الباب الرابع: تابع الفَصْلُ الثَّالِثُ: المَحاذِيرُ الشَّرعيَّةُ في (كُرَةِ القَدَمِ)
عدد مرات القراءة: 821301

المَحْظُورُ السَّابِعُ

تَحْكِيمُ القَوَانِيْنِ الوَضْعِيَّةِ

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة: 44].

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَحَدٌّ يُقَامُ في الأرْضِ، خَيْرٌ لأهْلِ الأرْضِ مِنْ أنْ يُمْطَرُوا ثَلاثِيْنَ صَبَاحًا»، وفي رِوَايَةٍ: «إقَامَةُ حَدٍّ في الأرْضِ خَيْرٌ لأهْلِهَا مِنْ مَطَرِ أرْبَعِيْنَ لَيْلَةٍ» أخْرَجَهٌ النَّسَائيُّ (8/ 76)، وابنُ مَاجَه (2/ 2537)، وهُوَ حَسَنٌ، انْظُرْ "السِّلْسِلَةَ الصَّحِيْحَةَ" للألبَانيِّ رَحِمَهُ الله (231).

وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على تَكْفيرِ مَنْ لَمْ يُحَكِّمْ شَرْعَ الله تَعَالَى جَمْعٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، كالإمامِ الطَّبَرِيِّ، وابنِ تَيْمِيَّةَ، وابنِ القَيِّمِ، وابنِ كَثِيْرٍ، ومُحَمَّدِ الأمِيْنِ الشَّنْقِيْطِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ إبرَاهِيمِ، وأحْمَدَ شَاكِرٍ، وغَيْرِهِم كَثِيْرٌ(1).

- فإذَا عَلِمْنَا أنَّ الحُكْمَ بغَيْرِ مَا أنْزَلَ الله تَعَالَى كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، كَانَ عَلَيْنَا في الوَقْتِ نَفْسِهِ أنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وتَنْظِيْمٌ إدِارِيٌّ، كَمَا يَلِي:

أوَّلًا: أمَّا مَا كَانَ مِنْ زُبَالَةِ الأفْكَارِ، وحُثَالَةِ الأفْهَامِ، وهُوَ مَا يُسَمَّى بِـ"القَانُوْنِ"، حَيْثُ يُفْرَضُ تَطْبِيْقُهُ على المُسْلِمِيْنَ مِمَّا يُصَادِمُ أحْكَامَ الله المُتَعَلَّقَةَ بالجِنَايَاتِ، والحُدُوْدِ، والعِبَادَاتِ، وغَيْرِهَا مِمَّا شَرَعَهُ الله، فَهَذَا لا شَكَّ أنَّهُ كُفْرٌ بِرَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ.

ثَانِيًا: أمَّا مَا كَانَ مِنْ تَنْظِيْمَاتٍ إدَارِيَّةٍ خَارِجَةٍ عَمَّا مَضَى؛ بَلْ يُرادُ بِهِ ضَبْطَ الأمُوْرِ، وإتْقَانَهَا على وَجْهٍ غَيْرِ مُخَالَفٍ للشَّرْعِ، فَهَذَا لا مَانِعَ مِنْه، ولا مُخَالِفَ فِيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُم(2).

والحَالَةُ هَذِهِ إذَا نَظَرْنَا إلى قَوَانِيْنِ (كُرَةِ القَدَمِ)، وغَيْرِهَا مِنْ ألْعَابٍ رِيَاضِيَّةٍ، نَجِدُ لَهَا قَوَانِيْنَ ومَوَاثِيْقَ مُلْزِمَةً على اللَّاعِبِيْنَ فِعْلَهَا، وأنْ يَتَقَيَّدُوا بِهَا! مِمَّا قَدْ تُفْرِضُ على مُمَارِسِ الرِّيَاضَةِ مَحَاذِيْرَ شَرْعِيَّةً:

كلِبْسٍ يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ، كَمَا في (كُرَةِ القَدَمِ)، وكَمَالِ الأجْسَامِ ونَحْوِهَا، وقَدْ يَنْحَنِي بِطَرِيْقَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا في لُعْبةِ (الكارَاتَيْه)، وغَيْرَهَا، ورُبَّما يَضْرِبُ الوَجْهَ، ويَتْلِفُ الأعْضَاءَ كَمَا في المُلاكَمَةِ، والمُصَارَعَةِ الحُرَّةِ... وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ القَوَانِيْنِ، والقَوَاعِدِ، والمَوَاثِيْقِ، والأعْرَافِ الرِّياضِيَّةِ المُخَالِفَةِ لأحْكَامِ الإسْلامِ!

* * *

- فَإذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلا تَخْلُو قَوَانِيْنُ، وأنْظِمَةُ (كُرَةِ القَدَمِ) مِنْ حَالَتَيْنِ:

الأوْلَى: أنْ تَكُوْنَ إدَارِيَّةً تَنْظِيْمِيَّةً بَحْتَةً، لا عُلاقَةَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّحْكِيْمِ الشَّرْعِيِّ الوَضْعِيِّ: كَعَدَدِ اللَّاعِبِيْنَ، ووَقْتِ المُبَارَاةِ، وحَجْمِ المَلْعَبِ... إلَخْ، فَهَذَا لا شَيْء فِيْهِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ المُشَابَهَةِ، ومَا يَحْصُلُ في (كُرَةِ القَدَمِ) مِنْ مُحَرَّمَاتٍ شَرْعِيَّةٍ.

الثَّانِيَةُ: أنْ تَكُوْنَ قَوَانِيْنَ تَشْرِيْعِيَّةً تُخَالِفُ حُكْمَ الله تَعَالَى: كإلْزَامِ اللَّاعِبِيْنَ بِكَشْفِ عَوْرَاتِهِم، والسَّفَرِ إلى بِلادِ الكُفْرِ دُوْنَ ضَرُوْرَةٍ، ومَحَبَّةِ اللَّاعِبِ الكَافِرِ الَّذِي في فَرِيْقِه، والاسْتِمْرَارِ في اللَّعِبِ ولَوْ في وَقْتِ الصَّلاةِ.

ومَنْ أخْطَرِ تِلْكُمُ القَوَانِيْنِ المُعَارَضَةِ لِحُكْمِ الله تَعَالَى، هُوَ إلْغَاءُ حُكْمِ الله تَعَالَى في الِجَناياتِ، والقَصَاصِ: مِثْلُ العَيْنِ بالعَيْنِ، والسِّنِّ بالسِّنِّ، والرِّجْلِ بالرِّجْلِ، واليَدِ باليَدِ... إلخ.

يُوَضِّحُهُ: لَوْ أنَّ اللَّاعِبَ أثْنْاءَ المُبَارَاةِ قَامَ بِكَسْرِ رِجْلِ أو سِنِّ لاعِبٍ آخَرَ، أو قَامَ بِضَرْبِهِ... أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا نَصَّتِ الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ على القَصَاصِ فِيْهِ، فإذَا كَانَ حُكْمُهُ عِنْدَهُم "فَاوِلْ"، أو ضَرْبَةَ جَزَاءٍ، أو طَرْدًا مِنَ المَلْعَبِ، أو "كَرْتْ" أحْمَرَ، أو غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَوَانِيْنِهِم الوَضْعِيَّةِ؛ فَلا شَكَّ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأحْكَامِ مُعَارِضَةٌ لِحُكْمِ الله تَعَالَى، فَهَذَا لا يَخْلُو أيْضًا مِنْ حَالَتَيْنِ:

الأوْلى: أنْ يَفْعَلَهَا اللَّاعِبُ المُسْلِمُ (كَرْهًا)، مَعَ اعْتِقَادِهِ بِحُرْمَتِهَا، ومُخَالَفَتِهَا أمْرَ الله تَعَالَى، فَهَذَا أقَلُّ أحْوَالِهِ: أنَّه كُفْرٌ أصْغَرٌ، وكَبِيْرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ؛ بَلْ أكْبَرُ الكَبَائِرِ، مَعَ مَا فِيْهَا مِنَ الجَوْرِ، والفِسْقِ، والظُّلْمِ!

الثَّانِيَةُ: أنْ يَفْعَلَهَا مُعْتَقِدًا لَهَا، رَاضٍ بِهَا، مُقَدِّمًا لَهَا على شَرْعِ الله تَعَالَى؛ بِكَوْنِهَا مِنْ شَأنِ قَوَانِيْنِ (كُرَةِ القَدَمِ)، فَهَذَا هُوَ الكُفْرَ الأكْبَرُ، الَّذِي نَخْشاهُ على كَثِيْرٍ مِنْ لاعِبِي الرِّيَاضَةِ؛ بَلْ لا أبَالِغُ إذَا قُلْتُ: إنَّ كَثِيرًا مِنْ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) هَذِهِ الأيَّامِ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ أقْرَبُ مَا يَكُونُونَ مِنْ أصْحَابِ الحَالَةِ الثَّانِيَةِ(3).

***

المَحْظُورُ الثَّامِنُ

الرِّهَانُ على الفَرِيْقِ الفَائِزِ

لَقَدْ أصْبَحَ الرِّهَانُ هَذِهِ الأيَّامَ على الفَرِيْقِ الفَائِزِ ظَاهِرةً مُنْتَشِرَةً بَيْنَ بَعْضِ أنْصَارِ الرِّيَاضَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الرِّهَانُ على فَوْزِ أحَدِ الفَرِيْقَيْنِ في (كُرَةِ القَدَمِ)، أو اليَدِّ، أو الطَّائِرَةِ، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ في هَذَا العَصْرِ!

في حِيْنِ أنَّ المُتَابِعَ لِهَذِهِ الرِّهَانَاتِ الَّتِي يَتَنَافَسُ عَلَيْهَا المُسْلِمُوْنَ في كَثِيْرٍ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ تُرْصَدُ لَهَا آلافُ (الدُّوْلارَاتِ) بَيْنَ المُتَرَاهِنِيْنَ! وحَسْبُكَ مَا تَنْشُرُه الصَّحَافَةُ بَيْنَ الحِيْنِ والآخَرِ مِنْ أرْقَامٍ مُذْهِلَةٍ بَيْنَ المُتَرَاهِنِيْنَ على فَوْزِ أحَدِ الفَرِيْقَيْنِ على الآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الفِرَقُ مَحَليَّةً، أو دُوَلِيَّةً!

نَعَمْ؛ لَقَدْ دَخَلَتْ هَذِهِ المُرَاهَنَاتُ الشَّائِعَةُ في البِلادِ الغَرْبِيَّةِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيْدٍ، ففي السِّوِيْدِ مَثَلًا؛ حَوَالِي (52%) يُرَاهِنُوْنَ على (كُرَةِ القَدَمِ)!

وفي أمْرِيْكا رَاهَنَ حَوَالِي ثَلاثَةٍ وسِتِّيْنَ مَلْيُوْنَ شَخْصٍ على (كُرَةِ القَدَمِ) سَنَةَ (1388).

* أمَّا البَلادُ الإسْلامِيَّةُ؛ فَهِي ولله الحَمْدُ مُعَافَاةٌ مِنَ نِظَامِ المُرَاهَنَةِ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ الأصْوَاتِ الآثِمَةِ في مِصْرَ تُطَالِبُ بإدْخَالِ نِظَامِ المُرَاهَنَةِ على (كُرَةِ القَدَمِ)؛ كَحَلٍّ لظَاهِرَةِ الإفْلاسِ المَادِيِّ للأنْدِيَةِ الرِّياضِيَّةِ؛ إلَّا أنَّ هَذِهِ الأصْوَاتِ لَمْ تَلْقَ ولله الحَمْدُ أدْنَى قَبُوْلٍ مِنَ العَامِلِيْنَ في الأوْسَاطِ الرِّياضِيَّةِ، ومِنْ عُلُمَاءِ النَّفْسِ، والاجْتِمَاعِ عِنْدَهُم(4)!

* * *

وهَذَا الشَّيْخُ جَوْهَرِي الطَنْطَاوِيُّ نَرَاهُ يُحذِّرُ مِنْ سِبَاقِ الخَيْلِ والرِّمَايِةِ؛ لأنَّهما أصْبَحَا هَذِهِ الأيَّامَ مِعْوَلًا هَدَّامًا في كَيَانِ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ أنْ كَانَا وَسِيْلَةَ عِزٍّ، وكَرَامَةٍ، وجِهَادٍ في سَبِيْلِ الله تَعَالِى.

حَيْثُ قَالَ في "الجَوَاهِرِ في تَفْسِيْرِ القُرْآنِ" (1/ 204): "إنَّ سِبَاقَ الخَيْلِ والرِّمَايَةِ قَدْ أصْبَحَا عَارًا على الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ حَيْثُ أصْبَحَا مُرْتَزَقًا، ووَسِيْلَةً لكَسْبِ المَالِ، وأكْلِهِ بالبَاطِلِ".

ثُمَّ قَالَ أيْضًا: "والحَظُّ في قِمَارِ زَمَانِنَا لأصْحَابِ دُوْرِ القِمَارِ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنا، ولكِنَّهُم لَيْسُوا على أخْلاقِنَا، ولاسَيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ أنْدِيَةَ القِمَارِ وَرَاءهَا دُوَلٌ أجْنَبِيَّةٌ وضَعَتْهَا لامْتِصَاصِ ثَرَوَاتِ الأغْنِيَاءِ، وبالفِعْلِ حَصَلَ ذَلِكَ في كَثِيْرٍ مِنْ بِلادِ العَالِمِ الإسْلامِيِّ، وعلى وَجْهِ التَّحْدِيْدِ؛ فإنَّنِي لا أشُكُّ أنَّ وَرَاءَ مَوَائِدِ القِمَارِ جَمْعِيَّاتُ المُوْسَادِ" انْتَهَى.

ومِنْهُ تَعْلَمُ حُرْمَةَ مُرَاهَنَةِ المُتَفَرِّجِيْنَ على سِبَاقِ الخَيْلِ في هَذِهِ الأيَّامِ، وهِيَ مَنْ أكْثَرِ أنْوَاعِ الرِّهَانِ شُيُوْعًا في أورُوْبا، وفي مِصْرَ!

* * *

فَكَانَ أوَّلُ مَنِ اخْتَرَعَ فِكْرَةَ الرِّهَانِ على سِبَاقِ الخَيْلِ فَرَنْسَا عَامَ (1276هـ)، ثُمَّ عَمِلَتْ بِهِ اسْتُرَالِيَا، وأمْرِيْكا، وبِرِيْطَانِيَا؛ كَمَا جَاءَ في "المُوْسُوْعَةِ البِرِيْطَانِيَّةِ" (9/ 998).

وأمَّا مِصْرُ؛ فَقَدْ أدْخَلَ الاسْتِعْمَارُ (التَّدْمِيْرُ) البِرِيْطَانِيُّ نِظَامَ المُرَاهَنَةِ على سِبَاقِ الخَيْلِ فِيْهَا عَامَ (1329هـ)؛ كَمَا جَاءَ في مَجَلَّةِ "المُسْلِمُوْنَ".

وقَدْ ذَكَرَتْ مَجَلَّةُ "اللِّوَاءِ الإسْلامِيِّ" المِصْرِيَّةِ في عَدَدِ (شَوَّالٍ/ 1406هـ): أنَّ في مِصْرَ أرْبَعَةَ نَوَادٍ تُقَامُ بِهَا مُرَاهَنَاتُ سِبَاقِ الخَيْلِ، يَتَرَدَّدُ عَلَيْهَا أكْثَرُ مِنْ اثْنَي عَشَرَ ألْفَ مُرَاهِنٍ! يُنْفِقُوْنَ أكْثَرَ مِنْ أرْبُعْمَائَةِ ألْفِ جِنِيْهٍ شَهْرِيًّا، وأنَّ عَشَرَاتِ المِئَاتِ مِنَ الرِّجَالِ فَقَدُوا أمْوَالَهُم بَعْدَ إدْمَانِهِم على هَذَا الدَّاءِ؛ بَعْضُهُم بَاعَ مَتْجَرَهُ، وبَعْضُهُم رَاهَنَ بِمُرَتَّبِهِ، وحَرَمَ أوْلادَهُ، وبَعْضُهُم سَرَقَ لِيُرَاهِنَ... إلخ.

وسَبَبُ الحُرْمَةِ أنَّهَا لَعِبٌ، ومُخَاطَرَةٌ بالمَالِ بَيْنَ أكْثَرِ مِنْ طَرَفٍ؛ بِحَيْثُ إنَّ بَعْضَهُم كَاسِبٌ لا مَحَالَةَ، وبَعْضُهُم الآخَرُ خَاسِرٌ، وهَذَا هُوَ مَعْنَى القِمَارِ بِعَيْنِهِ!

ومِنْ ثَمَّ؛ فإنَّ الإسْلامَ أبَاحَ السِّبَاقَ بَيْنَ الخَيْلِ بِعِوَضٍ، لتَشْجِيْعِ المُتَسَابِقِيْنَ (لا المُتَرَاهِنِيْنَ المُشَاهِدِيْنَ!) على التَّدَرُّبِ على أعْمَالِ الفُرُوْسِيَّةِ والجِهَادِ، فَهَؤلاءِ المُتَرَاهِنُوْنَ مِنَ المُشَاهِدِيْنَ غَيْرُ مَقْصُوْدِيْنَ بِهَذا التَّشْجِيْعِ، فَكَانَ عَمَلُهُم مِنْ قَبِيْلِ القِمَارِ المَحْضِ.

وعَلَيْهِ كَانَ الرِّهَانُ على مِثْلِ هَذِهِ المُسَابَقَاتِ سَبَبًا مِنْ أسْبَابِ الفَسَادِ، وذَلِكَ بِتَعْوِيْدِ النَّفْسِ على الكَسَلِ، وانْتِظَارِ الرِّزْقِ مِنَ الطُّرُقِ الوَهْمِيَّةِ، فَضْلًا عَمَّا يُوْقِعُهُ مِنَ العَدَاوَةِ والبَغْضَاءِ بَيْنَ المُتَرَاهِنِيْنَ، مِمَّا جَعَلَ أكْثَرَ أطِبَّاءِ عِلْمِ النَّفْسِ في أكْثَرَ مِنْ عَاصِمَةٍ أورُوْبِيَّةٍ يُطَالِبُوْنَ بِضَرُوْرَةِ إلْغَاءِ المُرَاهَنَاتِ على سِبَاقِ الخَيْلِ، و(كُرَةِ القَدَمِ)، وقَالُوا: إنَّهَا سَبَبٌ في شَحْنِ الخَصْمِ بِدَوَافِعَ عُدْوَانِيَّةٍ تُجَاهَ مُشَجِّعِي الخَصْمِ الآخَرِ؛ حَيْثُ يَرْغَبُ كُلُّ مُشَاهِدٍ في فَوْزِ فَرِيْقِهِ؛ حَيْثُ يَفُوْزُ بالرِّهَانِ! وقَالُوا إنَّ الخَوْفَ على المَالِ الَّذِي تَمَّ الرِّهَانُ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلى تَوَتُّرٍ دَائِمٍ للإنْسَانِ، وتَوْلِيْدِ شُحْنَاتٍ عُدْوَانِيَّةٍ، مِمَّا يَدْفَعُ الإنْسَانَ عِنْدَ الخَسَارَةِ إلى لَحْظَةِ يَأسٍ، عِنْدَمَا يَجِدُ أنَّ مَالَهُ قَدْ ضَاعَ، وبالتَّالِي يُصْبِحُ مَيْسُوْرًا لَدِيْهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ انْتِقَامًا(5).

* * *

ومِنَ الجَدِيْرِ بالذِّكْرِ: أنَّ الأصْلَ في حَضِّ الإسْلامِ على الرِّياضَةِ: هُوَ أنْ يُبَاشِرَهَا المُسْلِمُ بِنَفْسِه، أو مَعَ غَيْرِهِ، لِتَحْصُلَ لَه القُوَّةُ المُأمُوْرُ بِهَا، والنَّاظِرُ في مُسَابَقَاتِ (كُرَةِ القَدَمِ) في أنْحَاءِ البِلادِ المُخْتَلِفَةِ، يُلاحِظُ أنَّ مَا قُلْنَاهُ قَلِيْلٌ مِنْ كَثِيْرٍ، ولَعَلَّ بَعْضَ الأصْوَاتِ الآثِمَةِ في بَعْضِ دُوَلِنا الإسْلامِيَّةِ الَّتِي تُطَالِبُ بإدْخَالِ نِظَامِ المُرَاهَنَاتِ على (كُرَةِ القَدَمِ)، كَحَلٍّ لظَاهِرَةِ الإفْلاسِ المَاليِّ للأنْدِيَةِ الرِّياضِيَّةِ تَعُوْدُ إلى رُشْدِهَا، وتَثُوْبَ عَنْ مُطَالَبَتِهَا.

* * *

وقَدْ طَالَبَ خُبَرُاءُ التَّرْبِيَةِ الرِّياضِيَّةِ البِرِيْطَانِيُّوْنَ أكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، بِضَرُوْرَةِ العُدُوْلِ عَنْ نِظَامِ المُرَاهَنَاتِ وإلْغَائِهِ؛ حَتَّى يُمْكِنَ القَضَاءُ على أحْدَاثِ الشَّغَبِ، الَّتِي أضْحَتْ سِمَةً ظَاهِرَةً في المَلاعِبِ البِرِيْطَانِيَّةِ، ولَمْ تَعُدْ مُبَارَاةٌ وَاحِدَةٌ تَمُرُّ دُوْنَ مُصَابٍ، وإنَّهُ مَعَ وُجُوْدِ نِظَامِ المُرَاهَنَاتِ يَزُوْلُ المُبْدَأُ الأسَاسِيُّ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ الرِّياضَةُ،: وهُوَ تَشْجِيْعُ الفَائِزِ، وتَمَنِّي الفَوْزَ السَّعِيْدَ للمَهْزُوْمِ في مُبَارَاةٍ قَادِمَةٍ، لِيَحُلَّ مَحَلَّه: تَبَادُلُ الشَّتَائِمِ، وقَذْفُ الحِجَارَةِ والكَرَاسِي، وضَرْبُ حُكَّامِ المُبَارَياتِ، وحَامِلِي الرَّايَاتِ(6).

وأخِيْرًا؛ فَلا شَكَّ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّهَانَاتِ الَّتِي تُقَامُ في (كُرَةِ القَدَمِ)، أو غَيْرِهَا مِنَ المُسَابَقَاتِ؛ لا يَخْفَى حُكْمُهَا عِنْدَ الجَمِيْعِ بأنَّهَا: حَرَامٌ شَرْعًا، كمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، كَمَا لا يَجُوْزُ فِعْلُهَا، أو التَّعَاوُنُ مَعَهَا سَوَاءٌ في حُضُوْرِهَا، أو نَشْرِهَا، أو التَّبَاهِي بِهَا!

كَما قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[المائدة: 2].

***

المَحْظُورُ التَّاسِعُ

كَشْفُ العَوْرَاتِ

قَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على تَحْرِيْمِ كُلِّ لِعْبَةٍ اشْتَمَلَتْ على مُحَرَّمٍ، مِثْلُ: القِمَارِ، والسَّبِّ، والعَدَاوَةِ، والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ الله... كَمَا اتَّفَقَ جَمْهُوْرُ أهْلِ العِلْمِ على تَحْرِيْمِ كَشْفِ العَوْرَاتِ مِنْ أفْخَاذٍ، ونَحْوِهَا.

لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يا جَرْهَدُ غَطِّ فَخِذَكَ، فإنَّ الفَخِذَ عَوْرَةٌ» أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (4014)، والتِّرمِذيُّ (2779)، وهُوَ صَحِيْحٌ، انْظُرْ "صَحِيْحَ الجَامِعِ" للألبَانيِّ (7906).

وقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَليٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ: «لا تَكْشِفْ فَخِذَكَ، ولا تَنْظُرْ فَخِذَ حَيٍّ، ولا مَيِّتٍ» أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (3140)، وهُوَ صَحِيْحٌ، انْظُرْ "صَحِيْحَ الجَامِعِ" للألبَانيِّ (7440).

قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله في "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (4/ 41): "ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الفَخِذَ عَوْرَةٌ اسْتِنَادًا إلى حَدِيْثِ عَلَيٍّ عَنْ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَكْشِفْ فَخِذَكَ، ولا تَنْظُرْ فَخِذَ حَيٍّ، ولا مَيِّتٍ»، فَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ، والرُّكْبَةِ...".

وقَالَ أيْضًا رَحِمَهُ الله في شَرْحِ هَذَا الحَدِيْثِ: "فَفِيْهِ تَحْرِيْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، والمَرْأةِ إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ، وهَذَا لا خِلافَ فِيْهِ، وكَذَلِكَ نَظَرُ الرَّجُلِ إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ، والمَرْأةِ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ حَرَامٌ بالإجْمَاعِ... وهَذَا التَّحْرِيْمُ في حَقِّ غَيْرِ الأزْوَاجِ، والسَّادَةِ... (ثُمَّ قَالَ): وكَذَلِك يَحْرُمُ على الرَّجُلِ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الأمْرَدِ إذا كَانَ حَسَنَ الصُّوْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ نَظَرُهُ بِشَهْوَةٍ، أم لا، سَوَاءٌ أمِنَ الفِتْنَةَ، أم خَافَهَا، هَذَا هُوَ المَذْهَبُ الصَّحِيْحُ المُخْتَارُ عِنْدَ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِيْنَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وحُذَّاقُ أصْحَابِهِ رَحِمَهُم الله تَعَالَى، ودَلِيْلُهُ: أنَّهُ في مَعْنَى المَرْأةِ، فإنَّهُ يُشْتَهَى كَمَا تُشْتَهَى، وصُوْرَتُه في الجَمَالِ كصُوْرَةِ المَرْأةِ؛ بَلْ رُبَّمَا كَانَ كَثِيْرٌ مِنْهُم أحْسَنَ صُوْرَةً مِنْ كَثِيْرٍ مِنَ النِّسَاءِ؛ بَلْ هُمْ في التَّحْرِيْمِ أوْلَى لِمَعْنًى آخَرَ، وهُوَ يَتَمَكَّنُ في حَقَّهِم مِنْ طَرْقِ الشَّرِّ مَا لا يَتَمَكَّنُ مِنْ مِثْلِهِ في حَقِّ المَرْأةِ، والله أعْلَمُ" انْتَهَى.

* * *

أمَّا النَّظَرُ إلى الشَّابِ الأمْرَدِ، فَقَدْ أجْمَعَ العُلَمَاءُ رَحِمَهُم الله على تَحْرِيْمِ النَّظَرِ إلى الأمْرَدِ إذَا اقْتَرَنَتِ الشَّهْوَةُ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ.

قَالَ الرَّمْلِيُّ رَحِمَهُ الله في "نِهايَةِ المُحْتَاجِ" (6/ 188): "ويُحْرُمُ نَظَرُ أمْرَدٍ بِشَهْوَةٍ إجْمَاعًا".

وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: "النَّظَرُ إلى المُرْدَانِ ثَلاثَةُ أقْسَامٍ:

أحَدُهَا: مَا تَقْتَرِنُ بِه الشَّهْوَةُ فَهُوَ مُحَرَّمُ بالاتِّفَاقَ.

والثَّاني مِنَ الأقْسَامِ الثَّلاثَةِ -كَمَا ذَكَرَه شَيخُ الإسْلامِ-: مَا يُجْزَمُ أنَّهُ لا شَهْوَةَ مَعَهُ، كَنَظَرِ الرَّجُلِ الوَرِعِ إلى ابْنِهِ الحَسَنِ، وابْنَتِهِ، وأمِّهِ الحَسَنَةِ، فَهَذَا لا يَقْتَرِنُ بِهِ شَهْوَةٌ إلاَّ أنْ يَكُوْنَ الرَّجُلُ مِنْ أفْجَرِ النَّاسِ، ومَتَى اقْتَرَنَ بِهِ الشَّهْوَةُ حَرُمَ» انْتَهَى. انْظُرْ "حِجَابَ المَرْأةِ ولِبَاسِهَا في الصَّلاةِ" لابنِ تَيْمِيَّةَ (26).

وإنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ العُلَمَاءِ في القِسْمِ الثَّالِثِ مِنَ النَّظَرِ: وهُوَ النَّظَرُ إلَيْهِ بغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لكِنْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا، انْظُرْ: "حَاشِيَةَ ابنِ عَابِدِيْنَ" (5/ 233).

* * *

ومَنْ سَبَرَ النَّوَادِيَ الرِّياضِيَّةَ بِعَامَّةٍ؛ عَلِمَ يَقِيْنًا أنَّ وُجُوْدَ المُرْدَانِ، ومُخَنَّثِي اللَّاعِبِيْنَ في هَذِهِ النَّوَادِي لَيْسَ بالقَلِيْلِ؛ سَوَاءٌ كَانَ وُجُوْدُهُم بَيْنَ اللَّاعِبِيْنَ، أمِ المُشَجِّعِيْنَ؛ بَلْ أصْبَحَ وُجُوْدُهُم ظَاهِرَةً مَكْشُوْفَةً مُسْتَرْذَلَةً هُنَا وهُنَاكَ!

هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ بَعْضَ المَجَلَّاتِ الرِّيَاضِيَّةِ لَمْ تَفْتَأ تَتَكَلَّفُ وَضْعَ صُوَرِ المُرْدَانِ، ومُخَنَّثِي لاعِبِيِّ (كُرَةِ القَدَمِ) على أغْلِفَتِهَا، بِشَكْلٍ جَذَّابٍ، مِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ، ويَجْلِبُ الشَّكَ: مِمَّا كَانَ نَفَقًا خَبِيْثًا لِحَمْلِ صُوْرَتِهِ بَيْنَ بَعْضِ مُرِيْدَاتِ الرِّياضَةِ! ومِثْلُ هَذِهِ الفِعْلَةِ مِنْ هَذِهِ المَجَلَّاتِ الخَلِيْعَةِ يُعَدُّ في حَقِيقَتِهِ نَشْرًا للرَّذِيْلَةِ والفَسَادِ؛ باسِمْ: التَّعْرِيْفِ باللَّاعِبِيْنَ!

وعلى مَا ذَكَرْنَاه؛ فلا شكَّ أنَّ (كُرَةَ القَدَمِ) حِيْنَئِذٍ حَرَامٌ؛ لِمَا فِيْهَا مِنْ كَشْفِ العَوْرَاتِ، وبُدُوِّ أنْصَافِ الفُخُوْذِ، وهَذَا مُشَاهَدٌ في أكْثَرِ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) حِسًّا ووَاقِعًا؛ في حِيْنِ أنَّ كَثِيْرًا مِنَ اللَّاعِبِيْنَ قَدْ تَنْكَشِفُ عَوْرَاتُهُم المُغَلَّظَةُ حَالَ سُقُوْطِهِم على الأرْضِ، وذَلِكَ حِيْنَمَا تَتَسَابَقُ (الكَمِيْرَاتُ) المَرْذُوْلةُ إلى إلْقَاءِ الضَّوْءِ والتَّصْوِيْرِ على دَوَاخِلِ عَوْرَةِ اللَّاعِبِ مِمَّا يَسْتَحِي العَاقِلُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، فَحَسْبُنا الله، ونِعْمَ الوَكِيْلُ!

* * *

والحَالَةُ هَذِه؛ فَلا نَنْسَى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ عِنْدَ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) مِمَّا فَرَضَتْهُ القَوَانِيْنُ الكَافِرَةُ، بَلْ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ المُحَرَّمَاتِ الَّتي فَرَضَتْهَا القَوَانِيْنُ الدُّوَلِيَّةُ على كَثِيْرٍ مِنَ الألْعَابِ الرِّياضِيَّةِ، سَوَاءٌ في: كَشْفِ العَوْرَاتِ، أو تَجْسِيْمِهَا أو غَيْرِ ذَلِكَ.

فَفي مُسَابَقَاتِ ألْعَابِ القُوَى، والجِمْبَازِ، والسِّبَاحَةِ، والمُصَارَعَةِ يَظْهَرُ المُتَسَابِقُوْنَ بِلِبَاسٍ كَاشِفٍ للعَوْرَةِ، ومُجَسِّمًا لعَوْرَاتِهِم المُغَلَّظَةِ: بِشَكْلٍ مُزْرٍ فَاضِحٍ، أو قُلْ شِبْهَ عَارٍ!

***

المَحْظُورُ العَّاشِرُ

نَظُرُ النِّسَاءِ إلى اللَّاعِبِيْنَ؛ لاسِيَّمَا وأنَّهُم شِبْهُ عُرَاةٍ

أمَّا نَظَرُ المَرْأةِ إلى الرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ، فَقَدْ اتِّفَقَ العُلَمَاءُ رَحِمَهُم الله على تَحْرِيْمِ نَظَرِ المَرْأةِ إلى الرَّجُلِ إذَا كَانَ هَذَا النَّظَرُ مُقْتَرِنًا بالشَّهْوَةِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله في "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (6/ 184): "وأمَّا نَظَرُ المَرْأةِ إلى وَجْهِ الرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بالاتِّفَاقِ" انْتَهَى.

أمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ نَظَرُ المَرْأةِ إلى الرَّجُلِ مُقْتَرِنًا بالشَّهْوَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في جَوَازِه إلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: الجَوَازُ، وبِه قَالَ الحَنَفيةُ، والمَالِكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ. وجَعَلَهُ الحَنَفيةُ والحَنَابِلَةُ مَحْدُوْدًا بالنَّظَرِ إلى مَا سِوَى العَوْرَةِ.

وحَدَّهُ المَالِكِيَّةُ؛ بالوَجْهِ والأطْرَافِ، وهُوَ مَا يَجُوْزُ للرَّجُلِ أنْ يَنْظُرَهُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، وهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ(7).

أمَّا وَقَدْ عَلِمْنا أنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدْ حَرَّمُوا نَظَرَ المَرْأةِ إلى الرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ فِيْمَا دُوْنَ السُّرَّةِ، والرُّكْبَتَيْنِ؛ إلَّا أنَّ نَظَرَ المَرْأةِ في لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) أثْنَاءَ لِعْبِهِم: يُعْتَبَرٌ مُحَرَّمًا، ودِيَاثةً مَعًا، لأمُوْرِ:

الأوَّلُ: مِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) لا يَسْتُرُوْنَ أفْخَاذَهُم، وهَذَا في ذَاتِهِ مُحَرَّمٌ، كَمَا أنَّه يَحْرُمُ على الرِّجَالِ أنْ يَنْظُرُوْا إلَيْهِم وهُمَ على هَذِهِ الحَالَةِ؛ فَضْلًا أنْ تَنْظُرَ المَرْأَةُ إلى أفْخَاذِهِم، فالتَّحْرِيْمُ هُنَا مِنْ بَابِ أوْلَى!

الثَّانِي: أنَّ نَظَرَ النِّسَاءِ في لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) غَالبًا يَكُوْنُ عَنْ شَهْوَةٍ، لا سِيَّمَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ اللَّاعِبَ غَالبًا مَا يَتَصَنَّعُ الجَمَالَ: في شَعْرِهِ، ولِبْسِهِ، وحَرَكاتِهِ، مَعَ مَا هُنَالِكَ مِنْ ظُهُوْرِ العَوْرَةِ المُغَلَّظَةِ (السَوْءتَيْنِ)، وذَلِكَ عِنْدَ تَسْلِيْطِ، وتَرْكِيْزِ (الكامِيْرَا) على سَوْءةِ اللَّاعِبِ أثْنَاءِ سُقُوْطِهِ!

الثَّالِثُ: أنَّ نَظَرَ النِّسَاءِ في لاعِبِي (كُرَةِ القَدَمِ) لَيْسَ نَظَرًا عَابِرًا: كَنَظَرِ البَيْعِ، والمُعَامَلَةِ... بَلْ نَظَرَ تَمَعُّنٍ وتَفَكُّرٍ، ورُبَّما أوْصَلَهَا حُبُّهَا للفَرِيْقِ إلى: حُبِّ اللَّاعِبِ ضَرُوْرَةً؛ وإلَّا كَانَ هَذَا ضَرْبًا مِنَ الخَيَالِ.

والدَّلِيْلُ على هَذَا: مَا يَتَنَاقَلُه النِّسَاءُ في خَاصَّةِ أنْفُسِهِنَّ، لا سِيَّمَا في المُؤسَّسَاتِ التَّعْلِيْمِيَّةِ، أو عَبْرَ لِقَاءاتِهنَّ المَسْمُوْعَةِ، أو المَرْئِيَّةِ، أو المَكْتُوْبَةِ.

ومَنْ ألْقَى سَمْعَهُ، ولَوْ مَرَّةً عَبْرَ المِذْيَاعِ عَرَفَ حَقِيْقَةَ مَا أقُوْلُ، فَدُوْنَكَ مَا يَقُوْلُهُ مُذِيْعُ البَرْنَامِجِ (التِّيْسُ المُسْتَعَارُ) وهُوَ يُخَاطِبُ الفَتَاةَ: عَنْ لاعِبِهَا المُفَضَّلِ (الجَمِيْلِ!)؟ وعَنْ أغْنِيَتِهَا الَّتِي سَتَهْدِيْهَا لِهَذَا اللَّاعِبِ؟! إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوَقَاحَةِ النَّكِدَةِ، والدِّياثَةِ المُبْتَذَلَةِ(8).

 

 

([1]) انْظُرْ هَذِهِ الإجْمَاعاتِ وغَيْرَهَا مِنْ مَباحِثِ الحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أنْزَلَ اللهُ في كِتَابِ «الحُكْمِ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللهُ» لشَيْخِنا عَبْدِ الرَّحمنِ المَحْمُودِ، فَكتابُهُ هَذا مِنْ أجْمَعِ مَنْ تَكَلَّمَ عَنْ هَذِهِ المَسأَلَةِ الخَطِيْرَةِ، مَعَ بَيَانِ أحْوَالِهَا، وأحْكَامِهَا مِنْ خِلالِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَنْزِيلِهَا على الوَاقِعِ .

([2]) انْظُرْ : «أضْوَاءَ البَيانِ» للأمِيْنِ الشِّنْقِيطيِّ (4/ 92) .

([3]) يَنْطَبِقُ هَذَا الحُكْمُ على كُلِّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ .

([4]) انْظُرْ : مَجلَّةَ «المُسْلِمُوْنَ» في عَدَدِهَا (124) بتَارِيْخِ (30 شوال/ 1407) .

([5]) انْظُرْ : مَجلَّةَ «المُسْلِمُوْنَ» في عَدَدِهَا (124) و«الفُرُوسِيَّةَ» لابنِ القَيِّمِ (371) حَاشِيَةَ (1) لمَشْهُورِ بنِ حَسَنَ .

([6]) انْظُرْ : مَجلَّةَ «المُسْلِمُوْنَ» في عَدَدِهَا (124)، و«القَوْلَ المُبِينَ» لمَشْهُورِ بنِ حَسَنَ (333) .

([7]) انْظُرْ : «المُغْني» لابنِ قُدَامَةَ (6/ 563)، و«المَبْسُوطَ» للسَّرخَسِيِّ (10/ 148)، و«الإنْصَافَ» للمَرْدَاوِيِّ (8/ 25)، و«كَشَّافَ القِنَاعِ» للبُهُوتيِّ (5/ 14) .

([8]) سَيَأتي بَعْضُ هَذِهِ المُطَالَبَاتِ النِّسَائِيَّةِ في أوْحَالِ الرِّيَاضَةِ عِنْدَ : المَحْظُوْرِ السَّادِسِ والثَّلاثِيْنَ، وهُوَ مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ في (كُرَةِ القَدَمِ) .

 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 8 )
 الزيارات الفريدة: ( 2208504)