَ؛ بَلْ أثَرُ الزُّهْدِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وعَلامَةُ الخُشُوْعِ على قَسَمَاتِهِ سَافِرٌ!

* * *

وقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ طَلَبَةُ العِلْمِ مِنْ كُلِّ فَوْجٍ عَمِيْقٍ، وقَصَدَهُ التَّلامِيْذُ مِنْ كُلِّ نَسْلٍ عَرِيْقٍ، واحْتَوَشَهُ رُوَّامُ العِلْمِ مِنْ زَوَايَا الأرْضِ، وسَقَاهُم سَلْسَبِيْلَ العِلْمِ كالحَوْضِ؛ حَيْثُ بَنَى لَهُم المَسَاكِنَ والدُّوْرَ، وأجْرَى عَلَيْهِم الأمْوَالَ الكَثِيْرَةَ، والمَعَائِشَ الوَفِيْرَةَ... حَتَّى غَدَتْ مَدِيْنَةُ «عُنَيْزَةَ» مَعْقَلًاللعِلْمِ والتَّعْلِيْمِ، فلْيَفْخَرْ أهْلُهَا على العَالَمِيْنَ؛ إذَا تَفَاخَرَتْ طَيٌّ وتَمِيْمٌ!

* * *

- أمَّا كُتُبُ الشَّيْخِ وتَصَانِيْفُهُ فَشَيءٌ آخَرَ، تَصْلُحُ أنْ تَكُوْنَ مَكْتَبةً شَامِلَةً، ومَعْلَمَةً كَامِلَةً، لغَالِبِ العُلُوْمِ الإسْلامِيَّةِ، والفُنُوْن المَعْرِفِيَّةِ، بَلْهَ قَدْ يَعْجَزُ البَلِيْغُ ذِكْرَها ووَصْفَهَا، ويَتْعَبُ البَاحِثُ عَدَّهَا ورَصْفَهَا، بَلْ للشَّيْخِ رَحِمَهُ الله مِنَ الفَتَاوَى الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، والرَّسَائِلِ السَّائِرَةِ والهَامَّةِ، مَا يَعْجَزُ الخَوَاصُ مِنْ تَقَصِّيْهَا، فَضْلًا عَنْ تَفَصِّيْهَا.

* * *

- فَقِفَا نَذْكُرُ كَشَّافَ أسْمَاءِ كُتُبِ شَيْخِنا رَحِمَهُ الله مِمَّا يَقْطَعُ بِعُلُوِّ كَعْبِهِ، وغَزَارَةِ عِلْمِهِ، ونُبُوْغِ تَفَنُّنِهِ، وجِمَاعِ مَعَارِفِهِ... مَا سَنَحَتْ بِهِ الذَّاكِرَةُ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ:

فَكَانَ مِنْهَا (لا كُلُّهَا):

«القَوَاعِدُ المُثْلَى في صِفَاتِ الله وأسْمَائِهِ الحُسْنَى»، و«عَقِيْدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَة»، و«فَتْحُ رَبِّ البَرِيَّةِ بتَلْخِيْصِ الحَمَوِيَّةِ»، و«تَقْرِيْبُ التَّدْمُرِيَّةِ»، و«شَرْحُ العَقِيْدَةِ السَّفَّارِيْنِيَّةِ»، و«شَرْحُ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ»، و«القَوْلُ المُفِيْدُ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ»، و«التَّعْلِيْقُ على السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ».

و«المَنْهَجُ لِمُرِيْدِ العُمْرَةِ والحَجِّ»، و«تَسْهِيْلُ الفَرَائِضِ»، و«الشَّرْحُ المُمْتِعُ شَرْحُ زَادِ المُسْتَقْنِعِ»، و«أصُوْلُ التَّفْسِيْرِ»، و«الأُصُوْلُ مِنْ عِلْمِ الأُصُوْلِ»، و«مُصْطَلَحُ الحَدِيْثِ»، و«مَنْظُوْمَةُ القَوَاعِدِ والأصُوْلِ».

و«مَجَالِسُ شَهْرِ رَمَضَانِ»، و«مَجْمُوْعُ فَتَاوَى ورَسَائِلِ الشَّيْخِ» وهَذَا الأخِيْرُ مِنْ أجْمَعِهَا وَضْعًا، وأكْثَرِهَا نَفْعًا؛ حَيْثُ بَلَغَتْ مُجَلَّدَاتُهُ أرْبَعةً وعِشْرِيْنَ وهُوَ لمَّا يَنْتَهِ بَعْدُ، وغَيْرُهَا الكَثِيْرُ مَا بَيْنَ كُتُبٍ وكُتَيِّبَاتٍ سَائِرَةٍ، ورَسَائِلَ وفَتَاوَى ظَاهِرَةٍ، وشُرُوْحٍ لِكَثِيْرٍ مِنْ كُتُبِ العِلْمِ، ومِنْ وَرَائِهَا ذَخَائِرُ عِلْمِيَّةٌ مُسَجَّلَةٌ ضِمْنَ شَرَائِطَ صَوْتِيَّةٍ، لَمْ تَزَلْ مُخَبَّأةً عَنْ كَثِيْرٍ مِنْ طُلابِ العِلْمِ.

* * *

- أمَّا طَرِيْقَةُ شَرْحِهِ ودُرُوْسِهِ:

فلِشَيْخِنَا رَحِمَهُ الله طَرِيْقَةٌ في الشَّرْحِ آخِذَةٌ برِقَابِ العِلْمِ والفَهْمِ، ودُرَرِ الفَوَائِدِ والشَّوَارِدِ، تَكَادُ تَنْتَظِمُ مِنْ حُسْنِهَا في عُقُوْدٍ بهِيَّةٍ، وتُعَلَّقُ مِنْ جَمَالهَا في مِشْكَاةٍ مُضِيَّةٍ، سَهْلَةٌ مَلِيْحَةٌ، وَاضِحَةٌ صَرِيحَةٌ، لا يَمَلُّهَا الطَّالِبُ، ولا يَرْغَبُ عَنْهَا الرَّاغِبُ، فَهِيَ باخْتِصَارٍ، كَذَا:

 كَانَ رَحِمَهُ الله في شَرْحِهِ: سَهْلَ العِبَارَةِ، قَوِيَّ الإشَارَةِ، قَدْ أخَذَ بِنَاصِيَةِ اللُّغَةِ فِيْمَا يَقُوْلُ ويَكْتُبُ، يُقَرِّبُ البَعِيْدَ ويُرَسِّخُ القَرِيْبَ، ولَهُ فِيْمَا يَقُوْلُ ويَشْرَحُ تَصْوِيْرٌ بَلِيْغٌ للمَسَائِل مِمَّا زَانَتْ بِه دُرُوْسُهُ وفَاقَتْ؛ حَيْثُ كَانَ حَرِيْصًا ومُكْثِرًا مِنْ تَقْرِيْبِ المَسَائِلِ وتَهْذِيْبِ الدَّلائِلِ للطُّلابِ مِنْ خِلالِ تَصْوِيْرِها بأمْثِلَةٍ سَهْلَةٍ يَفْهَمُهَا الجَمِيْعُ، ويَسْتَمْلِحُهَا المُبْصِرُ والسَّمِيْعُ!

وكَانَ رَحِمَهُ الله لا يَذْهَبُ لِمَسْألةٍ أو يَذْكُرُ حُكْمًا أو يُرَجِّحُ قَوْلًا إلَّا بِدَلِيْلِهِ الشَّرْعِيِّ، وتَعْلِيْلِهِ المُعْتَبَرِ الوَضْعِي، فَكَانَ غَايَةً في تَذْلِيْلِ صِعَابِ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ، وتَرْوِيْضِ الأمْثِلَةِ الفِقْهِيَّةِ، يَقُوْدُهَا بتَصْوِيْرِ المَعَاني، ويُقَرِّبُها بِجَمالِ المَبَاني.

ومَعَ هَذَا كَانَ يَأخُذُ بألْبَابِ الطُّلابِ الحَاضِرِيْنَ، شَحْذًا وهِمَّةً للسَّائِلِيْنَ، فَقَلِيْلًا مَا يَغْفَلُ الطَّالِبُ منَّا، أو يَفْتُرُ في الدَّرْسِ عنَّا.

- فالشَّيْخُ لا يَسْأمُ في مَثَانِي دَرْسِه مِنْ مُشَارَكَةِ الطُّلابِ، فَمَرَّةً يَسْألُهُم، ومَرَّةًّ يَطْلُبُ مِنْهُم البُحُوْثَ وتَحْرِيْرَ بَعْضِ المَسَائِلِ، ومَرَّةً يَدْفَعُهُم للمُشَارَكَةِ في الدَّرْسِ حَثًّا مِنْهُ على تَعْوِيْدِهِم على الاسْتِنْبَاطِ.

وهَكَذَا كَانَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ الله: مُعَلِمًا ومُوَجِّهًا ومُرَبِّيًّا، وقَبْلَ ذَلِكَ كُلِّه كَانَ للطُّلابِ أبًا نَاصِحًا مُشْفِقًا!

* * *

فَكُلُّ مَا هُنَا (وهُنَاكَ) مِمَّا ذُكِرَ مِنْ شَمَائِلِ وسَجَايَا الشَّيْخِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ كَانَتْ مِنَ الله تَعَالى أوَّلًا مِنْحَةً ومِنَّةً، ثُمَّ كَانَتْ تَأثُّرًا كَبِيْرًا بطَرِيْقَةِ شَيْخِه عَلاَّمَةِ القَصِيْمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَاصِرٍ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ الله المُتَوَفَّي عَامَ (1376)، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ.

* * *

- أمَّا وَفَاتُهُ رَحِمَهُ الله:

 فَلا نَامَتْ أعْيُنُ الجُهَلاءُ، يَوْمَ نَعَى النَّاسُ مَوْتَ شَيْخِ الإسْلامِ، وحَسَنَةِ الوَقْتِ والأيَّامِ، العَالمِ الرَّبَّانِيِّ!

فَعِنْدَهَا بَكَتْ عَلَيْهِ العُيُوْنُ بِأسْرِهَا، وحُقَّ لَهَا البُكَاءُ، وعَمَّ مُصَابُهُ جَمِيْعَ المُحِبِّيْنَ، فأَيُّ دَمْعٍ مَا سُجِمَ، وأيُّ رُكْنٍ مَا هُدِمَ، وأيُّ فَضْلٍ مَا عُدِمَ؟! يَالَهُ مِنْ خَطْبٍ مَا أعْظَمَهُ، ومُصَابٍ مَا أفْخَمَهُ!

فَلَيْتَ شِعْرِي! لَوْ رَأيْتَنَا ونَحْنُ نَتَعَازَى؛ وكُلُّنَا مُصَابٌ، فَعِنْدَهَا سَتَعْلَمُ: أنَّ المُعَزِّيَّ هُوَ المُصَابُ؟!

المَرْءُ رَهْنُ مَصَائِبٍ مَا تَنْقَضِي      حَتَّى يُوَسَّدَ جِسْمُهُ في رَمْسِـهِ

فَمُؤجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى في غَيْرِهِ       ومُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى في نَفْسِهِ

* * *

- وأيْمُ الله! ذَهَبَ حَسَنَةُ الوَقْتِ، والأمَّةُ بَعْدُ فَقِيْرَةٌ إلى عِلْمِه، أمَّا طُلَّابُهُ في «عُنَيْزَةَ» فَلا تَسْألْ! فَحَسْبُهُمُ الله ونِعْمَ الوَكِيْلُ، فَمَنْ لَهُمْ بَعْدَهُ غَيْرُ الله؟ ومَنْ يَأْوِيْهِم بَعْدَهُ غَيْرُ الله؟ كَأنَّهُم ضَالَةٌ في أرْضٍ مُسْبِعةٍ شَاتِيَةٍ!

- وكَأنِّي بامْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ أطْلالَهُم:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ ومَنْزِلِ  بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُوْلِ فَحَوْمَلِ

تَرَى بَعَرَ الآرَامِ في عَرَصَاتِها وقِيعَانِها كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ

وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُمُ     يَقُوْلُوْنَ: لا تَهْلَكْ أَسَىً وتَجَمَّلِ

فَدَعْ عَنْكَ شَيْئًا قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ   ولَكِنْ على مَا غَالَكَ اليَوْمَ أقْبِلِ

وَقَفْتُ بِها حَتَّى إذَا ما تَرَدَّدَتْ     عَمَايةُ مَحْزُونٍ بِشَوْقٍ مُوَكَّلِ

وإنَّ شِفائِي عَبْرةٌ مُهْرَاقَةٌ    فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟!

* * *

- فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الشَّيْخُ الكَبِيْرُ مِنَ العُمُرِ أرْبَعَةً وسَبْعِيْنَ عَامًا قَامَ يُكَابِدُ وَقْتَئِذٍ الأمْرَاضَ والأوْصَابَ الآذِنَةَ بالرَّحِيْلِ والتِّرْحَالِ، على ضَعْفٍ مِنْهُ واسْتِثْقَالٍ، يَوْمَ عَلِمَ أنَّ الَّذِي اعْتَرَاهُ مَرَضٌ اسْتَعْصَتْ أدْوَاؤُهُ على أرْبَابِ الطِّبِّ، وتَصَاغَرَتْ عِنْدَهُ هَيْمَنَةُ وكِبْرِيَاءُ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا، ومُلُوْكِ الأرْضِ، فَلا عِلاجٍ عَرَفُوْهُ، ولا سَبَبٍ أدْرَكُوْهُ! إنْ هِيَ إلَّا ظُنُوْنٌ لا فُنُوْنٌ، وحَالَ حِيْنَئِذٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ العِلاجِ إيْمَانُهُ؛ يَوْمَ تَقَطَّعَتِ الأسْبَابُ، إلَّا مِنْ رَبِّ الأرْبَابِ الرَّحِيْمِ التَّوَّابِ!

وفي لَيْلَةِ الخَمِيْسِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ لِعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمَائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِيْنَ للهِجْرَةِ؛ حِيْنَ كَانَ الشَّيْخُ تَحْتَ العِنَايَةِ والعِلاجِ في إحْدَى المُسْتَشْفَيَاتِ الكُبْرَى في مَدِيْنَةِ جُدَّةَ؛ إذْ بالمُسْلِمِيْنَ يَتَلَقَّوْنَ خَبَرَ وَفَاتِهِ... فإنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُوْنَ!

* * *

- فعِنْدَها تَسَامَعَ النَّاسُ بِأنَّ الصَّلاةَ على فَقِيْدِ الأمَّةِ وحَسَنَةِ الوَقْتِ، سَتَكُوْنُ في المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا الله، وذَلِكَ عَصْرَ يَوْمِ الخَمِيْسِ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ وَفَاتِه رَحِمَهُ الله، (16/ 10/ 1421).

وبَعْدَ أنْ أشْرَقتْ شَمْسُ الخَمِيْسِ تَسَابَقَ النَّاسُ زَرَافَاتٍ ووُحْدَانًا رِجَالًاورُكْبَانًا يَتَدَافَعُوْنَ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، وقَدْ رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُوْلَ، لا يَلْوُنَ على أحَدٍ، ولا يَسْتَأخِرُوْنَ!

- وكَأنِّي بالتَّمِيْمِيِّ قَدْ وَصَفَهُم بقَوْلِهِ:

لا يَسْألُوْنَ أخَاهُم حِيْنَ يَنْدُبُهُم    في النَّائِبَاتِ على مَا قَالَ بُرْهَانَا

* * *

فَكَأنِّي بالطُّرُقَاتِ قَدْ ضَاقَتْ بِهِم، وبالمَسْجِدِ الحَرَامِ قَدِ ازْدَحَمَ بِهِم؛ حَتَّى أنَّكَ لا تَجِدُ مَوْضِعَ قَدَمٍ وَقْتَئِذٍ، ولِسَانُ حَالِهِم يَقُوْلُ:«بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ الجَنَائِزُ» فأَكْرِمْ!

- وفي مِثْلِ هَذَا قَالُوا:

مَنْ شَـاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ     فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَـاذِرُ

إنِّي وغَيْرِي لا مَحَــا     لَةَ حَيْثُ صِرْتَ لصَائِرُ

* * *
- وأخِيْرًا؛ فَهَذَا مَا جَادَ بِه القَلَمُ على ارْتِجَالٍ، وأدْلَتْ بِهِ الذَاكِرَةُ على كُلِّ حَالٍ، وتَضَوَّعَ بِهِ الشَّذَا الفَيَّاحُ، وتَنَاثَرَتْ عِنْدَهُ اللَّآلئ المِلاحُ، فَلا جَرَمَ أنْ كَانَ الخَطَأ حَالَفَنِي، أو الغَلَطُ رَافَقَنِي، فَذِي بِضَاعَةُ مَنْ خُلِقَ مِنْ عَجَلٍ، ونَبْرةُ بَنَانِهِ على وَجِلٍ!
والأخُ مَنْ أسْدَى النَصِيْحَةَ، وكَتَمَ الفَضِيْحَةَ، والعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أهْلِهِ، والله يَغْفِرُ لي ولَوَالِدَيَّ، ولمَشَايخِي وعَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ، آمِيْنَ!
* * *
والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُوْلِه الأمِيْنِ وكَتَبَهُ مُعَزِّيًا مُصَابًا يَوْمَ الخَمِيْسِ قُبَيْلَ المَغْرِبِ السَّادِسُ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ لِعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمَائَةٍ ووَاحِدٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ على صَاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ، وأتَمُّ التَّسْلِيْمِ
(16/10/1421هـ)

وكَتبَهُ:

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي

الطَّائِفُ المَأنُوْسُ

 


 

([1]) وبَعْدَ سَنَةٍ تَقْرِيْبًا مِنْ كِتَابَتِي لِهَذِه الشَّذَرَاتِ عَنْ شَيْخِنا العُثَيْمِيْنَ رَحِمَهُ، وَجَدْتُ كِتَابًا حَافِلاً بتَرْجَمَةِ الشَّيْخِ العُثَيْمِيْنِ، وهُوَ لأحَدِ طُلابِ العِلْمِ الفُضَلاءِ مِمَّنْ لَهُم مَعْرِفَةٌ كَبِيْرَةٌ بالشَّيْخِ، وهَذَا مِمَّا زَادَ التَّرُجَمَةَ دِقَّةً وشُمُوْلًا لِحَيَاةِ وعِلْمِيَّةِ الشَّيْخِ، وهُوَ مَا كَتَبَهُ الأخُ الشَّيْخُ وَلِيْدٌ الزُّبَيْرِيُّ، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 7 )
 الزيارات الفريدة: ( 1812144)