شَيْـخُ الطَّبَقَـةِ حُمُوْدٌ العُقْلاءُ
عدد مرات القراءة: 680982

شَيْـخُ الطَّبَقَـةِ

حُمُوْدٌ العُقْلاءُ

المولود (1346)، المُتَوَفَّى (5/11/1422)

عَنْ عُمُرٍ يُنَاهِزُ السَّبْعَةَ والسَّبْعِيْنَ

 

تَألِيْفُ:

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي

***

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ لله الَّذِي كَتَبَ المَوْتَ على أهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وجَعَلَ عُقْبَى الصَّابِرِيْنَ دَارَ الأبْرَارِ، وعُقْبَى المُتَسَخِّطِيْنَ دَارَ البَوَارِ، وجَعَلَ أعْلَى خَلْقِهِ أعْظَمَهُم صَبْرًا، وأهْوَنَهُم عِنْدَهُ أظْلَمُهُم تَضَجُّرًا.

والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِه الأمِيْنِ، وآلِهِ الطَّاهِرِيْنَ المُحْتَسِبِيْنَ، وصَحْبِهِ المُؤمِنِيْنَ الصَّابِرِيْنَ، وعلى مَنْ تَبِعَهُم إلى يَوْمِ الدِّيْنِ.

- أمَّا بَعْدُ: فأشْكُرُ اللهَ تَعَالَى أنْ خَصَّنِي بكَبِيْرِ فَضْلِهِ، وعَظِيْمِ حِلْمِه؛ حَيْثُ أوْصَلَنِي بصِلاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى؛ فَكَانَ مِنْها:

قِرَاءةُ هَذا السِّفْرِ القَوِيْمِ، والعِلْمِ العَظِيْمِ المَزْبُوْرِ تَحْتَ مَجَامِيْعِ: «فَتَاوَى ورَسَائِلِ» لشَيْخِ الطَّبَقَةِ، وحَسَنَةِ الوَقْتِ، الشَّيْخِ الهُمامِ، فَارِسِ المَنْقُوْلِ والمَعْقُوْلِ، فَضِيْلَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ: أبي عَبْدِ الله حُمُوْدِ بنِ عَبْدِ الله العُقْلاءِ الشُّعَيْبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

فعِنْدَها؛ سِيْقَتْ إلَيَّ «رَسَائِلُهُ وفَتَاوَاهُ» رَجَاءَ النَّهْلَ مِنْ عِلْمِهَا، والثَّبَاتَ عَلَى فِعْلِها، لأتَفَيَّأ ظِلالَهَا، وأجْنِيَ ثِمَارَهَا؛ فَكَانَ ذَاكَ!

* * *

- فحَمْدًا؛ حَيْثُ زُفَّتْ إلَيَّ هَذِهِ المَجَامِيْعُ فِي أثْوَابٍ حِسَانٍ، وعُقُوْدٍ جُمَانٍ، قَدْ تَلألأتْ صَفَحَاتُهَا، وأضَاءتْ كَلِمَاتُها بنُوْرِ الوَحْيَيْنِ، ومَاءِ العَيْنَيْنِ، حَيْثُ تَضَوَّعَ مِسْكُهَا، وفَاحَ شَذَاهَا...!

لِذَا؛ كَانَ حَقًّا على المُؤْمِنِيْنَ أنْ يُسَلِّي بَعْضُهُم بَعْضًا بأنَّ الزَّمَانَ وَلَّادُ، والأيَّامَ جِيَادُ... بعُلَمَاءَ أجِلاءَ، وأعْلامٍ نُبَلاءَ، كالشَّيْخِ العُقْلاءِ، في أيَّامٍ أظْلَمَ نَهَارُهَا، واغْبَرَّتْ سَمَاؤُهَا، فالحَمْدُ لله على بَقَاءِ الطَّائِفَةِ المَنْصُوْرَةِ، على رُغْمِ مُكَاثَرَةِ الطَّغَامِ، وفَسَادِ أهْلِ الزَّمَانِ!

* * *

- أمَّا تَذْكِيْرُ بَعْضِ سِيْرَةِ شَيْخِ الطَّبَقَةِ، فَشَيْءٌ آخَرُ، لِمِثْلِهِ تُطْرَبُ الأسْمَاعُ، وتُعَطَّرُ المَجَالِسُ، وتُقَادُ نَجَائِبُ العِلْمِ، وتَنْجَرُّ سُلالَةُ سِيَرِ الصَّالِحِيْنَ.

- فأمَّا نَسَبُهُ: فَهُوَ أبو عَبْدِ الله حُمُوْدُ بنُ عُبْدِ الله بنِ عُقْلاءِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عليِّ بنِ عُقْلاءِ الشُّعَيْبِيُّ الخَالِدِيُّ، مِنْ آل جنَاحٍ، مِنْ قَبِيْلَةِ بنِي خَالِدٍ، وكَانَ جَدُّهُ الخَامِسُ قَدِ انْتَقَلَ إلى المَنْطَقَةِ الشَّرْقِيَّةِ إلى شَقْرَاءَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ جَدُّهث إلى القَصِيْمِ وأقَامَ فِيْهَا، وكَانَ أخُو جَدِّهِ أيْضًا قَدِانْتَقَلَ إلى الجَوْفِ وأقَامَ فِيْهَا، والعُقْلاءُ كَانَ مِنْ أهْلِ الجَوْفِ مِنْ أبْنَاءِ عُمُوْمَتِهِ.

ووُلِدَ الشَّيْخُ المُجَاهِدُ رَحِمَهُ الله في بَلْدَةِ الشَّقَّةِ، مِنْ أعْمالِ بُرَيْدَةَ، سَنَةَ (1346)، ونَشَأ فِيْهَا وعِنْدَمَا بَلَغَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ الله السَّادِسَةَ مِنْ عُمُرِهِ ألْحَقَهُ وَالِدُهُ رَحِمَهُ الله بالكُتَّابِ فَتَعَلَّمَ فِيْهَا القِرَاءةَ والحِسَابَ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ اتْقَانِ هَذِهِ العُلُوْمِ إلى قِرَاءَةِ القُرْآنِ، ولمَّا بَلَغَ السَّابِعَةَ مِنْ عُمُرِهِ كُفَّ بَصَرُهُ بسَبَبِ مَرَضِ الجُدَرِيِّ الَّذِي عَمَّ كَثِيرًا مِنْ مَنَاطِقِ الممْلَكَةِ، وذَلِكَ عَامَ (1352)، وعلى الرُّغْمِ مِنْ ذَلِكَ وَاصَلَ دِرَاسَتَهُ في الكُتَّابِ بِنَاءًا على رَغْبَةِ وَالِدِهِ رَحِمَهُ الله، وقَدْ حَفِظَ القُرْآنَ كَامِلًا وعُمُرُهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ عَامًا وذَلِكَ عَامَ (1359)، إلاَّ انَّه رَحِمَهُ الله ضَبَطَ الحِفْظَ والتَّجْوِيْدَ لمَّا بَلَغَ الخَامِسَةَ عَشَرَ مِنْ عُمُرِهِ، وكَانَ ذَلِكَ عَامَ (1361)، ثُمَّ ارْتَحَلَ إلى الرِّيَاضِ لطَلَبِ العِلْمِ عَامَ (1367)، وبَدَأ الطَّلَبَ على كَثِيرٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ.

* * *

- فَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ، وعَلَى رَأسِهِم: الشَّيْخُ النَّحْرِيْرُ والسَّلَفِيُّ الكَبِيْرُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ إبْرَاهِيْمَ آلِ الشَّيْخِ؛ حَيْثُ أخَذَ مِنْهُ «الأجْرُومِيَّةَ» و«الأصُوْلَ الثَّلاثَةَ» وغَيْرَهَا.

ثُمَّ أخَذَ العِلْمَ أيْضًا عَنِ الشَّيْخِ الحَافِظِ المُفَسِّرِ الأُصُوْلِيِّ قُدْوَةِ الخَلَفِ وبَقِيَّةِ السَّلَفِ مُحَمَّدٍ الأمِيْنِ الشِّنْقِيْطِيِّ رَحِمَهُ الله (1393)، وكَذَا سَلِيْلِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيِّ الفَقِيْهِ نَاصِرِ السُّنَّةِ، وقَامِعِ البِدْعَةِ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيْمَ آلِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ الله (1389)، وذَلِكَ عَامَ (1368)؛ حَيْثُ أخَذَ عَلَيْهِ «زَادَ المُسْتَقْنِعِ»، ثُمَّ «كِتَابَ التَّوْحِيْدِ»، و«كَشْفَ الشُّبُهَاتِ»، و«الوَاسِطِيَّةَ»، و«الفَتْوَى الحَمَوِيَّةَ»، و«الطَّحَاوِيَّةَ»، و«الدُّرَّةَ المُضِيْئَةَ» للسَّفَّارِيْنِيِّ (1188)، و«الأرْبَعِيْنَ النَّوَوِيَّةَ» و«ألْفِيَّةَ ابنِ مَالِكٍ»، و«بُلُوْغَ المَرَامِ» وغَيْرهَا مِنَ العُلُوْمِ، وكُلُّ هَذِهِ الكُتُبِ كَانَ يَحْفَظُهَا رَحِمَهُ الله كَما يَحْفَظُ الفَاتِحَةَ.

وهَكَذَا كَانَ رَحِمَهُ الله قَائِمًا في مُلازَمَةِ شَيْخِهِ ابنِ إبْرَاهِيْمَ؛ حَتَّى فُتِحَ المَعْهَدُ العِلْمِيُّ عَامَ (1371)، فَحَسْبُكَ بِهَؤلاءِ العُلَماءِ الَّذِيْنَ أخَذَ مِنْهُم، لاسِيَّما الشِّنْقِيْطِيِّ وابنِ إبْرَاهِيْمَ: فَهَمُا السَّمْعُ والبَصَرُ!

* * *

فحَنَانَيْكَ حَنَانَيْكَ! لَوْ اسْتَقْبَلَ مُؤَرِّخُ الإسْلامِ «الذَّهَبِيُّ» خَبَرَ الخَالِفِيْنَ، لَمَا اسْتَأخَرَ سَاعَةً فِي ذِكْرِ «العُقْلاءِ» فِي أعْلامِ «سِيَرِ أعْلامِهِ»، أو طِبَاقِ «تَذْكِرَةِ حُفَّاظِهِ»، فالعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أهْلِه، ووَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ قَائِمُوْنَ حُجَّةً فِي كُلِّ زَمَانٍ!

فَلا يَهُوْلَنَّكَ مَا هُنَا؛ فالشَّيْخُ الشُّعَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَالِمٌ عَامِلٌ، زَاهِدٌ عَابِدٌ، مُحَقِّقٌ مُدَقِّقٌ، مُجَاهِدٌ رَبَّانِيُّ... فشُهْرَتُه تُغْنِي عَنِ الإطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ، والإسْهَابِ فِي أمْرِهِ، فَقَدْ طَبَّقَ ذِكْرُهُ جَمِيْعَ الأمْصَارِ، وشَاعَ عِلْمُهُ فِي نَوَاحِي الدِّيارِ؛ لِذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنِ التَّعْرِيْفِ بسِيْرَتِه(1).

* * *

- فهُوَ البَحْرُ مِنْ أيِّ النَّوَاحِي جِئْتَهُ، والبَدْرُ مِنْ أيِّ الضَّوَاحِي أتَيْتَهُ، لَمْ يَرْضَ بغَايَةٍ، ولَمْ يُقْضَ لَهُ بنِهَايَةٍ، رَضَعَ العِلْمَ مُنْذُ فُطِمَ، وطَلَعَ الصُّبْحُ ليُحَاكِيَهُ فلُطِمَ، وَصَّلَ النَّهَارَ باللَّيْلِ دَائِبَيْنِ، واتَّخَذَ العِلْمَ والعَمَلَ صَاحِبَيْنَ؛ حتَّى لَحِقَ بالسَّلَفِ بِهُدَاهُ، وأنْأى الخَلَفَ عَنْ بُلُوْغِ مَدَاهُ.

فرَحِمَهُ اللهُ؛ كَمْ جَادَلَ أهْلَ زَمَانِهِ! وجَدَّلَ خُصُوْمَهُ فِي وَسَطِ مَيْدَانِهِ، وفَرَّجَ مَضَايِقَ البَحْثِ بأدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ، ونَصَرَ أقْوَالَهُ فِي ظُلُمَاتِ الشُّكُوْكِ بالبَرَاهِيْنِ السَّاطِعَةِ، كأنَّ السُّنَّةَ على رَأسِ لِسَانِهِ، وعُلُوْمَ الأثَرِ مُسَاقَةٌ فِي حَوَاصِلِ جِنَانِهِ، وأقْوَالَ العُلَمَاءِ مَجْلُوَّةٌ نُصْبَ عَيَانِهِ، فَمَا أسْبَقَ اسْتِحْضَارِهِ، ومَا أسْرَعَ إحْضَارِهِ!

فَلا جَرَمَ أنَّه كَانَ فِي أرْضِ العُلُوْمِ حَارِثًا هَمَّامًا، وعَلَى مِنْبَرِ الحَقِّ مُنْذِرًا مِقْدَامًا!

* * *

- فَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ، وعَلَى رَأسِهِم: الشَّيْخُ الحَافِظُ المُفَسِّرُ الأُصُوْلِيُّ قُدْوَةُ الخَلَفِ وبَقِيَّةُ السَّلَفِ مُحَمَّدٌ الأمِيْنُ الشِّنْقِيْطِيُّ رَحِمَهُ الله (1393)، وكَذَا سَلِيْلُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيُّ الفَقِيْهُ نَاصِرُ السُّنَّةِ، وقَامِعُ البِدْعَةِ مُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ آلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ الله (1389)، فَحَسْبُكَ بِهِما مِنْ إمَامَيْنِ: فَهَمُا السَّمْعُ والبَصَرُ!

فَعِنْدَ ذَلِكَ بَرَعَ الشَّيْخُ الشُّعَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي العَقِيْدَةِ، والفِقْهِ، والتَّفْسِيْرِ، والنَّحْوِ، والأُصُوْلِ، والخِلافِ، فِي حِيْنَ كَانَ يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً، قَوَّالًا بالحَقِّ، نَاهِيًا عَنِ المُنْكَرِ، مُجاهِدًا فِي ذَاتِ الله بنَفْسِهِ، ويَدِهِ، ولِسَانِهِ، والله حَسِيْبُهُ، ولا نُزَكِّي على الله أحَدًا.

* * *

- كَمَا تَتَلْمَذَ عَلَيْه شُيُوْخُ العَصْرِ، ووُجَهَاءُ المِصْرِ، مَا يَقْضِ بإمَامَتِهِ وإجْلالِهِ، فَكَانَ حَقًّا: «شَيْخَ الطَّبَقَةِ»(2)!

 كَمَا كَانَ لَهُ وَجَاهَةً وإجَابَةً عِنْدَ العَامَّةِ والخَاصَّةِ، وهَيْبَةً وإمَامَةً عِنْدَ الرَّاعِي والرَّعِيَّةِ، ورِضًى وقَبُوْلاً عِنْدَ القَاصِي والدَّانِي!

* * *

- فأمَّا كُتُبُه فَهِي أشْهَرُ مِنْ أنْ تُذْكَرَ؛ فَقَدْ سَارَتْ مَسِيْرَ الشَّمْسِ في الأقْطَارِ، وامْتَلأتْ بِهَا البَلادُ والأمْصَارُ، فَمَنْ نَظَرَ فِيْها لا سِيَّمَا: «مُخْتَصَرُ عَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ»، و«البَرَاهِيْنُ القَاطِعَةُ عَلَى حَتْمِيَّةِ الإيْمَانِ بالله والدَّارِ الآخِرَةِ»، و«القَوْلُ المُخْتَارُ فِي حُكْمِ الاسْتِعَانَةِ بالكُفَّارِ» وغَيْرُهُا؛ عَلِمَ أنَّ الشَّيْخَ قَدْ رُزِقَ حِفْظًا وَاسِعًا، وفَهْمًا وَافِرًا، لكَأنَّه يَنْزَعُ مِنْ صَخْرٍ، ويَنْهَلُ مِنْ بَحْرٍ!

* * *

- أمَّا فَتَاوَاهُ، ورَسَائِلُهُ؛ فَقَدْ سَارَ بِهَا الرُّكْبَانُ، وطَارَتْ بِلا جَنَاحَيْنِ، كَمَا أنَّها سَابَقَتِ الزَّمَانَ، وسَادَتِ المَكَانَ، تَرِدُ إلَيْهِ الفَتَاوَى ولا يَرِدُهَا، وتَفِدُ عَلَيهِ فيُجِيْبُ عَلَيْهَا بأجْوِبَةٍ كَأنَّهُ كَانَ قَاعِدًا لَهَا يُعِدُّهَا!

* * *

- وأمَّا مَاجَرَيَاتُ هَذَا الإمَامِ فَكَثِيْرَةٌ عَدِيْدَةٌ، فَلَمْ يَظْهَرْ فِي ذَلِكَ لِمُعَانِدِيْهِ فِيْمَا ادُّعِيَ به عَلَيْهِ بُرْهَانٌ، غَيْرُ تَنْكِيْدَاتٍ رَسَخَتْ فِي القُلُوْبِ مِنْ ثَمَرَاتِ الشَّنَآنِ، وحُبِّ السُّلْطَانِ، وقُصَارَى ذَلِكَ أنَّه اتُّهِمَ وأوْذِيَ فِي غَيْرِ مَا يُعَابُ بِه ويُشَانُ.

وهَذَا كُلُّه مِنْ فَسَادِ أهْلِ الزَّمَانِ؛ حَيْثُ تَصَدَّى لَهُ: إمَّا جَاهِلٌ يَدَّعِي أنَّه عَالِمٌ، أو مُنَافِقٌ يَدَّعِي أنَّه نَاصِحٌ، فَقَدْ أوْذِيَ رَحِمَهُ اللهُ؛ حَتَّى أعْلَى اللهُ مَنَارَهُ، وجَمَعَ قُلُوْبَ أهْلِ الحَقِّ عَلَى مَحَبَّتِه، والدُّعَاءِ لَهُ، وكَبَتَ أعْدَاءهُ، فَهُوَ أكْبَرُ مْنَ أنْ يُنَبِّهَ على سَيْرَتِه مِثْلِي!

* * *

- وهَكَذَا؛ مَا زَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ رَافِعًا رَأسًا فِي العِلْمِ والتَّعْلِيْمِ، والدَّرْسِ والتَّدْرِيْسِ، مُنْقَطِعَ النَّظِيْرِ، مَعَ مَا يُمْلِيْهِ مِنَ الرَّسَائِلِ والفَتَاوَى هُنَا وهُنَاكَ... حَتَّى إذَا أزِفَتِ الآزِفَةُ، وأقْبَلَتِ الفِتَنُ فِي مَسَارِبَ مُهْلِكَةٍ، مُنْقَادَةً لتُعِيْدَهَا حَرْبًا صَلِيْبِيَّةً على الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ فِي بِلادِ أفْغَانِسْتَانَ وغَيْرِهَا، بأمْرٍ مِنْ إمْرِيكَا وحُلَفَائِها، وتَعَاوُنٍ سَافِرٍ مِنْ (مُتَأسْلِمَةِ) العَصْرِ!

فَعِنْدَها بَرَدَ الحَقُّ، ومَرَدَ البَاطِلُ، وسَكَتَ أكْثَرُ العُلَمَاءِ، ونَطَقَتِ الرُّوَيْبِضَاتُ، كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ أصْوَاتِ العَلْمَانِيِّيْنَ، وصَرِيْفِ أقْلامِ الإعْلامِيِّيْنَ، فَكَانَ اللَّتَيَّا والَّتِي... حَتَّى إذَا سَكَنَ اللَّيْلُ بظَلامِهِ، ورَفْرَفَ البَاطِلُ بأعْلامِهِ؛ جَاءَ الشَّيْخُ الشُّعَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُزَمْجِرًا في وُجُوْهِ الأعْدَاءِ بصَوْتِهِ، ضَارِبًا البَاطِلَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، كَاشِفًا أقْنِعَةً خَرْقَاءَ بصَوْلَتِهِ...!

حَيْثَ كَشَفَ زَيْفَ الضَّلالَةِ، بحُجَجٍ رَوَاسِخَ، فأقْدَمَ حِيْنَهَا إذْ كَانَ فِي الإقْدَامِ أخْطَارٌ، وبَرَزَ للنِّزَالِ حَيْنَ وَلَّى الفُرْسَانُ بالفِرَارِ، فَكَانَ مِنْه رَحِمَهُ اللهُ الثَّبَاتُ والإقْدَامُ فِي رَفْعِ أعْلامِ الحَقِّ، وتَسْوِيْقِهِ في زَمَنٍ كَسَدَ طُلابُّهُ، وخَافَهُ جُلابُهُ، إلاَّ ما رَحِمَ الله!

* * *

- فَدُوْنَكَ مَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ في مَجَامِيْعِهِ آنِفَةِ الذِّكْرِ؛ لِتَرَى بأمِّ عَيْنَيْكَ مَا أرَى، ولتَعْلَمَ أنَّ الحَقَّ لَهُ رِجَالاتٌ لا تُلْهِيْهِم مَنَاصِبُ سُلْطَانِيَّةٌ، ولا ظُنُوْنٌ شَيْطانِيَّةٌ، فَرَحِمَ اللهُ الشَّيْخَ إذْ لَمْ يَفْتَأ يُنَافِحُ عَنِ الحَقِّ حَتَّى آخِرَ حَيَاتِه، و«الأعْمَالُ بالخَوَاتِيْمِ»، و«يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على مَا مَاتَ عَلَيْه»، واللهُ حَسِيْبُه!

- حَتَّى إذا كَانَ لَيْلَةُ السَّبْتِ لخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ ذِي القَعْدَةِ سَنَةِ ألْفٍ وأرْبَعْمائةٍ واثْنَتَيْنِ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ على صَاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، فَارَقَ الشَّيْخُ الدُّنْيا بَعْدَ سِتٍّ وسَبْعِيْنَ سَنَةٍ مَدِيْدَةٍ، قَضَاهَا بَيْنَ عُلُوْمٍ مُفِيْدَةٍ، وأعْمَالٍ مَشِيْدَةٍ؛ تَارِكًا وَرَاءهُ كُنُوْزًا عِلْمِيَّةً، وسِيْرَةً مَرْضِيَّةً؛ فرَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، ورَفَعَ ذِكْرَه في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ونَفَعَ بعُلُوْمِهِ وفَتَاوَاهُ، وبَلَّ بالرَّحْمَةِ مَثْوَاهُ، وجَعَلَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ مَأوَاهُ، آمِيْنُ!

ومَا أحْسَنَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

سُبْحَانَ مَنْ يَبْتَلِي أُنَاسًا    أحَبَّهُم والبَلاءُ عَطَاءُ

فاصْبِرْ لبَلْوَى وكُنْ رَاضِيًا    فَإنَّ هَذَا هُوَ الدَّوَاءُ

سَلِّمْ إلى اللهِ مَا قَضَاهُ    ويَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ

- وأخِيْرًا، فَهَذِهِ سِيْرَةٌ مٌقْتَضَبَةٌ بدِيْعَةٌ، وعُجَالَةٌ هَاجمَةٌ سَرِيْعَةٌ، كَتَبْتُهَا بمَاءِ العَيْنِ، وقَرَّبْتُهَا للسَّائِلِيْنَ، مَعَ عِلْمِي أنَّها غَيْرُ حَاوِيَةٍ، وبِسِيْرَةِ الشَّيْخِ لَيْسَتْ وَافِيَةً.

وعُذْرِي أنَّني لم ألْتَقِ بالشَّيْخِ أو أُرَاهُ، اللَّهُمَّ وَقَفْتُ على سِيْرَتِهِ وفَتَاوَاهُ، وذَلِكَ لمَّا طَلَبَ مِنِّي بَعْضُ طُلَّابِهِ (الأخُ الجِفْنُ) أنْ أكْتُبَ سِيْرَةَ الشَّيْخِ ولَوْ في وَرَقَاتٍ، لتَبْقَى ذِكْرَى للشَّيْخِ بَعْدَ الممَاتِ، لذا طَلَبْتُ العَفْوَ والاعْتِذَارَ، مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وإقْتَارٍ، والله تَوَّابٌ غَفَّارٌ!

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَسُوْلِه الأمِيْنِ، المَبْعُوْثِ رَحْمَةً للعَالمِيْنَ

وكَتَبَهُ مُعَزِّيًا مُصَابًا لعَشْرٍ بَقِيْنَ مِنْ رَبِيْعِ الأوَّلِ لعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائة وأرْبَعَةٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ

وكَتبَهُ:

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي

الطَّائِفُ المَأنُوْسُ

(20/ 3/ 1424)

 


 

([1]) لَقَدْ كُتِبَتْ رَسَائِلُ، ومَقَالاتٌ فِي سِيْرَةِ الشَّيْخِ حُمُوْدٍ الشِّعَيْبِي رَحِمَهُ الله فكَانَ مِمَّا وَقَعَ فِي يَدِي مَا سَطَّرَه أخِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الجِفْنُ حَفِظَه اللهُ؛ حَيْثُ ذَكَرَ سَيْرَتَه ذِكْرًا وَافِيًا، مِمَّا يُشَجِّعُ على مُطَالَعَتِهِ ومُذَاكَرَتِهِ، تَحْتَ عُنْوَانِ : «إيْنَاسِ النُّبَلاءِ فِي سَيْرَةِ شَيْخِنا العُقْلاء» فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا!

([2]) أهْلُ السِّيْرِ والتَّراجِمِ والطَّبَقَاتِ كَانُوا لا يُلَقِّبُوْنَ الرَّجُلَ بشَيْخِ الطَّبَقَةِ إلَّا إذَا كَانَ أكْثَرُ طُلابِهِ عُلَماءَ، وهَذَا مَا يَنْطَبِقُ على الشَّيْخِ حُمُوْدٍ الشِّعَيْبِي!

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 1 )
 الزيارات الفريدة: ( 1812133)