مقدمة
عدد مرات القراءة: 679112

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ لله رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ، الَّذِي تَفَرَّدَ بدَوَامِ الحَيَاةِ والبَقَاءِ، وحَكَمَ على خَلْقِهِ بالمَوْتِ والفَنَاءِ، وخَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ للابْتِلاءِ، أحمَدُهُ على سَوَابِغِ النِّعَمِ وضَوَافي الآلَاءِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أفْضَلِ الرُّسُلِ والأنْبِيَاءِ، وعلى آلِهِ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ، وأزْوَاجِهِ الطَّهَرَةِ الأنْقِيَاءِ، وأصْحَابِهِ البَرَرَةِ الأتْقِيَاءِ، وعلى مَنْ تَبِعَهُم مِنَ الصَّفْوَةِ الأوْلِيَاءِ، إلى يَوْمِ الحَشْرِ واللِّقَاءِ.

- أمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ بَعْضُ مَهَاجِمِ القِلْبِ، وأُلْقِيَاتِ الفُؤادِ، ممَّا قَدْ يَرْتَجِلُهَا الابْنُ عِنْدَ فَقْدِ أمِّهِ وأبِيْهِ، والصَّاحِبُ عِنْدَ فِرَاقِ خَلِيْلِهِ وأخِيْهِ، والتَّلْمِيْذُ عِنْدَ مُصَابِ شَيْخِهِ ومُرَبِّيْهِ... إنَّها عُصَارَةُ قَلْبٍ رَقْرَاقَةٌ، ودَمَعَاتُ عَيْنٍ مِهْرَاقَةٌ، كَانَ صَعْبًا على المُصَابِ حَبْسُهَا بَلْهَ تَأخِيْرُهَا، فَهِي غَلَّابَةٌ قَلَّابَةٌ، بَلْ إخَالُهَا مُغِيْرَةً مُثِيْرَةً، يَضْعَفُ اللَّبِيْبُ عَنْ قِيَادِهَا، والحَازِمُ عَنْ لِجَامِهَا...!

* * *

- إنَّها أحَاسِيْسُ سَاكِنَةٌ، ومَطَاوٍ كَامِنَةٌ، يَعْجَزُ اللِّسَانُ عَنْ ذِكْرِهَا، وتَضِيْقُ القَوَافي عَنْ وَصْفِهَا!

إنَّها حُبَاسَاتُ صَدْرٍ، وخَافِيَاتُ فِكْرٍ... لا هَمَسَاتٌ فتُسْمَعُ، ولا رَكَزَاتٌ فتُحَسُّ... حَتَّى إذا طَرَبَهَا البَشِيْرُ أو رَابَهَا النَّذِيْرُ، جَلْجَلَتْ في صَكَّةٍ، وهَمْلَجَتْ في رَكَّةٍ، وثَارَتْ بخَيْلِهَا وأقْبَلَتْ برَجْلِهَا؛ لتَخْرُجَ بَعْدَ احْتِبَاسٍ، ولتَسْتَبِيْنَ بَعْدَ الْتِبَاسٍ، فحِيْنَئِذٍ لا يَسَعُهَا إلَّا فَلَتَاتُ لِسَانِ المُصَابِ، أو صَرِيْفُ القَلَمِ في بَيَاضِ الصُحُفِ، أو أخْطَاطُ رِيَاضِ الكُتُبِ!

* * *

- حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ على سُوْقِهَا، وخَرَجَتْ مِنْ ضِيْقِهَا؛ نَظَرَ إلَيْهَا المُصَابُ نَظْرَةَ الحَائِرِ، ووَقَفَ عَلَيْهَا وَقْفَةَ السَّادِرِ، مُتَّهِمًا نَفْسَهُ في ذِكْرِهَا أو فِكْرِهَا، ظَانًّا بقَلَمِهِ في شِعْرِهَا أو نَثْرِهَا، ولَوْ أقْسَمَ بالله أنَّ لِسَانَهُ لم يَحُطَّهَا، وأنَّ بَنَانَهُ لم يَخُطَّهَا لما حَنِثَ ولا أثِمَ!

فَكَأنَّهُ مِنْ هَوْلِ السَّكْرَةِ، وهُيَامِ الفِكْرَةِ: مُقَادٌ لا قَائِدٌ، وسَامِعٌ لا مُتَكَلِّمٌ؛ حَتَّى إذَا غَالَبَ نَفْسَهُ، وقَارَبَ رَأسَهُ، عَرَفَ مَا هُنَا، وعَلِمَ أنَّ مَا كُتِبَ في نَثْرٍ، أو نُظِمَ في شِعْرٍ، كَانَ قَدَرًا مَقْدُوْرًا، وشَيْئًا مَسْطُوْرًا!

ومَهْمَا اتَّهَمَ أو ظَنَّ؛ فإنْ أحْسَنَ فِيْما سَطَّرَ وحَبَّرَ بَعْدَ صَبْرٍ وتَرْجِيْعٍ، فلْيَحْمَدِ الله تَعَالى، وإنْ كَانَتِ الأخْرَى فَلا يَلُوْمَنَّ إلَّا نَفْسَهُ، والله غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ.

* * *

- وسَوْقًا بَعْدَ تَسْوِيْقٍ؛ فإنِّي أقِفُ بنَفْسِي هُنَا طَالِبًا مِنَ الخَالِقِ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ، ومِنَ الخَلْقِ الصَّفْحَ والمَعْذِرَةَ: فإنَّني مَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الوَرَقَاتِ المُقْتَضَبَاتِ في سِيْرَةِ هَؤلاءِ الأئِمَّةِ الأعْلامِ، إلَّا بِرًّا لهُم، وحَقًّا إلَيْهِم، بَيْدَهَا نُصْرَةً للحَقِّ في أهْلِهِ، وإغَاضَةً للبَاطِلِ في أهْلِهِ، وتَسْلِيَةً لرُوَّامِ العِلْمِ، وتَذْكِرَةً لمؤرِّخِي الأمَمِ.

كَمَا أنَّني أبْدِي وأعِيْدُ؛ بأنَّ ذِكْرِي هُنَا لسَيَرِ هَؤلاءِ الأعْلامِ لَيْسَ مِنْ مَآتي الإحَاطَةِ، بَلْ مِنْ نُثَارِ اللُّقَاطَةِ، فَهِيَ شَذَرَاتٌ في نَظَرَاتٍ، ومُقْتَطَفَاتٌ في فَقَرَاتٍ، جَرَّهَا القَلَمُ في بَيَانٍ، ومَدَّتْهَا الذِّكْرَى بَعْدَ نِسْيَانٍ.

لِذَا لم أتَكَلَّفْ التَّوَسُّعَ في ذَاكِرَاتِ سِيَرِ هَؤلاءِ الأعْلامِ جَمْعًا وتَرْتِيْبًا، وَضْعًا وتَبْوِيْبًا؛ بَلْ أجْرَيْتُ القَلَمَ تَقْيِيْدًا لأعَالِيْقِ الذَّاكِرَاتِ، وتَصْيِيْدًا لعُصُمِ المَغَارَاتِ، لَيْسَ إلَّا.

* * *

- وكُنْتُ مُسْتَنًّا في تَرْسِيْمِ هَذِهِ الشَّذَرَاتِ المُخْتَصَرَاتِ بمَنْ سَلَفَ وغَبَرَ مِنْ أئِمَّةِ التَّارِيْخِ والسِّيَرِ والتَّراجِمِ في تَنْقِيْطِ سِيَرِ الأعْلامِ، فَكَمْ عِنْدَهُم مِنْ إمَامٍ وهُمَامٍ قَدْ أخَذُوا سِيْرَتَهُ في صَفَحَاتٍ، ورُبَّما في وَرَقَاتٍ، لكِنَّهَا آتِيَةٌ بِمَا للإمَامِ مِنْ جُمَلٍ شَافِيَةٍ، وأخْبَارٍ كَافِيَةٍ، فَكَانَ الخَيْرُ فِيْهَا والائْتِمامُ بِها، ومَنْ أرَادَ تَفْصِيلًا (عِنْدَهُم) لمَسِيْرَاتِ الإمَامِ أو تَكْمِيْلًا لمُتَمِّمَاتِ هَذَا الهُمَامِ، فَدُوْنَهُ المَبْسُوْطَاتِ مِنْ أمَّاتِ كُتُبِ السِّيَرِ والطِّبَاقِ، ففِيْهَا مَا يَرْوِي الغَلِيْلَ، ويَشْفِي العَلِيْلَ(1)، والله وَليُّ المُتَّقِيْنَ!

* * *

- وبَعْدُ؛ فَهَذِهِ مَسَايِرُ عَاطِرَةٌ، وتَرَاجِمُ خَاطِرَةٌ، كَتَبْتُهَا ارْتِجَالًا، واخْتَطْتُهَا حَالًا، ولم أتَحَقَّقْ في بَادِيَاتِهَا، ولم أدَقِّقْ في خَاتَماتِهَا، بَلْ سُقْتُهَا بعُصِيِّ الذِّكْرَى، وتَرَكْتُهَا كعُمَّى الثُّكْلَى... هَكَذَا لتَبْقَى غَادَةً رَائِقَةً، وعَذْرَاءَ فَائِقَةً، دُوْنَ مَسٍّ لِيَدٍ، أو هَمْسٍ لِقَدٍ، فَلَمْ تُفَضْ بَكَارَتُهَا ولم تُكْشَفْ مُخَدَّرَاتُهَا... إنَّها سِيِرٌ سَائِرَةٌ بِلا تَكَلُّفٍ، وكَلِمَاتٌ مُسَطَّرَةٌ بِلا كَلَفٍ.

* * *

- وأخِيْرًا؛ فَهَؤلاءِ ثَلاثَةُ أعْلامٍ أفَاضِلَ، هَجَمَتْ سِيَرُهُم على قَلَمِي، وتَفَجَّرَتْ تَرَاجِمُهُم بكَلِمِي، دُوْنَ اسْتِئذَانٍ أو أوَانٍ، بَلْ جَادَتْ بِها القَرِيْحَةُ عَفْوًا، وفَاضَتْ بِها المَدِيْحَةُ قَفْوًا، حُبًّا لهُم، وبِرًّا بِهِم... ومَا أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِيْنَ، ولَسْتُ مِنَ المُؤرِّخِيْنَ، اللَّهُمَّ بَقَايَا مِنْ ذِكْرَى الفِكْرِ، ونَقَايَا مِنْ أحَادِيْثِ الصَّدْرِ، ولملَماتٍ مِنْ هُنَا وهُنَاكَ... فأقْبَلَتْ في خُطَاهَا لتَحْكِي انْتِظَامَ العِقْدِ، واسْتَقَامَتْ في نَصِّهَا لتُسَامِي قِوَامَ القَدِّ، فللَّهِ مِنِّي الشُّكْرُ والحَمْدُ!

- فَكَانَ مِنْهُم اليَوْمَ؛ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدٌ العُثَيْمِيْنُ، والشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُجَاهِدُ حُمُوْدٌ العُقْلاءُ، وشَيْخُنَا العَلَّامَةُ البَلِيْغُ بَكْرٌ أبو زَيْدٍ، رَحِمَهُمُ الله تَعَالى جَمِيْعًا.

- وسَيَكُوْنُ مِنْهُم قَرِيْبًا إنْ شَاءَ الله: شَيْخُنَا العَلَّامَةُ الحُجَّةُ عَبْدُ العَزِيْزِ ابنُ بَازٍ، وشَيْخُنَا العَلَّامَةُ الفَقِيْهُ المُؤرِّخُ عَبْدُ الله البَسَّامُ، ومُحَدِّثُ العَصْرِ شَامَةُ الشَّامِ مُحْي السُّنَّةِ نَاصِرُ الدِّيْنِ الألْبَانيُّ، وشَيْخُ العَرَبِيَّةِ العَلَّامَةُ المُحَقِّقُ مَحْمُوْدُ شَاكِرٍ المِصْرِيُّ رَحِمَهُمُ الله تَعَالى، في غَيْرِهِم مِنَ الأحْيَاءِ؛ لاسِيَّما وَالدُنَا العَلَّامَةُ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ عَبْدُ الله ابنُ عَقِيْلٍ، ووَالِدُنَا العَلَّامَةُ الفَقِيْهُ العَامِلُ عَبْدُ الله الجِبْرِيْنُ، والله الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ.

* * *

- وقَدْ مَدَدْتُ لمَنَائِحِ هَذِهِ التَّرَاجِمِ حَبْلًا مَوْصُوْلًا في كَرَائِمَ ثَلاثٍ، وقَبْلَهَا مُقَدِّمَةٌ، وبَعْدَهَا تَوْطِئَةٌ، كَمَا يَلي:

- المُقَدِّمَةُ، والتَّوْطِئَةُ.

- الكَرِيْمَةُ الأوْلى: شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدٌ بنُ عُثَيْمِيْنَ رَحِمَهُ الله.

- الكَرِيْمَةُ الثَّانِيَةُ: شَيْخُ الطَّبَقَةِ حُمُوْدٌ العُقْلاءُ رَحِمَهُ الله.

- الكَرِيْمَةُ الثَّالِثَةُ: شَيْخُ العُلَماءِ وبَلِيْغُ الأدَبَاءِ بَكْرٌ أبو زَيْدٍ رَحِمَهُ الله.

والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِه ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ

وكَتبَهُ:

ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي

لَيْلَةَ الاثْنِيْنَ لخَمْسٍ بَقِيْنَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ لعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةٍ وتِسْعَةٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ على صَاحِبِهَا أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيْمِ

(25/ 2/ 1429)


 

([1]) أي : عِلَّةُ النَّهَمِ العِلْمِيِّ.

العنوان: كرائم التراجم كاملا العداد: 6 الحجم: 1.67MB
العنوان: كرائم التراجم كاملا العداد: 54 الحجم: 768.00KB
 
اسمك :  
نص التعليق : 
      
 
 
 

 
 
 اشتراك
 انسحاب
اشتراك
انسحاب
 المتواجدون حاليا: ( 10 )
 الزيارات الفريدة: ( 1812104)